المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902988
يتصفح الموقع حاليا : 360

البحث

البحث

عرض المادة

موقفة الرافضة من كلام الله و رؤية الله و أسماء الله

موقفة الرافضة من كلام الله و رؤية الله و أسماء الله

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

كنا توقفنا في مدارسة كتاب أصول مذهب الشيعة إلى موقف الشيعة من قضايا التوحيد وقضايا العقيدة، أو قضايا الأسماء والصفات بالذات. فآخر ما كنا ناقشناه مسألة وجود التجسيم عند بعض من نسب إلى الشيعة، وقد تزعمه -يعني- هشام، كما ذكرنا ذلك من قبل بالتفصيل: هشام بن الحكم.

ثم المبحث الثاني يتعلق بقضية التعطيل، تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته. فبعد الغلو في الإثبات بدأ المذهب في أواخر المئة الثالثة يتغير، حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل الباري سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وكثر الاتجاه إلى التعطيل عندهم في المئة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه، كالموسوي الملقب الشريف المرتضى وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة، وكثير مما كتبوه في ذلك منقول عن المعتزلة نقل المسطرة.

وكذلك ما يذكرونه في تفسير القرآن الكريم في آيات الصفات والقدر هو كله منقول من تفاسير المعتزلة، ولهذا لا يكاد القارئ لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقًا.

فالعقل كما يزعمون هو عمدتهم فيما ذهبوا إليه، والمسائل التي يقررها المعتزلة في هذا الباب أخذ بها شيوخ الشيعة المتأخرون، كمسألة خلق القرآن، ونفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وإنكار الصفات، بل إن الشبهات التي يثيرها المعتزلة في هذا هي هي الشبهات التي يثيرها شيوخ الشيعة المتأخرون.

طبعًا تلاحظون كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي هو منهاج السنة النبوية بالرد على الشيعة والقدرية، له اسم ثانٍ. اسم الكتاب عند شيخ الإسلام يسمى أحيانًا كتاب منهاج الاعتدال بالرد على أهل الرفض والاعتزال، لأن هناك علاقة وشيجة بين الرافضة وبين المعتزلة، خاصة في أبواب التوحيد وأبواب الأسماء والصفات والعقائد. هم صدى لضلالات المعتزلة، فدائمًا ما يقترن الرافضة بالمعتزلة في ضلالاتهم.

لكن الفرق الذي يلمسه الإنسان إذا درس هذه المسائل هو أن الشيعة أسندوا روايات إلى الأئمة تصرح بنفي الصفات والتعطيل، مع أنهم -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- قد أسسوا دينهم على أن باب التوحيد والصفات لا يتبع فيه ما رأوه بقياس عقولهم.

هذا الوصف نلمسه في طريقة احتجاجهم على مذهبهم في التعطيل، حيث اعتمدوا المنهج العقلي الكلامي للبحث في صفات الله تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا المنهج الكلامي مخالف للمنهج الشرعي والعلمي والعقلي، لأن صفات الله تبارك وتعالى هي من الغيب الذي يتوقف العلم به على الكتاب والسنة، وقضية الأسماء والصفات من قضايا الغيب التي لا مجال للعقل فيها، وإنما هي تتلقى بالتلقي عن طريق الوحي، يعني يتعرف الله إلى خلقه بأسمائه وصفاته، فيجب أن يؤمنوا بها على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى.

أيضًا مع اعتمادهم الدليل العقلي كمنهج أهل الاعتزال، فإنك تلاحظ أنهم جاؤوا بروايات كثيرة عن الأئمة يسندون بها مذهبهم في التعطيل، ويفترون على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبعض علماء أهل البيت، كمحمد الباقر وجعفر الصادق، بأنهم يقولون بالتعطيل.

بل اعتبر بعض شيوخهم المعاصرين أن هذا هو عمدتهم في نفي الصفات، بيدعوا أن نفي الصفات هم مش أخذوه من المعتزلة، لا، ده شيء عمدة في مذهبهم بناء على موقف أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. حيث يقول أحد شيوخهم المعاصرين، وهو الزنجاني في عقائد الإمامية الاثني عشرية، يقول: هل يبقى مجال للبحث عن الصفات؟ وهل له طريق إلا الإذعان بكلمة أمير المؤمنين رضي الله عنه: كمال الإخلاص نفي الصفات عنه. كمال الإخلاص لله سبحانه وتعالى أن تنفي عنه صفاته.

وكما نوهنا من قبل، قضية الصفات... يعني بعض الناس لهم حساسية عندما تذكر قضايا الأسماء والصفات، نتيجة أن بعض السلف يتناولونها بطريقة فيها نظر. فقضية الأسماء والصفات دي ركن ركين في عقيدة المسلم، ولا أدل على ذلك من أن السورة التي وصفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها تعدل ثلث القرآن هي سورة الإخلاص: قل هو الله أحد. ليس فيها لا أمر ولا نهي ولا حلال ولا حرام، لا، هي محض صفات لله عز وجل.

ولذلك الصحابي الذي كان يقرأ بها دومًا في كل صلواته، واشتكى ذلك المأمومون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسأله عن السبب، قال: إني أحبها لأن بها صفة الرب، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة، أو كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بل أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي. لماذا آية الكرسي؟ لأن بعض الناس تقول: قضايا الأسماء والصفات دي قضايا نظرية، خلينا ننشغل بما تحته عمل، هذه قضايا تفرق المسلمين. جهلًا منهم طبعًا بأصول الدين، لأن ما من فرقة ضالة إلا وتعتبر قضية الأسماء والصفات أهم أصول الدين، حتى الفرق الضالة، لكن هم يضلون في كيفية التعامل مع نصوصها. لكن الكل متفق. ما فيش غير أفراخ هذا العصر الذين خرجوا بهذا الكلام الجاهل الذي فيه تحقير لقضية الصفات.

كفر النصارى هل كان إلا من طريق إلحادهم في الأسماء والصفات ونسبة الله عز وجل إلى ما لا يليق به؟ كفر اليهود أليس سبب كفرهم أيضًا وقوعهم في مصيبة التجسيم وافترائهم على الله ما لا يليق به؟ فموضوع الأسماء والصفات أن تعرف الله، كما في الحديث: إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وفي بعض الروايات: فإذا هم عرفوا الله. فمعرفة الله سبحانه وتعالى شيء مهم جدًا في قضايا العقيدة.

الملاحظة على بعض الإخوة السلفيين حينما يتناولون قضايا العقيدة، دائمًا يتمحورون حول ضوابط العقيدة. تجد كل كلامهم في قضية الأسماء والصفات يدور حول ضوابط العقيدة، اللي هي الكلام مثلًا: تماثل الأسماء لا يقتضي تماثل المسميات، والتأويل وضوابطه، وكذا، كل هذه الأشياء. فدائمًا التمحور حول قضية العقيدة من ناحية واحدة فقط: قضية الإثبات والتعطيل، والرد على الضلال في هذه المسألة، لكن قد يكون أحيانًا على حساب العقيدة المقصودة لذاتها.

يعني ونوهنا لهذا مرارًا، حتى كتب العقيدة التي ندرسها كشرح الطحاوية وغيرها من الكتب المماثلة، هي تتمحور حول إيه؟ قضايا العقيدة. الكتب دي بتتناول المسائل التي شذت فيها الفرق الضالة، تتناول المسائل التي شذت فيها الفرق الضالة، فهي عملية إعلان موقف أهل السنة في كل قضية من هذه القضايا، لكنها لا تستوعب كل مسائل العقيدة.

واضح؟ دي إعلان موقف: أن أهل السنة يرون في القضية الفلانية كذا، وفي القضية الفلانية كذا. فكتب العقيدة، مثلًا العقيدة الواسطية وشرح الطحاوية ومعارج القبول، غالب مباحثها تدور حول المواقف التي ضل فيها أهل البدع، فيعلنون فيها موقف أهل السنة ويردون على افتراءات أهل البدع. لكن العقيدة نفسها هي ما جاء في الكتاب والسنة، أن تستوعب أدلة القرآن والسنة في كل قضية، وبالتالي هذا هو تشكيل العقيدة بالنسبة للمسلم، ولا تنحصر فقط في تناول قضية الأسماء والصفات بالضوابط المعروفة لضبط منهج السلف وبيان اختلافه عن مناهج الفرق الضالة.

