المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902990
يتصفح الموقع حاليا : 365

البحث

البحث

عرض المادة

موقف الرافضة من السنة

موقف الرافضة من السنة

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد، شرع لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أننا حينما نرى مبتلى ببلاء، فإننا نذكر الله سبحانه وتعالى، نقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا.

لعل معظم الناس يستحضرون النعمة أو عكسها، البلاء، فقط في الصحة والعافية والأمور الحسية، ولا يستحضرون ما هو أعظم النعم على الإطلاق، وهو نعمة الإسلام، ثم نعمة السنة، فإن الله تعالى يقول: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، فلا نعمة على الإطلاق أعظم من نعمة الإسلام، ولا نعمة بعد نعمة الإسلام أعظم من نعمة السنة، فالإسلام نجاة من الكفر، والسنة نجاة من البدعة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وذلك بعد ما قال: وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا المعنى نريد أن نستحضر ونحن نستطرد في هذا البحث الخطير، بحث أصول دين الرافضة، فلئن كنا من قبل نقولها مجملة: إنه دين مغاير تمامًا لدين الإسلام الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإننا قد شرعنا خاصة عند دراسة موقف الرافضة من مصادر الإسلام، وبدأنا بالكلام من خلال كتبهم المقدسة، يعني نطالع بأنفسنا بطريقة مباشرة كيف أن هؤلاء القوم طعنوا في القرآن الكريم، أو بتعبير آخر طعن فريق منهم، لا نريد أن نعمم كما سلكنا جانب الحذر من قبل في هذا، لكن في كل الأحوال كتبهم تحتوي هذا الكفر المبين، وتطفح بهذا الضلال الذي ليس بعده ضلال.

فإذا كان هذا موقفهم من القرآن الكريم، الذي هو أقدس مقدسات الإسلام على الإطلاق، فكيف موقفهم من سنة سيد الأنام صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟

يشرع الدكتور القفاري حفظه الله تعالى في تفصيل بيان اعتقاد هؤلاء الرافضة في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعني بيحصل نوع من التدليس على المسلمين من جانب الرافضة حينما يرفعون شعار: الكتاب والسنة تجمعنا، نحن نجتمع على الكتاب والسنة.

فرأينا موقفهم من الكتاب الذي يزعمون أنهم يجتمعون عليه معنا على هذا الكتاب، فما سواء من ناحية ضلالهم في قضية التحريف، أو حتى ضلالهم في قضية التفسير الباطني للقرآن الكريم وتحريف آياته عن معانيه. إذا كانوا اضطروا إلى اختراع فكرة تحريف القرآن الكريم بحذف آيات معينة في زعمهم لأجل أن يستروا عورة مذهبهم الخطير، وهو كيف يكون للإمامة هذا الحظ العظيم من الأهمية في الدين، وأنها ركن من أركان الدين، ثم يخلو منها كتاب الله، فاخترعوا فرية التحريف ليثبتوا أنه كان هناك آيات لكنها حذفت، ومن عجز عن هذه الجرأة فإنه قال: إن الآيات الفلانية مقصود بها الأئمة.

فماذا فعلوا مع السنة أيضًا؟ نفس الإحراج يطاردهم في كل وقت. أين في السنة الشريفة الدليل على الإمامة وسائر ضلالاتهم؟

فمن ثم أيضًا سنرى أن السنة غير السنة، فمن التدليس القبيح لبعض المدافعين عن الرافضة - قتلهم الله - أن يرفعوا معهم هذا الشعار، وهذا الدجل، حينما يقولون: نحن نجتمع على القرآن وعلى السنة. هو كشعار نعم، نجتمع، لكن إذا تأملت وعرفت ما معنى السنة بالنسبة للرافضة، وانه لا علاقة لهم إطلاقًا بسنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

يقول المصنف حفظه الله تعالى: اعتبر الإمام عبد القاهر البغدادي الشيعة من المنكرين للسنة، فهم من طوائف المنكرين للسنة؛ لرفضهم قبول مرويات صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم.

