المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902990
يتصفح الموقع حاليا : 366

البحث

البحث

عرض المادة

الإلحاد غير مستطاع

الإلحاد غير مستطاع

 

الشيخ محمد إسماعيل المقدم

ما معنى أن الإلحاد لا يستطاع؟

لو أبيح للإنسان أن يلحد وينكر وجود الخالق عز وجل، لكان هذا أمرًا فوق طاقة البشر، ولا يحتمله العقل ولا يستطيعه، فإن الإقرار بالخالق عز وجل ضروري فطري بديهي أولي، ولا يمكن أن يتجاسر إنسان على دعوى إنكار وجود رب العزة سبحانه وتعالى إلا إذا كان مجنونًا فاقد العقل، أو عاقلًا لكنه جاحد معاند مستكبر يدعي بلسانه، وعقله وفطرته يكذبان.

قال الشاعر:
ألا إننا كلنا بائد
وأي بني آدم خالد
وبدؤهم كان من ربهم
وكل إلى ربه عائد
فيا عجبًا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة
وتسكينة أبدًا شاهد
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد

إن من هان عليه الحق هان على الحق جل جلاله.

قال الله تعالى في الكفار: نسوا الله فنسيهم، وقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وقال عز وجل: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين، وقال تبارك وتعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون.

وقال سبحانه: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وقال جل وعلا: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلًا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلًا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.

وقال سبحانه: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

إن الملاحدة المعاندين المستكبرين عوقبوا بسبب عنادهم وجحودهم واستكبارهم بأن حجبهم الله عنه بقهره وبطشه.

قال الله عز وجل: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. إنه القهر الذي قال فيه سبحانه: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدًا. إنه القهر نفسه.

الذي أعمى بصيرة فرعون وهو يرى ببصره الآية القاطعة في انفلاق البحر، الدالة على أن موسى على الحق المبين، وأنه مؤيد من رب العالمين، ويشهد بعين بصره كيف وقف الماء بأمر الله وانكشف قاع البحر: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، واجتازه موسى ومن معه، لكن الله أعمى بصيرة فرعون عن موضع العبرة في هذا كله، فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، ومضى فرعون مقتحمًا يسوق نفسه إلى حتفه بظلفه، فأهلكه الله وجنده جزاء استكباره وجحوده وبغيه، وما ربك بظلام للعبيد.

تأمل في حال الملاحدة والمعاندين والمستكبرين، تجد أنهم محجوبون فعلًا عن شهود الله، ولكن بأي شيء حجبوا عنه؟ إنما حجبوا عنه بقهره وبطشه، وقاهر الله لا تحتاج إلى أداة يستعان بها للستر أو الحجب، وإنما يتوقف الأمر على القضاء الإلهي فقط، الدال عليه قول الله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وقول الله عز وجل: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.

ولكن من هم أولئك الذين قهرهم الله بالحجب عنه دون حاجب؟ هم الذين حاق عليهم غضب الله ومقته، وإنما يحيق مقته وغضبه بالمعاندين والمستكبرين عليه فقط دون بقية الناس جميعًا.

في الناس من يستبد بهم الكبر والعناد، فيتجاوز به المكونات كلها التي تشع مرآه في أبصارهم وبصائرهم، ثم إنهم يصرون إصرار المستكبر على تجاهلهم الكاذب، فيحق بهم غضب الله العاجل في الدنيا، ويحجبهم عن شهود ذاته العلية دون ما حجاب، ويغيبهم عن رؤية حكمه وسلطانه دون ما حاجة إلى شيء يحجبهم به عنه، وإنما هو نوع من العمى يسدل على أبصارهم وبصائرهم، فإذا هم محجوبون عن شهود الله عز وجل، غائبون عن دلائله وأنواره التي تفيض بها المكونات كلها، وقد كانوا قبل ذلك يرونها أو يدركونها متجاهلين مستكبرين.

فهؤلاء هم الذين قال الله عز وجل عنهم: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل.

إن عدم فقه القلوب، وعدم إبصار الأعين، وعدم سماع الآذان، لا يتوقف على حاجز موجود يحول دون ذلك، بل يكفي أن يفقد الله عز وجل منها الإدراك والإبصار والإسماع، وإذا هي كما شاء الله عز وجل لا تفقه ولا تبصر ولا تسمع.

إن الذي غضب الله عليه يحجب عن شهود الله والدنو من حضرته بسر من الغضب ذاته، ويتحول قلبه إلى ما يشبه قطعة من الحجر الصلد، بل يؤول به الأمر إلى ما هو أقسى من الحجارة.

ألم تقرأ قول الله عز وجل: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون.

  • الاحد PM 02:03
    2026-04-26
  • 7
Powered by: GateGold