فهذه نقطة مهمة جدًا. يعني العقيدة بتفاصيلها تستوعب من الكتاب والسنة. فضوابط العقيدة -كما قلنا مرارًا- أن الإنسان كما أنه محتاج إلى الهداية إلى الطريق، هو محتاج بعد ذلك إلى هداية في الطريق. إذا كانت الأديان تشكل منعطفًا أو تقاطع طرق: إسلام، نصرانية، بوذية، يهودية، وهكذا، فالإنسان حينما يقف في تقاطع الطرق يحتاج أولًا إلى أن يحدد الطريق الصحيح كي يسلكه. لو هو رايح مرسى مطروح أو دمياط مثلًا أو القاهرة، فإذا سلك طريقًا خطأ لا شك أن هذا بعد كبير جدًا عما يقصده. لكن إذا حدد هو مسافر القاهرة، فاختار الطريق، هنا هداية إلى الطريق الذي يوصله إلى هدفه.

وكل مسلم هدفه الوصول إلى الجنة. واضح؟ طيب، هل بمجرد أن الإنسان يسلك الطريق، حدد الطريق اللي هو الإسلام، هل إذا اختار الطريق ضمن النجاة؟ لا يضمن النجاة. فالهداية إلى الطريق لا تكفي، لا بد معها من هداية في الطريق. يعني الشخص اللي هيمشي في الطريق السريع ده ويسافر محتاج لهداية في الطريق أم ليس محتاجًا؟ محتاج إلى احترام ضوابط المرور، محتاج إلى الانتباه للتحذيرات التي تكون على الطريق: أمامك منحنى صعب، أمامك كذا، أمامك كذا، هنا حدود السرعة كذا، إلى آخره. كي يصل ناجيًا سالمًا، لا بد أيضًا أن يلتزم بضوابط داخل الطريق.

فكما امتحن الله سبحانه وتعالى العباد بالبحث عن الهداية إلى الطريق من خلال الأديان المختلفة، كذلك بعد الدخول في الإسلام لا يكفي هذا للنجاة المطلقة، وإنما لا بد أيضًا أن يراعي ضوابط السفر. ضوابط الطريق، يعني لما يكون في طريق بين جبال، ومن على الطرفين هناك هاوية، فهو مطالب بالانضباط في السير، ولذلك يضعون الأسوار عند هذا الطريق كي لا يسقط الإنسان في الهاوية. فهي دي الأسوار، دي ضوابط العقيدة، لكن هي مش كل الطريق، الطريق الذي أنت ماشي فيه.

فقضية العقيدة، يمكن أنجح مثال يتعامل معها بالطريقة التي ينبغي أن يتعامل معها بها، هي سلسلة الدكتور الأشقر: العقيدة في ضوء الكتاب والسنة. دي الطريقة الأقرب لتناول العقيدة، ليس فقط أن نمسك كتابًا مثل الفتوى الحموية الكبرى، ويبقى كل العقيدة عندنا هي أن ندرس ضوابط العقيدة. هي لا بد منها لحمايتك من الضلال، لكن مش هي دي بس العقيدة. هي تعطيك الضوابط فقط، أما العقيدة فتأخذها من القرآن والسنة بكل التفاصيل.

حينما ترى مثلًا كتاب الدكتور الأشقر: عالم الملائكة الأبرار، اهي التفاصيل دي بقى: من هم الملائكة؟ وما صفاتهم؟ وما وظائفهم؟ كل الأشياء دي غالبًا بهذه التفاصيل الكبيرة لا تجدها في كتب العقيدة التي تركز على ضوابط العقيدة. تعتقد الضوابط، وأنت تمضي بعد ذلك في طريق تعلم العقيدة من القرآن والسنة، من الوحي. واضح؟

وهكذا في كل قضية تستوعب من القرآن نفسه ومن السنة. لكن عامة كتب العقائد، سواء في القديم أو في الحديث، كتب السنة فيما مضى كلها بتركز حول إعلان موقف ضد أهل البدع. هم انحرفوا في قضية القضاء والقدر ما بين المرجئة، وما بين الجبرية والقدرية، فتبين وسطية أهل السنة والرد على الفريقين. في قضية الأسماء والأحكام ما بين غلو الخوارج وجفاء المرجئة. في الأسماء والصفات ما بين التعطيل وما بين التشبيه، وهكذا أهل السنة وسط في كل هذه القضايا.

فقضية الأسماء والصفات -نعود لموضوعنا- قضية محورية جدًا في التوحيد، بل حتى كل الفرق، المعتزلة وكل هؤلاء، يعتبرونها أهم أصل في العقيدة، لكن ينحرفون في فهمها والتعامل مع نصوصها. فغير الجماعة الطالعين اللي هم أفراخ هذا الزمان اللي بيحقروا قضايا التوحيد ويقولوا عليها قضايا نظرية، قضايا نظرية دي هي الركن الركين في الدين.

الإيمان: أن تؤمن بالقلب، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. كل دي قضايا هم بيسموها نظرية. ولا توجد أي نظرية في العالم إلا ولها جانب نظري وجانب عملي. الشيوعية مثلًا لها جانب نظري لا بد أنك تدرسه وتفهم فلسفتها، وبعد كده في جوانب عملية. أي مذهب في الوجود له جانب نظري وتطبيق عملي. وحاشا أن نقارن الإسلام بغيره من المذاهب، لكن أقول إن القضايا التي سميتموها أنتم قضايا نظرية لا يترتب عليها عمل، يترتب عليها أخطر عمل: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم. فالقلب له كسب، وهو التصديق بهذه الأخبار، فهي لا بد أن تشكل تصورك وإيمانك وكيف تتعامل مع هذه النصوص.

خلاصة الكلام أن الرافضة يحاولون الإيهام بأن عملية التعطيل، تعطيل الأسماء والصفات عندهم، ليست مما اقتبسوه من المعتزلة، وإنما هم ينسبونها -وده شيء سهل جدًا- إلى أمير المؤمنين وإلى غيره من الأئمة. وهي الدعوى أنهم هم الذين دلوهم على مسألة التعطيل.

فانظر إلى الافتراء العجيب الذي يفترونه، كما يقول هذا الرجل الزنجاني: هل يبقى مجال للبحث عن الصفات؟ وهل له طريق إلا الإذعان بكلمة أمير المؤمنين رضي الله عنه: كمال الإخلاص نفي الصفات عنه؟ والعياذ بالله، نفي الصفات عن الله اعتبره ده كمال الإخلاص، قمة التوحيد، وقمة الإخلاص، أن تكذب بصفات الله وتعطل صفات الله تبارك وتعالى.

فترى القوم ليس لهم منهج ثابت، ذلك أن مسلك التقليد عرضة لتناقضهم. فهم حينًا يعتمدون العقل، وتارة يعتمدون الخبر. فهم بين مشرب أخباري ومشرب اعتزالي عقلي يتأرجحون.

هذا والثابت عن علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله تبارك وتعالى، والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم، وهذا أيضًا ما تعترف به بعض روايات لهم موجودة وسط ركام هائل من التعطيل. ولكن الأمثلة على روايتهم التي نسبوها لأهل البيت والتي فيها نفي الصفات كثيرة، منها مثلًا قولهم: وكمال التوحيد نفي الصفات عنه، وقولهم أيضًا: وحمد الله نفي الصفات عنه، ويقولون أيضًا: لا نفي للتشبيه مع إثبات الصفات.

صرح علامتهم ابن المطهر بأن مذهبهم في الأسماء والصفات كمذهب المعتزلة، ومنهم من قال: وكمذهب الفلاسفة، بلا استحياء، وكمذهب الفلاسفة.

كما وصفت مجموعة من رواياتهم رب العالمين بالصفات السلبية التي ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه وتعالى، كروى ابن بابويه أكثر من سبعين رواية تقول إنه تعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا كيفية ولا حركة ولا انتقال ولا بشيء من صفات الأجسام، وليس حسًا ولا جسمانيًا ولا صورة، إلى آخره.

وشيوخهم ساروا على هذا المنهج الضال من تعطيل الصفات الواردة في الكتاب والسنة ووصفه سبحانه بالسلوب. الحقيقة صعب جدًا نقرأ كلامهم، كلام يعني منافٍ تمامًا لمنهج السلف ومجافٍ له.