على حين أننا نجد الإمام السيوطي رحمه الله تعالى يشير في كتابه الاحتجاج بالسنة إلى ظهور دعوة شاذة في عصره تدعو إلى نبذ السنة والإعراض عن الاحتجاج بها والاكتفاء بالقرآن، ويذكر أن مصدر هذه الدعوة رجل، وقد كتب كتابه المذكور لنقض هذا الاتجاه وإبطاله.

نتلو عليكم نص عبارة الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في قضية السنة، فقد ألف رحمه الله رسالة لطيفة سماها مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، افتتحها بعد حمد الله تعالى بقوله - وكما أشرنا أن القائل زنديق واحد هو الذي طعن في السنة وأهدر حجيتها - يقول السيوطي رحمه الله تعالى وهو يرد على هذا الرافضي في كتابه مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، يقول رحمه الله:

اعلموا يرحمكم الله أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، يعني أماكن قضاء الحاجة، اعلموا يرحمكم الله أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وأن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسًا بحمد الله منذ أزمان، وهو أن قائلًا رافضيًا زنديقًا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوا وشرفًا - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة.

إلى أن قال السيوطي رحمه الله: فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قولًا كان أو فعلًا، بشرطه المعروف في الأصول، حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفر.

روى الإمام الشافعي رضي الله عنه يومًا حديثًا وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا، أرأيتني نصرانيًا؟ أرأيتني خارجًا من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زنارًا؟ والزنار هو حزام يشده النصراني على وسطه. أرأيت في وسطي زنارًا، أروي حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أقول به؟

هذا فيما يتعلق بمقدمة كلام الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة. فهذا أيضًا يؤخذ منه أن الرافضة ممن ينكرون سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول القفاري: إذًا فالشيعة السنة؟ ولهذا فإن أهل السنة اختصوا بهذا الاسم، سموا أهل السنة لاتباعهم سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وحرم الرافضة من هذا الشرف أن يكونوا ضمن أهل السنة؛ لأنهم يرفضون أصلًا سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول: هذا ما جاء في بعض مصادر أهل السنة، ولكن الشيعة تروي عن أئمتها كلامًا يثبت أنهم يحتجون بالسنة، فيقول قائلهم: إن كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف، كما في صحيح الكافي، وبهذا المعنى روايات أخر عندهم، وهو يفيد أن الشيعة لا تنكر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تعتمد عليها وتجعلها مع كتاب الله الميزان والحكم.

غير أن الدارس لنصوص الشيعة ورواياتها قد ينتهي إلى الحكم بأن الشيعة تقول بالسنة ظاهرًا وتنبذها باطنًا، إذ إن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاهًا مجانبًا للسنة التي يعرفها المسلمون، في الفهم والتطبيق، وفي الأسانيد والمتون.

فعند الرافضة إن قول الإمام كقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. السنة عندهم - كما يقول محمد تقي الحكيم من علمائهم - السنة عندهم، وانتبهوا للفخ في الكلام، السنة هي كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير، فأنا ما قلتش بقى صلى الله عليه وسلم هنا، ليه؟ الأحسن هتحسب أن المعصوم يراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا، المعصوم هنا ده واحد واثنا عشر، ثلاثة عشر.

فانتبهوا لهذا، الكلمة خادعة. يقول: هي كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير، ومن لا يعرف طبيعة مذهبهم فإنه لا يلمح مدى مجانبتهم للسنة في هذا القول، إذ إن المعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الشيعة تعطي صفة العصمة لآخرين غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل كلامهم مثل كلام الله وكلام رسوله، وهم الأئمة الاثنا عشر. لا فرق عندهم في هذا بين هؤلاء الاثني عشر وبين من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وآله وسلم.

فهم كما يقول المظفر: فهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، يعني إياك أن تفهم من هذا، من تعريف السنة، أن الأئمة الاثني عشر مثل رواة الحديث. لا، هم ليسوا رواة ولا نقلة، ولكن هم أنفسهم حجة كالنبي صلى الله عليه وسلم، قولًا وفعلًا وتقريرًا.

فهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية، بل لأنهم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي.

كما هي، مش اجتهاد، مش بيجتهد، ده هم يبلغون ما يعني... مش عايز أقول يوحى إليهم، لكن ما يعني يأتيهم عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، لأن برضه يوحى إليهم دي سوف نفصلها فيما بعد.

ولا فرق في كلام هؤلاء الاثني عشر، حتى لو هو في سن الطفولة، كلامه حجة، حتى لو طفل لم يكلف بعد، فكلامه حجة ما دام واحدًا من الاثني عشر. ولا فرق في كلام هؤلاء الاثني عشر بين سن الطفولة وسن النضج العقلي، إذ إنهم في نظرهم لا يخطئون عمدًا ولا سهوًا ولا نسيانًا طوال حياتهم، كما سنناقش بعد في مسألة العصمة.

ولهذا قال أحد شيوخهم المعاصرين، وهو عبد الله فياض، في تاريخ الإمامية: إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة، دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة.

واضح: إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة، دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة.

ذلك أن الإمامة عندهم استمرار للنبوة، فالنبوة... قولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأنهم لم ينطقوا إلا عن الله تعالى وعن وحيه، كما يقول ابن بابويه في الاعتقادات.

يعني معنى ذلك أن دينهم دين أرضي وضعي، وليس دينًا سماويًا. لو نعطي هذه السلطة للأئمة، أو الاثني عشر نبيًا دول، كل واحد السنة دخل كلامه داخل في السنة، وأفعاله وتقريراته، فإذا هذا دين أرضي وليس دينًا سماويًا.

وقد جاء في الكافي ما يعدونه حجة لهم في هذا المذهب، وهو قول أبي عبد الله كما يزعم صاحب الكافي: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث رسول الله قول الله عز وجل.

انتهى من أصول الكافي.

وذكر شارح الكافي أن هذا القول يدل على أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى. يعني كما نقول في القرآن: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، كذلك يقولون في قول الأئمة الاثني عشر: ولو كان عند غير الأئمة لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.

بل قال أيضًا: يجوز من سمع حديثًا عن أبي عبد الله رضي الله عنه، اللي هو جعفر الصادق، أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى.

يعني لو سمعوا من أبي عبد الله جعفر الصادق، ممكن ينسبه إلى علي، ما يبقاش كذب في هذه الحالة. لو يقول قال علي، يبقى قال علي؛ لأن قول جعفر الصادق هو قول علي، هو قول الحسن والحسين وفلان وفلان من الأئمة الاثني عشر، بل هو قول الرسول، بل هو قول الله.

وهذا صريح في جواز نسبة أقوال البشر إلى الله سبحانه، ثم ذكر أن بعض روايتهم تدل على جواز ذلك، بل أولويته، أن الأفضل والأولى لو سمعت من جعفر الصادق لا أنسبه لمن؟ لعلي أو إلى الرسول أو إلى الله، كما جاء في الكافي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله رضي الله عنه: الحديث أسمعه منك، أرويه عن أبيك؟ أو أسمعه عن أبيك، أرويه عنك؟ قال: سواء، إلا أنك ترويه عن أبي أحب إليَّ.

مع أنه سامعه من مين؟ سامعه من الابن، لكن أنسبه للأب، ده أحب إليه.

وقال أبو عبد الله رضي الله عنه لجميل: ما سمعت مني فاروه عن أبي.

هذه الروايات صريحة في استساغة الكذب البواح الصراح، حيث ينسبون مثلًا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما لم يقله، بل قاله بعض أحفاده ممن لم يشتهر عنه العلم، وحتى ما ينسب لمنتظرهم من أقوال يجوز نسبتها لأمير المؤمنين علي، بل النسبة إلى الأعلى أولى، كما يدل عليه صريح الرواية السابقة.

وقد أخذ من ذلك شارح الكافي أولوية نسبة أقوال الأئمة إلى الله عز وجل، ده أفضل كمان، تنسبها لمين؟ إلى الله عز وجل.

