المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902990
يتصفح الموقع حاليا : 366

البحث

البحث

عرض المادة

نقد عقيدتي البداء و الطنية

نقد عقيدتي البداء و الطنية

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى وآله المستكملين الشرفا.

أما بعد، فقد انتهينا في مدارسة أصول مذهب الشيعة إلى الكلام على عقيدة البداء. البداء من أصول الاثني عشرية، كما تلاحظون طبعًا في هذا الكتاب العلمي المتين، تلاحظون أنه ما يذكر تقريبًا إطلاقًا قضايا الفروع، مع أن بلاوي وبلايا ومصائب الشيعة في الفروع كثيرة جدًا، لكن ماذا يفيدنا أن نتكلم عن الانحرافات في الفروع، والأصول نفسها بهذا الفساد؟ فنلاحظ أن الكتاب أصول مذهب الشيعة، فالكلام على الأصول، فالخلاف أساسًا هو في الأصول، خلافًا لما يزعمه بعض الناس من أنه لا فرق بيننا وبين الرافضة في الأصول، أصول الدين واحدة. الآن ترون بالأدلة وبهذه الدراسة العلمية الرصينة أن الخلاف أساسًا هو في الأصول، كما شرحنا ذلك مرارًا من قبل.

فمن هذه الأصول من أصول دين الرافضة الاثني عشرية القول بالبداء على الله سبحانه وتعالى، حتى بالغوا في أمره فقالوا: ما عبد الله بشيء مثل البداء. لاحظ دائمًا العقائد التي اخترعتها الرافضة، يخترعون لها أقوالًا تمجدها، يعني: لا دين لمن لا تقية له، فكل قضية هي أهم قضية، وكل قضية هي أصل الأصول عند الشيعة باجماع الإمامية الاثني عشرية. كل قضية تكون فيها نصوص تضخمها وتعطيها دائمًا الصدارة والأولوية، مما يؤكد أنها من أصول دينهم وليست من الفروع. وهي كلها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يختلف أهل السنة مع الرافضة في شيء إلا وكان الحق مع أهل السنة.

فمن أصولهم الادعاء البداء على الله سبحانه وتعالى، حتى بالغوا في أمره فقالوا: ما عبد الله بشيء مثل البداء. وفي رواية أخرى: وما عظم الله عز وجل بمثل البداء. ورواية ثالثة: ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه. ورواية أخرى: وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء. الافتراء بقى، الافتراء: ما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء.

ويبدو أن الذي أرسى أسس هذا المعتقد عند الاثني عشرية هو الملقب عندهم بثقة الإسلام، وهو شيخهم الكليني، حيث وضع هذا المعتقد في قسم الأصول من الكافي، وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصص له بابًا بعنوان باب البداء، وذكر فيه ستة عشر حديثًا من الأحاديث المنسوبة للأئمة. وجاء من بعده ابن بابويه، وسجل ذلك ضمن عقائد طائفته، وعقد له بابًا خاصًا بعنوان باب البداء، وذلك في كتابه الاعتقادات، الذي يسمى دين الإمامية، ومثل ذلك فعل في كتابه التوحيد.

واهتم شيخهم المجلسي بأمر البداء، وبوب له في بحاره بعنوان باب النسخ والبداء، وذكر فيه سبعين حديثًا من أحاديثهم عن الأئمة. كذلك جاءت هذه المقالة ضمن كتب العقيدة عند المعاصرين، وألف شيوخهم في شأنها مؤلفات مستقلة بلغت خمسةً وعشرين مصنفًا، كما في الذريعة.

ولعل القارئ المسلم يعجب من أمر هذه العقيدة التي لا يعرفها المسلمون، وليس لها ذكر في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع أنها من أعظم ما عبد الله به على حد زعمهم، ومن أصول رسالات الرسل: ما بعث الله نبيًا إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء. يعني ينفخون في العقيدة الضالة، ثم لا يستطيعون أن يقيموا عليها دليلًا واحدًا، لا من كتاب ولا من سنة. وفيها من الأجر ما لو علم به المسلم لأصبحت تجري على لسانه دائمًا كشهادة التوحيد، كما يزعمون.

إذا رجعنا إلى اللغة العربية لنعرف معنى البداء، نجد أن القاموس يقول: بدا بدوًّا وبداءً: ظهر، وبدا له في الأمر بدوٌّ وبداءٌ وبداءة: نشأ له فيه رأي، يعني حدث له رأي بعد أن لم يكن، يعني زي ما واحد لنتيجة جهله بالعواقب قال شيئًا معينًا أو اتخذ موقفًا معينًا، ثم بدا له أن يغير رأيه، فبدا له، غير كلامه أو غير رأيه.

فالبداء في اللغة كما ترى له معنيان: الأول الظهور بعد الخفاء، والثاني البداء بمعنى نشأة الرأي الجديد. قال الفراء: بدا لي بداء أي ظهر لي رأي آخر. وقال الجوهري: بدا له في الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي. وكلا المعنيين اللغويين ورد في القرآن الكريم، فمن الأول قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، ومن الثاني، اللي هو نشأ له رأي، قوله تعالى: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين، حين ظهر لهم رأي آخر، أو نشأ لهم رأي آخر في حق يوسف عليه السلام.

وواضح أن البداء بمعنييه يستلزم سبق الجهل، لابد أن البداء يسبقه جهل بالعواقب أو بالأصوب، وأيضًا يستلزم حدوث العلم، أن العلم حدث بعد أن لم يكن، وكلاهما محال على الله سبحانه وتعالى، ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى من أعظم الكفر والعياذ بالله، لأن معنى الكلام أن ربنا، والعياذ بالله، غير رأيه في الموضوع، كأنه ما كان عالمًا بالأمر قبل أن يقوله أو يفعله. فنسبة البداء إلى الله سبحانه وتعالى من أعظم الكفر، فكيف تجعل الشيعة الاثنا عشرية هذا من أعظم العبادات، وتدعي أنه ما عظم الله عز وجل بمثل البداء؟ سبحانك، هذا بهتان عظيم.

هو طبعًا في سر وراء عقيدة البداء، في سر سيتضح إن شاء الله، وهذا المعنى المنكر يوجد في كتب اليهود، فقد جاء في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه وتعالى. جاء في التوراة: فرأى الرب أنه كثر سوء الناس على الأرض، فندم الرب خلقه الإنسان على الأرض، والعياذ بالله، واستغفر الله، وتنكد بقلبه، وقال الرب: لأمحوَن الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض. هذا في سفر التكوين. ومثل هذا المعنى الباطل وما أشبهه يتكرر في توراتهم، وذكر هنا تقريبًا عددًا كبيرًا من المواضع في التوراة، ثم قال: هذا ما جاء في توراة اليهود، مع أنهم ينكرون النسخ لأنه بزعمهم يستلزم البداء، فهذا من تناقضهم.

ويبدو أن ابن سبأ اليهودي حاول إشاعة هذه المقالة التي ارتضعها من توراته في المجتمع الإسلامي الذي حاول التأثير فيه باسم التشيع وتحت مظلة الدعوة إلى ولاية علي رضي الله عنه، ذلك أن فرق السبئية كلهم يقولون بالبداء، وأن الله تعالى تبدو له البدوات، ثم انتقلت هذه المقالة إلى فرقة الكيسانية أو المختارية، أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهي الفرقة التي اشتهرت بالقول بالبداء والاهتمام به والتزامه عقيدة.