كما يقول شيخهم محمد الحسيني الشهير بالقزويني، يلقبونه بـ الإمام الثالث عشر لأنه قابل منتظرهم المزعوم ثلاث مرات. فلما هذا الرجل، محمد الحسيني القزويني، قالوا إن هو قابل المهدي في السرداب ثلاث مرات، فلازم يدوله لقبًا عظيمًا، ده قابل المهدي، فوصل أنهم لقبوه بأنه الإمام الثالث عشر، مع أن الأئمة اثنا عشر، لكن تكريمًا له أعطوه هذه المرتبة.

يقول هذا الرجل في وصف صفات الله سبحانه وتعالى: لا جزء له، وما لا جزء له لا تركيب فيه، وما ليس بمركب ليس بجوهر ولا عرض، وما ليس بجوهر ليس بعقل ولا نفس ولا مادة ولا صورة ولا جسم، وما ليس بجسم ليس في مكان ولا في زمان ولا في جهة ولا في وقت، وما ليس في جهة لا كم له ولا كيف ولا رتبة، وما لا كم له ولا كيف له ولا جهة لا وضع له، وما ليس له وضع ولا في وقت ولا في مكان ولا إضافة له ولا نسبة، وما لا نسبة له لا فعل فيه ولا انفعال، وما ليس بجسم ولا لون ولا في مكان ولا جهة لا يرى ولا يدرك.

فيوصل في الآخر إلى إنكار رؤية الله في الآخرة. هذا الأسلوب معروف جدًا، أسلوب النفي المحض، وهو مستقًى من ركام الفلاسفة وغثاء الملاحدة، ويتضمن في الحقيقة نفي الوجود الحق، وكأن ما فيش إله، لأن الله سبحانه وتعالى لا يمدح بالسلوب فقط، بالعكس، هذا يتنافى تمامًا مع منهج السلف أو منهج القرآن والسنة في صفات الله تبارك وتعالى.

الذي يقول عز وجل: سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين. فهنا نزه نفسه عما يصفه به هؤلاء المعتدون الظالمون: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، ثم سلم على المرسلين لأنهم سلموا من أي انحراف في إثبات صفات الله: وسلام على المرسلين الذين وصفوه بما يليق به، والحمد لله رب العالمين، حمد الله نفسه على ما اتصف به من صفات الكمال.

هذا المنهج، منهج المدح عن طريق السلوب، السلوب يعني النفي، ليس بجديد، فهو سبيل من زاغ وحاد عن منهج الرسل عليهم السلام من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية.

فهناك جملة من الصابئة يصفون الله سبحانه وتعالى بالسلوب، ولذلك قال البيروني عن صابئة حران: إنهم يصفون الله سبحانه بالسلب لا بالإيجاب، كقولهم: لا يحد ولا يرى ولا يظلم ولا يجور، ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازًا، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة. يعني الأسماء الحسنى دي مجاز، لكن هي لا تثبت أي صفة لله سبحانه وتعالى.

كذلك الجهمية الذين نفوا صفات الله تبارك وتعالى، والباطنية أيضًا من الإسماعيلية ونحوهم، فإنهم يصفونه سبحانه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل. فقولهم يستلزم غاية التعطيل، وهو نفي الوجود الحق، كأن ما فيش إله، لأنه يوصف بإيه؟ كله: ليس كذا ولا كذا ولا كذا ولا كذا. فالذي صفاته عدم بهذه الطريقة هو العدم المحض، هو الذي لا وجود له.

فهم يعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات، كما يستلزم غاية التمثيل، حيث يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات. وهؤلاء جميعًا يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات.

فهم يفرون من التجسيم فيقعون في نفي وجود الله سبحانه وتعالى، أو يلزم من كلامهم نفي وجوده. زي الإنسان اللي بيقع في التعطيل، هو لا يقع في التعطيل أولًا، بيمر بمرحلة أخرى، أنه إذا سمع آيات الصفات فيقع في التشبيه، فإذا نفر من التشبيه وقع في التعطيل. أما منهج السلف فهو ممتنع أصلًا فيه التشبيه. إذا سمع صفات الله فنقول: ظاهرها هو ما يليق بالله، لا ظاهرها ما يليق بالمخلوقين. فمن ثم ما يحتاجش بعد كده للتعطيل، فهو يثبتها بلا كيف.

والله سبحانه وتعالى بعث رسله في صفاته بإثبات مفصل ونفي مجمل. فما نراه في بعض كتب الأشاعرة وكتب هؤلاء القوم: نفي، نفي، نفي، هذا شيء لا يطاق، نفي فقط. هذا ليس مدحًا، إنما منهج القرآن الكريم أنه في الإثبات فصل، وفي النفي أجمل. ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلًا، والنفي مجملًا.

يقول تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالنفي جاء مجملًا: ليس كمثله شيء، يعني ليس كالله شيء. وهذه طريقة القرآن في النفي غالبًا. يقول تعالى: هل تعلم له سميًا، يعني نظيرًا يستحق مثل اسمه، وقيل: مساميًا يساميه. وعن ابن عباس: هل تعلم له مثلًا أو شبيهًا؟ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال سبحانه وتعالى: ولم يكن له كفوًا أحد.

أما في الإثبات، يعني تلاحظ هنا النفي مختصر جدًا، مجمل: ليس كمثله شيء، هل تعلم له سميًا، يعني ليس لله نظير، ولم يكن له كفوًا أحد. دي نفي. لكن سبقها إيه؟ قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد.

أما في الإثبات فيأتي بالتفصيل: وهو السميع البصير. مثال آخر: آخر سورة الحشر كلها إثبات، أو غالبها إثبات: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. طبعًا الشواهد على هذا كثير جدًا في القرآن الكريم.

أما هؤلاء فطريقتهم النفي المحض. حينما يتكلمون عن الله: ليس بكذا ولا كذا، ليس بداخل العالم ولا بخارج، ليس كذا وكذا، فكلها نفي محض. وهذه الطريقة لا تتفق إطلاقًا مع طريقة القرآن الكريم، كما لا تتفق مع الفطر السليمة والعقول الصريحة، بل هي منكرة في مدح البشر للبشر، فكيف يوصف بها رب العالمين تبارك وتعالى؟

لو واحد جاء يريد أن يمدح ملكًا من الملوك أو إمبراطورًا من هؤلاء، ويريد أن يمدحه، يقول له: لست زبالًا ولا خياطًا ولا كناسًا ولا طباخًا ولا خادمًا ولا امرأة ولا طفلًا ولا بنتًا، ويفضل يجيب كل هذه الأشياء، وهل هذا يرضاه منه واحد من البشر؟ إنه قاعد يقول له: أنت مش كذا ومش كذا ومش كذا من هذه الأمور الناقصة؟

يقول شارح الطحاوية: وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا حجام ولا حائك، لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا، وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي ثم فصلت في الإثبات. كان تقول: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل وأعظم وكذا وكذا وكذا. أنت لست كأحد من رعيتك، مش تقعد بقى تفصل له رعيته إيه. واضح؟ ولكن تقول: أنت لست كأحد من رعيتك، ولكنك أعلى منهم وأشرف وأجل وأكرم وكذا وكذا. فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب.

والشيعة تروي عن أئمتها أن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، تمامًا كما هو منهج السلف، لكنها تعرض عن ذلك. فتعرض عن كلام الأئمة، كما أعرضت عن كلام الله في القرآن الكريم الذي فيه هذه الصفات، وأيضًا كما أعرضت عن مقتضى العقل والفطرة، وتؤثر في ذلك التقليد المحض والأخذ من نفايات الفلسفات البائدة.

وإلا فكيف يتجرأ عاقل على الاعتماد في أمر غيبي لا سبيل للوصول إلى المعرفة فيه على سبيل التفصيل إلا بخبر السماء، على العقل القاصر والفكر العاثر وتحكيم خيالات البشر المتناقضة وتصوراتهم المتعارضة؟

هؤلاء المعطلة قد رد عليهم أئمة الإسلام وبينوا باطلهم، ولن نكرر القول ونبدئ فيه ونعيد، ولكن الذي يمكن أن يضاف في هذا المجال بعد ظهور الكتاب الشيعي وانتشاره، هو تصوير هذه المسألة من كتب الشيعة ومن خلال روايات الشيعة عن أئمتها، وكلام شيوخهم المبني على مجاراة أهل التعطيل، ليتبين مدى تناقضهم وانفصالهم عن أئمتهم، ومتى تدخلت الأيدي السبئية لتحوير مذهب الأئمة ووضع روايات تحاكي مذهب التعطيل وتصدق مذهبهم.

