ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
النمرود أنموذج الملحد المعاند المكابر
النمرود أنموذج الملحد المعاند المكابر
الشيخ محمد إسماعيل المقدم
فيما يلي نذكر جواب بعض الشبه التي قد يستدل بها على أن القرآن الكريم أثبت عن بعض الكفار جحود الصانع.
الشبهة الأولى: قال الله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا قد يقال إنه كان جاحدًا للصانع، يعني أن بعض الناس قد تستدل بهذه الآية الكريمة على أن القرآن حكى عن بعض الناس أنهم كانوا ينكرون وجود الله تعالى. يقول: فهذا قد يقال إنه كان جاحدًا للصانع، ثم قال شيخ الإسلام: ومع هذا فقصته ليست صريحة في ذلك، بل يدعي الإنسان إلى عبادة نفسه، وإن كان لا يصرح بإنكار الخالق مثل إنكار فرعون. انتهى كلام شيخ الإسلام.
فمراده عنادًا ومكابرة، طلب من الخليل عليه السلام دليلاً على وجود الخالق سبحانه الذي يدعو إليه، فقال الخليل: ربي الذي يحيي ويميت، أي إن الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا الدليل على وجود الفاعل المختار ضروري، لأن هذه الأشياء لم تحدث بنفسها، ولم تحدث من غير محدث لها، كما قال تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون.
وعلى الرغم من وضوح هذا الدليل وقوته، إلا أن النمرود كابر وعاند، وادعى أنه يفعل مثل ذلك.
هنا نشير إلى أن المستقر في فطر جميع الخلق أن الإحياء، الذي هو نفخ الروح في الجسد، والإماتة التي هي نزع الروح منه بغير الأسباب التي يقدر عليها الخلق، من اختصاص الله، والرب الذي جاء بالشمس من المشرق عند كل إنسان، لهذا قال له: إن كنت محقًا فأت بها من المغرب، فإنه لا فرق بين الأمرين، وذلك لازم لدعواه، فانقطع الكافر وبهت.
إذًا على الرغم من وضوح هذا الدليل: ربي الذي يحيي ويميت، ورغم قوة هذا الدليل، إلا أن النمرود كابر وعاند، وادعى أنه يفعل مثل ذلك.
ذكر قتادة وغير واحد أن النمرود فسر الإحياء والإماتة بقوله: إني أؤتى برجلين استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل.
قال ابن كثير رحمه الله: والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت.
فطبعًا حينما نقول إن الله عز وجل يحيي ويميت، فنقصد بالإحياء نفخ الروح في الجسد. أما النمرود فادعى أنه حينما يعفو عن الشخص الذي استحق القتل فإنه قد أحياه بهذا المعنى. كذلك الإماتة التي جاءت في قوله: ربي الذي يحيي ويميت هي نزع الروح من الجسد بغير الأسباب التي يقدر عليها الخلق. الخلق يقدرون على قتل بعضهم بعضًا، فليس معنى أن من قتل إنسانًا مثله أنه يصير بهذا مميتًا كما يميت الله عز وجل الأحياء.
فالكلام فيما في الأسباب التي يختص الله عز وجل بها، لا فيما يزاوله الناس فيما بينهم.
لما وجد إبراهيم عليه السلام خصمه مكابرًا لا يجد عنه محيصًا، وهو قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين، أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت، فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام، بهت، أي أخرس فلم يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين.
وقال الإمام ناصح الدين أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله تعالى: فصدر من خصمه معارضة إلا أنها فاسدة، يعني أن النمرود عارض إبراهيم حينما قال: أنا أحيي وأميت، لكن هذه المعارضة لا تصلح، بل هي معارضة فاسدة. لماذا؟ لأن حقيقة الإحياء والإماتة التي فسرها خصمه النمرود غير الذي قصده إبراهيم، فلا يخلو حال نمرود: إما أن يكون ما فهم حقيقة الإحياء والإماتة، أو فهم إلا أنه قصد المصادمة والمباهتة في حجاجه، ومتى كان الخصم بهذه الصفة جاز لخصمه الانتقال إلى دليل آخر أقرب إلى الفهم وأفلج.
على هذا الكلام، وهو أن الإمام ناصح الدين الحنبلي ذكر أن ما فعله إبراهيم حين قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، سمى هذا انتقالًا، لكن في الحقيقة كما سيبين إن شاء الله تعالى ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يأتي، هذا لا يسمى انتقالًا من حجة إلى حجة أوضح منها، لكن هذا إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة، كما سيبين إن شاء الله تعالى ابن القيم.
وقال أبو علي عمر السكوني رحمه الله: واعلم أن موضع التوارد في السؤال والجواب في هذه المناظرة هو أن نمرود لعنه الله في قوله: أنا أحيي وأميت ليس متعرضًا لإبطال قول الخليل عليه السلام، ولكنه مدع للمشاركة، يعني كأنه يقول: أنا أيضًا أحيي وأميت، وليس يقصد أن ينفي عن الله أنه يحيي ويميت، فهو مدع للمشاركة في وصف الألوهية بادعائه الإحياء والإماتة.