وهذا في غاية الجرأة على الله عز وجل. فالسنة عندهم ليست سنة النبي فحسب، بل سنة الأئمة، وأقوال هؤلاء الأئمة كقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا اعترفوا بأن هذا مما ألحقته الشيعة بالسنة المطهرة. قال الرافضة - كما يقول محمد تقي الحكيم في كتابه سنة أهل البيت - قالوا: وألحقت الشيعة الإمامية كل ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة.

هو أنتم خليتوا فيها سنة إيه؟ السنة الشريفة؟ اثنا عشر نبيًا جنب الرسول عليه السلام يشرعون، والنبوة لا تنقطع، الإمامة هي استمرار للنبوة.

يقول هذا الرجل: وألحقت الشيعة الإمامية، يعني إيه؟ أحدثوا وابتدعوا وكذبوا وافتروا، هذا معنى ألحقت ده.

ده الكلام ده كله معناه إيه؟ إنه أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم. منين بقى كمل الدين؟ فالدين الرافضي هدم للإسلام من أساسه، لن يبقى دين الإسلام، والذي عليه ليس هو دين الإسلام.

وهذا الكلام في كتبهم، معزوزة موجودة، ومعروفة. فيقول قائلهم هنا: وألحقت الشيعة الإمامية، يعني إيه؟ افتروا وكذبوا وزادوا. وألحقت الشيعة الإمامية كل ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة.

وكما كنا نفحمهم في كل خطوة في بحث موقفهم من القرآن الكريم بقول الله سبحانه وتعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، ما تقولون في هذه الآية: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون؟

ومعلوم أن علماء السنة يفسرون الذكر بالقرآن، وأيضًا بالسنة. لما سئل الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث الموضوعة، نعمل فيها إيه؟ هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال له: تعيش لها الجهابذة.

علماء الحديث سوف ينخلونها ويفصلون الصحيح من السقيم. قال: تعيش لها الجهابذة، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

فطبعًا الذكر يشمل أيضًا السنة الشريفة؛ لأنها وحي من الله تبارك وتعالى، فنستدل أيضًا هنا بهذه الآية على السنة: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

أيضًا سنظل نحاجهم ونخرم بقول الله سبحانه وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا.

فهم يقولون بهذا القول من منطلقين خطيرين، وقاعدتين أساسيتين عندهم في هذه المسألة، وقد أشار أحد شيوخهم المعاصرين إليهما، حينما ذكر أن قول الإمام عندهم يجري مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد واجب الاتباع، وأنهم لا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي. مش استنباط، ده كلامهم نفسه دليل، ولا يمكن أن يخالف ما هو واقع عند الله، مش زي أي عالم مجتهد.

فبين أن ذلك يتحقق لهم من طريقين: من طريق الإلهام كالنبي، من طريق الوحي، أو من طريق التلقي عن المعصوم قبله، كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام - كما يزعم محمد رضا المظفر - علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم، ينفتح لي من كل باب ألف باب.

فعلم الأئمة نوعان: علم حادث، وهذا يتحقق عن طريق الإلهام، وغيره يلهم، فيخرج العلم الذي عنده عن طريق الإلهام، الملك يسدده أو ينكت في قلبه كما يقولون. وعلم مستودع عندهم، مش هم اللي تعلموه أو حدث لهم، لكن ده علم مستودع عندهم ورثوه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

والكل يعتبر من السنة، سواء العلم الذي يحدث لهم عن طريق الإلهام، أو العلم المستودع الذي ورثوه، أو أسر به النبي صلى الله عليه وسلم. أسر به إلى من؟ إلى علي، وعلي يسر إلى كل من يأتي بعده من الأئمة.

يشرح هنا هذين الأصلين الخطيرين من أصول دين الرافضة، فيقول:

الأصل الأول: علم الأئمة يتحقق عن طريق الإلهام والوحي، ده العلم الحادث. يقول: علم الأئمة يتحقق في نظرهم عن طريق الإلهام، وحقيقته كما قال صاحب الكافي في روايته عن أئمتهم: العلم الإلهام هو النكت في القلوب. وفي لفظ آخر له قال: الإلهام فقذف في القلوب شيء يقذفه الله في قلبه.

