المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902990
يتصفح الموقع حاليا : 365

البحث

البحث

عرض المادة

موقف علماء الشيعة المعاصرين من فرية التحريف

موقف علماء الشيعة المعاصرين من فرية التحريف

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فنشرع بإذن الله تبارك وتعالى في مدارسة الجزء الثالث والأخير من كتاب أصول مذهب الشيعة.

وفي الحقيقة محتوى هذا الجزء شديد الصلة بواقعنا مع الرافضة في هذا العصر، لأن الدكتور القفاري حفظه الله تعالى هنا ركز على الشيعة المعاصرين وصلتهم بأسلافهم، وفي هذا أبلغ جواب ورد على الذين يقولون إن هذه القضايا التي ذكرتموها من قبل عن عقائد الشيعة وأصول دينهم، هذه أمور قديمة عفا عليها الزمان، أما الشيعة المعاصرون فهم ناس برآء من هذا، ولا يختلفون معنا إلا في أمور فرعية يسيرة، وهذه خلافات عفا عليها الزمان كما يقولون.

فهنا يثبت مدى الارتباط الوثيق بين الشيعة المعاصرين وبين أسلافهم، بل كيف أنهم نحوا إلى الغلو في كثير من القضايا والأصول كما سنبين إن شاء الله تعالى.

ثم بعد ذلك تكلم حول دولة الآيات، الدولة الرافضية الخبيثة في إيران، وما قامت عليه من ناحية النظرية، وأثرها على العالم الإسلامي، ومحاولتها غزو هذا العالم الإسلامي بالتبشير بدينها، ثم يتكلم عن حكم العلماء في الشيعة: هل هم مسلمون أم غير ذلك؟ هذا محتوى الجزء الثالث، وسنجتهد أن نفرغ منه بإذن الله تعالى قبل رمضان إن شاء الله تعالى.

تحضرني هنا عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية، عبارة مهمة جدًا، يتكلم فيها ويبين كيف أن الشيعة لا دين لهم، بل هم يتلونون على حسب الحال، كما هو شأن الوزغ الحقيقي. يقول شيخ الإسلام: فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية، وتارة يتبعون المجسمة والجبرية، وهم من أجهل الطوائف بالنظريات. ورأينا طبعًا أن هذا دين لا يقبله عاقل إطلاقًا، ولا إنسان عنده فطرة سليمة، فضلًا عن علم شرعي صحيح.

فيقول: وهم من أجهل الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلة في الإسلام، وقد أدخلوا على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد.

أدخلوا على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ما تركوا شيئًا مقدسًا عند المسلمين: القرآن طعنوا فيه، السنة رفضوها، الخرافات، والأساطير، والكذب، والأحقاد، هذا كل ما في دين الشيعة. يعني ما في أي شيء يرغب في أن الإنسان ينتمي لمثل هذا الدين إلا التعصب الأعمى والحقد الأعمى.

وهذه العبارة أيضًا التي قالها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رجل من أهل الاستقراء التام في مثل هذه القضايا بل وفي غيرها، حينما قال: كل مسألة خالفت فيها الإمامية أهل السنة فالصواب فيها مع أهل السنة. كل عموم، كل مسألة خالفت فيها الإمامية أهل السنة فالصواب فيها مع أهل السنة.

نحن درسنا هذا الكلام، يعني لو كنا نقوله مجرد كلام بدون دراسة، لا يكون يقينًا به، خاصة بعد هذه الدراسة الماضية التي تناولت أصول دين الرافضة، وشدة اختلاف دين الإسلام الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وما هم عليه من الدين الباطل.

فالذي نجزم به قطعًا أنه لا يمكن أبدًا أن يكون جبريل أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الغلو في حق الأئمة، ووصفهم بما لا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى من علم الغيب، وكذا وكذا من الأشياء الفظيعة التي قالوها. لا يمكن أن يكون في هذا الدين تحريف معاني القرآن بالصورة الباطنية المعروفة، أو الطعن في صحة القرآن الكريم، لا يمكن أن يكون في هذا الدين التعبد بلعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكلما ارتفع مقام الصحابي كلما زاد حظه عندهم من البغض والحقد والسب واللعن إلى آخره.

يعني لو استقرأنا كل ما هم عليه من الدين، لا يمكن، هل يقبل العقل أن هذا يكون دين الله؟ هل هذا هو دين الإسلام الذي نبشر به الأمم والشعوب؟

يقول: نتناول إن شاء الله تعالى بيان مذهب المعاصرين من الاثني عشرية، ويعني بالمعاصرين هنا من عاش في القرن الأخير من زماننا هذا، في المئة سنة الأخيرة من أيامنا هذه، هذا هو المقصود بالمعاصرين من علماء الرافضة. يقول: سأوضح مدى موافقتهم ورضاهم عن مصادرهم القديمة التي ورد فيها تلك الطامات التي مر ذكر جملة منها، ونوع علاقتهم بالفرق الشيعية القديمة، وهل هي علاقة رضا وقبول أو رفض وإنكار، ثم أوضح جملة من آرائهم العقدية ليتبين من خلالها هل حدث تغير في المذهب الاثني عشري في هذا العصر؟ ثم يكون الحديث بعد هذا إن شاء الله تعالى عن دولة الآيات وحقيقة التشيع من خلال دولة الآيات.

دولة الآيات التي أعدمت منذ أيام قليلة عشرة من أهل السنة بدعوى أنهم يدعون إلى التفريق بين المسلمين وإحياء المذهبية، أكيد من الدعاة السنيين، والناس ما التفتت إلا الإعلام، ما التفت إلا لهؤلاء الذين أعدموا، لكن حديث المسلسل مستمر من زمان.

يقول: أولًا: الصلة في مصادر التلقي.

إن وحدة مصادر التلقي هي العامل الأول والأخير في اتفاق الاعتقاد والوجهة عند أي طائفة من الطوائف، وهي التي تصل اللاحقين بالسابقين، والشيعة المعاصرون قد اعتمدوا في التلقي على أصولهم القديمة المجمعة في الكتب الأربعة الأولى: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، كما قرر ذلك طائفة من شيوخهم كآغا بزرك الطهراني في الذريعة، ومحسن الأمين في أعيان الشيعة، وغيرهما.

قال شيخهم وآيتهم في هذا العصر عبد الحسين الموسوي، المقصود من أولها عبد الحسين، عن كتبهم الأربعة، وهي الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، قال هذا من آياتهم في هذا العصر، يقول: وهي متواترة، ومضامينها مقطوع بصحتها، والكافي أقدمها وأحسنها وأتقنها.

يبقى من السذاجة أن بعض الناس تنخدع بالتقية وبكلام الشيعة في القضايا الخطيرة، وانحرافاتهم الخطيرة التي وقعوا فيها، هنا ما يقولون: لا، لم يحصل من عندنا طعن في القرآن الكريم، ثم تعود إلى كتاب الكافي وتجد مئات الروايات في الطعن في كتاب الله، ثم هم لا يتبرؤون لا من الكتاب ولا من مؤلفه، بل يثنون عليه الألقاب الفخمة، والتعظيم.

يقول: فبعد هذا هل يختلف المعاصرون عن طبقة الكليني وأمثاله من الغابرين وهم يرجعون إلى معين واحد ومصدر واحد؟ بالطبيعة لن يختلفوا، ولا سيما في الأصول الأساسية.

لكن الأمر لم يقتصر على هذا الحد، بل عد شيوخهم المعاصرون ما جمعه متأخروهم في القرن الثاني عشر والثالث عشر، والتي كان آخرها ما جمعه شيخهم النوري المتوفى سنة 1320 في مستدرك الوسائل، عدوها مصادر للتلقي، سموها الكتب الأربعة المتأخرة.

وبغض النظر عن اعتمادهم لروايات سجلت في القرن الرابع عشر عن الأئمة في العصر الأول، نشوف الانقطاع: مؤلفات في القرن الرابع عشر الهجري بتتكلم عن روايات من؟ أئمة في العصر الأول، فبينهما من المسافات الزمنية ما هو معلوم.

وما يقال في ذلك، فإن تلك الكتب، ما عدا مستدرك الوسائل، ألفت وجمعت إبان الحكم الصفوي، لذلك حوت من الغلو والبلاء ما لم يخطر ببال الشيعة السابقين، كما ترى في البحار للمجلسي، وأصبحت مع ذلك عمدة عند شيعة هذا العصر، وهذا يعني بطبيعة الحال تطورًا خطيرًا عند المعاصرين، ينقلهم إلى دركات من الضلال والتطرف.

ليس ذلك فحسب، بل إن المعاصرين اعتمدوا عشرات المصادر التي وصلتهم منسوبة لسابقهم، واعتبروها في المنزلة والاحتجاج كالكتب الأربعة الأولى، كما تجد ذلك في مقدمات تلك المصادر، وهذا منهم متابعة لشيخ الدولة الصفوية المجلسي، الذي عدها في بحاره بهذه المنزلة.

ليس هذا فحسب، بل إن بعض المصادر الإسماعيلية من طائفة الإسماعيلية الباطنية قد أصبحت عمدة عند المعاصرين من الاثني عشرية، مثل كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد بن منصور، المتوفى سنة 363، وهو إسماعيلي كما تؤكد ذلك بعض مصادر الشيعة الاثني عشرية نفسها.

مع أن الشيعة تعتبر من ينكر إمامًا واحدًا من الأئمة الاثني عشر كمن جحد نبوة أحد الأنبياء، يعني إنه كافر، فكيف يعني هذا الإسماعيلي تحتجون بكلامه مع أنه ينكر إمامة كل الأئمة بعد جعفر الصادق؟ ومع ذلك تتلقى الاثنا عشرية عن الإسماعيلية، وبعبارة أخرى تتلقى دينها من كفار بحسب مذهبهم.

فكبار شيوخهم المعاصرون يرجعون إلى هذه المصادر الإسماعيلية ككتاب دعائم الإسلام.