ويذكر أصحاب المقالات أن السبب الذي جوّزت لأجله الكيسانية البداء على الله تعالى هو أن مصعب بن الزبير أرسل جيشًا قويًا لقتال المختار وأتباعه، فبعث المختار إلى قتالهم أحمد بن شميط مع ثلاثة آلاف من المقاتلة، وقال لهم: أوحي إلي، طبعًا المختار ده من مدعي النبوة الضالين، قال لهم بعد ثلاثة آلاف مقاتل: أوحي إلي أن الظفر يكون لكم، أنكم سوف تنتصرون، فهزم ابن شميط، وابن شميط من قوات المختار، وقتل سنة سبع وستين، هزم ابن شميط ومن كان معه، فعادوا إليه، إلى المختار، فقالوا: أين الظفر الذي قد وعدتنا؟ أنت قلت إن الوحي نزل وقال لك إننا سننتصر، فأين الظفر الذي قد وعدتنا؟ فقال المختار: هكذا كان قد وعدني، ثم بدا لله، والعياذ بالله، يعني رأي آخر. هكذا كان قد وعدني ثم بدا، فإنه سبحانه وتعالى قد قال: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

فالسبب كما ترى أن المختار كان يدعي علم الغيب وما يحدث بالمستقبل، فكان إذا وقع خلاف ما أخبر به، طبعًا إذا وقع الأمر موافقًا لما تنبأ هو به، قال: مش قلت لكم إن أنا بتكلم بالوحي؟ وإذا وقع مخالفًا، يقولون: قد بدا لربكم، والعياذ بالله، يعني كان ربنا غير كذا.

فإذا وقع خلاف ما أخبر به، قال: قد بدا لربكم. وتجد هذا المعنى في أخبار الاثني عشرية، فإنهم قد أشاعوا بين أتباعهم أن أئمتهم يعلمون ما كان وما يكون، ولا يخفى عليهم الشيء، كما في أصول الكافي، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء. فإذا نسبوا إلى الأئمة أخبارًا لم تقع، قالوا: هذا من باب البداء. هذا من باب البداء، وذلك يضيع دين الشيعة بين حاجتين: عملوهم هم احتياطي عشان التقية والبداء، المخرج.

جاء في البحار في باب البداء، عن أبي حمزة الثمالي قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: يا أبا حمزة، إن حدثناك بأمر أنه يجيء من هاهنا فجاء من هاهنا، فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غدًا بخلافه، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت. زي التقية بالضبط، النص يأتي ضد عقيدة معينة من عقائدهم الخربة، ويكون واضحًا جدًا أن الأئمة يتبرؤون فيه من ضلال هؤلاء القوم، فيقولون: إنما قال ذلك على سبيل التقية. طيب، إذا أخبروا بقى أنهم المفروض يعلمون علم ما كان وعلم ما يكون ولا يخفى عليهم شيء، فإذا أخبره بشيء وبان في الواقع بخلافه، السلوك الاحتياطي هنا موجود، وهو أن يقولوا: ما تنفعش فيها دي تقية، لكن ينفع فيها أن يقولوا: بدا لله، والله يصنع ما يشاء، يمحو الله ما يشاء ويثبت، إلى آخره.

وكان شيوخ الشيعة يمنون أتباعهم بأن الأمر سيعود إليهم، والدولة ستكون لهم، حتى إنهم حددوا ذلك بسبعين سنة في بداية الدين، نشأة دينهم، في بداية نشأتهم، ما كانش الزمن طويلًا كما هو الآن، فكانوا دائمًا يمنون أتباعهم أن الدولة هترجع لهم ثاني، والخلافة والإمامة اللي هي عصب الدين. ففي بعض الروايات قالوا إن الحكم هيرجع لهم في خلال سبعين سنة، رواية نسبوها لأبي جعفر، فلما مضت السبعون، عدت سبعون سنة ولم يتحقق شيء من تلك الوعود، اشتكى الأتباع من ذلك، فحاول مؤسس المذهب الخروج من هذا المأزق بالقول بأنه قد بدا لله، والعياذ بالله، بدا لله سبحانه ما اقتضى تغيير هذا الوعد.

كانت روايات الشيعة في حياة جعفر الصادق تتحدث بأخبار تنسبها لجعفر أن الإمامة ستكون بعد موته لابنه إسماعيل، ولكن وقع ما لم يكن بالحسبان، إذ مات إسماعيل قبل موت أبيه، اللي هو كانوا بيدعوا أن جعفر الصادق بيقول إن الإمامة هتكون لابنه إسماعيل بعده. فوقع ما لم يكن بالحسبان، حصلت ورطة، إذ مات ابنه إسماعيل في حياة أبيه، فكانت قاصمة الظهر لهم، وحدث أكبر انشقاق باق إلى اليوم في المذهب الشيعي، وهو خروج طائفة كبيرة منهم ثبتت على القول بإمامة إسماعيل، وهم الإسماعيلية.

رغم أنهم فزعوا إلى عقيدة البداء لمعالجة هذه المعضلة، فنسبوا روايات لجعفر تقول: ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني، يعني كان ربنا الأول كان بيخبره بالوحي أن ابنك إسماعيل هو الإمام من بعدك، واضح؟ ثم بدا لله شيء جعله يقبض ابنه إسماعيل في حياة أبيه، فاخترمته، إذ يقول: ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني إذ اخترمه قبلي، ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي.

استجاب لهذا التأويل طائفة الاثني عشرية الذين قالوا بإمامة موسى دون إسماعيل، ومؤسسو التشيع يدعون في الأئمة أنهم يعلمون الحوادث الماضية والمستقبلة، والآجال والأرزاق، إلى آخره، ولكن الأتباع وسائر الناس لا يرون فيهم شيئًا من هذه الدعاوى، يعني الواقع أن هؤلاء الأئمة الذين ينسبون إليهم كل هذا الغلو، في الواقع لا يرون فيهم أنهم يعلمون الماضي والمستقبل والحاضر، وكذا وكذا، والأئمة أيضًا في الواقع لا يخبرون الناس بشيء من ذلك. لماذا؟ لأنهم لا يملكون ذلك، ولا يدعونه في أنفسهم، لأن كما قلنا مرارًا: إن هذا الدين هو دين الشيوخ وليس دين الأئمة، هذا الدين الذي صنعه الشيوخ، فأنت كلما سمعت كلمة: قال أبو عبد الله عليه السلام، تعرف أن ذاك كذب. استغلوا إمامة جعفر الصادق رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة، ومرتبته العليا في العلم، وأنه من أهل البيت، فكما قلت من قبل: زي واحد ياتي لأعلى لوحة إعلانات مضيئة في أوضح مكان في البلد، ويلصق عليها الإعلان اللي هو عايز يقوله. فاستغلوا شهرة جعفر الصادق وغيره، فكل كذب ينسبونه إلى جعفر.

فهذا الدين هو دين الشيوخ، ليس هو دين الأئمة، دين شيوخهم الذين صنعوا لهم هذا الدين، أما الأئمة فقطعًا الأئمة براء من هذا الضلال المبين.

فلم يجد مؤسسو التشيع تعليلًا يبررون به هذا العجز إلا عقيدة البداء، فنقلوا عنهم أنهم لا يخبرون عن الغيب مخافة أن يبدو لله فيغيره. لما يقول لهم: طب ما تقولوا لنا هيحصل إيه في الموضوع الفلاني في المستقبل؟ مش أنتم بتعرفوا الغيب؟ فيقولوا: لا، احنا مش هنقول لكم الغيب، أحسن بعدين ربنا، والعياذ بالله، يبدو له فيغيره، فعشان كده مش هنقوله، خليكوا على القرار النهائي.

وزعموا أن الأئمة يعطون علم الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض، ويشترط لهم فيه البداء، يعطوننا العلم ده كله، بس يشترط أن ممكن ربنا يبدو له فيتغير الكلام. وهذه حيلة أخرى منهم ليستروا بها كذبهم إذا أخبروا خلاف الواقع.

وقد زعموا مثلًا أن علي بن الحسين قال: لولا البداء لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. لكن أخشى أن أنا أقول لكم ثم يبدو لله فيحصل خلاف ما قلت لكم. وقد أُمر الشيعة بمقتضى هذه العقيدة بالتسليم بالتناقض، حتى لو الكلام فيه تناقض لازم نقبله، والاختلاف والكذب.