وصرح أن ذلك هو الإلهام، حيث قال: وأما النكت في القلوب فإلهام، أي أن العلم ينقدح في قلب الإمام، فيلهم القول الذي لا يتصور فيه الخطأ؛ لأن الإمام معصوم.

والإلهام ليس هو الوسيلة الوحيدة في هذا، كما حاول أن يلطف من الأمر ذلك الشيعي المعاصر الذي نقلنا كلامه آنفًا، بل صرح صاحب الكافي أن هناك طرقًا أخرى غيره، حيث ذكر في بعض رواياته أن من وجوه علوم الأئمة النقر في الأسماع من قبل الملك. نقر في السمع من قبل الملك.

وفرق بين هذا وبين الإلهام، حيث قال: وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك.

إذًا هناك وسيلة أخرى غير الإلهام، وهو نقر في الأسماع، لتحديث الملك، وهو يسمع الصوت ولا يرى الملك، وإن كانوا فيما بعد بعضهم سوف ينقض هذا ويثبت أنه يرى الملك. وهو يسمع الصوت ولا يرى الملك، كما جاء في الروايات الأربع في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث من أصول الكافي، وكلها قالت إن الإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص.

بيفرقوا بقى بحث زي البحوث، بيفرق بين النبي والرسول والإمام، فواحد منهم قال إن الإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص، وذكر صاحب البحار خمس عشرة رواية في هذا المعنى في باب عقده بعنوان: باب أنهم محدثون مفهمون.

ولكن كيف يعلم أنه كلام الملك وهو لا يراه؟ قال إمامهم، بيجاوب على السؤال بقى إجابة يعني مقنعة جدًا، بيقول: السؤال: كيف يعلم الإمام أنه كلام الملك مع أنه لا يراه؟ الجواب، كما في أصول الكافي: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك.

يلاقي نفسه كده فيها سكينة ووقار، ده الدليل على أن ده كلام الملك. بهذه السهولة يكذبون على الله ويدعون هذا النوع من الوحي. يبقى في قلبه سكينة ووقار، بس كده الدليل.

ثم بعد أبواب عدة يعود صاحب الكافي فينقض ما قرره في الروايات السابقة، ويثبت تحقق رؤية الإمام للملك في روايات أربع في باب عقده بعنوان: باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار عليهم السلام.

ثم ما تلبث دي روايات في الكافي، أربع روايات، ثم ما تلبث أن تزيد هذه الروايات الأربع لتصل إلى ست وعشرين رواية عند صاحب بحار الأنوار، ليجمعها في باب أكثر صراحة على التأكيد على رؤية الإمام للملك، جعل عنوان البحث: باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم، وأنهم يرونهم.

يعني يا أما يرون الملك.

وتتحدث رواية أخرى لهم عن أنواع الوحي للإمام، فتذكر أن جعفرًا قال: إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت هكذا، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل.

وثمت روايات أخرى في البحار بهذا المعنى، وكأنهم بهذا المقام أرفع من النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يأتيه إلا جبرائيل.

وتأتي روايات تبين هذه الصورة التي هي أعظم من جبرائيل وميكائيل بأنها الروح عندهم، وقد خصها صاحب الكافي بباب مستقل بعنوان: باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة، وذكر فيها ست روايات، منها عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله تبارك وتعالى: وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، قال: أي الروح خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده.

طبعًا معروف أن الروح هنا في هذه الآية القرآن الكريم، لأن الله سبحانه وتعالى قال: وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا، روحًا. وقد سماه الله سبحانه وتعالى روحًا؛ لتوقف الحياة الحقيقية على الاهتداء به.

وكانت هذه الدعوى حول الوحي للإمام قد غابت عن المفيد، الذي توفي سنة 413، أو أنها صنعت فيما بعد، إذ رأينا المفيد يقرر الاتفاق والإجماع على أنه من يزعم أن أحدًا بعد نبينا يوحى إليه فقد أخطأ وكفر. أو الاحتمال الثاني إيه بقى؟ أن المفيد بيقول الكلام ده تقية.