يشير بعض علماء الاثني عشرية المعاصرين إلى وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية، فيقول: وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري، فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقًا في عهدهم، فقد عظم نفوذه ونشط. ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية وإن اختلفوا من جهات، فإنهم يلتقون في هذه الشعائر، بخاصة في تدريس علوم آل البيت، والتفقه بها، وحمل الناس عليها.

جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة، يقول: على أن الحدود لم تقفل تمامًا أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلًا للكتاب الأكبر للإسماعيلية، وهو كتاب دعائم الإسلام.

ومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقًا في جملة من الروايات بين الطائفتين، مثل رواية: من لم يؤمن برجعتنا فليس منا.

هذا كله يعني أن هذه الطائفة في العصر الحاضر قد وضعت نفسها في بحر مظلم عميق تتقلب بها أمواجه، حينما ارتضت أن تضع معظم ما وصلها من كتب السابقين مصادر معتمدة لها.

قامت في هذا العصر حركة نشطة لبعث التراث الشيعي القديم وتعريف الناس به وترويجه بينهم. هذا التراث مليء بالطعن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومليء باللعن والتكفير والتخليد بالنار لرجال الصدر الأول للإسلام، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، وبعض أمهات المؤمنين، ومن معهم من المهاجرين والأنصار، ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن.

وحركة النشر هذه قام بها علماء من أشهر مجتهدي الشيعة في هذا العصر، وعلى كثير من هذه الكتب تصحيحاتهم، وتعليقاتهم، وتقريظاتهم، ومع هذا لم نر اعتراضًا ولا انتقادًا من أحد منهم لما في هذه الكتب من كفر وإلحاد، أليس في هذا إقرار من هؤلاء لما تحتويه من هذا الضلال؟

توجه فضيلة الأستاذ الدكتور علي الثالوس، ودكتور الثالوس له موسوعة رائعة في الشيعة، موسوعة رائعة جدًا ومفيدة، يقول حفظه الله تعالى: توجه إلى سؤال إلى أحد علماء الشيعة المعاصرين، سأله عن رأيهم فيما اشتمل عليه أصول الكافي من روايات طافحة بالغلو، فأجابه كتابة بخطه: أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابه الكافي فهي موثوقة الصدور عندنا، وما ورد في الكافي أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم، ويعلمون علم ما كان وما يكون، ولا يخفى عليهم الشيء، لا شك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا له في الطاعة.

ثم ذكر قولًا عن أئمتهم، ده مين؟ ده شيعي معاصر يرد كتابة، بعد كده ذكر قولًا عن أئمتهم فيه إيه؟ قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية، ما تقولوش بس إن احنا أرباب من دون الله، وما عدا ذلك قولوا زي ما أنتم عايزين.

زي ما بعضهم قال، بعض الصوفية قال في قصيدة البردة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكمِ

ده البوصيري في البردة، بيقول، فهو بيحرف فهم الحديث، حديث: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. بفهمه المعوج أن لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم يعني إياكم أن تقولوا إنني الله، أو إنني ثالث ثلاثة، أو إنني ابن الله، لكن ما عدا ذلك امدحوني بما شئتم: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، ما تقولش بس إن محمد هو الله، أو هو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وما عدا ذلك قل ما شئت: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، وانطق بما شئت مدحًا فيه واحتكمِ. فهذا طبعًا غلو في فهم الحديث.

فنفس الشيء هنا، بيقول لك: قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية.

وهذا لا يحتاج إلى تعليق، إذ أقر وصف أئمته بما لا ينبغي إلا للخالق جل شأنه.

وليس هذا هو رأي الكفائي وحده في مضامين أصول الكافي المتضمنة للغلو في الأئمة، بل للخنيزي، الذي ألف كتابًا يدعو فيه إلى وحدة أهل السنة والإمامية، جواب عن هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته، مع أنه يقرر ذلك في كتاب وقد وضع بأسلوب التقية، لأن ده كلام يخاطبون به أهل السنة عشان الوحدة والتقريب، فالمفروض يتلطف في الكلام، ما يقولش كلام صريح كده في هذا الغلو، والوحدة المزعومة بين أهل السنة ليس لها معنى إلا معنى واحد فقط، وهو تبشير أهل السنة بدين الرافضة، ده المعنى الوحيد للتقريب.

واضح في ضوء التاريخ والحقائق والواقع، التقريب بين السنة والشيعة يعني تصدير الدين الشيعي إلى داخل صف السنة، ودائمًا بيكون في اتجاه واحد، عمره أبدًا ما التقريب مشى في اتجاهين، إن هم يتنازلوا عن أي شيء إطلاقًا. حتى لما عملوا دار التقريب هنا في القاهرة، سموها دار التقريب، ما عملوش فرعًا في طهران، فقط هنا في بلاد أهل السنة.

كذلك أجاب شيخهم الآخر لطف الله الصافي على العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى، الذي عرض في الخطوط العريضة بعض عناوين أبواب الكافي الطافحة بالغلو، فقال الصافي: بأن الأبواب المعنونة في الكافي ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. بيقول إن الغلو ده إحنا مش بنخترعه، الغلو ده هم ورثوه، الأئمة، عن جدهم، أي النبي صلى الله عليه وسلم.

استمع إلى أحد آياتهم يتحدث عما تركه أئمته من آثار تدل بزعمهم على إمامتهم، يقول: إن لهم آثارًا تدل على تلك الإمامة المقصودة، ولا أريد أن أدلك على مجاميع عديدة رويت عنهم، وألفت في عصورهم أو ما قربها، أمثال تحف العقول، وبصائر الدرجات، والخرائج والجرائح، واحتجاج الطبرسي، والخصال، والتوحيد للصدوق، إلى ما يكثر تعداده، بل إنما أريد أن أدلك على أثر واحد جامع، مش هكتر أسامي الكتب، أنا هقول لك على حاجة واحدة بس، وفيه القدح المعلى لكل إمام، ألا وهو أصول الكافي لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، وقد ألف هذا الكتاب النفيس في عشرين عامًا، وأثبت فيه لكل إمام في كتبه وأبوابه من الأحاديث ما ينبئك على أن ذلك الفرات السائغ يمتد من ينبوع الفيض الإلهي، وأن الناس فارغة الحقائب عن مثل تلك النفائس.

ده بيمتدح كتاب الكليني، الكافي، ثم مضى يعظم من أمر أصول الكافي حتى طلب من القارئ أن يراجع أبوابه ليعرف الحقيقة.

وقد ثبتت الحقيقة فيما مر من الفصول أن هذا الكافي قد جمع من الغلو والكفر ما لا يخطر على البال، ويكفي النظر في أبوابه فضلًا عن مراجعة أخباره.

ماذا عن صلة الشيعة المعاصرين بفرقهم القديمة؟

شيوخ الشيعة وآياتها إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية، أو من الزنادقة الدهرية، أو من المجسمة الغلاة، فهم إذا تحدثوا مثلًا عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم، مع أنها غير اثني عشرية، هم يفتخرون بالدولة الفاطمية التي ابتلي بها المغرب الإسلامي، بل امتد حكمها إلى مصر، وذاق المسلمون في ظلها الويلات، وكذلك بالذات علماء أهل السنة والجماعة.

فيتحدثون عن ذات فيذا تاريخهم. شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهاشمية أتباع هشام بن الحكم، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق، وغيرهم، يقول: إنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيح العقيدة، فكلهم إمامية واثنا عشرية. ده بيذكر مين؟ الهاشمية اللي هم أتباع هشام بن الحكم، واليونسية، والشيطانية أتباع شيطان الطاق، يقول: كلهم ثقات صحيح العقيدة، فكلهم إمامية واثنا عشرية.

سبق أن تكلمنا بالتفصيل عن هذه الفرق.

بل الأخطر من ذلك أننا نجد الاثني عشرية تحاول أن تحتضن كل فرقة تنتسب إلى التشيع، وإن كانت من فرق الكفر باعتراف كتب الشيعة القديمة نفسها، مثلًا يضفون صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة باتفاق المسلمين، كالنصيرية. يعني أصل النصيرية دول من الفرق اللي كان الشيعة كده يضللونهم ضلالًا بعيدًا، ونحن نرى العلاقة الوثيقة الآن بين الدولة الطائفية في سوريا النصيرية وبين هؤلاء الرافضة.

كتب أحد علماء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين، وهو المدعو حسن الشيرازي، رسالة سماها العلويون شيعة أهل البيت، والعلويون لقب للنصيرية، وذكر في رسالته هذه أنه التقى بالنصيريين في سوريا ولبنان، وذلك بأمر من مرجعهم الديني محمد الشيرازي، وقال بأنه وجدهم كما يظن من شيعة أهل البيت، الذين يتمتعون بصفاء الإخلاص وبراءة الالتزام بالحق، وينتمون إلى علي بن أبي طالب بالولاية، وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب، وقال بأن العلويين والشيعة كلمتان مترادفتان، مثل كلمتي الإمامية والجعفرية.

والآن في تسهيل شديد في داخل سوريا للنشاط التبشيري بالدين الرافضي في داخل سوريا، فالتحام هاتين الفرقتين، الشيعة الإمامية مع الفئة النصيرية الضالة، التي قطع العلماء بأنها أكفر من اليهود والنصارى، أشد كفرًا من اليهود والنصارى.

يقول: هذا ولم ينكر على هذا الشيرازي أحد من شيوخ الاثني عشرية أنه يجعل العلويين مرادفين للاثني عشرية، مع أنه قد عرف واشتهر عن النصيرية الكفر والزندقة، بل إن كتب الشيعة القديمة تكفر النصيرية وتعتبرها فرقة خارجة عن الإسلام، دي كتب الشيعة القديمة، والمعاصرون يرونها من الجعفرية وإن اتسمت بغير هذا الاسم.

وذهب بعض كبار مراجع الشيعة في هذا العصر إلى أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض فرقة من الفرق الغالية، مع وجود النصيرية، والدروز، والآغاخانية، وغيرهم، فكأنه يحكم عليهم بعدم الغلو. يقول محمد حسين كاشف الغطاء، وهذا من كبار علمائهم في هذا العصر: إن جميع الفرق الغالية قد بادت، ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة.