ففي رواية طويلة في تفسير القمي تخبر عن نهاية دولة بني العباس، قال فيها إمامهم: إذا حدثناكم بشيء فكان كما نقول فقولوا: صدق الله ورسوله، وإن كان بخلاف ذلك فقولوا: صدق الله ورسوله، تؤجروا مرتين. إزاي يعني؟! ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، التناقض يدل على أن ده كلام باطل. بيقول لهم: إذا حدثناكم بشيء فوقع كما تنبأنا لكم به، فقولوا: صدق الله ورسوله، وإن كان بخلاف ذلك، إذا لم يقع، فقولوا: صدق الله ورسوله تؤجروا مرتين.

ده جل، عشان يضمنوا تمرير هذه المفاهيم.

كان لعقيدة البداء في إبان نشأتها أثرها في ظهور بوادر الشك لدى العقلاء من أتباع المذهب، وقد اكتشف بعضهم حقيقة اللعبة فتخلى عن المذهب الإمامي أصلًا، وقد حفظت لنا بعض كتب الفرق قصة أحد هؤلاء، وهو سليمان بن جرير، الذي تنسب إليه فرقة السليمانية من الزيدية، فقال كما تنقل ذلك كتب الفرق عند الشيعة نفسها: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا. الجملة دي تستحق الحفظ، هذه الجملة بتلخص قضية التقية والبداء وإيه الهدف منها. فهذا الرجل الزيدي يقول: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية. الإجرائين دول، أو البدعتين دول، اختراعهم الرافضة علشان مهما تناقضت أقوال أئمتهم وتعارضت وتصادمت، يبقى في مخرج: إما أنه قال هذا تقية، وإما أن الله بدا له.

ثم كشف من خلال حياته في المجتمع الشيعي ومخالطته لهم كيف يتخذون من عقيدة البداء وسيلة للتستر على كذبهم في دعوى علم الأئمة للغيب، فقال: إن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء، كما قلنا مرارًا إن الرافضة أعطوا الأئمة صفة النبوة، وإن لم يعطوهم اسمها، الفرق بس في اللفظ، سموا دول أنبياء، ودول مش أنبياء، أئمة، لكن في الحقيقة أعطوهم معنى النبوة، وبالذات في قضية العصمة.

يقول سليمان بن جرير الزيدي: إن أئمتهم لما أحلوهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتهم في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم إنه سيكون غدًا وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم؟ مش احنا قلنا لكم قبل كده إن ده اللي هيحصل؟ ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوه، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك، فلم يكونه فلم يخلقه.

ثم شرح أيضًا كيف يخدعون أتباعهم بمقتضى عقيدة التقية، فتأثر بقوله طائفة من الشيعة واتبعوه.

فأنت ترى بعد هذا العرض أنه لو سقطت عقيدة البداء لانتقض دين الشيعة الاثني عشرية من أصله، لأن أخبارهم ووعودهم التي لم يتحقق منها شيء تنفي عنهم صفة الإمامة، وهذا سر مغالاة شيوخهم بأمر البداء ودفاعهم عنه، وجعله من أعظم العبادات. لكن مقالة البداء ارتدت عليهم بأوخم العواقب، وهي إضافة سبب جديد لكفرهم وردتهم، لأنهم بهذا المعتقد نزّهوا المخلوق... هو المفروض مين اللي بيبلغهم؟ الإمام. الإمام بيبلغ عن مين؟ عن الله. فعقيدة البداء هنا، يعني لو كانوا بيتهموا الإمام أن هو اللي أخلف وعده، تبقى هينة، لكن هم ألصقوها بمين؟ بالله سبحانه وتعالى، فنزهوا الإمام عما لم ينزهوا عنه الله سبحانه وتعالى.

يقول: لأنهم بهذا المعتقد نزهوا المخلوق، وهو الإمام، عن الخلف في الوعد، والاختلاف في القول، والتغير في الرأي، ونشأة رأي جديد، ونسبوا ذلك إلى عالم الغيب والشهادة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. فنزهوا المخلوق دون الخالق، لأن غلوهم في الإمام فيما يظهر لم يجعل للحق جل شأنه في قلوبهم وقارًا، فتاهوا في بيداء هذا الضلال والكفر والإلحاد.

ولقد حاول شيوخ الشيعة أن يجدوا مخلصًا من وصمة هذا العار ومهربًا من التكفير، فالنصير الطوسي، الذي يلقبه المجلسي بالمحقق، في سنة اثنتين وسبعين وستمائة، أنكر وجود البداء كعقيدة للاثني عشرية، وقال عن طائفته: إنهم لا يقولون بالبداء، وإنما القول بالبداء ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق أنه جعل إسماعيل القائم مقامه، فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم موسى، فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في أمر إسماعيل. وهذه رواية، وعندهم أن خبر الواحد لا يوجب علمًا ولا عملًا. محاولة أن دي، بيقول لك: خبر آحاد، وما ينبنيش عليه.

فالشاهد إيه؟ إن دي محاولة غسل هذا العار عن هذا الدين أو عن هذا المذهب.

يقول: ولكن هذا كما ترى مخالف للواقع، إذ إن البداء من عقائدهم المقررة، ورواياتهم وأخبارهم فيه كثيرة. ولذلك قال المجلسي بأن هذا الجواب عجيب من الطوسي، وعزى ذلك لعدم إحاطته بالأخبار. واحد ثاني من العلماء، هو المجلسي، بينتقد مين؟ الطوسي، اللي بيحاول ينكر موضوع البداء، فقال: ده هو بينكر لعدم إحاطته بالأخبار، لم يطلع على الأخبار التي تثبت البداء.

وصنف من الشيعة يقر بالبداء كعقيدة ويحاول أن يجد لها تأويلًا مقبولًا، فابن بابويه القمي يوجه أحاديثهم في البداء توجيهًا تبدو عليه ملامح الاضطراب، فهو في البداية يقول: ليس البداء كما يظنه جهال الناس بأنه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك، ولكن يجب علينا أن نقر لله عز وجل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء، ويبدأ بخلق غيره. انتهى كلامه.

طبعًا هو هنا بيتكلم في حاجة خارجة تمامًا عن الموضوع، لأنه تكلم عن بدء وليس بداء، بدء الخلق، وليس البداء، ولا يخالف مسلم في هذا الأمر الذي يقوله، ولو كان هذا مقصودهم بالبداء لما أنكره عليهم أحد، ولما وجدوا فيه مخرجًا لتناقض روايتهم وتخلف وعودهم، ما كانش هينفع يستعملوه كسلاح لتسويغ الإخلاف اللي كان يحصل.

فكان ربنا بيبدأ خلق إنسان، إيه المشكلة فيها؟ والله سبحانه وتعالى يقول: وبدأ خلق الإنسان من طين، وقال عز وجل أيضًا: يبدأ الخلق ثم يعيده، وربك يخلق ما يشاء ويختار. هذا ليس له علاقة إطلاقًا بموضوع البداء.

فرجع مرة أخرى وفسر البداء بالنسخ، فقال بعد الكلام السابق مباشرة: أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرائع وتحويل القبلة وعدة المتوفى عنها زوجها. انتهى.

يقول: وهذا جهل أو تجاهل، إذ لا بداء في النسخ، والحكم كان مؤقتًا في علم الله، وأجل الحكم وانتهاء الحكم عند حلول الأجل معلوم لله قبل الحكم. نعم بدا لنا ذلك من الله بعد نزول الناسخ، والبداء لنا في علمنا، لا لله. احنا علمنا يتغير، لكن علم الله لم يتغير.