هو قال الكلام ده تقية، زي كل شيء، بنحتار ما موقفهم الحقيقي يعني منه.

إذًا الإمام يلهم، ويسمع صوت الملك، ويأتيه الملك في المنام، ويراه، وفي بيته ومجلسه، أو يرسل له ما هو أعظم من جبرائيل، يخبره ويسدده. وليس ذلك نهاية الأمر، بل لدى الأئمة أرواح أخرى ووسائل أخرى.

لديهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوة، وروح الشهوة. ذكر ذلك صاحب الكافي في باب بعنوان: باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام، فذكر في ذلك ست روايات، بينما تطورت هذه المسألة عند صاحب البحار، فبلغت رواياتها أربعًا وسبعين رواية.

وقد ركزت رواياتهم على روح القدس، فذكرت أن هذه الروح تنتقل إلى الأئمة بعد موت الأنبياء. بعد الأنبياء، ما بيموتوا، روح القدس بتنتقل إلى الأئمة. فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله انتقل روح القدس إلى الإمام، كما في أصول الكافي.

وبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، يبقى الأئمة اطلعوا على كل شيء من تحت العرش إلى تحت الثرى عن طريق روح القدس.

وأيضًا من نصوصهم كما في الكافي: وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، وبروح القدس يستطيع أن يرى الإمام ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء، وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى.

بل إن الأئمة تذهب إلى عرش الرحمن - كما يزعمون - كل جمعة لتطوف به، فتأخذ من العلم ما شاءت.

قال أبو عبد الله - طبعًا نبهنا كثيرًا أن قال أبو عبد الله، ده كذب، أن جعفر الصادق إمام جليل، هو بريء من هذا الضلال المبين - قال أبو عبد الله في زعمهم يعني: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم العرش، ووافى الأئمة عليهم السلام معه، ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندنا من العلم.

ده لازم مدد كل أسبوع. بيطلعوا العرش وياخدوا مددًا جديدًا.

وجاءت روايات أخرى بهذا المعنى. تحس الدين كله خرافات، بس احنا مضطرين، احنا مضطرين لأن نكدر قلوبنا بقراءة هذا الكلام الأسود، ولكن هذا واقع، عشان الناس اللي بتضحك على المسلمين وتقول لهم: مافيش خلاف بينا وبينهم في الأصول. طب إذا كنا نختلف في القرآن، ونختلف في السنة، ونختلف في الإجماع، وغير ذلك من الطامات الكبرى، يبقى ما الذي بقي حتى نجتمع عليه؟

فهذا من التضليل، أعتقد الآن أن اللي يقع فيه فهو تضليل متعمد. يصعب جدًا أن يكون الذين لا يزالون يمارسون هذا الكذب والغدر بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، ويشاركون في طعنها في قلبها، في أقدس مقدساتها... لأن الكتب الرافضية تملأ الدنيا الآن، وتملأ الإنترنت، يعني الأمر الآن أصبح في غاية الوضوح.

فهؤلاء يسيئون إلى أنفسهم بأنهم يتآمرون ضد أمة التوحيد وأمة لا إله إلا الله. بعد كل ده لسه الناس بتقول إن احنا متفقون معهم في الأصول، والخلافات بيننا كالخلاف بين الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية؟ هذا كذب صراح. احنا مختلفين في أصل الدين كما ترون، دين آخر غير دين الإسلام.

فيعني طبعًا نتألم من أننا نضطر، يعني تسميم قلوبنا بتلاوة وسماع هذا الكلام المظلم، لكن للضرورة أحكام.

وجاءت روايات أخرى بهذا المعنى ذكرها الكليني في باب خصصه لهذه الدعوى بعنوان: باب في أن الأئمة عليهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة، يعني يزدادون إيه؟ علمًا. وذكر فيه ثلاث روايات.