هنا هو اختار ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قضية خلق القرآن.
المسألة الثانية: مسألة الرؤية.
والمسألة الثالثة: مسألة النزول الإلهي.

يتبين بعد ذلك من خلال نصوص الشيعة أن مذهب الأئمة كان وسطًا بين غلو الممثلة وجفاء المعطلة، ومذهب أئمة أهل البيت متوافق تمامًا مع مذهب أهل السنة والجماعة، بل يتوافق أيضًا مع العقل الصريح والنقل الصحيح.

أما المسألة الأولى، فقولهم بأن القرآن مخلوق. فالقرآن كلام الله، منزل غير مخلوق. يعني: الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. لم يقل: خلق القرآن، لكن قال: خلق الإنسان، علم القرآن. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. فلو كان كلام الله مخلوقًا، هل يمكن أن يتعوذ الرسول عليه الصلاة والسلام بمخلوق؟ لا، تتعوذ بكلام الله، هذه صفة من صفات الله عز وجل، فهي ليست بمخلوقة.

فالقرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وإجماع السلف. والكتب كثيرة جدًا من كتب السلف في هذا، كرد على الزنادقة والجهمية. الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، خلق أفعال العباد للإمام البخاري، الرد على الجهمية للدارمي، والرد على بشر المريسي العنيد، والاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد، والرد على الجهمية لابن منده، وغير ذلك.

كل هؤلاء أئمة السلف في القرون الأولى ردوا على هذا الكلام، فعقيدة السلف عقيدة مسندة، لها جذورها، بخلاف ما طرأ بعد ذلك من الفرق الضالة والمنتحلة.

ويوجد كتاب، الحقيقة، من أروع الكتب التي بسطت هذه المسألة وتناولتها بمنهج سلفي رائع، وهو كتاب الشيخ الجديع: العقيدة السلفية في كلام رب البرية. سبق أن درسناه في مسجد... كله، في بكري، في مسجد بكري، نعم.

الاثنا عشرية حذت حذو الجهمية في القول بخلق القرآن، فالمجلسي يقول في البحار في كتاب القرآن: باب أن القرآن مخلوق، وأورد فيه إحدى عشرة رواية. نعم. أيضًا محسن الأمين يقول: قالت الشيعة والمعتزلة: القرآن مخلوق. وهذا بناء على إنكارهم لصفة كلام الله سبحانه وتعالى، وزعمهم أن الله سبحانه يوجد الكلام في بعض مخلوقاته، كالشجرة حين كلم موسى، وكجبريل حين أنزله بالقرآن.

القضية بتفاصيلها طبعًا لا نستطيع أن نفصل فيها، لكن فعلًا لو استطعتم الاطلاع على هذا الكتاب، لأنه أروع ما يكون: كتاب الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع العقيدة السلفية في كلام رب البرية، كتاب رائع جدًا.

وفي بعض الروايات عندهم تثبت أن القرآن كلام الله غير مخلوق، موجودة في كتبهم، لكن طبعًا كالعادة المخرج جاهز، وهو أنها خرجت مخرج التقية. ففي تفسير الصراط المستقيم للبروجردي نقل نصًا عن ابن بابويه يحيل فيه كل النصوص التي فيها موافقة السلف في قضية كلام الله على التقية. يقول: ولعل المنع من إطلاق الخلق على القرآن إما للتقية مع العامة. يعني لا يستحيون، هم يقولون هذا الكلام: إن الأئمة قالوا الكلام ده عشان يمشوا مع العامة على سبيل التقية، أو لكونه موهمًا لمعنى آخر أطلق الكفر إخباره عليه بهذا المعنى في قولهم.

فلم يجد هؤلاء الشيوخ ما يلوذون به إلا القول بالتقية أو ما ماثلها، وهذا المنهج يثبت أنهم ليسوا على شيء، وأن احتمال التقية في كل نص قد أفسد عليهم أمرهم وأضاع حقيقة المذهب، فأصبح دينهم دين المجلسي أو الكليني أو ابن بابويه القمي، لا روايات الأئمة.

وبعدين هم بينهم حيرة شديدة، لأن التناقض في كل قضية تقريبًا. كل حاجة فيها كلام يوافق السلف فيقولوا إن ده خرج مخرج التقية. هناك كتاب اسمه الدرة النجفية للبحراني، عرض لاختلاف الروايات عندهم من أجل التقية، وكشف عن حيرتهم بأي الأقوال يؤخذ: هل يؤخذ بالأول أو بالآخر، أو يتوقف، أو يخير في الأخذ، أو ماذا يفعل بهذه الأقوال المتعارضة المتناقضة؟

فقد جعلت التقية -كما يقول هذا البحراني- الأمر لا يخلو من شوب وريب وتردد، لكثرة الاختلافات وتعارض الأدلة وتدافع الإمارات. وطبعًا: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. شيء عادي أن التضارب ده يدل على بطلان ما هم عليه.

وتسنى لكل شيخ أو زنديق أو مفتر يلبس ثوب المشيخة ويتظاهر بالعلم أن يأخذ ما شاءت له زندقته أو جهله وهواه وتعصبه واحدًا من هذه الأقوال المتضاربة، ويعرض عن الأقوال الأخرى ولو كانت حقًا، ويجد ما يسوغ به هذا التصرف من الاحتجاج بالتقية أو دعوى أن في ذلك مخالفة العامة -اللي هم أهل السنة-، والقاعدة عندهم أن في خلاف العامة الرشاد. يعني إذا ارتبت في شيء فشوف إيه اللي يوافق أهل السنة وخالفه، فإن الرشاد فيما يخالف ما عليه العامة.

هكذا يضيع العلم والحق والدين بهذه الطريقة الماكرة، ويكتب على الأمة الفرقة والخلاف بهذه الأساليب التي هي من وحي الشيطان ومكره. ولو أحسن محسن للشيعة وأراد بهم الخير من شيوخها، لسلك بها طريق الجماعة، وأخذ من روايتهم ما يتفق مع كتاب الله وما عليه أهل السنة والجماعة، وتخلص من مكر القمي والكليني والمجلسي، ولا سيما والأئمة تشتكي من كثرة الكذابين عليها، حتى قال أئمتهم: إن الناس أولعوا بالكذب علينا.

فكما ذكرنا أن في روايات فعلًا عندهم توافق ما عليه أهل السنة، مثلًا كرواية عن جعفر الصادق حينما سئل عن القرآن، قال: ليس بخالق ولا مخلوق. وطبعًا كما ذكرنا هذا مما أخذوه عن المعتزلة، وحتى المعتزلة أخذوه من مصدر أجنبي، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

كذلك الاعتقاد بأن القرآن منزل غير مخلوق هو الثابت عن أهل السنة. في حين هم لما نفوا كلام الله لموسى، مع أن الله يقول: وكلم الله موسى تكليمًا، فنفوا إثبات كلام الله لموسى عليه السلام، وفي نفس الوقت نسوا موضوع كلام الله لما جاؤوا يتحدثون عن الأئمة. فقد جاء في كتابهم المعتمد عندهم بحار الأنوار: باب أن الله تعالى ناجاه صلوات الله عليه. أن الله سبحانه وتعالى ناجى من؟ يعني أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه.

ففي بعض روايتهم: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر، وأنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرة وتبعث من لم أناجه؟ لأنكم تعرفون في قصة لما نزلت سورة براءة، بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليقرأها على الناس. فلما فعل ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، يزعمون أن الله أنزل عليه عتابًا: تترك من ناجيته غير مرة وتبعث من لم أناجه؟ بقى تبعت أبا بكر ما تبعتش عليًا؟ يعني علي نفسه، مع أني ناجيت عليًا مرتين. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ براءة منه، أخذ سورة براءة، ودفعها إلى علي رضي الله عنه.

فقال له علي: أوصني يا رسول الله، فقال له: إن الله يوصيك ويناجيك. قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى -اللي هي صلاة الظهر- من الظهر إلى صلاة العصر. وتقول رواية أخرى: إن الله ناجاه -يعني عليًا- يوم الطائف ويوم عقبة تبوك ويوم حنين.