فالله سبحانه في علمه كان الحكم المنسوخ مؤقتًا لمصلحة التدرج في التشريع، من أجل ذلك تنزه الله سبحانه عن أن يوصف بالبداء، لأن البداء ينافي إحاطة علم الله بكل شيء، ولم يتنزه عن النسخ، لأن النسخ لا يعدو أن يكون بيانًا لمدة الحكم الأول. الحكم الأول مدته كذا، ثم يحصل الناسخ، على نحو ما سبق في علم الله تعالى. وإن كان رفعه لهذا الحكم بداءً بالنسبة لنا، هو بيظهر لنا بعد أن لم يكن ظهر، هنا يأتي الناسخ، البداء بالنسبة لنا كمخلوقين، لكن هل هناك بداء بالنسبة لله سبحانه؟ تعالى الله عن ذلك.

فإن الله سبحانه في علمه الأزلي لكل حكم ميقاتًا وزمانًا معلومًا، فإذا انتهى زمانه حل محله حكم آخر بأمره ونهيه سبحانه، فليس فيه تغيير في علمه الأزلي. قال تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها. وقد شن عبد القاهر البغدادي على الشيعة حيث جعلت النسخ من قبيل البداء، بيحاولوا يتمسحوا في قضية النسخ، وأن النسخ لا يفترق عن البداء.

فيقول عبد القاهر البغدادي: جعلت الرافضة النسخ من قبيل البداء، فزعمت أنه إذا أمر سبحانه بشيء ثم نسخه، فإنما نسخه لأنه بدا له منه، لأنه حدث له علم جديد اقتضى تغيير الحكم، والعياذ بالله. وطبعًا ده كلام مرفوض تمامًا. هو بيبدو لنا نحن حكم أولًا، ثم يحصل نسخ له، لكن في علم الله حينما حكم الله الحكم الأول، كان في علم الله أن هذا الحكم مؤقت. ففي فرق شاسع بين النسخ وبين البداء.

يقول: وقد تمادت الشيعة في هذا الغي، وساق صاحب البحار بعض الروايات المنسوخة واعتبرها من قبيل البداء، مع أنه لا صلة للنسخ بالبداء.

ثم إن ابن بابويه عاد في نهاية توجيهه لعقيدة البداء إلى القول بأن البداء إنما هو ظهور أمر. يقول: العرب تقول: بدا لي شخص في طريقي، أي ظهر، قال الله عز وجل: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، أي ظهر لهم، ومتى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، ومتى ظهر منه قطيعة لرحمه نقص من عمره. فهذا عود منه لتقرير ذلك المنكر في معتقدهم في البداء بعد تلون وتقلب.

وزيادة عمر من وصل رحمه ليست من باب البداء وظهور ما لم يكن في علم الله، بل صلة الرحم سبب لطول العمر، والله قدر الأجل وسببه، فهو سبحانه قدر أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا.

ولكن شيخ الطائفة الطوسي يسلك في تأويل البداء طريقًا أسلم من طريق ابن بابويه، حيث يقول: قوله: بدا لله فيه، معناه: بدا من الله فيه، وهكذا القول في جميع ما يروى من أنه بدا لله في إسماعيل، معناه أنه بدا من الله، فإن الناس كانوا يظنون في إسماعيل بن جعفر أنه الإمام بعد أبيه، فلما مات علموا بطلان ذلك. هذا اعتذار الطوسي، ولا شك بأن البداء إذا كان للخلق، بأن يقع لهم ما لم يحتسبوا، فليس فيه ما يمس العقيدة الإسلامية، لأن البشر لا يعلمون الغيب.

وقد تابع الطوسي في اعتذار نفسه أحد مراجع الشيعة في هذا العصر، وهو محمد حسين آل كاشف الغطاء، فقال: البداء وإن كان في جوهر معناه هو ظهور الشيء بعد خفائه، لكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي جريئة ومسكه يقول بهذه المضلّة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم، وقولنا بدا لله، أي بدا حكم الله أو شأن الله.

لكن المطلع على روايتهم لا يرى أنها تتفق مع هذا التأويل، لأن روايتهم تدل على نسبة البداء إلى الله لا إلى الخلق، وبيحاول يتنصل أن البداء ده بالنسبة للمخلوقين، لكن هذا لا يتفق مع الروايات التي عندهم، لا، تثبت أن البداء إنما هو في حق الله.

لذلك اعتذر أئمتهم عن الإخبار بالمغيبات خشية البداء، ونسبوا إلى نبي الله لوط عليه السلام أنه كان يستحث الملائكة لإنزال العقوبة بقومه خشية أن يبدو لله، ويقول: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم، فقالوا: يا لوط إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. فهل مثل هذا الإلحاد يقبل التأويل؟ طبعًا هم اللي اخترعوا الرواية دي عن لوط عليه السلام.

وجاء في الكافي عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد مضي ابنه أبي جعفر، وإني لأفكر في نفسي، أريد أن أقول: كأنهما، أعني أبا جعفر وأبا محمد، في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابن جعفر بن محمد عليهم السلام، وأن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر عليه السلام، فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق، لأنه يعني سامع الحوار الداخلي ده ويعلم ما في نفسه، فقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل، على ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون.

فانظر إلى قوله: بدا لله ما لم يكن يعرف له. هي المفروض في النص هنا من فهمه تجد أنهم ينسبون البداء إلى الله صراحة، فهؤلاء القوم لا يرجون لله وقارًا.

وقد اتخذوا من عقيدة البداء وسيلة لإبقاء فرصة الاختيار في أهل البيت، والرجوع عن الاختيار بدون تثريب عليهم من أتباعهم، ولم يراعوا في هذه الحيلة حق الله جل شأنه، لأن واضعي هذه النصوص قد فرغت نفوسهم من خوف الله ورجائه.

ثم إن التأويل للبداء بظهور الأمر للناس من الله لا يسوغ كل هذه المغالاة في البداء، يعني لو أن البداء معناه أن الأمر ينكشف للناس بعد أن لم يكن، يبقى ما كانوش هينفخوا في عقيدة البداء بحيث تبقى: ما بعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا بتحريم الخمر والبداء، وما عظم الله بشيء من القول بالبداء، إلى آخر هذا الكلام. طيب، ده شيء عادي ما يستحقش التعظيم الفخم هذا.

يقول: ثم إن التأويل للبداء بظهور الأمر للناس من الله لا يسوغ كل هذه المغالاة في البداء وجعله من أعظم الطاعات وأصول الاعتقادات، كما أن لفظ البداء يحمل معنى باطلًا في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فكيف يعد أصلًا في الدين وهو بهذه المثابة، ويلتمس له تأويل ومخرج؟

ثم يذكر: هل أفلحوا في أن يقيموا هذه الدعوى أو العقيدة على دليل؟ يقول: بعد أن استقرت مسألة البداء عندهم كعقيدة بمقتضى روايات الكليني وأضرابه، شرع شيوخ الشيعة كعادتهم في البحث في كتاب الله عن سند لدعواهم. زي كل مرة، في كل عقيدة باطلة يحتارون ويحاولون، رغم النفخ الشديد في هذه العقيدة، ويعجزون عن أن يأتوا بدليل عليها من القرآن، كأنهم لم يكفهم أنهم نسبوا هذه الفرية إلى الله، حتى زعموا أن كتاب الله أثبت فريتهم.

فتعلقوا بقوله سبحانه: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. أول من استدل بهذه الآية على فرية البداء هو المختار بن أبي عبيد، وتابعه شيوخ الشيعة، ووضعوا روايات في ذلك أسندوها لبعض علماء أهل البيت لتحظى بالقبول.

واستدلالهم بهذه الآية على أن المحو والإثبات بداء شطط في الاستدلال وتعسف بالغ، ذلك أن المحو والإثبات بعلمه وقدرته وإرادته من غير أن يكون له بداء في شيء، وكيف يتوهم له البداء وعنده أم الكتاب؟ وله في الأزل العلم المحيط، كما قال تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. وقال عز وجل: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. وأمثالها من الآيات.