ثم جاء صاحب البحار فذكر في هذا الموضوع سبعًا وثلاثين رواية في باب عقده في هذا الشأن بعنوان: باب أنهم يزدادون وأرواحهم تعرج إلى السماء.

بل جاء في البحار تسع عشرة رواية تذكر بأن الله تعالى ناجى عليًا، وأن جبرائيل يملي عليه. كما جاءت فيه سبع عشرة رواية تتحدث عن تحف الله تعالى وهداياه إلى علي، كما ذكر المجلسي أن الله - بزعمهم - يرفع للإمام عمودًا ينظر به إلى أعمال العباد، واستشهد لذلك بعشر روايات.

كل هذه العلوم التي تتحقق لهم بهذه الوسائل يسمونها العلم الحادث. العلم الحادث ده غير العلم الموروث أو المستودع. ده العلم الحادث. هذا العلم تحققه موقوف على مشيئة الأئمة، كما أكدت ذلك روايات صاحب الكافي التي جاءت في الباب الذي عقده بعنوان: باب أن الأئمة عليهم السلام إذا شاءوا أن يعلموا علموا، فذكر فيه روايات ثلاثًا، كلها تنطق بأن الإمام إذا شاء أن يعلم أُعلم، وفي لفظ آخر: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئًا أعلمه الله ذلك.

فالوحي للأئمة... يعني نتذكر هنا قول الله سبحانه وتعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك. يعني الرسول عليه السلام كان يحب أن يأتيه جبريل كثيرًا، فلأن الله قال له: وقل رب زدني علمًا، فنزل جبريل يبين أن هذا ليس بيده: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيًا.

أما هؤلاء، فالوحي للأئمة ليس بمشيئة الله وحده كما هو الحال مع الرسل عليهم السلام، بل هو تابع لمشيئته... رايح العراق يعني؟ والشيعة أغروه بالذهاب إليهم. طب ما كان ممكن يعني يتقدم بمشيئته، يشاء أنه يعلم: هل سيغدر به ويقتل أم لا؟ وإذا أراد، فإنه كان سوف يعلم طبقًا لهذا الكلام.

وهذا العلم الحادث الذي يحدث للأئمة متى شاؤوا، فيجعل كلامهم مثل كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليس هو كل ما عند الأئمة، بل لديهم ما تسميه روايتهم بالعلم الغابر والعلم المزبور، وهو ما أودع الأئمة من علوم، ومن كتب وصحف، وهي الأساس الثاني لقولهم إن كلام الإمام يجري مجرى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

بعض الروايات تقول: أما الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور فالعلم بما كان. يعني نوع يتعلق بالحوادث الماضية، ونوع يتعلق بالحوادث المستقبلة.

إذًا هذا فيما يتعلق بالأصل الأول الخطير، وهو أن علم الأئمة يتحقق عن طريق الإلهام والوحي، اللي هو العلم الحادث.

طيب، الأصل الثاني، وهو العلم الموروث أو العلم المستودع.

الأصل الثاني: خزن العلم وإيداع الشريعة عند الأئمة.

جاء في الكافي عن موسى بن جعفر - كما يزعمون - قال: مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماضٍ، وغابر، وحادث. فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع، اللي هو الإمام يحدث له هذا العلم، وده اللي سبق اتكلمنا عليه. وأما الحادث فقذف في القلوب إلهام، ونقر في الأسماع ملك، وهو أفضل علمنا، ولا نبي بعد نبينا.

هتفيد بإيه ما تقول لا نبي بعد نبينا، لكن حقيقة النبوة مستمرة ولم تنقطع. فده يعني إيه؟ يكاد المريب أن يقول خذوني.

فعايز يقول يعني بقى، تقولوا إن احنا كده بنطعن إن الرسول عليه السلام خاتم النبيين؟ طيب، ما أنتم بتقولوا نفس الحقيقة: إن الوحي مستمر.

وفي البحار وبصائر الدرجات ثلاث روايات بهذا اللفظ.