وفي رواية عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلًا كنفسي يفتح الله به خيبر، صوته سيفه. فالرواية تقول إن اختار عليًا لهذه المهمة. فكان لما وصلها، لما ذهب أولًا علي، والرسول عليه وسلم لحق به، وكان علي على رأس جبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اثبت، فثبت، فسمعنا مثل صرير الزجل. قالوا: مثل صوت الرعد. يعني فقيل: يا رسول الله ما هذا؟ قال: إن الله يناجي عليًا رضي الله عنه.

فطبعًا الروايات كلها خلط تاريخي ما بين فتح خيبر والطائف، لكن طبعًا عنصر التجسيم هنا واضح، أن يقول: إن صوت المناجاة مثل صرير الزجل، اللي معناه قالوا صوت الرعد. واضح؟ فهذا فيه تجسيم. فما بالهم يذهبون تارة إلى التعطيل المحض، وتارة إلى التجسيم؟ هي مراحل مختلفة في المذهب وتطوره؟ أم أن وضاع هذه الروايات كانوا يمثلون كل نحلة، والتشيع يحتضن الجميع بلا تفريق، وحب علي حسنة لا تضر معها سيئة كما يقولون؟ لا يجدون ما يلجؤون إليه في تعليل هذا سوى القول بالتقية.

ولا يكاد يجزم شيخ من مشايخهم بمعرفة أي القولين تقية إلا بقولهم إن ما خالف العامة فيه الرشاد. وليتهم قالوا: ما وافق القرآن هو الحق، وما سواه تقية، بدل ما يقولوا: ما خالف العامة ففيه الرشاد. لكن يقولوا: ما وافق القرآن هو الحق، وما سواه تقية، هيكون الكلام أفضل.

فهذا مذهبهم في هذه القضية، قضية كلام الله. يعني مذهبهم فيها غريب على الأمة، وهو خلاف ما عليه أهل البيت، وخلاف ما اتفقت فيه روايات لهم مع ما جاء عند أهل السنة، وأن رواياتهم كلها متعارضة متناقضة.

القضية التي تليها من القضايا التي انحرف فيها هؤلاء الرافضة: مسألة الرؤية. والرؤية طبعًا، رؤية الله سبحانه وتعالى، يعني أهل الجنة يرون ربهم كما يليق به تبارك وتعالى. فالرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. فالرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا.

وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة، وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وإجماع السلف. والمؤلفات كثيرة جدًا طبعًا في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

ذهبت الشيعة الإمامية -بحكم مجاراتهم للمعتزلة- إلى نفي الرؤية، وعندهم روايات تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة. فتفتري مثلًا على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل عن الله تبارك وتعالى: هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية.

ونفي الكيفية ليس تنزيهًا لله سبحانه وتعالى، بدليل أن بعض السلف، أو الإمام مالك، لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. هو في كيف، لكنه مجهول. فهو أثبت حقيقة الصفة ونفى علم الكيفية. فالمنفي هنا علم البشر بالكيفية، لا ذات الكيفية.

أيضًا قال آيتهم جعفر النجفي: ولو نسب إلى الله بعض الصفات كالرؤية حكم بارتداده. أي واحد يعتقد بأن الله يرى في الآخرة كما يليق به، فهذا من أسباب الردة. فهذه أحد الأسباب التي يكفرون بها أهل السنة. يعني نحن عندهم كفار لأسباب كثيرة، من ضمنها إيماننا برؤية الله تعالى في الآخرة. يقول هذا الرجل: ولو نسب إلى الله بعض الصفات كالرؤية حكم بارتداده. وهذا في كشف الغطاء.

وجعل الحر العاملي نفي الرؤية من أصول الأئمة، وعقد لذلك بابًا بعنوان: باب أن الله سبحانه لا تراه عين ولا يدركه بصر في الدنيا ولا في الآخرة. فالشاهد هنا كلامه على نفي الرؤية في الآخرة.

فهذا النفي لرؤية المؤمنين ربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وأيضًا هو خروج عن مذهب أهل البيت، كما جاء في رواياتهم بعض الروايات تثبت أيضًا هذه الرؤية، وطبعًا الجواب معروف: أن ذلك خرج على مخرج التقية ومماشاة العامة.

نفس الشيء في الأحاديث التي أثبتت النزول الإلهي، سلكوا فيها أيضًا نفس هذا المسلك. ومعلوم كلام السلف في هذه القضية، فلا يضيع الوقت بذكر التفاصيل.

من ذلك أيضًا وصفهم الأئمة بأسماء الله وصفاته. يعني هم ينفون الصفات عن الله سبحانه وتعالى، ثم ينسبون هذه الصفات إلى أئمتهم. فهذا مما انفردت به الشيعة وشذت به عن الأمة. فإذا كان شيوخ الشيعة المتقدمون قد شبهوا الخالق سبحانه بصفات المخلوقين، ثم واجهت هذه الموجة الغالية في التجسيم موقفًا آخر، كأنه رد فعل له، وهو موقف التعطيل، فشبهوا الله سبحانه وتعالى بالمعدومات والجمادات والممتنعات، وعطلوا الأسماء والصفات عن طريق السلوب، النفي المحض.

لم يصفوا الله سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا في مذهبهم الأول: التجسيم، ولا في مذهبهم الأخير: النفي والتعطيل. إذا كان الأمر كذلك، فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل تطور الأمر إلى أن الأسماء والصفات الواجبة لله عز وجل وصفوا بها بعض البشر كالأئمة، فخرجوا بمذهب ثالث، وهو تشبيه المخلوق بالخالق. فشابهوا النصارى في ذلك، كما شابهوا اليهود في المذهب الأول: التجسيم.

خرجوا ببدعة ثالثة أحدثوها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث زعموا أن الأئمة هم أسماء الله. فأسماء الله سبحانه التي ذكرها في كتابه هي على حد زعمهم عبارة عن الأئمة الاثني عشر. وهذا يتضمن تعطيل الله من أسمائه الحسنى وإعطاءها بعض البشر. ويزعمون أن النص من المعصوم قد ورد بذلك، وهذا إفك عظيم، فويل لهم مما يفترون.

روى الكليني في أصول الكافي عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملًا إلا بمعرفتنا.

الله سبحانه وتعالى يقول: ولله الأسماء الحسنى، وهؤلاء يقولون: نحن الأسماء الحسنى. فأي محدث لله ولكتابه أعظم من هذا؟ إن من معين هذه النصوص المظلمة تستقي طوائف الباطنية الملحدة التي تذهب إلى تأليه الأئمة، ومن مائها الآسن ترتوي.

وتفصل روايات أخرى لهم ما أجملته الرواية السابقة. فيروون عن أبي جعفر أنه قال: نحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا.

وعن أبي عبد الله قال: إن الله خلقنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء، وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله، ولولانا ما عبد الله. هذا في كتبهم: أصول الكافي والتوحيد لابن بابويه وبحار الأنوار والبرهان.

وزعموا أن أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه قال: أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله. وافتروا أيضًا على علي أنه قال: أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله الناطق، وعين الله الناظرة، وأنا جنب الله، وأنا يد الله.

وفي التوحيد لابن بابويه أن أبا عبد الله قال: إن لله عز وجل خلقًا من رحمته، خلقهم من نوره، فهم عين الله الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق في خلقه بإذنه، بهم يمحو السيئات، وبهم يدفع الضيم، وبهم ينزل الرحمة، وبهم يحيي ميتًا، وبهم يميت حيًا، وبهم يبتلي خلقه، وبهم يقضي في خلقه قضيته.

وقد ذكر المجلسي ستًا وثلاثين رواية تقول إن الأئمة هم وجه الله ويد الله. وفي رجال الكشي وغيره قال علي -كما يفترون-: أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن.

وجاءت عندهم روايات عديدة في كثير من مصادرهم المعتمدة تفسر قوله سبحانه: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وقوله سبحانه: كل شيء هالك إلا وجهه، بما رووه عن جعفر أنه قال: نحن وجه الله، ونحن الوجه الذي يؤتى الله منه، ونحن وجه الله الذي لا يهلك، وروايات أخرى بهذا المعنى.

وجاء في تفسير العياشي رواية طويلة تقشعر منها أبدان المؤمنين، تصف ما يجري في يوم القيامة، وتقول نهاية الرواية على لسان الأئمة: ثم يؤتى بنا فنجلس على عرش ربنا. نعوذ بالله من هذا البهتان والافتراء.

