المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1903004
يتصفح الموقع حاليا : 385

البحث

البحث

عرض المادة

الرحمن هو البرهان

الرحمن هو البرهان

 

الشيخ محمد إسماعيل المقدم

الرب الجليل هو الدليل، والرحمن هو البرهان.

ما بيان ذلك؟ بيانه أن القرآن الكريم لم يتعرض، هو ولا ما سبقه من الكتب السماوية، إلى قضية إثبات وجود الله عز وجل، اكتفاءً بالفطرة والعقل وما يفيدانه من العلم الضروري بالله عز وجل، ولأن الأصل هو أن الله تبارك وتعالى لا يعرف بمخلوقاته، ولكن المخلوقات كلها تعرف بالله، وإن كانت معرفته تزيد بالنظر في مخلوقاته.

والإيمان بوجود الله تبارك وتعالى فطرت عليه القلوب، أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات، فهو سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.

وقد سئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن رجل يقول: عرفت الله بالعقل والإلهام، فقال: هو مبتدع، عرفنا كل شيء بالله.

وسئل ذو النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا. فدل على صحة قول علمائنا: إن الله يعرف بالله، والأشياء كلها تعرف بالله.

قال شيخ الإسلام ما ملخصه: لما كان الله تعالى هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع، فالعلم به أصل كل علم وجامعه. وفي الدعاء الذي علمه الإمام أحمد لبعض أصحابه: يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى.

وإذا كان ما سوى الله من الموجودات، الأعيان والصفات، يستدل بها، سواء كانت حية أو لم تكن، بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى. ومن أسمائه تعالى الهادي، وقد جاء أيضًا البرهان.

ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربي، ولم أعرف ربي بالأشياء.

وجماع الأمر أن الله هو الهادي، وهو البرهان، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.

وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وتأمل حال العالم كله، علويه وسفليه، بجميع أجزائه، تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده، لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على أحوال المصنوع، عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة، أظهر من العكس.

فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه، إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان، كل منهما حق، والقرآن مشتمل عليهما. فأما الاستدلال بالصنع فكثير، وأما الاستدلال بالصانع فله شأن، وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم: أفي الله شك؟ أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى؟ ثم بعدما قالوا لهم: أفي الله شك، نبههم على الدليل فقالوا: فاطر السماوات والأرض.

يقول ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل

ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. انتهى كلام ابن القيم.

وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في الحكمة التاسعة والعشرين: شتان بين من يستدل به ويستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

قال الدكتور البوطي رحمه الله في شرحها: أيهما يدل على الآخر، الأصل على الفرع أم الفرع على الأصل؟ النبع على الجدول والساقية أم الساقية والجدول على النبع؟ الشجرة على الثمرة أم الثمرة على الشجرة؟

في الناس من يبدأ فيتعرف الأصل، ثم إن الأصل يهديه إلى الفروع والنتائج، وفيهم من يبدأ من النتائج والفروع، ثم إنه يستهدى بها إلى الأصل الذي انبثقت منه، والذي يتحكم بالأمر في هذا التقسيم هو الخفاء والظهور، فالظاهر هو الذي يدل دائمًا على الغائب أو الخفي.

ربما كانت الشجرة غائبة عنك ولم يظهر أمامك إلا ثمارها، إذًا فالثمار التي هي الفرع تدل على الشجرة التي هي الأصل، وربما كانت الثمرة غائبة عنك وكانت الشجرة هي الماثلة أمامك، إذًا فالشجرة التي هي الأصل تدل على الثمرة التي هي الفرع، والاحتمال في المخلوقات والمصنوعات واردان.

ولكن هل يرد الاحتمالان في المخلوق مع الخالق، في موجد الكون مع الكائنات؟ ولاحظ أننا عندما نقول الخالق أو الموجد نعني موجد كل شيء وخالق كل شيء، ومن جملة الأشياء العقل الذي به تدرك، والنور الذي به تبصر، ألا وإن هذا الخالق هو الله عز وجل.

إذًا فهل يرد الاحتمالان هنا أيضًا على السواء كما وردا في دلالة الأصل على الفرع والفرع على الأصل ضمن حدود المخلوقات؟ إذا تأملت ستعلم أن الاحتمالين هنا غير متساويين، ذلك لأنك عندما تبعث ببصرك في المكونات والمخلوقات لتتعرف عليها، إنما تدركها وتتعرف عليها بنور من الهداية الربانية، فبه تدركها، وبه تراها، وبه تسبر غورها، إذًا فدليلك الهادي إلى وجود المخلوقات وحقيقتها هو الله، فكيف ينقلب الدليل، وهو الله، ليصبح مدلولًا عليه، وينقلب المدلول عليه، وهو هذه المصنوعات، ليصبح دالًا؟