علق الدكتور سليمان دنيا رحمه الله على ذلك بقوله: فما يكون الآغاخانية؟ أليسوا قائلين بالحلول؟ أم ليسوا مع قولهم بالحلول ملاحدة؟ أم ليسوا منتسبين إلى الشيعة؟ ثم أليسوا على رقعة الأرض اليوم؟

والواقع أن أسماء الكثير من الفرق الشيعية قد اختفى، وبقيت آراؤها وعقائدها في كتب الاثني عشرية، والمعاصرون اليوم حينما يقررون أن الكتب الثمانية، وما في منزلتها، هي مصادرهم في التلقي، إنما هم بهذا يرتضون كل آراء وعقائد الفرق الشيعية التي وجدت على مدار التاريخ، ذلك أن هذه المدونات هي النهر الذي انسكبت فيه كل الجداول والروافد الشيعية الأخرى.

هذه حقيقة واقعة، شواهدها كثيرة، حيث نلاحظ أنه ما من عقيدة من عقائد تلك الفرق إلا ولها شاهد ودليل في كتب الاثني عشرية.

فأنت تلاحظ أن عقيدة البداء اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة، ونسبوها للمختارية، أتباع المختار بن أبي عبيد، الذي يقول بالبداء على الله تعالى، ومع ذلك كما مر ورد في صحيحهم الكافي ستة عشر حديثًا في البداء، وفي البحار في باب البداء والنسخ أكثر من سبعين حديثًا، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية، وإن حاول شيوخهم أن يلتمسوا مخلصًا لينجوا من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة.

ومثل ذلك عقيدة الرجعة، اعتبروها من عقائد الغلاة، وقد ذكرت كتب السنة واعترفت كتب الاثني عشرية أن الرجعة من أصول عقيدة ابن سبأ، وهي مع ذلك من أصول عقائد الاثني عشرية.

وعقيدة تأليه الأئمة هي من عقائد الفرق الغالية كالسبئية وغيرها، وتجد عند الاثني عشرية في الكافي والبحار وفي كتب التفسير بالمأثور، كتفسير القمي والعياشي، وكتب الرجال كرجال الكشي، نصوصًا كثيرة تؤله الأئمة، كما مر نقل بعض ذلك.

ومسألة تفضيل الأئمة على الأنبياء كانت مذهبًا لغلاة الروافض، كما قرر ذلك الإمام عبد القاهر البغدادي رحمه الله، والقاضي عياض رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية، فورثت هذه العقيدة طائفة الاثني عشرية، اللي هي تفضيل الأئمة على الأنبياء.

دراسة آراء الفرق الشيعية القديمة ومقارنتها بما جاء في كتب الاثني عشرية ومدوناتهم دراسة جديرة بالاهتمام، لتكشف الصلة بين هذه الطائفة وبين الفرق القديمة.

لقد تسللت آراء الفرق الشيعية الغالية إلى كتب الاثني عشرية على شكل روايات منسوبة للأئمة، وارتضى ذلك المعاصرون، وكان السبب وراء حدوث هذا التسرب هو شيوخ الشيعة أنفسهم، الذين حملهم التعصب على قبول الرواية الشيعية أيًّا كان مذهبه، والإعراض عن رواية من يسمونهم العامة، وهم أهل السنة.

اعترف شيخهم الطوسي بأن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة، ومع ذلك قال بأن كتبهم معتمدة، ومن يراجع تراجم رجالهم يلحظ ذلك، حيث فيهم الواقفـي، والفطحي، وغيرهما.

أقر بعض مفكري الشيعة في العصر الحاضر بأن الفكرة الاثني عشرية قد استوعبت آراء وعقائد الفرق الشيعية القديمة، حيث قال أحد علمائهم مصطفى الشيبي، له كتاب مشهور اسمه الصلة بين التشيع والتصوف، أقر بأن الفكرة الاثني عشرية استوعبت آراء وعقائد الفرق الشيعية القديمة.

يقول: ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم، لأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصًا بفرقة بعينها، لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري، ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص، والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها، من عمار إلى حجر بن عدي، إلى المختار وكيسان، إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم، إلى بيان بن سمعان والغلاة الكوفيين، إلى الغلاة من أنصار عبد الله بن الحارث، إلى الزيديين والإسماعيليين، ثم الإمامية التي صارت اثني عشرية، وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنفوها.

ده اعتراف من عالم أو باحث من علمائهم المعاصرين بأنهم صاروا موئلًا لكل ضلالات الفرق الشيعية على مر التاريخ.

إذا التشيع الحالي قد استوعب خلاصة الاتجاهات الشيعية بكل ما فيها من غلو وتطرف، حتى رأينا النزعة السبئية بكل غلوها في علي رضي الله عنه تطل علينا من خلال روايات الاثني عشرية، يدرك هذا من راجع مجرد عناوين أبواب الكافي والبحار.

كما أن الاتجاه الباطني... هم لهم أشعار، بس أنا أنزه المسجد طبعًا إن احنا نذيعها، فيها بعض الإنشادات، واحد بيتكلم كلامًا في غاية البشاعة، اتكلم على علي رضي الله عنه على أنه إله، يعني: يا عالي يا عالي فوق كل عالي، وأنه هو اللي نجى نوح من السفينة، وهو اللي مش عارف عمل إيه للمسيح، وهو عالي وراء كل الحاجات، الحاجات دي أشعار مشهورة، وينشدوها بعض هؤلاء، معروفة يعني، لكن مش معقولة احنا هنوزعها في المسجد يعني.

يقول: كما أن الاتجاه الباطني واضح في كتب الاثني عشرية من خلال تأويلهم لآيات القرآن وأركان الإسلام، وما قالوه في التقية والكتمان.

وهذه الجملة الجاية جملة مهمة جدًا، خلاصة الكلام، يقول: فأصبحت الاثنا عشرية هي المصب الأخير لكل الروافد الشيعية بكل ما فيها من شطحات، ويرد كل صاحب تطرف وغلو بغيته وما يؤيد مذهبه في كتب هذه الطائفة.

ولقد صدر إقرار خطير، وبيان مثير، من أكبر شيخ من شيوخهم المعاصرين في علم الرجال، يتضمن الاعتراف بتغير المذهب وتطوره، وأن ما عليه المذهب الاثنا عشري في العصر الحاضر يعتبر غلوًا وتطرفًا عند قدماء الشيعة، وأن شيعة العصر الحاضر يعتقدون عقائد يرونها من ضرورات المذهب وأركانه، وهي عند قدماء الشيعة من الغلو والكفر.

يقول هذا الشيخ، وهو عبد الله بن محمد حسن الممقاني، من كبار شيوخ الشيعة، ولد بالنجف سنة 1290، وتوفي بها سنة 1350، وكتابه من كتبه تنقيح المقال في علم الرجال في ثلاثة مجلدات، فماذا يقول هذا الشيخ الشيعي المعاصر؟

يقول، وهو يدافع عن المفضل بن عمر الجعفي فيما رمي به من قبل بعض علماء الشيعة القدماء، يقول: أنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم، يعني الأئمة، غلوًا عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوًا عند هؤلاء.

أشياء كانوا زمان في الشيعة الأوائل يكفرون من يعتقدها، الآن أصبحت من أركان دينهم وضروريات مذهبه، مما علم من دينهم بالضرورة.

فهذا اعتراف خطير جدًا وفي غاية الأهمية، يقول: وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوًا عند هؤلاء. فعشان كده لما نلاقي طعنًا في أحد الرواة من القدماء الشيعة، لا نعتد به ولا نلتفت إليه. لماذا؟ لأن هؤلاء كانوا يعتبرون بعض العقائد كفرًا، نحن نعتقدها اليوم من ضروريات المذهب.

كذلك يقول: وكفاك في ذلك عدّ الصدوق نفي السهو عنهم غلوًا. الصدوق بيعتبر نفي السهو عن الأئمة غلوًا، وهذه حقيقة، فبيجيب مثال، يعني الكلام ده برضه، معقول حد يقبله أن الأئمة يبقوا غير منزهين عن السهو؟ معقول؟ فهو بيجيب مثال، يقول: وكفاك في ذلك عدّ الصدوق نفي السهو عنهم غلوًا، مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي، علم الغيب، بتوسط جبرائيل والنبي، غلوًا عندهم، ومن ضروريات المذهب اليومي.

فده اعتراف صريح جدًا بأن المذهب خضع لعملية تطور، وصار موئلًا ومثبتًا لكل أنواع التطرف والغلو، فالأشياء التي كان أئمتهم القدامى يكفرون من يعتقدها أصبحت مع مرور الزمن من ضروريات المذهب.

أنا أعيد هذه العبارة لأهميتها جدًا، يقول عبد الله الممقاني: أنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم، أي الأئمة، غلوًا عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوًا عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عدّ الصدوق نفي السهو عنهم غلوًا، مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي، علم الغيب، بتوسط جبرائيل والنبي، غلوًا عندهم، ومن ضروريات المذهب اليومي. انتهى كلامه.

من هذا النص يتبين أن شيعة العصر الحاضر لم يكتفوا بمتابعة سابقيهم، حتى زادوا عليهم في الغلو والتطرف، حتى إن شيوخ الشيعة في القرن الرابع كالصدوق وغيره يرون أن من يعتقد أن الأئمة لا يسهون، أو أن الأئمة يعلمون ما يأتي، أو حسب عبارة الكليني: يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء، من يعتقد هذه العقائد وأمثالها هو في نظر كبار شيوخ الشيعة في ذلك العصر من الغلاة الذين لا تقبل رواياتهم عن الأئمة.

ولكن المذهب تغير، وأصبح ذلك اليوم من ضرورات مذهب التشيع كما يعترف الممقاني، ومعنى هذا أن الشيعة المتقدمين يعتبرون بناء على ذلك المعاصرين من الغلاة، ولا يثقون بأقوالهم. يعني أئمتهم الكبار الصدوق وغيره لو كانوا موجودين الآن في هذا العصر لاعتبروا الرافضة الموجودين حاليًا والمنتسبين إليهم من الغلاة، ولم يعتدوا بأقوالهم، لأنهم جميعًا أصبحوا اليوم غلاة.