وتوهم البداء تكذيب لكل هذه الآيات، فعلم الله لا يتبدل، إنما المحو... دي مسألة فيها خلاف طبعًا بين المفسرين، لكن قطعًا إن المحو والإثبات ليس في علم الله، وإنما هو في الصحف التي تكون بين أيدي الملائكة. وقد بين تعالى في آخر الآية أن كل ما يكون من محو وإثبات وتغيير واقع بمشيئته، ومستور عنده في أم الكتاب: وعنده أم الكتاب.

أيضًا هناك روايات في كتب الاثني عشرية تنقض عقيدة البداء. فمن المهم نقد كلام الخصم بنفسه، لأنه يقضي على نفسه بسلاحه، ولأن ظهور تناقضه من أوضح أمارات بطلان معتقده. ولذلك نرى في كتب الاثني عشرية رواية عن الأئمة ترمي من قال بالبداء بالخزي، وتناقض ما سلف من روايات دين التناقض. هذه الروايات قد تكون روايات وثيقة الصلة بعلماء أهل البيت، لأنها تعبر عن المعنى الحق، وهو ما يليق بأولئك الصفوة، وقد تكون من آثار الشيعة المعتدلة بقيت آثارها في كتب الاثني عشرية، ولا يبعد أن تكون هذه الروايات ستارًا وضعه أولئك الزنادقة على عقيدتهم في البداء.

على أي حال، إثبات مثل هذه الروايات يبين مدى تناقض هذه الطائفة في رواياتها، وأن دينها قائم على الأخذ بالجانب الشاذ والمخالف للجماعة من أخبارهم، لأن ما خالف الجماعة فيه الرشاد، كما هو قانون أولئك الزنادقة الذي يخرج من أخذ به عن الدين رأسًا.

جاء في كتاب التوحيد لابن بابويه عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله تعالى بالأمس؟ هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله تعالى بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق.

لا شك أن عقيدة البداء بمقتضى معناها اللغوي، وبموجب روايات الاثني عشرية، وحسب تأويل بعض شيوخهم، تقتضي أن يكون في علم الله اليوم ما لم يكن في الأمس، فكان، والعياذ بالله، هناك علم حادث لله. فلو هو علم حادث، إذًا الخلو عنه نقص، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى.

حسب الاثني عشرية، عار وفضيحة أن تنسب إلى الحق جل شأنه هذه العقيدة، على حين تبرأ أئمتها منها. مش اللي أخلف الأئمة، لا، ده اللي أخلف مين؟ تعالى عن ذلك. فإذا وقع الخلف في قول الإمام نسبت ذلك إلى الله لا إلى الإمام، وإذا رجعت إلى معتقدهم في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وجدت أن الإمام قد حل محل الرب سبحانه في قلوبهم وعقولهم، بتأثير ذلك الركام المظلم من الأخبار. فعقيدة البداء أثر لغلوهم في الإمام.

ننتقل إلى آخر بحث في هذا الجزء الثاني، سبق من قبل أن مررنا عليه مرًّا سريعًا، لكن نختم هذا الجزء الثاني من الكتاب، وهي عقيدة الطينة.

يقول: هذه العقيدة من مقالاتهم السرية، وعقائدهم التي يتواصون بكتمانها حتى من عامتهم، لأنه لو اطلع العامي الشيعي على هذه العقيدة لتعمد أفعال الكبائر لحصول اللذة الدنيوية، ولعلم بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيره. احتمال أفعال الكبائر... الكبائر، أو الكبار يعني المعاصي الكبار. بيقولوا إن دي، يعني: خاطبوا الناس عن العقول. إحنا لو قلنا للشيعة هي إيه مقتضى... يعني بيقول لك: إن أي شيعي بيعمل حاجة غلط مش جاية منه هو، دي الشر اللي فيه جاي من الطينة بتاعت السني، والسني إذا عمل حاجة صح أو خير فهي جاية من الطينة الشيعية. فعند الخلق الطينة اختلطت.

فطبعًا دي من العقائد السرية عندهم، فإذا أشيع هذا في العوام الذين لا فقه لهم، هيقولوا: خلاص، نتمادى في فعل الكبائر، لأن احنا مش مسؤولين، دي الطينة السنية هي اللي عملت فينا كده، هي اللي سولت لنا ارتكاب الكبائر. فهم، يعني هذا كما في كتاب الأنوار النعمانية لنقمة الله الجزائري، بيقول: لو أطلع العامي الشيعي على هذه العقيدة لتعمد أفعال الكبائر لحصول اللذة الدنيوية، ولعلمه بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيره، فسدًّا للذريعة ما تنشروش العقيدة دي في عوام الشيعة.

كانت هذه المقالة موضع إنكار من بعض عقلاء الشيعة المتقدمين، كالمرتضى وابن إدريس، لأنها في نظرهم، وإن تسلسلت أخبارها في كتب الشيعة، إلا أنها أخبار آحاد مخالفة للكتاب والسنة والإجماع فوجب ردها. لكن هذه الأخبار تكاثرت على مر الزمن، حتى قال شيخهم نعمة الله الجزائري: إن أصحابنا قد رووا هذه الأخبار بالأسانيد المتكثرة في الأصول وغيرها، فلم يبق مجال في إنكارها ما نقدرش ننكرها، يعني دي جزء من عقيدته، والحكم... فلم يبق مجال في إنكارها والحكم عليها بأنها أخبار آحاد، بل صارت أخبارًا مستفيضة بل متواترة. قال هذا في الرد على من أنكرها من شيوخهم السابقين.

والذي تولى كبر إرساء هذه العقيدة فيما يظهر هو شيخهم الكليني، الذي بوب لها بعنوان باب طينة المؤمن والكافر، وضمن ذلك سبعة أحاديث في أمر الطينة، ثم ما زالت تكثر هذه الأخبار من بعد الكليني حتى سجل منها شيخهم المجلسي سبعةً وسبعين حديثًا، يعني الكليني جاب بس سبعة أحاديث، بعد كده المجلسي بعد الكليني وصلها لكام؟ سبعة وسبعين حديثًا، في باب عقده بعنوان باب الطينة والميثاق.

وكان القارئ يتطلع إلى معرفة تفاصيل هذه المقالة، التي تجعل الشيعي يعتقد بأن كل بائقة يرتكبها فذنبها على أهل السنة. أي ذنب يرتكبه الشيعي، مين هيتعاقب عليه؟ السني هو المسؤول عنه. وكل عمل صالح يعمله أهل السنة فثوابه للشيعة. ولذلك فإن شيوخ الشيعة يكتمون ذلك عن عوامهم حتى لا يفسدوا عليهم البلاد والعباد.

هذه العقيدة أوسع تفصيل لها هو رواية ابن بابويه في علل الشرائع، حيث استغرقت عنده خمس صفحات، وختم بها كتابه، ورأى بعض شيوخهم المعاصرين أن هذا كمسك الختام، يعني أنه ختم الكتاب بعقيدة الطينة، فبعض المعاصرين بيفسر ختم الكتاب بهذا، فقال: إنه ختم بهذا الحديث الشريف كتاب علل الشرائع.

وملخص ذلك، ملخص عقيدة الطينة، يقول: بأن الشيعي خلق من طينة خاصة، والسني خلق من طينة أخرى، وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين، فما في الشيعي من معاصي وجرائم هو من تأثره بطينة السني، وما في السني من صلاح وأمانة هو بسبب تأثره بطينة الشيعي. فإذا كان يوم القيامة فإن سيئات وموبقات الشيعة توضع على أهل السنة، وحسنات أهل السنة تعطى للشيعة. وعلى هذا المعنى تدور أكثر من ستين رواية من روايتهم.