دعني أضعك من هذه الحقيقة أمام مثال: رجل أقبل في ظلام ليل دامس إلى مصباح فحمله، ودخل به دارًا مظلمة، فرأى على ضوء المصباح أمتعة شتى وأثاثًا وأطعمة ونقودًا. ترى أيهما كان الهادي الدال، وأيهما كان المهدي إليه والمدلول عليه؟ هل في العقلاء من يجهل أن المصباح المضيء هو الدليل الهادي، وأن كل ما كشفته أشعة المصباح هو المهدي إليه، وهو المدلول عليه؟

إنك بالله ترى الدنيا التي من حولك، وبالله تعقلها، وتدرك ما تدرك من أسرارها، وهذا بعض معنى قول الله عز وجل: الله نور السماوات والأرض. إذًا فالله هو دليلك على كل ما سواه.

فأما المقربون أصحاب الشهود فقد رأوا المصباح أولًا، رأوا الله نور السماوات والأرض أولًا، ثم إن رؤيتهم له بصرتهم بالآثار، بصرتهم بمخلوقاته ومصنوعاته، وأيقنوا أنه لولا المؤثر لما وجدت الآثار، ولولا الصانع لما وجدت المصنوعات، ولولا النور الهادي لما انكشف لك شيء من ظلمات المكونات.

أما الذين غرقوا بين سحب الآثار، وحجبوا أنفسهم بالصور عن المصور، فقد راحوا يبحثون عن المصباح في الأشياء التي كشفها لهم ضياء المصباح، وإنه كما ترى لشيء مضحك، ولكن تلك هي حال أولئك الذين نسوا الله الذي هو صاحب الوجود المطلق.

على أن البحث عن المصباح سعي مبرور على كل حال، إذ هو خير من الإعراض عنه ونسيانه، ومن ثم إنكار وجوده، وهذا شأن عامة تائهين على الله ببوارق الملهيات، والمنسي ورغائب الأهواء والشهوات.

ويبدو أننا من هذا الفريق الثاني، فشأننا عندما نذكر بوجود الله ونعرض الأدلة الناطقة بوجوده، أن نجعل مما عرفناه بنور الله وهدايته دليلًا على وجوده، نقول: إن المكونات مغموسة بالعلة الغائية التي تدل على التدبير والقصد، والتدبير لا بد فيه من مدبر، ومدبر الكون هو الله.

وننسى في غمار هذا الاستدلال أننا إنما أدركنا معنى العلة الغائية ودلالتها بنور من الهداية الربانية، أي فنحن بالله عرفنا ما نعتبره دليلًا عليه.

نعود فنقول: إن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فالذين لم يتسن لهم الرقي إلى مستوى الخلص من عباد الله، أولئك الذين عرفوا الله بل شاهدوه ببصيرتهم دون ما حاجة إلى برهان، لا حرج عليهم في أن يسلكوا مسالك الاستدلال على وجود الصانع عز وجل، وعلى أنه المدبر لشؤون هذا الكون كله.

ليس على الأعرج حرج في أن يستعين بالعصا، والمأمول أن يشفيه الله ويستقيم في السير على قدميه، وعندئذ يتخلى عنها، أي عن العصا، إذ تنتهي حاجته إليها.

يقول ابن عطاء الله في الحكمة آنفة الذكر: شتان بين من يستدل به ويستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

قوله: شتان بين من يستدل به، أي بالله عز وجل، على ما دونه من المكونات، ويستدل عليه، أي يستدل على الله تعالى بما دونه من المكونات، ثم يوضح الفرق بينهما فيقول: المستدل به عرف الحق لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله، أي فهو يتبع في ذلك مقتضى المنطق والعلم، إذ ينطلق من الأصل إلى الفرع، ويستدل بالنبع على الجداول والسواقي المتفرعة منه.

ثم يقول: والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، أي إنما يحتاج إلى الأدلة على وجود الله من كان غائبًا عنه، غير واصل بالمعرفة والهداية إليه، فهو يحتاج إلى ما يوصله إليه ويعرفه به من البراهين والأدلة الكونية المتفرعة عن وجوده.

ثم يتابع فيقول: وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟ أجل، فالبحث إنما يكون عن الغائب، وتلمس الدلائل والآثار إنما هو لمعرفة المجهول وتقريب البعيد، وجل الله عز وجل عن أن يكون غائبًا أو بعيدًا.

الفطرة الإنسانية شاهدة على قربه، وحنين الروح إليه شاهد على وجوده، وليس لأي منهما، الفطرة والروح، من حاجة إلى وساطة دليل أو قبس برهان.

  • الاحد PM 02:27
    2026-04-26
  • 10
Powered by: GateGold