أضفوا على الأئمة أيضًا بعض صفات الرب عز وجل، كالعلم بالغيب. فالكليني في الكافي عقد بابًا بعنوان: باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء.

وطبعًا قد يستغرب كثير من الناس كيف يجرؤ أحد أن يقول هذا الكلام. كما ذكرت مرارًا، هذه رسالة أكاديمية، دراسة قوية جدًا، منهجية علمية، وكل النقول مأخوذة من كتبهم المعتمدة، مش كتب غريبة أو شاذة أو غير مشهورة، دي المراجع المقدسة عند الشيعة، بالذات كتاب الكافي وأمثاله. فده كلام مسند، لا يفتري عليهم أحد، وهم لا يستطيعون إنكاره أبدًا.

يعني في الكافي، والكليني -أنا فقط أختصر-، المفروض مع كل نقل أقول: الكافي الجزء الفلاني صفحة كذا، ولكن دي ممكن يرجع إليها في الكتاب.

عقد الكافي بابًا بعنوان: باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء، وضمنه طائفة من رواياتهم. وعقد بابًا آخر بعنوان: باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا، وذكر فيه جملة من أحاديثهم.

على سبيل المثال قال أبو عبد الله -كما يفترون-: إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون.

دين تاني يا جماعة، يعني دين تاني. الناس مش بس مش فاهمة، في ناس مش عايزة تفهم. عايشين في حيلة الإنكار، مش عايز يواجه الواقع. هو راسم صورة، وعنده طموح، وحاطط أمل في هؤلاء القوم، فبالتالي مش عايز يواجه الحقيقة. هو دائمًا يتذرع بالإنكار. بس لحد إمتى؟ هذا دين آخر مختلف عن دين الإسلام، ليس هذا هو دين الإسلام.

ورواية أخرى عن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبد الله رضي الله عنه جماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين؟ يعني حد شايفنا؟ علينا عين؟ فالتفتنا يمينًا ويسارًا فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين. فقال: ورب الكعبة ورب البنية -هذا البناء يعني- ثلاث مرات: لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة.

وبعد، فهذه كلمات لا تحتاج إلى تعليق، وأقوال هي زبالة المذاهب الباطنية التي كان لها وجود في تاريخ المسلمين، والتي تذهب إلى تأليه علي والأئمة، قد استوعبتها الاثنا عشرية في بنية مذهبها، وهم يلصقون هذه المفتريات بأهل البيت ليتخذوا منهم عكازًا يعتمدون عليها لنشر مذهبهم بهم، وإلا فمن يقول: أنا الأول والآخر والظاهر والباطن، هل يختلف عن فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى؟ في فرق بين الاثنين؟ هو الأول والآخر والظاهر والباطن! ده علي بيقول على نفسه كده؟! معاذ الله، وحاشى أمير المؤمنين أن يقول هذا.

فهل يختلف عن قوله: أنا ربكم الأعلى؟ وكيف يتجرأ أساطين المذهب كالكشي والطوسي على نقل هذا الإلحاد؟ وكيف يعدون الكليني ثقة إسلامهم وهو ينقل هو وأضرابه هذا الكفر البواح؟ وهل ثمت عذر لمعتذر؟

حاول شيخهم المجلسي اللجوء إلى المجاز لتفسير بعض نصوصهم الواردة في هذا الباب، فقال: إن تلك المجازات شائعة في كلام العرب، فيقال لفلان وجه عند الناس، ولفلان يد على فلان، وأمثال ذلك، والوجه يطلق على الجهة، فالأئمة الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ولا يتوجه إليه تعالى إلا بالتوجه إليهم.

فهو هنا بيؤول الكلام الذي جاء في قوله: كل شيء هالك إلا وجهه وويبقى وجه ربك. يقول: وكل شيء هالك، باطل، مضمحل إلا دينهم وطريقتهم وطاعتهم، وهم عين الله، أي هم الذين يشهدون على عباد الله. فكما أن الرجل ينظر بعينه ليطلع على الأمور، فكذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء من الله عليهم، ناظرين في أمورهم.

وإطلاق اليد على النعمة والرحمة والقدرة شائع، فهم نعمة الله التامة، بيؤول هنا أنهم يد الله، وهم رحمة الله، إلى آخره، فهم نعم الله التامة ورحمته المبسوطة ومظاهر قدرته الكاملة. والجنب، أن هم جنب الله بقى، يقولها بأن الجنب هو الجانب والناحية، وهم الجانب الذي أمر الخلق بالتوجه إليهم. ويحتمل أن يكون كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما أن قرب الملك يكون بجنبه.

إن هذا الاعتذار دليل على رضا شيوخهم بهذا الكفر البين، وإلا فكيف يلتمس لهذا الإلحاد الظاهر مخرج؟ لما لا يضرب به الجدار؟ ليه ما نلغيش كل هذه الروايات المكذوبة والافتراءات دي، وينقى ثوب التشيع من أدران رؤوس الملاحدة وزبانية الكفر؟

وهل يصح تأويل المجلسي إلا إذا صح تأويل قول فرعون: أنا ربكم الأعلى؟ إلا إذا كان هذا التأويل لمجرد التستر على الباطل والدفاع بالهوى عن مقالات الملاحدة.

إن التعلق بالمجاز -على فرض القول به- لا مكان له هنا، لأن المجاز في اللغة يلاحظ فيه وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي. والأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل الكلام على حقيقته.

والقاعدة معروفة: أن الذي يتأول هو كلام معصوم، وهؤلاء الأئمة ليسوا معصومين إلا في زعم هؤلاء الضالين. فالذي يتأول قول معصوم. لكن واحد يتكلم كلامًا ونؤوله؟ كيف نؤوله؟ نأخذ بالحقيقة، الأصل.

ولذلك فإن فرقًا كثيرة في الاثني عشرية وغيرها عدت ذلك الكلام حقيقة، واعتقدت في الأئمة الألوهية بمقتضى هذا الكفر الذي ينقله لهم شيوخ الاثني عشرية. وكان حق هذه المقالة الرفض والتكذيب، لأنه لا معنى لدعوى المجاز. فهل توجد علاقة وقرينة لجعل معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا للأئمة؟

أين العلاقة بقولهم إن أسماء الله: الأول والآخر والظاهر والباطن هي أوصاف للأئمة؟ مش احنا عارفين أن في المجاز المرسل دائمًا في علاقة، زي علاقة السببية، وعلاقة المحلية، وعلاقة الجزئية، إلى آخره، يعني لازم يكون في علاقة. طب إيه العلاقة بقى بين قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وبين قول الأئمة إنهم هم الأول والآخر والظاهر والباطن؟ وقول الله سبحانه وتعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، فلما تيجي روايات عن الأئمة أن هم قالوا: نحن أسماء الله الحسنى، طب إيه العلاقة؟ ولماذا نحتاج إلى المجاز في مثل هذا؟ أين القرينة الصارفة لهذه الآية عن معناها الأصلي، وهو أسماء الله سبحانه؟

لا يوجد شيء من ذلك، إلا إن كانت هي زعمهم أن في الأئمة جزءًا إلهيًا. فقد أخرج صاحب الكافي عن الأئمة أنهم قالوا: إن الله خلقنا بنفسه، والعياذ بالله. فإذا كانت هذه القرينة التي تؤكد مبدأ الغلو ولا تنفيه، وتعطي الأئمة جزءًا من صفات الله سبحانه...

وأنت تلاحظ في كلمات المجلسي مظاهر الغلو في الأئمة، وتكاد تكون مجرد صدى لتلك الروايات. هل يمكن أن يقارن قول العرب: لفلان وجه عند الناس بقول إمامهم: أنا وجه الله؟ وهل يقبل أن تجعل قرينة ذلك أن عليًا والأئمة هم الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها؟ هل عندهم من برهان بهذا فيخرجوه لنا؟

لا يتوجه الناس بعبادتهم ودعائهم إلا إلى الله وحده. يعني عقيدة أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة. ولما نقول كلمة أهل السنة والجماعة، كما قال شيخ الإسلام: أهل السنة هم نقاوة أهل الإسلام. ما فيش تعارض، بالعكس، ده هو الإسلام في أنقى صورة حاليًا من كل شوائب البدعة والضلالة. فمش معناها فرقة أهل السنة والجماعة، هم أهل الإسلام بس نقاوة وخلاصة أهل الإسلام. أنظف ناس من ناحية الاعتقاد ومن ناحية السلوك ونحو ذلك.