ولاحظ أن الحكم بغلو أصحاب هذه العقائد صدر من قبل شيوخ الشيعة. اللي بيتكلم أن من يعتقد هذه العقائد من الغلاة، مين اللي بيقول؟ أهل السنة؟ لا، ده علماء الشيعة.

ثم إن هذا رأيهم في القرن الرابع بعد ما تغير التشيع وتطور، فكيف يكون موقف الشيعة الأول الذين كان تشيعهم هو في تقديم علي على عثمان فقط؟

ولعل هذه الظواهر هي التي دعت الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله أن يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور، وأشار في هذا إلى كلام الممقاني السالف الذكر، ثم قال: هذا تقرير علمي في أكبر وأحدث كتاب لهم في الجرح والتعديل يعترفون فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديمًا، فما كانوا يعدونه قديمًا من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك، صار الآن، أي هذا الغلو، من ضروريات المذهب، فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين، ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر، ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم قبل آل بويه غير مذهبهم قبل شيطان الطاق، ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة الحسن والحسين وعلي بن الحسين.

ثم يناقش الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين، يقول: وما دامت وحدة المصدر في التلقي موجودة، فهل نحتاج للحديث عن الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين، ولا سيما أن تلك المصادر قد استوعبت، كما بينا، معظم ما تناقلته كتب الفرق والمقالات من آراء غلاة الشيعة؟ وما لم تنقله؟

هل هناك داع لدراسة الصلة العقدية إذا كان مصدر التلقي واحدًا، وهو هذه المراجع القديمة؟ فلماذا نركز على الصلة العقدية؟ هل هناك حاجة إلى ذلك؟ يقول: الواقع أن هناك حاجة إلى ذلك، ذلك أن المعاصرين قد أكثروا من طبع الكتيبات والرسائل، وبعث الدعاة للعالم الإسلامي، لبيان أن مذهب الشيعة لا يختلف عن مذهب أهل السنة، وأن هذه الطائفة مظلومة مفتَرى عليها من قبل الخصوم والأعداء، فنُسب إليها عقائد وأقوال هي بريئة منها، ونشط دعاة منهم للدعوة للتقريب بين أهل السنة والشيعة، ورفعت شعارات الوحدة الإسلامية، وأقيمت مراكز، وألفت كتب، وتخصص دعاة لهذا الغرض، وقيل بأن المعاصرين قد تخلوا عن ذلك التطرف والغلو المعهود عند سابقيهم، وأنه قد آن الأوان لأن تلتقي السنة والشيعة على كلمة سواء، فكيد الأعداء كبير، ووضع العالم الإسلامي خطير.

ثم ما أكثر ما يقول بعض شيعة العصر الحاضر حينما تقول لهم: عندكم حديث يقول كذا وكذا، أو إن شيخكم فلانًا يقول كذا وكذا، فبيكون الرد إيه؟ ليس كل ما ورد في كتبنا نرتضيه، مش كل حاجة موجودة في الكتب إحنا نقبلها، أو ما يقول به الشيخ فلان هو المسؤول عن قوله، ولا حجة إلا في كلام المعصوم، أو يقولون بأن أهل السنة يقولون مثل ذلك، وكثيرًا ما يفترون ويتجاوزون ويتحيلون في هذا بشكل عجيب، يجيبوا لك مثلًا أحاديث من كتب موضوعات لابن الجوزي وغيره، يقول: ما أنتم عندكم أحاديث أهو، زي ما بتتبرؤوا منها، إحنا أيضًا لا نعتمد الأحاديث. بالعكس، أنتم تقدسون كتاب الكافي، ولا يقوى أحد على التقطع بعدم صحة ما فيه.

بخلاف علماء السنة، فإنهم فصلوا، يعني كما مثلًا عمل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: صحيح أبي داود، ضعيف أبي داود، صحيح النسائي، بغض النظر عن المبدأ ده يعني صحيح ولا لا، في بعض الجدل فيه، لكن أقصد إيه؟ أن هناك طريقًا للتمييز بين الصحيح وبين الضعيف أو الموضوع أو نحو ذلك، فهل أنتم تفعلون ذلك؟ لا يمكن أن يعتدوا على هذا التراث المقدس عندهم، واضح؟

ولهذا دعت الحاجة لبيان رأي المعاصرين في القضايا الأساسية والخطيرة التي تفصل بينهم وبين الجماعة، أو تحول بينهم وبين الإسلام.

هناك أقلام شيعية كثيرة قد وظفت للكتابة للعالم الإسلامي أنه عندهم في الخطاب، خطاب لما يكون موجهًا لبلاد العالم السني الإسلامي، لهم طريقة معينة ووجه معين، لكن خطابهم الداخلي بينهم وجه ثان آخر، ما يتعلمونه في قم، والنجف، وكربلاء، وفي حسينياتهم ومجالسهم، ده شيء مختلف تمامًا، فالنفاق في أسوأ صورة. يظهرون لنا بوجه لاصطياد المغفلين من أهل السنة، علشان يتولوا هم القيام بوظيفة المحامي. الشيعة ما بيقولوش كده، ده المظلومية، الشيعة مش بس مظلومية أهل البيت.

يقول: وهناك أقلام شيعية كثيرة قد وظفت للكتابة للعالم الإسلامي والرد على ما يثار حول الشيعة، وأعطتهم عقيدة التقية حرية القول وإطلاق الأحكام بلا تأثم، بينما هناك كتب خاصة لا تنشر في العالم الإسلامي، مثل كتاب فصل الخطاب للمجوسي النوري الطبرسي.

فصل الخطاب اللي هو طعن صريح في القرآن الكريم بصورة من أبشع ما يكون، هذا الكتاب لا ينشرونه، والنشر رغماً عنه خرج من السرية إلى العلن كما سيبين إن شاء الله تعالى. أو مثلًا كتاب بعض أجزاء بحار الأنوار، وكتاب نبوة أبي طالب تأليف الرافضي مزمل حسين الميثمي الغدائري، الحوزة العلمية بقم وغيرها.

من الأشياء المؤسفة يعني أن الشيخ علي جمعة بيسمي مجالسه التي يعقدها في الأزهر باسم الحوزة العلمية، استعمل نفس المصطلح، وده شيء طبعًا ينبغي أن نتنزه عن استعمال هذا الاصطلاح المريب، الحوزة اصطلاح شيعي.

أو بعبارة أخرى: إن هناك وجهًا ظاهرًا للاثني عشرية تقدمه وسائل الإعلام الشيعية المختلفة للترويج للمذهب ونشره في العالم الإسلامي، ووجهًا باطنًا لا يظهر إلا في الحوزات العلمية، وفي المجتمعات الشيعية، وفي أمهات مصادرهم كـ الكافي وتفسير القمي.

وقد صدق من صدق ذلك الأسلوب الدعائي، أو الوجه المعلن، وتأثر بذلك من تأثر، ووجد التشيع طريقه إلى قلوب أعداد غير قليلة من شباب العالم الإسلامي والمنتسبين للحركات الإسلامية، الذين أرق عيونهم الواقع المفجع للعالم الإسلامي، فبقوا يبحثون عن طريق ومخلص، وكانت صورة العدو الظاهر أمامهم بكل غطرسته وكيده قد حجبت عنهم العدو الكامن بينهم، والمتستر بإسلامهم، فصدقوا ما يقال، وتعجلوا الخطى، وظنوا أن كل ما يقال من خلاف بين السنة والشيعة هي ضجة مفتعلة لا رصيد لها من الواقع.

وطبعًا لا يخفى عليكم ما حصل في أيام فتنة حسن نصر، والانبهار الذي حصل بالناس، مع أنه على دين غير ديننا. حصل نصر وسموه صلاح الدين، صلاح الدين الجديد! هو بيكفر صلاح الدين الأيوبي يعني، هم يعادون صلاح الدين الأيوبي أشد العداء، لا يؤتون ذكر صلاح الدين. يعني صلاح الدين اللي بتشبهوه بده، هو بيكفره وبيلعنه لأنه قضى على الدولة الفاطمية، وكما أكرر مرارًا، لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى منة في عنق المسلمين عمومًا، وفي عنق المصريين خصوصًا، ليس فقط قضية تحرير القدس، طبعًا هذه من أعظم إنجازاته، أو تحرير فلسطين من الصليبيين، ولكن تحرير مصر من الباطنيين الإسماعيليين العبيديين بعدما خضعت لهم، وقاسى العلماء هنا الأمرين في داخل مصر من الدولة الفاطمية الخبيثة، وده بحث يستحق الحقيقة أن يدرس.

فحسن نصر، رغم أنه على دين آخر غير ديننا كما رأينا، إحنا مش بندعي على أحد، لكنه يحسن هذا الأسلوب الدعائي، ويعزف على وتر الطائفية، والناس اللي بتصير الطائفية ومش الطائفية إلى آخره، وهو على دين غير ديننا. لو قلنا له: إيه رأيك في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وعائشة وحفصة، أمهات المؤمنين رضي الله عنهما؟ إيه رأيك؟ مش هنقول بقى في البخاري ومسلم، دول كفار، كفار مفيش كلام، يعني إذا كان هان عليهم تكفير الصحابة، هنتكلم على ابن باز ولا العثيمين ولا أئمتنا المعاصرين؟ مافيش كلام في كفر هؤلاء. لكن هي دي عقيدته، وهذا هو دينه الذي يسعى إليه. لكن دي صورة من صور الدعاية الخبيثة التي تؤثر في العواطف بدون وعي، وبالتالي نظرية الحاج محمد هتلر تتكرر من جديد، واللي هان عليهم أن أوباما بين يوم وليلة أصبح المهدي المنتظر، ويتوقعون له أنه هيحل كل المشاكل، اعتمادية غريبة جدًا، إنه جاي عشان يحل كل حاجة، ومنحس تمامًا بقى للمسلمين، المهدي المنتظر، فأكيد هينخدع بصلاح الدين المدعو يعني، المزعوم.