ويمكن أن يستنبط سبب القول بهذه العقيدة من الأسئلة التي وجهت للأئمة، والشكاوى التي رفعت إليهم، فالشيعة يشكون من انغماس قومهم بالموبقات والكبائر، ومن سوء معاملة بعضهم لبعض، ومن الهم والقلق الذي يجدونه ولا يعرفون سببه، ولكن يعزو إمامهم ذلك كله لتأثر طينة الشيعي بطينة السني في الخلقة الأولى.

ولنستمع إلى بعض هذه الأسئلة المثيرة التي تكشف واقع المجتمع الشيعي المغلق.

روى ابن بابويه بسنده عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرني عن المؤمن المستبصر، اللي هو مين؟ الرافضي. أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل، هل يزني؟ قال: اللهم لا. قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا. قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: لا. قلت: يا ابن رسول الله، إني أجد من شيعتكم من يشرب الخمر، ويقطع الطريق، ويخيف السبل، ويزني، ويلوط، ويأكل الربا، ويرتكب الفواحش، ويتهاون بالصلاة والصيام والزكاة، ويقطع الرحم، ويأتي الكبائر، فكيف هذا ولِمَ ذاك؟ فقال: يا إبراهيم، هل يختلج في شيء غير هذا؟ في حاجة ثانية تدخل عليك الشك والقلق كده غير الموضوع ده؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله، أخرى أعظم من ذلك. فقال: وما هو يا أبا إسحاق؟ قال: فقلت: يا ابن رسول الله، وأجد من أعدائكم ومناصبيكم، يعني أهل السنة، من يكثر من الصلاة والصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحج والعمرة، ويحرص على الجهاد، ويؤثر على البر وصلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه، ويواسيهم من ماله، ويتجنب شرب الخمر والزنا واللواط وسائر الفواحش، فما ذاك ولِمَ ذاك؟ فسره لي يا ابن رسول الله وبرهنه وبينه، فقد والله كثر فكري، وأسهر ليلي، وضاق ذرعي.

هذا واحد من الأسئلة والشكاوى التي تكشف انزعاج الشيعة من واقعهم المليء بالمعاصي والموبقات بالمقارنة بواقع سلف هذه الأمة وأئمة أهل السنة ومعظم عوامهم من تقى وأمانة وصلاح، وقد أجيب السائل بمقتضى عقيدة الطينة، وهي أن المعاصي الموجودة عند الشيعة، كان اللي بيعملها مش الشيعي، دي بسبب طينة أهل السنة اللي اختلطت به، والأعمال الصالحة التي تسود المجتمع السني إنما سببها مين؟ طينة الشيعي.

يأتي سائل آخر يدعى إسحاق القمي، فيقول لأبي جعفر الباقر: جعلت فداك، أرى المؤمن الموحد الذي يقول بقولي ويدين الله بولايتكم، وليس بيني وبينه خلاف، يشرب المسكر ويزني ويلوط، وآتيه في حاجة واحدة فأصيبه معبس الوجه، كالح اللون، ثقيلًا في حاجتي، بطيئًا فيها، وقد أرى الناصب المخالف لما أنا عليه، ويعرفني بذلك، وهو عارفك أني رافضي، فآتيه في حاجة فأصيبه طلق الوجه، حسن البشر، متسرعًا في حاجتي، فرحًا بها، يحب قضاءها، كثير الصلاة، كثير الصوم، كثير الصدقة، يؤدي الزكاة، ويُستودع فيؤدي الأمانة.

فهذا السائل يزيد عن سابقه بشكواه من سوء معاملة أصحابه، وجفاء طبعهم، وقلة وفائهم، على حين يجد أهل السنة، وهم خصومه، أحسن له من أصحابه، وأقضى للحاجة، وأفضل في الخلق والمعاملة والعبادة.

وقريب من ذلك ما شكاه بعض الشيعة إلى أبي عبد الله فقال: أرى الرجل من أصحابنا ممن يقول بقولنا خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد، فيغمني غمًا شديدًا، وأرى الرجل من المخالفين علينا حسن السمت، حسن الهدي، وفيًّا بالميعاد، فأغتم غمًّا.

يأتي سائل رابع يشكو ما يجده من قلق وهم لا يعرف له تقصيرًا. تقول روايتهم عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ومعي رجل من أصحابنا، فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني لأغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببًا. يبدو أن مصدر القلق تلك العقيدة غير الواضحة والمستقرة التي تأخذ بها الرافضة، ولكن إمامه يفسر هذا القلق بمقتضى عقيدة الطينة.

هذه الأسئلة والشكاوى وغيرها كثير توضح طبيعة التركيبة الشيعية في نفسيتها وعلاقاتها وخلقها ومعاملتها ودينها.

احتال شيوخ الشيعة لمواجهة هذا الإحساس الذي ينتاب بعض الصادقين من الشيعة إزاء هذه الظواهر المقلقة والمخيفة، فكانت محاولة الخروج من إلحاح هذه التساؤلات والشكاوى بقولهم بهذه العقيدة. لا، الحل إيه بقى؟ شكاوى كثيرة جدًا، طبعًا أكيد العقيدة تؤثر في السلوك والأخلاق، فيعني أهل السنة حتى وإن وجد فيهم شر، فالشر الذي فيهم أقل مما هو عند الرافضة، والخير الذي عند الرافضة إن وجد فهو قطعًا أقل من الخير الذي يوجد عند أهل السنة، فهو ده الحل. لما كثرت الشكاوى من أخلاقيات الرافضة، فاخترعوا عقيدة الطينة: ده أنتم مالكوش دعوة، أنتم ضحايا، الشر اللي فيكم ده جاي من أهل السنة، والخير اللي عندهم ده جاي مننا إحنا.

يقول: ولنستمع إلى بعض الأجوبة عن تلك الشكاوى. يقول إمامهم: يا إسحاق، اللي هو راوي الخبر يعني، لست تدرون من أين أوتيتم. ما انتش عارف الشر ده جاي منين. لست تدرون من أين أوتيتم؟ قلت: لا والله، جعلت فداك، إلا أن تخبرني. فقال: يا إسحاق، إن الله عز وجل لما كان متفردًا بالوحدانية ابتدأ الأشياء لا من شيء، فأجرى الماء العذب طيبًا طاهرًا سبعة أيام بلياليها، ثم نضب الماء عنها، يعني جف، فقبض قبضة من صفاوة ذلك الطين، وهي طينتنا أهل البيت، ثم قبض قبضة من أسفل ذلك الطين، وهي طينة شيعتنا، ثم اصطفانا لنفسه، فلو أن طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا، لما زنى أحد منهم، ولا سرق، ولا لاط، ولا شرب المسكر، ولا اكتسب شيئًا مما ذكرت. ولكن الله عز وجل أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيام ولياليها، ثم نضب الماء عنها، ثم قبض قبضة، وهي طينة ملعونة من حمأ مسنون، طين أسود متغير يعني، وهي طينة خبال، وهي طينة أعدائنا، فلو أن الله عز وجل ترك طينتهم كما أخذها، لم تروهم في خلق الآدميين، ولم يقروا بالشهادتين، ولم يصوموا، ولم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يحجوا البيت، ولم تروا أحدًا منهم بحسن خلق. ولكن الله تبارك وتعالى جمع الطينتين، طينتكم وطينتهم، فخلطهما وعركهما عرك الأديم، ومزجهما بالمائين، فما رأيت من أخيك من شر، لفظ أو زنا أو شيء مما ذكرت من شرب مسكر أو غيره، ليس من جوهريته، ليس من إيمانه، إنما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت، وما رأيت من الناصب من حسن وجه، وحسن خلق، أو صوم، أو صلاة، أو حج بيت، أو صدقة، أو معروف، فليس من جوهريته، إنما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها، وهو اكتساب مسحة الإيمان.