مش أهل سنة دي فرقة، لأن بعض الناس يقول: ما يعني هو سماكم المسلمين يا جماعة، إيه كلمة أهل السنة دي؟ دول مش فاهمين الحاجة، لأن لا تناقض بين أن أقول: أنا مصري وقاهري. ما فيش تناقض. دي وصف أخص من الوصف العام. فكذلك أهل السنة دول خلاصة أهل ونقاوة أهل الإسلام، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

يعني انظر إلى ما يدعو إليه أهل السنة. إيه مشكلتنا كلها مع الشيعة؟ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ما فيش أكثر من كده. خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. مش هو ده منهج أهل السنة؟ فبدل الشرك ده والضلال المبين الذي يدعو إليه هؤلاء الشياطين: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. لا يتوجه الناس بعبادتهم ودعائهم إلا إلى الله وحده، ولا يستقبل المسلمون في صلواتهم إلا بيت الله، ولا واسطة بين الله وخلقه إلا في تبليغ وحيه سبحانه، ولا واسطة في التبليغ إلا رسل الهدى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكيف يقال بعد هذا إن الأئمة هم الجهة التي يتوجه الناس إليها؟ أما دعوى أن الأئمة يعلمون ما كان في الماضي وما يكون في المستقبل، ولا يخفى عليهم الشيء، فدي مش صفة أئمة، دي صفة الإله، صفة إله.

فهذه صفة للحق جل شأنه لا يشاركه فيها أحد سبحانه. قال تعالى: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وقال عز وجل: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وقال: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

والله سبحانه وتعالى أمر أفضل الخلق، رسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم، أن يقول: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، وقال: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب. فأمره سبحانه أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم بغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا. إلا من ارتضى من رسول.

وقد ذكر علماء الإسلام أن من ادعى شيئًا من علم الغيب فقد كفر، فقد أضاف الله سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه، فلا يظهر على غيبه إلا من اصطفى من رسله. وهذا هو الغيب المطلق المحجوب عن جميع الخلق.

هنا حاشية فيها تنبيه مهم، وهو أن الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب مطلق وغيب إضافي. غيب مطلق أو حقيقي، وهو ما يعلمه وحده سبحانه دون ما سواه، وعند الإطلاق هذا هو المقصود من كلمة الغيب، وفيه يقول الله عز وجل: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله.

وهناك غيب إضافي أو مقيد، وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره، ولا يعلمه البشر مثلًا. يعني هناك أحوال تتعلق بالملائكة في عالمهم، نحن البشر لا نعلمها، فهذا بالنسبة لنا غيب نسبي.

أما ما يعلمه البشر بتمكنهم من أسبابه واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله، لأنه غيب عمن غاب عنه من المخلوقين، ليس هو غيبًا عمن شهده. والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا مقيدًا، ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين كافة.

ويخطر على الخاطر استشكال بعض الناس، وهو مسألة معرفة نوع الجنين. ويعلم ما في الأرحام. فبعض الناس يستشكل هذا الأمر عندهم، على أن الآن يتمكن أطباء النساء والولادة من تحديد نوع الجنين وهو في بطن أمه. فهل هذا معرفة للغيب؟ ليه؟ لأن هذه معرفة بآلة. بآلة. لكن واحد يقف كده من الخارج ويقول: ده ولد أو بنت؟ لا. يعرف عن طريق آلة، زي ما يكون في كسر معين أو شرخ في العظم أو كذا أو أي شيء من هذه الأشياء تكشف عن طريق الآلات الحديثة، تصوير. فدي معرفة بآلة، مش هو يقف من الخارج ويقول: ده في هنا شرخ في المكان الفلاني أو في كذا أو كذا. لا. لكن هنا عن طريق آلة. ما تفرقش بقى أنك تفتح بسكينة مثلًا وتنظر، مش هتفرق، بس هنا من غير ما تجرح وتشوف. فالمفروض أن ده شيء لا يشكل على أحد. يعني هنا بآلة، مش معرفة مستقلة. استطراد عابر يعني.

يقول: وقد عثرت وسط هذا الركام من هذه الدعوى الغبية الملحدة حول الأئمة على بعض النصوص التي روتها كتب الشيعة، والتي تجرد الأئمة من هذه الصفات التي خلعوها عليهم، وهي لا تنبغي إلا للحق جل شأنه. كالعادة، دائمًا بتوجد في وسط ركام الضلالات آراء توافق آراء السنة، والجواب جاهز.

قال أبو عبد الله، كما يروي صاحب الكافي: يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي.

شوف المثال الجميل اللي قاله هنا جعفر الصادق بقى، بيقول إيه؟ يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب. والحقيقة، الموقف ده مش هتنسوه أبدًا إن شاء الله، لأنه غريب، يعني موغل في الغرابة والجرأة على الكذب. فركزوا معي.

قال أبو عبد الله كما يروي صاحب الكافي: يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي. جبت أضرب الجارية دي فلانة، فاختبت مني، فما عرفتش مستخبية في أي حجرة في الدار. فجابها كمثال حي: لو كنت أعرف الغيب كنت عرفت هي فين ورحت وضربتها. فمثال في غاية البساطة، وفي نفس الوقت غاية في الإقناع.

يقول: ولو كان أبو عبد الله -كما يزعم الكليني في أبوابه التي عقدها بعد ذكره لهذا النص- لو كان يعلم ما يكون، ولا يخفى عليه شيء، وإذا شاء أن يعلم علم، لم يخف عليه موضع الجارية.

وكان الأئمة من قديم يشكون من مزاعم هؤلاء الذين جمع أقوالهم صاحب الكافي وأسندها للأئمة. ولهذا جاء في حديث لهم ذكره صاحب البحار وصاحب الاحتجاج عن بعض أئمتهم، قال: تعالى الله عز وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاء في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه.

يعني ما عندهمش دين. ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه. وأشهد الله الذي لا إله إلا هو، وكفى به شهيدًا، أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب، أو نشارك الله في ملكه، أو يحلنا محلًا سوى المحل الذي رضيه الله لنا.

وروايات الشيعة تكشف نفسها بنفسها، وتتناقض نصوصها. وقولهم عن الأئمة إنهم مصدر الرزق وإنزال الغيث... إلى آخره. والذي يرويه شيوخ الشيعة الاثنا عشرية هو من مخلفات غلاة الشيعة، والذين أنكر الأئمة مذهبهم.

جاء في أخبارهم أن أبا عبد الله حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول إنكم تقدرون أرزاق العباد، فقال: والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي، فضاق صدري، وبلغت بي الفكرة في ذلك، حتى أحرزت قوتهم، فعندها طابت نفسي. لعنه الله وبرئ منهم الشخص الذي بيدعي أنهم اللي يقدروا ويدبروا أرزاق العباد.

ولكن هذه الروايات هي كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وفي التقية متسع لكل نص تضيق به نفوس شيوخ الشيعة.

وإذا أردت مثالًا على ذلك، فاسمع ما يقوله شارح الكافي تعقيبًا على قول أبي عبد الله الذي نقلناه آنفًا، الموضوع بتاع الجارية التي اختبأت. بيقول إيه بقى شارح الكافي؟ والذي... الأثر اللي احنا ذكرناه، اللي هو إيه بقى؟ يقول له: يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي. طبعًا واضح جدًا أنه ما علم.

والسياق واضح أنه يتبرأ من ادعاء معرفة الغيب. قال شارح الكافي: الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال إلهًا. يعني هو ما بيقول: فما علمت في أي بيوت الدار، مش معناها أن أنا ما كنتش عارف هي فين، لا، ده هو قال الكلام ده علشان الناس ما تتخذوش إلهًا من دون الله. واضح؟ يعني هو كان عارف، بس بيقولها كده عشان الناس ما تعبدوش من دون الله.