يقول: ولذلك لابد من استماع نفس الشيء حصل في فترة الخميني. الخميني قاتله الله، نفس الشيء لما بهر المسلمين بالشعارات الثورية وكذا، ثم إذا بدعوته تنكشف مجوسيتها، وأنها دولة عنصرية من أقبح الدول العنصرية في العالم يعني.

يقول: ولذلك لابد من استماع لما يقوله شيوخ الشيعة المعاصرون في عقائدهم الخطيرة التي تفصل بينهم وبين المسلمين، وسأختار من هذه الآراء ما فيه دعوة جديدة، أو تغيير، أو زيادة تطور وغلو عما مضى ذكره عن سابقيهم، لتتضح مدى صلة السابقين باللاحقين.

يبدأ أولًا بذكر عقيدة المعاصرين من الرافضة في كتاب الله تعالى، يقول: هناك مجالان للحديث في هذا الأمر:
الأول: ما امتلأت به كتب الشيعة من أساطير تقول بأن في كتاب الله نقصًا وتحريفًا، وما تفوه به بعض زنادقتهم من القول بهذا. فما رأي الشيعة المعاصرين في قضية تحريف القرآن الكريم، مع أنهم ينشطون في الدعوة للتقارب مع أهل السنة ويرفعون شعار الوحدة الإسلامية؟
المجال الثاني: ماذا يقول شيعة العصر الحاضر عن ذلك التأويل الباطني لكتاب الله، والذي هو تحريف لمعناه وإلحاد في آياته، والذي يجعل من كتاب الله كتابًا آخر غير ما في أيدي المسلمين، مما عرضنا صورة له فيما سلف؟

أنا أحد الإخوة الأعزاء علي جدًا، أفتقده في الدرس من مدة، درس الشيعة ده بالذات، فقال لي: من ساعة ما حضرت الدرس بتاع تفسيرهم الباطني لآيات القرآن الكريم ولم يعد قلبي يطيق أن أسمع المزيد. طبعًا أنتم أكيد حضرتوا معنا الكلام ده، كلام بشع، إفساد لمعاني آيات الله سبحانه وتعالى بصورة باطنية خبيثة، أبعد ما تكون عن معاني القرآن الكريم، فهذا تحريف المعاني وإفسادها.

فيجيب بقى الآراء المعاصرين في فرية التحريف، بيقول: نجد وجوهًا أربعة مختلفة، وجوه الشيعة تتلون عندما تذكر قضية التحريف، الأدوار متوزعة.

الوجه الأول: طائفة منهم ستلاقيهم ينكرون وجودها في كتبهم أصلًا. تحريف؟ تحريف إيه؟ ما فيش عندنا في كتبنا أي حاجة بتتكلم عن التحريف. يبقى دي إحدى الطرق التي يفزعون إليها: إنكار أن أصلًا في روايات عن تحريف القرآن الكريم.

الوجه الثاني: الاعتراف بوجودها ومحاولة تسويغه وتبريره. لا، يقولوا: في روايات، ولكن... ويأتون بالتسويغ.

الوجه الثالث: المجاهرة والاحتجاج على هذا الافتراء، المجاهرة في غاية الصراحة، فعلًا يعني، يقولون بمنتهى الصراحة إن القرآن والعياذ بالله قد حرف، ويأتون بالأدلة على ذلك.

الوجه الرابع: التظاهر بإنكار هذه الفرية ومحاولة إثباتها بطرق ماكرة خفية. فالظاهر ينكرونها، لكن هم يثبتونها بطريقة ملتوية.

فيتكلم عن الوجه الأول: أول حيلة دفاعية، حينما يواجهون بهذه الجريمة الكبرى التي تخرجهم من ملة الإسلام، ينكرون وجود روايات التحريف في كتبهم أصلًا.

لقد اتجه صنف من شيوخهم إلى إنكار وجودها أصلًا، ومن هؤلاء عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه الغدير، وذلك حينما رد على ابن حزم ما نسبه إلى الشيعة من القول بهذه المقالة.

إن الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الأندلس، لما كان يناظر القساوسة من علماء النصارى ويقيم عليهم الحجة بأن إنجيلهم قد تم تحريفه، الإنجيل والتوراة قد تم تحريفهما، فكانوا يقولون: وأنتم عندكم أيضًا في القرآن، الشيعة يقولون إن القرآن محرف. فكان ابن حزم يرد يقول: الشيعة ليسوا من المسلمين.

فهذا الرجل عبد الحسين الأميني النجفي في كتاب الغدير، يرد على ابن حزم، فيقول: ليت هذا المجترئ، يقصد به ابن حزم رحمه الله، أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجماعة وزنًا، بل نتنازل معه إلى قول جاهر من جهالهم، أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل، يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه.

الإنكار التام. بيقول لك: مش هتلاقي لا عالم من علمائهم، ولا كتاب من كتبهم، ولا حتى جاهل من جهال الشيعة، أو قروي من بسطائهم، أو حتى ثرثار، مش هتلاقي واحد بيقول الكلام اللي قاله ابن حزم ده.

ويقول عبد الحسين شرف الدين الموسوي: نسب إلى الشيعة القول بالتحريف في إسقاط كلمات وآيات، فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا. يا ظالمًا وكأنه مظلوم! وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته.

ملاحظين حاجة في الكلام؟ من طرقنا. هي دي بقى الحيل الماكرة. ينكر من جهة، لكن يحتاط في وسط الكلام ويحط حاجة إيه؟ من طرقنا. ليه بقى؟ عشان ما ينفعش يقول من طرق الصحابة، لأن الصحابة كفار في زعمه، فالقرآن حمل إلينا عن طريق الصحابة، ودي مسألة الطعن، بيكفر الصحابة رضي الله عنهم، فكيف يعتمد على روايات الصحابة وهم كفار في نظرهم؟ فبيشترط كلمة من طرقنا.

يقول: فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته. ده عبد الحسين شرف الدين الموسوي الكذاب المعروف، بتاع كتاب المراجعات، كذاب، وهنتكلم عن ده بالتفصيل بعد كده، ادعى إنه بيناقش الشيخ عبد العزيز البشري شيخ الأزهر، وإنه يعني يعامله إزاي كأنه طفل، وإن الشيخ البشري بيكلمه بمنتهى الاحترام، قصة طويلة قوي قوي، وهناك ردود جيدة جدًا على هذا الموضوع، دي حلقة من الحلقات الخطيرة في المواجهة بين الشيعة والسنة تكشف كذب هؤلاء.

يقول: كما نفى لطف الله الصافي من علمائهم أن يكون كتاب فصل الخطاب قد ألف لإثبات هذه الفرية، وقال بأن القصد من تأليفه محاربتها. يعني بجاحة غير عادية، غير مسبوقة يعني. الكتاب، النوري الطبرسي ده، اللي هو اسمه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وكل الكتاب بيقاتل عشان يثبت إن القرآن الكريم محرف، شوف التبجح، يقول إن كتابه لم يؤلف لإثبات هذه الفرية! عنوانه بيدل على ذلك: في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، يقول: لا، ده الكتاب ألّفه عشان يدافع، وينزه القرآن عن التحريف.

وقال بأن القصد من تأليفه محاربتها.

كما نهض بعضهم للدفاع عن الكليني، الذي هو أحد أعمدة هذا الكفر، يقول صاحب عقيدة الشيعة في كتاب في الدفاع عن الكليني: النقص لا يدعيه أحد من علماء الإمامية حتى ثقة الإسلام الإمام الكليني رضي الله عنه. الكليني بتقول رضي الله عنه؟! الصحابة تلعنهم!

فإنه يعتقد بنزاهة القرآن وصيانته عن النقص والزيادة، ومع ذلك فقد تهجم الشيخ أبو زهرة وتحامل عليه وأكثر من الطعن فيه. يعني في الكليني. فكيف يجوز لمسلم أن ينسب إليه هذا القول؟ وكيف جاز للشيخ أبي زهرة رحمه الله أن ينسبه إليه دون تورع؟ وكيف جاز له أن يهاجمه بتلك المهاجمة القاسية؟

الجواب بقى على هذا الكلام: أن الأصل في نسبة ذلك إلى الكليني هم شيوخ الشيعة. مش إحنا اللي بننسب للكليني. مش أنتم بتقدسوا هذا الكتاب، وبتقولوا إنه الكتاب مقطوع بتواتره وبصحة ما فيه؟ فهذا الكتاب يحتوي عشرات الروايات في الطعن في كتاب الله تبارك وتعالى، فاللي نسب الكلام ده مش الشيخ أبو زهرة، اللي نسب الكلام ده مين؟ شيوخ الشيعة وكتابه الكافي شاهد على ذلك، وهو عار عليه وعلى الشيعة أبد الدهر.

ولو وقع الكافي في أيدي أئمة أمة الإسلام، لكان لهم حكم على الاثني عشرية غير هذا الحكم.

وقد اعتمد أبو زهرة رحمه الله على ما قاله الكاشاني في تفسير الصافي، حينما نسب ذلك إلى الكليني، والكاشاني هذا من أعمدة المذهب الاثني عشري، فهو صاحب الوافي الجامع لكتبهم الأربعة، والذي يعدونه من المصادر المعتمدة عندهم، كما نسب ذلك أيضًا إلى الكليني خاتمة شيوخهم ومحدثهم النوري في كتابه فصل الخطاب.

فهم بيدافعوا عن الكليني الذي سطر هذا الكفر في كتابه، ويقعون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهم بيتصوروا السذاجة المطلقة في أهل السنة، يعني إيه؟ بيقولوا: كذب له قرنان، كذب مفضوح. فعندهم جرأة عادية جدًا، الكلام في غاية الصراحة في قضية معينة، ينكروا بمنتهى البجاحة، وهيلاقوا اللي بيصدقهم طبعًا من المغفلين من أهل السنة.