حقيقةً إنما أتى نمرود بوجه من المجاز، وهو أنه عمد إلى رجلين من سجنه فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فحاد عن الحقيقة إلى التلبيس بالمجاز على الجاهلين من أتباعه.
وسؤال الخليل عليه السلام لنمرود يجب حمله على الحقيقة، لأنها الأصل، فلما تبين نقض ما أتى به نمرود من نفس الكلام، لم يحتج الخليل عليه السلام إلى بيان ذلك، لأن بيان الجليات عيّ. يعني هو قال له: ربي الذي يحيي ويميت بالمعنى الحقيقي المعروف، الإحياء والإماتة، فهو قال: أنا أحيي وأميت، فرد عليه بمجاز، فهو يكون قد هزم في هذا الجزء من المناظرة، ولم يحتج إبراهيم لوضوح دليله إلى بيان ذلك، ولا إلى الرد عليه بعد ما قال: أنا أحيي وأميت. لماذا؟ لأن بيان الجليات عيّ.
فلما علم النقض على نمرود من نفس كلامه، تم الإبطال عليه بالمعارضة، فعارضه الخليل عليه السلام بالشمس ليسد في وجهه باب تلبيسه بالمجاز، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.
وهذان الوجهان هما أقصى ما به ترد شبه المبطلين، وهما: النقض والمعارضة.
ثم في طي هذه المعارضة نقد آخر على نمرود، لأن ما أورده المدعي على ألوهيته يجب اطراده والطرد، وهو ما يوجب الحكم لوجود العلة تلازمًا في الثبوت، يعني الإله الذي يقدر على أن يحيي ويميت يكون على كل شيء قدير، ومما يدخل في هذه القدرة أنه يأتي بالشمس من المشرق، فإن أراد أن يأتي بها من المغرب لأتى بها من المغرب. فإذا ما أورده المدعي كدليل على ألوهيته يجب اطراده، اللي هو مثلًا هنا عموم القدرة على كل شيء، لأن دلائل الألوهية كذلك في دلالتها على عموم الاقتدار، فلما لم يطرد مدعاه دلالة على قدرته الربانية، وعجز في أي شيء كان، انتقض دليله، لأنه لم يطرد في الحقيقة والعموم، فلم يكن دليلًا.
فشمل الوجه الواحد النقد في الباطن والمعارضة في الظاهر. ولو قال نمرود: أنا الذي آتي بها من المشرق، ولم يكن خارجًا بذلك عن السؤال، إذ القادر على الشيء قادر على مثله وضده، فعجزه عن الإتيان بها من المغرب شاهد لعجزه عن الإتيان بها من المشرق.
ولو صح له ما ادعاه من الوصف بما أبداه، لصحت مشاركة كل الناس فيما ادعاه، لأن أحدًا من الناس لا يعجز عن إبداء مثل ما أبداه، كما ادعى في موضوع الإحياء والإماتة، كل الناس تستطيع أن تفعل ذلك، فإذا كل الناس تصير آلهة.
ولو صح له ما ادعاه من الوصف بما أبداه، لصحت مشاركة كل الناس فيما ادعاه، لأن أحدًا من الناس لا يعجز عن إبداء مثل ما أبداه، ولو في أي حيوان كان، لكن لا يصح لغيره الوصف الذي ادعاه بمثل ما أبداه اتفاقًا وتحقيقًا دقيقًا، فلا يصح له ضرورة المساواة في الحكم والصفة والذات.
فكان انقطاع نمرود في هذه المناظرة من وجهين:
الأول: حيده عن الحقيقة، لأنه هرب من الحقيقة إلى المجاز، مع أن الحقيقة هي الأصل، فهو الذي حاد، وهو الذي انتقل، وليس الخليل عليه السلام.
الأمر الثاني: أنه بهت، صار عاجزًا عن معارضة الخليل له بما لا مجاز فيه.
وقال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: فإن من تأمل موقع الاحتجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية، وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة، فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد، فقد أحيا هذا وأمات هذا، فالزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة، يعني معنى هذه المعارضة: بما أنك تدعي أنك تحيي وتميت بهذا المعنى، تدعي أنك إله أو أنك تشارك الله في هذا، ألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة بأن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقًا فليطرد مقتضى دعواه.
وليس هذا انتقالًا من حجة إلى حجة أوضح منها، كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة. معنى ذلك أنه إذا كان فعلًا يحيي ويميت، فالإله الذي يحيي ويميت قادر على كل شيء، ومما يقدر عليه أن يأتي بالشمس من المشرق، فإن ادعى أنه يأتي بالشمس من المشرق، فيكون السؤال: فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.
-
الاحد PM 03:17
2026-04-26 - 11