قلت: جعلت فداك، فاذا كان يوم القيامة، فمه؟ هنتحاسب على إيه؟ يعني كل واحد إيه، في بقى هنا ازدواجية في الشخصية، الخير اللي فيه ده الطينة بتاعة الشيعة، والشر اللي فيه مش هو اللي بيعمله، اللي بيعمله مين؟ السني، فهو بريء منه، والعكس طبعًا عند أهل السنة. المشكلة بقى: طب يوم القيامة؟ بيقول له: جعلت فداك، فاذا كان يوم القيامة، فمه؟ قال لي: يا إسحاق، أيجمع الله الخير والشر في موضع واحد؟ إذا كان يوم القيامة نزع الله عز وجل مسحة الإيمان منهم فردها إلى شيعتنا، ونزع مسحة الناصب بجميع ما اكتسبوا من السيئات فردها على أعدائنا، وعاد كل شيء إلى عنصره الأول. قلت: جعلت فداك، تؤخذ حسناتهم فترد إلينا، وتؤخذ سيئاتنا فترد إليهم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو.

هذه عقيدة الطينة عندهم.

وقد جاء في سياق رواية القمي في أولها قوله: خذ إليك بيانًا شافيًا فيما سألت، وعلمًا مكنونًا من خزائن الله وسره. وجاء في خاتمتها: خذها إليك يا أبا إسحاق، فوالله إنها لمن غرر أحاديثنا، وباطن سرائرنا، ومكنون خزائننا، وانصرف، ولا تطلع على سرنا أحدًا إلا مؤمنًا مستبصرًا، فإنك إن أذعت سرنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك.

إذا هي عقيدة سرية، أسروها لأنهم كانوا في محكومين بالدولة الإسلامية القوية، وما كانوا يجهرون بالإعلان بهذه الأشياء، يؤكد على سريتها في بدايتها ونهايتها. فهل خطر ببال مخترع هذه العقيدة أنها ستقع في أيدي أهل السنة، ويعلنونها أمام الملأ؟ إحدى فضائحهم.

ثم يختم بنقد هذه العقيدة فيقول:

أولًا: إن هذه الروايات ناقضت نفسها بنفسها. الشيعي كما ترى في عرض الشكاوى والأسئلة، هو أغرق في الجريمة، وأكثر إيغالا في المعاصي والموبقات، وأسوأ معاملة، وأردأ خلقًا ودينًا، فكيف يكون من هذه حاله أفضل طينة وأطهر خلقة؟

ثانيًا: قد خلق الله سبحانه وتعالى الناس جميعًا على فطرة الإسلام. قال عز وجل: فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. وقال عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، كما في الحديث القدسي، وكل مولود يولد على الفطرة. فالناس سواسية في الخلق على الفطرة السليمة، واضح؟ فالتفريق بين الناس بهذه الطريقة مما شذت به أساطير وخرافات الرافضة.

ثالثًا: ناقضت الشيعة في أخبار الطينة مذهبها في أفعال العباد، لأن مقتضى هذه الأخبار أن يكون العبد مجبورًا على فعله، وليس له اختيار. الموضوع ده، كل الشر اللي في الشيعي هو مالوش يد فيه، مش مسؤول عنه، ولا هيتعذب عليه، ده كله من شؤم طينة السني التي اختلطت به. يبقى هنا كان هو مالهوش اختيار في الموضوع، أذ أفعاله بمقتضى الطينة، مع أن مذهبهم أن العبد يخلق فعله، كمذهب المعتزلة.

رابعًا: تقرر أخبار طينتهم أن موبقات الشيعة وأوزارها يتحملها أهل السنة، وحسنات المسلمين جميعًا تعطى للشيعة، وهذا مخالف للعدل الرباني، ولا يتفق مع العقل الصريح، ولا الفطرة السليمة، فضلًا عن نصوص الشرع الشريف وأصول الإسلام. قال تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وقال تعالى: كل امرئ بما كسب رهين، وقال سبحانه: كل نفس بما كسبت رهينة، وقال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، وقال عز وجل: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم.

وهذه المقالة ظاهرة البطلان، يكفي مجرد تصورها لمعرفة فسادها، وهي من فضائح المذهب الاثني عشري وعوراته، ولا يستحيي الشيعة إلى اليوم من التجاهر بهذه العقيدة وإعلانها، فتجد أخبار هذه الفرية في بحار الأنوار والأنوار النعمانية، يعلق عليها المحقق الشيعي بما يؤكد رضاه عن هذه الأساطير واعتقادها. وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

بهذا نكون ختمنا المجلد الثاني، ويكون فرغنا من الكلام المفصل جدًا، كما رأيتم، في هذه الدراسة الرصينة العلمية. الحمد لله، في مدة معقولة تعتبر. فبقي لنا الجزء الثالث، وموضوعه مهم جدًا. موضوع الجزء الثالث في كتاب أصول مذهب الشيعة يناقش موضوعين أساسيين:

الأول: ما موقف الشيعة المعاصرين من عقائد الشيعة الأقدمين؟ هل لأن هناك من يدعي أو من يقول بأن ده الكلام ده قديم، ده دين الشيعة القديم، لكن هم دلوقتي الناس اتحسنوا واعتزلوا وكذا وتبرؤوا من هذا الكلام؟ فهو يناقش عقائد مما ذكرناه من قبل في ضوء كتب ومصنفات وتصاريح من الشيعة المعاصرين، ماذا يقولون؟ هل يقولون نفس الكلام، أو هناك اختلاف؟

الأمر الثاني: يناقش دولة الآيات، دولة الآيات في إيران، وأثرها على العالم الإسلامي، وخطرها على العالم الإسلامي، ثم يختم بالكلام على حكم الرافضة في ضوء كلام العلماء: هل هم مسلمون أم كفار؟

فإن شاء الله تعالى، يعني هذا هو الموضوع الآتي في المجلد الثالث.

يعني أنا أعتقد، حتى لو احنا بنقرأ قراءة جردية بدون تعليق، ده إنجاز في حد ذاته، يعني احنا كتاب زي ده... معلش طبعًا موضوع الصفحات ده مش عمدة يعني، لكن احنا خلصنا مثلًا ألفًا ومئة وأربعًا وستين صفحة، وإن شاء الله تعالى إذا ختمنا الكتاب بإذن الله، غالبًا الأخ اللي عنده كتاب ثلاث مجلدات، في الغالب ما بيقراهوش، يعني حتى أنت لو جيت الدرس عشان تسمع قراءة جردية، كأنه واحد بيقرأ نشرة أخبار كده وخلاص، ويقرأ، هي في حد ذاتها إنجاز، لأن أكيد ستعلق بذهنك أفكار معينة ومواقف معينة، وتربط بالملابسات فلا تنساها. فكم من شخص يقعد الكتاب عنده عشرين سنة في بيته، عشر سنين وهو ما فتحه، لكن في مثل هذه المجالس تحقق إنجازه، ولله الحمد، بفضل الله سبحانه وتعالى، إن في إنجازًا حتى الآن حققناه.

واحنا بنركز على موضوع الشيعة، اللي احنا مش ضامنين الظروف. خلينا نتكلم دلوقتي، يا عالم إيه اللي هيحصل. يعني في أحد الإخوة من إحدى البلاد كان موجودًا في درس يوم السبت، فقال لي: ده احنا في البلد اللي أنا عايش فيها وبشتغل فيها، لو أنا كلمت الكلام ده أرحّل فورًا، المطار فورًا، يطرد من البلد، واضح؟ مع أن الغلبة في هذه البلد لأهل السنة. فاحنا ما... يعني نتكلم وهي أشياء تبقى موجودة، يعني إن شاء الله كملفات، من يحتاجها يستطيع أن يصل إليها. فلا تستطيل مثل هذا البحث، بحث أكاديمي رصين مبني على أدلة وعلى علم، وأكيد مثل هذه البحوث الدكتوراه يشرف عليها علماء كبار يوجهون الباحث، وأيضًا خاصة إذا كان الباحث كمان كان ذكيًا لمعيا، كما هو واضح من الدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري حفظه الله تعالى.