يعلق الدكتور القفاري على هذا الوجه، الوجه الأول من الوجوه المتلونة في مواقفهم المتنوعة من قضية تحريف القرآن المزعوم. الوجه الأول هو إيه؟ إنكار وجودها في كتبهم أصلًا. إحنا كتبنا فيها تحريف قرآن؟ أبدًا ما حصلش، دي ناس بتظلمنا وتفتري علينا.

فما الرد بقى على هذا الوجه الأول من وجوههم المتعددة؟ يقول: إن إنكار ما هو واقع لا يجدي شيئًا في الدفاع، وسيؤول من جانب الشيعة، ومن جانب المطلعين على كتبهم من أهل السنة، بأنه تقية.

يعني أتباعهم لما بيشوفوهم بيقولوا: ما حصلش، ما فيش عندنا روايات في تحريف، لا في الكافي ولا غيره. الشيعة مش عارفين إنه موجود في كتبهم؟ لكن عارفين السياسة المعروفة: التقية، دي التقية، والتقية تسعة أعشار الدين، التقية: الكذب والنفاق. أما أهل السنة اللي عندهم وعي، هذا الكلام لا يؤثر فيهم على الإطلاق، لأنهم عارفين إن دي أيضًا تقية.

يقول: فالمسألة اليوم لم تعد تقبل مثل هذا الأسلوب في الرد. يعني أكيد الشيخ شلتوت رحمه الله تعالى، أكيد لأن التراث الشيعي ما كانش انتشر بالصورة الموجودة حاليًا، إنه لما عمل الفتوى المشؤومة في التقريب، بين أن هم شيء واحد، وأن يجوز التعبد والانتقال من مذهب السني إلى الشيعي إلى آخره، من المؤكد إنه ما كان مطلعًا، وده شيء مش عيب حتى مع مقامه الكبير في العلم، لأن ده دين سري، وبعدين التقية بيضللونهم بالتقية.

ما كان كشف الأمر بهذه الصورة. يقول: إن إنكار ما هو واقع لا يجدي شيئًا في الدفاع، وسيؤول من جانب الشيعة ومن جانب المطلعين على كتبهم من أهل السنة بأنه تقية، فالمسألة اليوم لم تعد تقبل مثل هذا الأسلوب في الرد، فقد فضحتهم مطابع النجف وطهران، وطبعًا والإنترنت الآن موجودة، كتبهم كلها موجودة، أي حد يستطيع أن يصل إليها، وقد كشف المستور، وأبان المخفي شيخهم الطبرسي فيما جمعه في كتابه فصل الخطاب، فلا ينفع مثل هذا الموقف.

وهذا المسلك في الإنكار يسلكونه في كل مسألة ينفردون بها عن المسلمين، كما نبه على ذلك شيخهم الطوسي في الاستبصار في أكثر من موضع، بأن ما كان موضع إجماع من أهل السنة تجري فيه التقية. أي مسألة أهل السنة متفقين عليها، يبقى الهدى والرشاد في إيه؟ في مخالفة العامة. يبقى الهدى في مخالفتها. أي شيء موضع إجماع من السنة تجري فيه التقية، ممكن إنك توافقهم في الظاهر يعني.

وبهذا المبدأ هدموا كل الروايات التي تتفق مع المسلمين، وتعبر عن مذهب أهل البيت، وعاشوا مع المسلمين بالخداع والتزوير، يوافقونهم في الظاهر ويخالفونهم في الباطن، ولكن هذه التقية سرعان ما تنكشف في الوقت الحاضر، إذ إن كتبهم أصبحت بمتناول الكثيرين.

فالنجفي الذي طلب في رده على ابن حزم أن يثبت دعواه بكلام أي فرد من أفراد الشيعة، هل يجهل ما جاء في الكافي والبحار، وما صرح به شيوخهم في هذا الضلال، مما مضى ذكره؟ وهل يتصور أن هذا القول ينخدع به أحد في حوزته كتاب من كتبهم التي سارت على هذا الكفر؟

ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم، في الجزء الثالث من كتابه، نراه في الجزء التاسع من الكتاب نفسه، اللي هو كتاب الغدير، يصرح هو بهذا الكفر، حيث قال وهو يتحدث عن بيعة المهاجرين والأنصار لصديق هذه الأمة رضي الله عنه، تلك البيعة العظيمة التي جمعت الأمة وأحبطت مؤامرات أعدائها، قال هذا الرجل صاحب الغدير، اللي هو بيقول، بيشتم ابن حزم، ويقول: مش هتلاقي ولا حتى واحد من أجهل جهال الشيعة يقول الكلام اللي بتدعيه ده، ما عندناش إحنا حاجة اسمها تحريف، هو نفسه الرجل بيقول إيه في كتاب الغدير بقى، بيتكلم على بيعة الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه، يقول: بيعة عمّ شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وحرفت القرآن، وبدلت الأحكام.

بيعة أبي بكر من ضمن آثارها أنها حرفت القرآن وبدلت الأحكام!

بل أورد آية مفترية في نفس كتاب الغدير ده، جايب إيه؟ بيدعي أنها من القرآن الكريم، نصها: اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون. أنا الدين من اللي أكمله؟ هو مين؟ هو الله، يبقى من ولدي إيه جايب؟ يبقى إيه جايب كلمة من ولدي هنا؟ ها؟

اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون. إن إبليس أخرج آدم عليه السلام من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم.

ده بيدعي أنها من كتاب الله، وبيستدل بيها. نفس الرجل اللي بينكر في رده على ابن حزم أن موضوع التحريف، وهي واضحة الافتراء في ركاكة ألفاظها ومعناها، ومع ذلك يزعم هذا الرافضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها نزلت في علي.

وحاول أن يموه ويخدع القراء، فنسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني، وطبعًا دي من التلبيس اللي الشيعة بيستعملوه، لأن ده محمد بن جرير الطبري الرافضي إن صحت النسبة إليه، شخص مختلف تمامًا عن الإمام الطبري، لكن هم يدلسون في الاسم عشان يوهموا الناس أن من أئمة السنة من يقولون بمثل قولهم، كما ناقشنا ذلك من قبل في كتاب تحقيق مواقف الصحابة رضي الله عنهم في الفتنة، أحسنت.

فهو هنا يفتري على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، وعلى أئمة المسلمين.

هكذا يثبت الرجل ما نفاه، وهذا الأسلوب، الإثبات مرة والإنكار مرة أخرى، والظهور أمام الناس بأقوال مختلفة ونصوص متناقضة، مسلكهم مضطرد في أحاديثهم، وفي كلام شيوخهم، وقد ورد في أخبارهم بيان للسبب في هذا النهج، وهو عدم وقوف العامة، أهل السنة، على حقيقة مذهبهم، فلا يتعرضون له بشيء، إن دينهم يعلمهم هذه التقية وهذا الكذب، حتى لا يقف أهل السنة على حقيقة مذهبهم.

أما أسلوب عبد الحسين في نفيه لهذه الأسطورة ففيه شيء من المكر والمراوغة قد لا ينتبه له إلا من اعتاد على أساليبهم وحيلهم.

تأمل قوله: فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا، من طرقنا بجميع آياته وكلماته. ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو هذا القرآن الذي بين أيدينا أو القرآن الغائب مع المنتظر، كما يدعون؟ إن تخصيصه بأنه متواتر من طرقهم يلمس منه الإشارة للمعنى الأخير، ذلك أن القرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام: أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، في جمعه وتوحيد رسمه، تحقيقًا لقوله عز وجل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. ومعتقد الشيعة في الخلفاء الثلاثة معروف: أنهم كفار مرتدون والعياذ بالله، فهذا القرآن إذًا غير متواتر من طرقهم.

أما المحاولة الغبية من لطف الله الصافي وآغا بزرك الطهراني في التستر على فضيحة الشيعة الاثني عشرية الكبرى، والعار الذي لا يستر، وهو كتاب فصل الخطاب، بيقولوا: لا، ده ألّفه عشان يدافع عن فرية تحريف القرآن، وينزه القرآن عن التحريف! حاجة غريبة جدًا يعني، كذب بطريقة جريئة.

يقول: هذه محاولة يائسة، لا سيما وأن هذا الكتاب قد خرج من الدوائر الشيعية ووصل إلى أيدي السنة، بل وصل إلى أعداء المسلمين ليستفيدوا منه في الكيد لهذه الأمة ودينها، وقد نص في مقدمته على غرضه، غرضه أن يثبت التحريف، وأقام الحجج المزعومة على مراده كما سيأتي إن شاء الله، فهل يمكن التستر عليه وقد جمع كل أساطيرهم وأقوال شيوخهم بعد أن كانت متفرقة؟

إذا هذا هو الوجه الأول من الأوجه الأربعة في تفاعلهم مع قضية التحريف، اللي هو الإنكار التام: الموضوع ما حصلش، ما فيش في كتبنا حاجات زي دي.

الوجه الثاني: الاعتراف بوجودها ومحاولة تبريره.

وقد اتخذ هذا الاعتراف صورًا متعددة.

فصنف منهم يعترف بأن عندهم بعض الروايات في تحريف القرآن، ولكنه يقول إنها ضعيفة، شاذة، وأخبار آحاد، لا تفيد علمًا ولا عملًا، فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار، كما قال محمد حسين آل كاشف الغطاء.

وصنف يقول: بأنها ثابتة، دي روايات صحيحة، ولكن المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم عليه السلام: كذا نزل، هو التفسير بحسب التنزيل، في مقابل البطن والتأويل، اللي هو التفسير الباطني للقرآن، فكأنه يعني للتفسير، مش هي زيادة في القرآن.

وصنف ثالث يقول: بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس فيه تحريف، ولكنه ناقص، قد سقط منه ما يختص بولاية علي، وكانوا يعنون المبحث: تنقيص الوحي، يعني ده فريق منهم، وهو آغا بزرك الطهراني، بيقول: القرآن اللي في أيدينا ما فيهوش تحريف، لكن فيه نقص، والمفروض هذا البحث ما يسمى بحث تحريف القرآن، لكن يسمى بحث تنقيص القرآن أو تنقيص الوحي، أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه، أن في وحي ثاني غير اللي موجود معانا في القرآن، اللي هي الأجزاء اللي ادعوا أنها نقصت والعياذ بالله من القرآن.

