المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902990
يتصفح الموقع حاليا : 366

البحث

البحث

عرض المادة

الإقرار بوجود الخالق ليس إيمانا

الإقرار بوجود الخالق ليس إيمانا

 

الشيخ محمد إسماعيل المقدم

إن معرفة الله تعالى تكون بتوحيده لا بمجرد الإقرار بوجوده، لأن بعض المتكلمين قد يطلق معرفة الله عز وجل على مجرد الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى، وإذا تسامحنا في هذا الإطلاق باعتبار أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإن ما لا يمكن التسامح فيه أن يوصف من يقر فقط بوجود الله تعالى بأنه مؤمن في مقابلة الملحد.

لما ألف كريسي موريسون كتابه Man Does Not Stand Alone يعني: الإنسان لا يقف وحده، سمى المترجم هذا الكتاب: العلم يدعو للإيمان، وهذا الاستعمال، أي استعمال كلمة مؤمن في مقابلة ملحد، بمعنى أن مؤمن تعني مقرًا بوجود الله، هذا الاستعمال شاع في هذا السياق، وبخاصة بعد بروز قرن الإلحاد الحديث.

ويكفي في الرد على هذا أن إبليس كان عارفًا بالله مصدقًا بربوبيته، قال سبحانه عن إبليس: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، وقال عز وجل: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.

يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: حدثت في القيروان مسألة في الكفار: هل يعرفون الله تعالى أم لا؟ يعني: هل يصح أن يوصف الكفار بأنهم يعرفون الله تعالى أم لا؟ يقول: فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ذلك السنة العامة، وكثر المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذهبوا إلى أبي عمران الفاسي، فقال: إن أصدم علمتكم؟ قالوا: نعم. قال: لا يكلمني إلا رجل ويسمع الباقون. فنصبوا واحدًا، فقال له: أرأيت لو لقيت رجلًا فقلت له: أتعرف أبا عمران الفاسي؟ قال: نعم. فقلت له: صفه لي. قال: هو بقال في سوق كذا، ويسكن سكة كذا. أكان يعرفني؟ فقال: لا. فقال: لو لقيت آخر فسألته كما سألت الأول، فقال: أعرفه، يدرس العلم ويفتي ويسكن بغرب الشماط. أكان يعرفني؟ قال: نعم. قال: فكذلك الكافر، قال لربه صاحبة وولدًا، وأنه جسم، فلم يعرف الله تعالى، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن. فقالوا: شفيت، ودعوا له، ولم يخوضوا بعد في المسألة.

فعدم العلم جهل، والخطأ في العلم جهل.

لو أن رجلًا رأى سيارة فقال: هذه طائرة، فلا هو يعرف السيارة ولا يعرف الطائرة.

يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: المشركون والكتابي وغيرهم عرفوا الله تعالى، بمعنى أنهم لم يجحدوه، وعرفوا أنه خالقهم. قال تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون، وقال تعالى: قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض. فهؤلاء لم ينكروا الباري ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، طبعًا عرفوه بمعنى أنهم أقروا بوجوده، وإنما جهلوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، والمؤمن عرف ربه بصفات الكمال، ونفى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكف عما لا يعلم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عرف الله من وجه، وجهله من وجوه. انتهى كلام الإمام الذهبي.

ويحكى عن بعض الأئمة أنه ناظر بعض علماء اليهود، فقال له اليهودي: أنا لا أوافقك على نبوة محمد، وأنت توافقني على نبوة موسى. فقال له الإمام: إن كان موسى الذي أقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبشر به، فأنا أوافقك على نبوته، وإن كان الذي ما أقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا أوافقك على نبوته. فانقطع.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.

وقال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله: أما قوله: الإيمان أن تؤمن بالله، فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبًا للاستنكار والمعاند، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه.

إن الإقرار بوجود الله بدون الإقرار النطق بالشهادتين لا يخرج من الكفر، ولا يدخل في الإسلام، والدليل حال المشركين الذين أقروا بتوحيد الربوبية، ومع ذلك وصفهم الله تعالى بالكفر، فقال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به.

ولا شك أن هؤلاء المشركين فيما مضى أحسن حالًا من الملحدين منكري الصانع سبحانه وتعالى، لأن توحيد الربوبية الذي كان عليه المشركون يعني أنهم كانوا يوحدون الله بأفعاله من الإحياء والإماتة والخلق والرزق والتدبير ونحوها، فكانوا يقرون أنه لا يفعل ذلك إلا الله، بمعنى أنهم كانوا يقولون: لا خالق إلا الله، ويستكبرون عن عبادته: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون.

وأسوأ منهم الملحدون الذين قالوا: لا خالق، ولم يستثنوا.

فالمشركون الأوائل كانوا يقولون: لا خالق إلا الله، والملحدون المعاصرون يقولون: لا خالق.

فإن قال قائل: قد أثبت الله تعالى لهم فعل الإيمان في قوله عز وجل: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، فالجواب أن ظاهر الآية وسياقها في الكفار الخالدين في جهنم، ووصفهم بالإيمان ممكن، ولكنه ليس الإيمان المطلق، وإنما هو الإيمان المقيد بما يبين فساده وأنه لا ينفع، كما في قوله تعالى: إلا وهم مشركون، فنقول: هذا إيمان المشركين، وهذا إيمان الكفار، ونحو ذلك، فيكون معنى الآية مماثلًا لقوله تعالى: ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا، يعني إيمان المشركين.

وإن قال قائل: فقد أثبت الله عز وجل لهم وصف الإيمان في قوله سبحانه على لسان المشركين: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فالجواب: نعم، أثبت لهم الإيمان بمعنى إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له، لكن هذا الإيمان كان فقط عند حلول العذاب، مثل إيمان الكفار حين يعاينون جهنم، فيقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون، فإن هذا الإيمان واليقين لا قيمة له، لأنه يقع منهم في دار الجزاء الأخروي بعد فوات الفرصة في دار الامتحان.

قال تعالى: والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير.

وقال تعالى: فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون.

وقال جل وعلا: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون.

وقال سبحانه: استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير.

وقال تعالى: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون.

إن الإيمان المعتبر هو الإيمان الإرادي الاختياري الكسبي في دار الدنيا، أما الإيمان الذي يقوم على الإكراه فلا قيمة له ولا اعتداد به، ولا تترتب عليه آثار الإيمان الاختياري، ومن ثم قال تعالى: لا إكراه في الدين.

كذلك الإيمان عند نزول العذاب لا قيمة له، لأنه يحدث بالاضطرار والإلجاء، ولأنه جاء في غير وقته.

قال تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون.

ومنه قوله عز وجل على لسان الكفار لما أتاهم العذاب: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.

ومثله قوله تعالى في حق فرعون: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.

إذا فمعرفة الله تعالى تكون بتوحيده، لا بمجرد الإقرار بوجوده، ومجرد الإقرار بوجود الخالق عز وجل لا يستحق صاحبه وصف الإيمان، بل لا يكون إيمان إلا بتوحيد الله تبارك وتعالى والإتيان بالشهادتين.

  • الاحد PM 01:50
    2026-04-26
  • 7
Powered by: GateGold