ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الدهرية لم ينكروا وجود الله
الدهرية لم ينكروا وجود الله
الشيخ محمد إسماعيل المقدم
إن قيل: قد جاء في القرآن ما يدل على أن من الكفار من أنكر وجود الله سبحانه، فقد قال الله تعالى في الدهريين: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون.
ومعنى قولهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، يعني نحن، وتحيا أبناؤنا بعدنا، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم، وذلك نظير قول الناس: ما مات من خلف ابنًا مثل فلان. أو يكون معنى: نموت ونحيا: نحيا ونموت، على وجه تقديم الحياة قبل الممات، والعرب تفعل ذلك في الواو خاصة، ومرادهم نكون مرة أحياء وأخرى أمواتًا، فالجملة من قبيل التأخير والتقديم، ومرادهم: نموت ونحيا، أي إننا نحيا ثم نموت، ولا شيء غير هذه الحياة والموت.
وقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر يمكن أن يكون إضافتهم الإهلاك إلى الدهر كإضافات إلى الأنواء والكواكب، مع قول الله تعالى عنهم: ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون. فمع أنهم يقرون أن الله هو الذي ينزل من السماء ماءً، لكنهم أيضًا يضيفون المطر إلى الأنواء وإلى الكواكب.
روى الشيخان عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب.
وهؤلاء الذين ذكر الله عنهم قولهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، هؤلاء كذبوا بلقاء الله وأنكروا المعاد الجسماني، ومع ذلك كانوا يقرون بوجود الله تعالى، فلا تلازم بين إنكار المعاد وبين جحد الصانع، فالمشركون كانوا يقرون بوجود الله لكنهم كانوا ينازعون في البعث والنشور، فلا تلازم بين إنكار المعاد وبين جحد الصانع.
قال الله تعالى: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد. انظر إلى بقية كلامهم: أفترى على الله كذبًا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد. مع أنهم ينكرون البعث والنشور، يزعمون أن الرسول الذي يخبرهم بالبعث والنشور والإحياء في الآخرة يفتري على الله كذبًا، إذًا هم يؤمنون بوجود الله مع إنكارهم للبعث والنشور.
فتكذيبهم بالبعث لم يكن ناشئًا عن إنكارهم وجود الله عز وجل، ولكنه كان ناشئًا من إنكارهم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى بعد أن بليت أجسادهم وضلوا في الأرض. قال سبحانه: وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد.
ولذلك دار تفنيد ضلالهم حول محور بيان أن الذي خلق الخلق من العدم أول مرة قادر على أن ينشئه مرة أخرى. قال تعالى: وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم.
ولم ينقل عن العرب أنهم جحدوا الصانع، بل كانوا معترفين بوجود الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، ولكن شاع في آثارهم الأدبية ذكر الدهر وتقلباته وغدره. في الوقت نفسه نجد في أشعارهم ذكرًا لله عز وجل على اعتبار أنه الفاعل المتصرف المدبر للأمور كلها، مع اعتقادهم في الشركاء له سبحانه.
ولنأخذ مثالًا يوضح لنا أن العرب لم تنكر وجود الله وإن نسبت بعض الحوادث للدهر. يقول زهير بن أبي سلمى:
بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم
وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
وفي القصيدة نفسها يقول:
بدا لي أن الله حق فزادني
إلى الحق تقوى الله ما قد بدا ليا
ألم تر أن الله أهلك تبعًا
وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى
وفرعون أردى جنده والنجاشيا
فتراه في قصيدة واحدة ينسب البقاء إلى الدهر، ولكنه في الوقت نفسه يرد الأمور كلها لله.
ويبدو أن جميع العرب في الاعتراف بوجود الله، وبين نسبتهم بعض الحوادث للدهر، جرى مجرى العادة لا مجرى العقيدة، فهم من ناحية العقيدة يعترفون بوجود الله ويشركون معه المظاهر الأخرى من أصنام وكواكب وغيرها، ومن ناحية العادة يذكرون الدهر وينسبون إليه بعض الأمور، بل ويسبونه أحيانًا كما يفعل البعض الآن في مثل قولهم: الدنيا لا تترك أحدًا في حاله، أو: هكذا الدنيا، حين يخبر البعض بموت شاب أو فتاة أو ذهاب مال وخلافه، مع اعتقاد القائل تمام الاعتقاد بالله الواحد، وأن الدنيا لا تفعل ولا تنفع ولا تضر.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر: يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، أي ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداء والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع. انتهى كلام الحافظ ابن كثير.
وقال الأستاذ علي بن نايف الشحود: والذين أطلق عليهم اسم الدهريين قوم ينكرون البعث إنكارًا مطلقًا، ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، أي لا توجد حياة أخرى بعدها، يموت منا من يموت ويحيا منا من يحيا، وما يهلكنا إلا مرور الزمن، فكلما مر الزمن ماتت نفوس، ولكن لا بعث وراء ذلك ولا حياة. أما إنكارهم لوجود الله فلا تدل عليه هذه الآية في سورة الجاثية دلالة صريحة ولا دلالة لازمة، والقوم إنما نسبوا إلى الدهر، أي إلى مرور الزمن، أنه هو الذي يهلكهم، ولكنهم لم يقولوا إن الدهر هو الذي خلقهم، أو هو الذي منحهم الحياة، أي إنهم لم يتخذوه إلهًا بدلًا من الله.
وحتى لو فرضنا جدلًا بغير دليل يقيني أنهم أنكروا وجود الله، فليس هناك من يقول إنهم كانوا كثرة يحسب لها حساب، ولا إنهم كانوا هم الصورة الغالبة للجاهلية.
أما إنكار وجود الله على النحو الذي تتبجح به الجاهلية المعاصرة، وبالسعة التي تمارس بها ذلك التبجح، فأمر غير مسبوق في تاريخ البشرية.
-
الاحد PM 02:18
2026-04-26 - 10