شوف بقى الغيرة على الإسلام بيقول إيه؟ بيقول: وكان الأولى أن يعنون المبحث تنقيص الوحي أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه، حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفًا باعتراف طائفة من المسلمين. خايف بقى سدًا للذريعة، ما نفتحش الباب للمستشرقين وغيرهم يقولوا: المسلمين كتابهم فيه إيه؟ تحريف، باعتقاد اسمها تحريف. يعني!

صنف رابع يقول: نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بين أيدينا، الجامع بين الدفتين، المقصود المجموع يعني، هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، من غير أن يدخله شيء بالنقص والزيادة، كيف وقد كفل الشارع بنفسه تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، على أننا معاشر الشيعة الاثني عشرية نعترف بأن هناك قرآنًا كتبه الإمام علي رضي الله عنه بيده الشريفة بعد أن فرغ من تكفين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد، فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلًا للمسلمين: حسبنا كتاب الله، وعندكم القرآن، فرده الإمام إلى بيته، ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظًا عند الإمام المهدي القائم، عجل الله تعالى فرجنا بظهوره. ده الخراساني في كتاب الإسلام على ضوء التشيع.

إذا لاحظوا هنا برضه إن إيه؟ إن جاب المصحف اللي هو علي كتبه بخطه، وراح لعمر الخطاب، وعمر قال له: لا، مش عايزين النسخة بتاعتك، إحنا عندنا القرآن كفاية، فعلي بن أبي طالب كان مستضعفًا، أخذ النسخة وفضل عشان يحافظ عليها يديها كل إمام للإمام اللي بعده، حتى استقرت في السرداب الخرافي.

واتجاه خامس يقول: وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه، فقالوا بالتحريف، ولهم عذرهم، كما لهم اجتهادهم، وإن أخطأوا بالرأي، غير أننا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف، فقلنا به وأجمعنا عليه. ده أسلوب آخر من أساليب التلون: وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف، ولهم عذرهم في هذه الجريمة، في هذا الكفر! بيقول: ولهم عذرهم كما لهم اجتهادهم، وإن أخطأوا بالرأي، غير أننا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف، فقلنا به وأجمعنا عليه.

فريق سادس يقول: بأن هذه الفرية إنما ذهب إليها من لا تمييز عنده بين صحيح الأخبار وسقيمها من الشيعة، وهم الأخباريون، أما الأصوليون فهم ينكرون هذا الباطل.

ثم يشرع الدكتور القفاري في نقد هذا الوجه الثاني من أوجه موقفهم من موضوع التحريف، يقول:

أولًا: إن القول بأن تلك الأساطير هي في مقياس الشيعة روايات ضعيفة شاذة، يرد عليه ما رده طائفة من شيوخهم من القول باستفاضتها وتواترها. هناك من علماءهم من قال إن روايات التحريف مستفيضة ومتواترة، كالمفيد، والكاشاني، ونعمة الله الجزائري، وغيرهم، بل إن المجلسي جعل أخبار التحريف كأخبار الإمامة في الكثرة والاستفاضة، اللي هي بقى قطب الدين الأعظم، اللي هي قضية الإمام، إمامهم.

فبيقول: لا، اللي يشكك في روايات التحريف كأنه بيشكك في الروايات التي أثبتت الإمامة، كما أن هذه المقالة قد أصبحت مذهبًا لطائفة من كبار شيوخهم، ومع ذلك فإن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ، مع كثرتها التي اعترف بها شيوخهم، يدل على شيوع الكذب في هذا المذهب بشكل كبير. يعني هو بيقول: في روايات كثيرة، بس روايات شاذة وكذا وكذا، يبقى معناها دينكم قائم على الكذب، وأن الكذب فيه كثير.

وهذا الحكم المعلن، إن كان بصدق، ينبغي أن يكون دافعًا للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي شذت بها عن المسلمين: أنتم لم تضلوا فقط في التحريف، لكنكم ضللتم في عقائد أخرى، ففي قضية التحريف قلتم: دي روايات شاذة، مع أنها موجودة في كتبكم المقدسة، طيب أنكروا بقى باقي العقائد الأخرى التي ثبتت بنفس هذه الروايات وفي نفس هذه الكتب.

كما ينبغي أن يكون منطلقًا لنقد رواياتهم وجرح رجالهم. يبقى أي واحد من علمائكم يروي تلك الروايات ويجعلها مذهبه، لا ينبغي أن يوثق به، كالكليني وإبراهيم القمي، الذين كان لهما النصيب الأكبر في تأسيس هذا الكفر في مذهب الشيعة وإشاعته بينهم.

صاحب هذا القول، محمد حسين آل كاشف الغطاء، يعظم بعض ملحدي الشيعة الذين يجاهرون بهذا الكفر، فيقول عن النوري الطبرسي، صاحب فصل الخطاب، يعني ده اللي بيقول إن دي روايات شاذة ومش صحيحة ومش عارف إلى آخره، اللي هو الوجه الثاني، فنفس هذا الشخص بيتكلم على النوري الطبرسي، اللي هو مؤلف كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، هو نفسه، كاشف الغطاء، بيقول إيه على النوري الطبرسي، اللي هو جمع الكفر المتفرق في قضايا التحريف في كتاب واحد؟ يقول: حجة الله على العالمين، معجب الملائكة بتقواه، من لو تجلى الله لخلقه لقالوا: هذا نوري، هذا نوري، مولانا ثقة الإسلام حسين النوري.

هذا قاله محمد حسين كاشف الغطاء، وطبعا هذا المديح صدر بعد إقرار النوري بجريمته بإصدار كتاب فصل الخطاب.

ثانيًا: أما القول بأن المقصود بروايات الشيعة في هذا هو تحريف بعض النصوص التي نزلت لتفسير آيات القرآن، دي مش تنزيل جديد أو وحي، لا، دي روايات تفسيرية، فهذا تأكيد للأسطورة وليس دفاعًا عنها، لأن من حرف ورد وأسقط النصوص النازلة من عند الله، والتي تفسر القرآن وتبينه، هو لردّ وتحريف الآيات أقرب، ومن لم يكن بأمين على المعنى كيف يؤتمن على اللفظ؟

الحقيقة إن كلام الدكتور القفاري هنا فيه شيء من الضعف. إحنا بنناقش قضية تحريف الألفاظ، أما نقول إنه اللي يتجرأ أن يحرف المعنى كيف لا يتجرأ على تحريف اللفظ؟ لا، اللي أشد هو تحريف اللفظ طبعًا، فهنا في نظر شوية في الأسلوب يعني.

يقول: على أن هذا التأويل لنصوص الأسطورة لا يتلائم مع كثير من تلك الروايات، إذ إن في رواياتهم المفتراة التصريح بأن النص القرآني قد شابه بزعمهم تغيير في ألفاظه وكلماته، زي ما بيدعوا أن عليًا قال: وأما ما حرف من كتاب الله فقوله: كنتم خير أئمة أخرجت للناس، فحرفت إلى خير أمة. بيقول هذا الخبيث.

ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعني بيدلل على حصول التحريف، بيقول: إزاي ربنا والعياذ بالله يمدح الصحابة ويقول لهم: كنتم خير أمة أخرجت للناس؟ كيف؟ والعياذ بالله، ومنهم، قاتله الله الخبيث اللي بيتكلم، ومنهم الزناة، واللوطة، والسراق، وقطاع الطريق، والظلمة، وشراب الخمر، الصحابة! الخبيث بيطعن في مين؟ الصحابة رضي الله عنهم. بيقول: إزاي يبقوا خير أمة أخرجت للناس وفيهم كذا وكذا وكذا؟ المضيعون فرائض الله، والعدول عن حدوده، أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟

فبيؤيد أن الآية أصلها إيه؟ كنتم خير أئمة أخرجت للناس، مش خير أمة، ويستدل بذلك على هذه الكذبة، والتطاول على أفضل أولياء الله بعد الأنبياء، وهم الصحابة رضي الله عنهم.

ومنه قوله تعالى، يدعون في التحريف: أن تكون أئمة هي أربى من أئمة، فجعلوها أمة. وقوله تعالى أيضًا: وكذلك جعلناكم أئمة وسطًا، مش أمة وسطًا، لتكونوا شهداء على الناس.

أيضًا في سورة النبأ ادعوا أن التحريف وقع في قوله تعالى: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا، مش ترابًا. ترابيًا عرفوها، وقالوا ترابًا، وذلك أن الرسول كان يكثر من مخاطبة علي بأبي تراب، فالرسول عليه السلام كان عليًا أبا تراب، فـ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا يعني متبعًا لإمامة علي رضي الله عنه.

فمثل هذه الروايات طبعًا مش إفساد للمعاني، ده إفساد للفظ، تحريف يعني.

أما القول بأن القرآن ناقص وليس بمحرف، فهذا كسابقه، ليس بدفاع لكنه تأكيد للأسطورة، ده يثبت التهمة عليهم أكثر، وطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع، فكيف تهتدي الأمة بقرآن ناقص؟ ومن قدر واستطاع على إسقاط قسم منه هو قادر على تحريف ما بقي.

ولكن الشيء من معدنه لا يستغرب، فصاحب هذا القول وهو آغا بزرك الطهراني، تلميذ النوري صاحب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، اللي بيقول إيه؟ إن القرآن مش محرف لكنه ناقص. طب ما هو النقص نوع من التحريف، واللي بينقص من القرآن، ما هو يبقى... يعني إذا وصل فجور إنسان أنه يدعي نقص القرآن الكريم أو يحذف منه، يبقى قابل إنه يزيد أيضًا، فهي مش دفاع، دي إثبات للجريمة في دين هؤلاء القوم. فاللي قال الكلمة دي مين؟ هذا الشبل من ذاك الأسد، ده تلميذ النوري صاحب كتاب فصل الخطاب.