فاكرين طبعًا؟ احنا قبل كده كنا درسنا كتاب مسألة التقريب بين السنة والشيعة. ده كتاب مهم جدًا، وهو اللي كان متاح، ما كانش لسه وجد هذا البحث. دي رسالة الماجستير. يبدو أنه كان هيعمل الدكتوراه في حاجة بعيدة خالص عن الموضوع ده، لكن يبدو أيضًا أن الأساتذة المشرفين عليه لما رأوا براعته في بحث التقريب، إن فعلًا بحث بارع، وأعتقد اللي هيحتاج يسمعه... احنا كنا اتكلمنا عليه تحت عنوان إيه بقى؟ دين الحقد والخرافة. دين الحقد والخرافة في سلسلة موجودة، ممكن تراجعوها أو تقرؤوا الكتاب. فلما رأوا براعته في البحث وجديته، وأنه بذل أقصى ما يستطيع من جهد في التوثيق من المراجعة الأصلية، قالوا: لا، ده أنت ما تعملش في حاجة تانية، أنت تعمل الدكتوراه في أصول مذهب الشيعة.

أنا أكاد، يعني يغلب على ظني، أنه كان هيسمي البحث أصول دين الشيعة، ولكن المصلحة اقتضت أنه يسميه مذهب الشيعة، لأن هو دين، يعني الذي يؤدينا إليه هذا الكلام أن ده دين آخر، ليس هذا هو الدين الذي جاء به جبريل إلى قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ليس هو الذي نزل به الروح الأمين، ده دين آخر، دين مصنوع صناعة أرضية، وليس تنزيلًا إلهيًا كما رأينا.

فالناس اللي لسه بتشوش على خلق الله، وبتسهل الغزو الرافضي، وتقول ما فيش فرق، دي بتمارس عملية تمهيد للغزو الرافضي لشباب المسلمين. نحن الآن عن علم وعن بصيرة، ويكفي أننا لم نحتج أصلًا لذكر الخلافات الفرعية، مع أن الخلافات الفرعية فيها كوارث، القضايا بقى: الطلاق والزواج والطهارة والمعاملات والجهاد وكل الأشياء دي فيها كوارث، لكن احنا ركزنا فقط على الأصول. لكن هناك بحوث مفصلة، في بلد الدكتور الثالوث حفظه الله، وقبل ذلك مختصر التحفة الاثني عشرية، تعرض لكم كبيرًا من الفروع وضلال الشيعة في قضايا الفروع. لكن احنا بنهتم بالأصول لأن خلافنا معهم هو في الأصول أساسًا، ها؟ فلا بارك الله بعد الأصل في الفرع. هنعمل إيه بالفروع؟ احنا كلنا في العقيدة الأول.

فلذلك نحن نستحضر هنا كلمة العلامة النحرير، الإمام الجليل، العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى. شوف الفقه بقى بتاع العلماء والفهم. لما أتاه وفد من علماء الرافضة يريدون مناظرته، فقال لهم: كيف أناظركم ونحن لنا أصول ولكم أصول؟ وبعبارة أخرى: لكم دينكم ولنا دين. ثم إنكم فوق ذلك أهل كذب ونفاق.

يعني مجرد بس نحلل هذه العبارة العظيمة للشنقيطي. عبارة في غاية التركيز، عبارة منهج، منهج متكامل، فاهم القضية وعارف كل أبعادها، عارف هو بيقول إيه. في حين لو واحد ساذج ممكن يقول: تعال نتناظر، يا ريت ربنا يهديهم للحق. لكن عشان فهمهم، قال لهم: كيف أتناظركم؟ أنتم تهمون في فراغ، مش واقف معاكم على نفس الأرضية، ده بيسبح في الفراغ. كيف أناظركم ولكم أصول ولنا أصول؟ يعني عند التنازع هنحكم بأي أصول؟ مش بنرتد لأصولنا عند التنازع؟ نتحكم الأصول. لا، أنتم في القرآن موقفكم معروف، سواء الطعن في القرآن الكريم أو إفساد معاني القرآن الكريم بالتأويلات الباطنية، السنة سنتكم غير سنتنا على الإطلاق، مالهاش علاقة بالسنة خالص، كلمنا عن هذا بالتفصيل من قبل، ما فيش حاجة بنجتمع معاهم عليها، فأصول مختلفة تمامًا، الإجماع مختلف، ها، فضلًا عن باقي الأدلة الشرعية. فكيف أتناظر معكم ولكم أصولكم ولنا أصول؟

وبعبارة أخرى: لكم دينكم ولنا دين. هذا لا يمكن أن يكون دين الإسلام، لا يمكن يكون هذا الكلام الذي درسناه حتى الآن هو دين الإسلام، ليس هذا. هل هذا ما نزل به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هذا الضلال المبين، عبادة الأئمة بهذا الغلو والخرافات والأساطير والحقد ولعن الصحابة وتكفيرهم، كل هذه الأشياء لا يمكن يكون هذا هو دين الله سبحانه وتعالى الذي ابتعث به العالمين.

ثم: إنكم فوق ذلك أهل كذب ونفاق. ده أنتم عندكم التقية عبادة، فبالتالي ممكن نتناظر وتظهر لي أنك موافقنا، وأنت في قلبك تسر خلاف ذلك، فلا تصلح المناظرة مع من هذا حاله.

على أي حال، ده موقف من مواقف بعض العلماء. هناك علماء آخرون يتلطفون بهم في المناظرة، وينجزون أشياء، لأنه بلا شك يعني مش معنى كل شيعي أنه هنسويه بعلمائهم الكبار، الآيات، لأن الآيات دول ناس منتفعون ماديًا أساسًا بسبب الخمس، يعني أنا أعرف قساوسة في أمريكا كنت أسمع عنهم، يعني كنت أسافر هناك، قساوسة يتحدثون مع الإخوة يقرون بأنهم يعرفون أن هذا ليس بدين، وأن الإسلام دين الحق، لكن يقول: أنا لو سبت الوظيفة بتاعتي هفقد الأموال وأفقد كذا والوضع الاجتماعي والتسهيلات اللي بتحصل لي. ففي نوع من الامتيازات يحصل عليها بسبب هذا الانتماء لهذا الدين، فيعز عليه أن يضحي بها إذا أسلم أو إذا أظهر حقيقة أنه لا مؤمن لا بالمسيح ولا كذا ولا كذا.

فالشاهد يعني، نفس الشيء، الدوافع المادية لها تأثير كبير جدًا في إصرار آيات الرافضة وعلمائهم على تزيين هذا الدين في عيون أتباعهم. فزي ما عندنا مجتمعاتنا فيها ناس تحمل أسماء الإسلام وهو علماني، ما عندوش ولا فاهم حاجة في أي شيء في الدين، طبعًا أكيد توجد قاعدة عريضة جدًا من الشيعة لا عندهم خبر، لا عارفين دينهم ولا دين أهل السنة أصلًا، هذا وارد في مثل هذا العصر. لكن فلذلك هؤلاء ينبغي أن يستهدفوا بالدعوة، لأن ممكن ناس كثير جدًا من الرافضة، من شباب الرافضة، إذا سمع هذا الكلام ينير الله قلبه ويهديه إلى الحق، هذا وارد.

فبالتالي، يعني إن شاء الله تعالى، نحن نستكمل المسيرة، ونحاول أن ننجز الكتاب في المتبقي، لأنه مش كبير قوي زي ده، في أقرب وقت ممكن.

ونكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

 

  • الاحد PM 01:34
    2026-04-26
  • 11
Powered by: GateGold