يقول: الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال إلهًا، أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه. أحسن يقتلوه. حفظًا لنفسه. وإلا فهو رضي الله عنه كان عالمًا بما كان وما يكون، فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟

فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب. كده معناه أنه كان بيكذب، قوله: فما علمت في أي بيوت الدار هي، وهو يعلم، يبقى كده بيكذب. قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية، وقد قصدها. لا، ده كان بيعرض في كلامه. فإن المعنى: ما علمت علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار.

ويبقى بيؤول إيه بقى كلمة: لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي؟ يعني ما علمت علمًا من جهة غير الله، لكن أنا عارف من جهة الله. شوف التأويل الغريب المستكره.

فما علمت في أي بيوت الدار هي. طب وتتعبوا نفسكم ليه؟ قولوا: لا إله إلا الله وخلاص، وإن الله هو الذي يعلم كل شيء، وأثبتوا الغيب لله. هيعذبكم ربنا يوم القيامة لما تقولوا: يا رب نزهناك عن أن يعلم الغيب غيرك، وأثبتنا أنك وحدك تعلم؟ هل ممكن ربنا يعذبك على كده؟ زي ما بيقول النصارى يعني؟ هل ممكن ربنا يعذبك يوم القيامة لأنك تقول: أنا اعتقدت أنك واحد لا شريك لك، وأنك لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوًا أحد؟ هل هذا ممكن يعذب الله عليه إنسانًا؟

فأنتم ليه تعذبوا أنفسكم بهذه الطريقة؟ هذه الطريقة الجهنمية الشيطانية، مش عايز، لازم يثبت شريكًا مع الله في معرفة الغيب، مش مخلصه حتى هذه الرواية الصريحة الواضحة التي تبرئ الأئمة من ادعاء علم الغيب.

يقول -نعيد العبارة-: قال شارح الكافي: الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال إلهًا، أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه، وإلا فهو رضي الله عنه كان عالمًا بما كان وما يكون، فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟ فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية، وقد قصدها، فإن المعنى: ما علمت علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار.

فمفهومه إيه؟ عندي علم من الله في أي مكان اختفت هي من الدار، لكن علم من غير الله لا. هذا ده المقصود بكلمة: ما علمت.

فانظر التكلف العجيب في رد هذه الرواية لإثبات أن الإمام يعلم ما كان وما يكون، حتى ارتكب في سبيل ذلك نسبة الإمام إلى الكذب، وهدم أصلًا من أصولهم، وهو العصمة. ما هو لو كذب يبقى مش معصوم. وعندهم الأئمة معصومون. فعشان كده هو بقى عشان ما يوصفوش بالكذب قال: لا، ده هو قصد التورية. كان يبقى كذب لو لم يقصد التورية، لكنه قصد التورية بأنه: ما علمت في أي بيوت الدار يعني ما علمت علمًا من مصدر غير الله، لكن من عند الله أنا أعرف هذا الغيب.

يعني تذكرون حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، لما كانت تنشد بعض الأشعار، فأخذت تتكلم عن... تقول بعض الأشعار حتى وصلت إلى: وفينا نبي يعلم ما في غد، فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام وقال لها: لا تقولي هذه، وعودي إلى ما كنت تقولين. فأنكر عليها أن تصفه بأنه يعلم ما في الغد. فلا يمكن أن يمدح بشر ويقبل المدح بأنه يوصف بما لا ينبغي أن يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى.

نعم. وإذا كان الإمام أراد بهذا القول ألا يتخذه الجهال إلهًا، فهل أنت بإثباتك لضد قوله تريد أن تدعو إلى تأليه الإمام؟ يعني أنت بتثبت أهو أنه يعلم الغيب. طيب، ده مش تأليه؟ وأين الدليل على وجود بعض الحاضرين الذين يخشى منهم الإمام؟ وسلسلة السند كلهم شيعة. وعلى أي وجه من وجوه اللغة يعتبر هذا من قبيل التورية؟ بل هذا كذب صراح، المفروض.

ده على مذهبه هو، شارح الكافي. أما شيخهم الآخر الشعراني، المعلق على الشرح، فلم يعجبه هذا التكلف في تأويل الرواية، ورام ردها بأقصر طريق، وهو الحكم أن الرواية كذب. القصة دي كلها من أولها كذب. كذب ليه؟ كذب لأن فيها تبرئة للأئمة من ادعاء الغيب. يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي. إيه الكذب اللي فيها اللي يزعجك وتريح نفسك إنك تقول: لا، أصلًا هي مش ثابتة؟ ليه؟ عشان ما يحتاجش للتكلف في ردها كما فعل المازندراني.

هكذا يشيع الزنادقة عن علماء أهل البيت مثل هذه الإشاعات الكاذبة، فإذا أنكروا على هؤلاء الزنادقة فرِيَّتهم وفضحوا باطلهم أمام الملأ، حمل شيوخ الشيعة هذا التكذيب والإنكار على التقية، فصارت التقية قبلة بيد غلاة الشيعة لإبقاء التشيع في دائرة الغلو، ورد الحق، والإساءة إلى أهل البيت.

وقد ادعى زرارة بن أعين أن جعفر بن محمد يعلم أهل الجنة وأهل النار، فأنكر ذلك جعفر لما بلغه ذلك، وكفر من قاله. ولكن زرارة حينما نقل له موقف جعفر... يعني هو واحد كان بيكلم جعفر بن محمد، فيقول إن هو قال له إنه يعلم أهل الجنة وأهل النار. فلما جاء الراجل بيحكي بقى، فلما يعني لما حكى هذه الكلمة لجعفر بن محمد، أنكر ذلك وكفر من قاله. فلما زرارة نقل له موقف جعفر قال لمحدثه: لقد عمل معك بالتقية. ده كان بيضحك عليك، يعني ده لقد عمل معك بالتقية، بس هو فعلًا يعلم أهل الجنة وأهل النار. معاك أنت بالذات عمل بالتقية.

أيضًا يناقشون أحد مسالكهم الغريبة، وهو دعوى التحريف لتأييد مذهبهم في التعطيل. يقول: وهو مسلك لم يسلكه أحد غيرهم، أو لم يسلكه أحد غيرهم، وشذوذ اختصوا به عن سواهم، حيث راموا التخلص من آيات الإثبات للأسماء والصفات في كتاب الله سبحانه وتعالى بدعوى خطيرة.

اللي هي إيه بقى؟ الدعوى هي تحريفهم للآية عما أنزل الله. ادعاء تحريف الآية. فمثلًا روى ابن بابويه عن الرضا، علي بن موسى، في قول الله سبحانه وتعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور، قال الرضا: إنها... الحقيقة يعني وهي حرفت، والعياذ بالله: إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا أنزلت.

وهدف الشيعة من هذا التحريف واضح، فهم يحاولون بذلك نفي الإتيان عن الله سبحانه، كقول المعتزلة.

وفي الاحتجاج للطبرسي عن أمير المؤمنين علي قال يخاطب أحد الزنادقة لإقناعه بالإسلام: وأما قوله: كل شيء هالك إلا وجهه، فإنما نزلت: كل شيء هالك إلا دينه، يزعمون، والعياذ بالله، أن الآية حرفت وأن أصلها: كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه، هو أجل وأعظم من ذلك.

فواضح أن واضع هذه الأسطورة أعجمي جاهل لا يفقه من أمر العربية شيئًا، وزنديق حاقد في افترائه على كتاب الله وتعطيله لصفات الله ونسبته الكفر لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ومن كبير مقتِه وحقده زعمه أن هذه إجابة أمير المؤمنين لإقناع أحد الزنادقة.

إن هذا المنهج في التعطيل يدل على أن هذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات لا تراعي في سبيل الدفاع عن مبادئها أي حرمة، ولا تقف عند حد. وإذا كانت فرق المعطلة من المعتزلة وغيرها لم تحاول أن تمس لفظ كتاب الله سبحانه، ورامت البحث عن تأويل المعنى، فإن هذه الفئة قد تخطت الحدود وتجاوزت المبادئ، فرامت إثبات مبدئها بما يخرجها عن الإسلام أصلًا.

فدل على أن هناك فئات من أهل التعطيل تريد الكيد للأمة بمحاربة أصل دينها، وهو كتاب الله العظيم. ولقد انكشف بهذه الوسيلة أمرها وافتضح شأنها، والله من ورائهم محيط.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد...

  • الاحد AM 11:58
    2026-04-26
  • 18
Powered by: GateGold