ولذلك ترى هذا الطهراني، آغا بزرك، يحاول خداع المسلمين، بزعمه، وطبعا الكذب أسهل شيء عندهم، فبزرك بيدعي أن النوري الطبرسي شافهه، قال له كده شفهيًا عشان ما حدش يقول له: أثبت قولك، لا، شافهه بأنه أراد الدفاع عن القرآن، وإنما أخطأ في العنوان! يبقى الخطأ بس في العنوان؟ طب والمصائب التي في داخل الكتاب؟

فيعني هذا أسلوبهم حتى في الدفاع كما ترون يعني، فهذا الطهراني يحاول خداع المسلمين بزعمه أن مؤلف فصل الخطاب شافهه أنه أراد الدفاع عن القرآن، وأنما أخطأ في العنوان، فهو يحاول أن يتستر على معتقده الباطل بأساليب من المكر والمراوغة، وها هو ينكشف بهذا الدفاع، فهو يصرح بأن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة، وأن الأولى أن يعنون بدل التحريف بعنوان تنقيص القرآن، أو نزول وحي إلهي آخر، ويزعم أن في هذا دفاعًا عن القرآن أمام الأعداء، يعني أنتم ما مكنتموش الأعداء من الطعن في القرآن؟ هذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام! سبحانك، هذا بهتان عظيم.

رابعًا: أما ما قاله المصنف الرابع بوجود قرآن عند منتظرهم، القرآن اللي هو علي كتبه بخطه، وراح لعمر الخطاب، وعمر قال له: لا، مش عايزين النسخة بتاعتك، إحنا عندنا القرآن كفاية، فعلي بن أبي طالب أخذ النسخة التي كان كتبها بخطه واحتفظ بها في السر في البيت، وفضل كل إمام يعطيها للإمام اللي بعده، حتى استقرت في السرداب الخرافي.

ما قاله المصنف الرابع بوجود قرآن عند منتظرهم، هذا يعني أن الدين لم يكمل، والله يقول: اليوم أكملت لكم دينكم. ثم ما فائدة العبادة من كتاب غائب مع منتظر مضى على احتجابه المزعوم حوالي 1170 سنة ولا حاجة؟ فإن كان لا بد منه، فما حكم الشيعة على ما مضى من القرون، بما فيهم أسلافهم من الشيعة؟ هل هم على ضلال؟ وإن كانت الأمة تهتدي بدونه، فما قيمة كل هذه الدعاوى؟

الحقيقة إن كل هذه الترهات لإقناع أتباعهم بما عليه الرافضة من شذوذات لا شاهد لها في كتاب الله، فحاولوا التلبيس على الأتباع والتغرير بهم بأن دليلها يوجد في القرآن الآخر، أو الكامل، أو المفسر، الغائب مع المنتظر.

ثم إن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه في كتب الشيعة الأساسية، مسألة واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، فهم يزعمون أن عليًا جمع القرآن بتمامه، وجاء به إلى الصحابة فردوه، وألفوا قرآنًا حذفوا منه ما يتصل بولاية علي، وبقي القرآن المزعوم يتوارثه الأئمة حتى وصل إلى المنتظر. فهذا الرافضي ومن على منهجه أراد الخداع والتلبيس، فتراه يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية باطلاعِه على أحد وجوهها.

خامسًا: أما الفئة الخامسة الذين يقولون بأن القول بالتحريف رأي خاطئ وضلال سابق، كنا نذهب إليه، ثم تبين لنا الحق فعدلنا عنه، فإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا المذهب الفاسد، ولكن هذا القول قد يكون للتقية أثر فيه، ذلك أن أصحاب هذه المقالة، والكتب التي حوت هذا الكفر، هي محل تقدير عند هؤلاء. نفس الكتب التي فيها روايات التحريف، كتب معظمة جدًا ومقدسة، ويضفون على مؤلفيها أعظم ألقاب التفخيم، والمديح، والثناء، في حين أن اللي يروي روايات تفيد هذا المعنى يجب أن نتبرأ منه، ونحرق كتابه، ونفقد الثقة به، ونحكم بكفره، ده الموقف المنطقي، لكن هي الازدواجية في المواقف بهذه الطريقة.

ولذلك في مناظرات، الإخوة أحضروا لي المناظرات المستقلة بين الشيعة وبين العلماء، أفضل من أهل السنة الشيخ عثمان الخميس، في الآخر قال لهم: لن أوقف معكم على اتفاق، يعني صلح في النهاية، إلا إذا شهدتم بأن من أتى بروايات فيها إثبات تحريف القرآن أنه كافر. رفضوا تمامًا، رفضوا تمامًا بمنتهى الإصرار، قالوا: لا، ما يكفرش، واحد إيه ذنبه؟ موجودة رواية في الكتاب بتاعه، هو مالوش دعوة، ما يتكفرش ولا حاجة، لازم نتأول له عذرًا يعني. فطبعًا عند النقطة دي انكشفوا تمامًا، لأن شك أن الذي يجيز تحريف القرآن الكريم قطعًا هو كافر لا حظ له في الإسلام.

فده الموقف الصحيح، مش إن هم يظهرون لهذا وجهًا ولذاك وجهًا آخر، ويتلونون كما يتلون الحرباء أو الوزغ الحقير.

يقول: لكن هذا القول، إن احنا فعلًا كنا غلطانين وده مذهب كان موجود لكننا تبنا منه، يعني عدنا إلى الله وتبرأنا من موضوع التحريف، هذا القول قد يكون للتقية أثر فيه، ذلك أن أصحاب هذه المقالة والكتب التي حوت هذا الكفر هي محل تقدير عند هؤلاء، وصدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم، كالكليني وكتابه الكافي، والقمي وتفسيره، وغيرهما ممن ذهب إلى هذا الكفر، فكيف يكونون إلى اليوم موضع القدوة ومحل الثقة، تعتمد كتبهم كمصادر في تلقي العقيدة والشريعة، ويوثق بأقوالهم ويقتدى بأفعالهم؟

ثم إن القول بأن الاثني عشرية أجمعهم رجعوا عن هذا منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب، والذي ألفه لإثبات هذه الفرية كما سلف، وهو منقوض أيضًا بكتاب تحريف القرآن لسيدهم علي نقي ابن السيد أبي الحسن النقوي اللكنوي المعاصر، المولود سنة 1323 هجريه، وهو بالأردية، وغيرهما من مؤلفيهم في هذا الضلال، وهو معارض أيضًا بما قدمناه عن آغا بزرك الطهراني، والأميني النجفي، وغيرهما، فلا تزال فئة منهم يتيهون في هذا الضلال، ويضربون فيه بسهم.

ثم لما يقال في أمر أجمع عليه المسلمون، وهو سلامة كتاب الله وحفظه، لما يقال إن من خالف فيه له عذره واجتهاده، بعض الشيعة كما رأينا آنفًا، ويقولوا: لا، اللي قال بالتحريف له عذره، وله اجتهاده، في مثل هذه القضية، أصل أصول دين الإسلام، حفظ كتاب الله، دي فيها عذر للمخالف؟! وهل فيها عذر وتأويل سائغ، أم إنها قضية كفر وإيمان؟

سادسًا: أما ما ذهبت إليه الطائفة الأخيرة من أن هذه المقالة لم يقل بها كل الاثني عشرية، وإنما هي مقالة لفرقة منهم، وهم الأخباريون الذين لا يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، فهذا قول قاله أيضًا بعض شيوخ الشيعة القدامى، وهو الشريف المرتضى، حيث قال: من خالف في ذلك من الإمامية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث من الشيعة نقلوا أخبارًا ضعيفة وظنوا صحتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.

كما أن القول بأن هذه الفرية خاصة بالأخباريين قالها وأكدها مرجع الشيعة الأكبر في عصره جعفر النجفي، المتوفى سنة 1227، ولكنه، وهو من الأصوليين، يذهب في روايات التحريف الواردة في كتب الشيعة مذهبًا لا يقل خطورة عن رأي إخوانه الأخباريين، حيث قال بعد أن ذكر أن تلك الفرية هي رأي الأخباريين، وهو باطل بدلالة العقل والنقل، وما علم من الدين بالضرورة، قال: فلا بد من تنزيل تلك الأخبار إما على النقص من الكلمات المخلوقة قبل النزول إلى سماء الدنيا. طبعًا يقصدون بالكلمات المخلوقة إيه؟ كلام الله، لأنهم كالمعتزلة يعتقدون أن القرآن مخلوق. فبيقول: الروايات دي بقى لازم ننزلها تنزيلًا مناسبًا، يعني اللي هي روايات التحريف، إما على النقص من الكلمات المخلوقة قبل النزول إلى سماء الدنيا، أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على أن النقص المعنوي في تفسيره، والذي يقوى في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض، فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وكتبوه وظهر بينهم، وقام به الإعجاز، وقسم أخفاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمير المؤمنين رضي الله عنه، ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان، جعلت فدا.

لم يجرؤ صاحب كشف الغطاء كما ترى أن يكذب تلك الأساطير كما فعل المرتضى، بل تاه في بيداء من التكلفات والتمحلات حتى وقع في شر مما فر منه أو كاد. لقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم قسمًا من القرآن الذي أنزله الله عليه، ولم يبلغ به أحدًا من أمته سوى علي، وأن عليًا أخفاه عند أبنائه، وهو اليوم عند المنتظر، فماذا بعد هذا الافتراء؟

إذا بهذا نكون قد ناقشنا الوجهين الأول والثاني من الوجوه التي يظهرها الشيعة، والأقنعة التي يلبسونها حينما يدافعون عن هذه الفرية:
الوجه الأول: أن بعضهم ينكر وجودها في كتبهم أصلًا.
الوجه الثاني: الاعتراف بوجودها ومحاولة تبريره.

الوجه الثالث إن شاء الله نتكلم عليه فيما يأتي: المجاهرة، التبجح بقى: أيوه، القرآن محرف، وهذه هي الأدلة، ها، والمجاهرة والاحتجاج، قامت الأدلة على هذا الكفر.
والوجه الرابع: التظاهر بإنكار هذه الفرية ومحاولة إثباتها بطرق ماكرة خفية.

نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

  • الاحد AM 11:50
    2026-04-26
  • 18
Powered by: GateGold