العلم الحادث، وما تقدم بيانه، وهو كما أشارت الرواية يعد من أفضل علومهم، لأنه كما يقول بعض شيوخهم: حصل لهم من الله بلا واسطة، أي من الله مباشرة بلا واسطة ملك. وهذا يشبه قول غلاة الصوفية كابن عربي.

أما الماضي المفسر، والغابر المزبور، فقد أوضح شارح الكافي معناهما بقوله: يعني الماضي الذي تعلق علمنا به، وهو كل ما كان مفسرًا لنا بالتفسير النبوي. والغابر المزبور الذي تعلق علمنا به هو كل ما يكون مذكورًا مكتوبًا عندنا بخط علي رضي الله عنه، وإملاء الرسول، وإملاء الملائكة، مثل الجامعة وغيرها.

فبهذا يتبين أن العلم المستودع عند الأئمة نوعان: كتب ورثوها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو علم تلقوه مشافهة منه صلى الله عليه وسلم.

وفحوى هذا الاعتقاد، الذي يعتبر من ضرورات مذهبهم وأركان دينهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي، وأودعه الإمام عليًا، فأظهر علي منه جزءًا في حياته، وعند موته أودعه الحسن، وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا حسب الحاجة، ثم يعهد بالباقي لمن يليه، إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.

وقد مر بنا ما قاله شيخهم ويثني محمد بن حسين آل كاشف الغطاء، المتوفى سنة 1376، من أن الأحكام في الإسلام... يعني الإنسان يعجب، يعني كيف إنسان يدعي الإسلام يطاوع قلبه أن يجهر بهذا الكلام ويعتقد مثل هذا الضلال.

يقول كاشف الغطاء: إن الأحكام في الإسلام قسمان: قسم أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وقسم كتمه وأودعه أوصياءه، كل وصي يخرج منه ما يحتاجه الناس في وقته، ثم يعهد به إلى من بعده، حتى زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يذكر حكمًا عامًا ولا يذكر مخصصه أصلًا، بل يودعه عند وصيه إلى وقته.

وقال شيخهم المعاصر بحر العلوم: لما كان الكتاب العزيز متكفلًا بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها، احتاجوا إلى سنة النبي. ويقول هذا الضال: والسنة لم يكمل بها التشريع؛ لأن كثيرًا من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم، احتاج أن يدخر علمها عند أوصيائه ليدوِّنوه في أوقاتها.

وأقوال شيوخهم في هذا المعنى كثيرة.

فيقول مثلًا آية الله العظمى شهاب الدين النجفي: إن النبي صلى الله عليه وسلم ضاقت عليه الفرصة، ولم يسعه المجال لتعليم جميع أحكام الدين، وقد قدم الاشتغال بالحروب على التمحص ببيان تفاصيل الأحكام.

شوف سوء الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، والتطاول على الإسلام. لم يسعه المجال لتعليم جميع أحكام الدين. طبعًا طعن مباشر في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قدم الاشتغال بالحروب على التمحص للأحكام، لا سيما مع عدم كفاية استعداد الناس في زمانه لتلقي جميع ما يحتاج إليه طول قرون.

فانظر كيف يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قدم الاشتغال بالحروب على تبليغ شريعة الله، والله يقول له: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. إذًا فحوى كلامهم أن الرسول لم يبلغ ما أمر به عليه الصلاة والسلام، وحاشاه.

فهل أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ربه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك؟ وهل أمثال هؤلاء من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن أن يكونوا من أنصار أهل بيته؟

أليس إقرارهم لهذه العقيدة تكذيبًا لقول الله جل شأنه: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا؟

فالله سبحانه وتعالى أكمل لنا الدين، وكل قول خلاف هذا كفر وضلال. ولكن الدين الذي لم يكمل، ولن يكمل، لأن لسه ناقص فيه حاجات مستخبية في السرداب مع هذا الوهم الخرافي! طيب لما الهداية بقى؟ يعني من ساعة المهدي اللي دخل السرداب ده في الخرافة والأسطورة المزعومة، ومعاه بقى بقية الوحي، طيب سايبنا ليه كده كام سنة دلوقتي؟ ألف سنة وزيادة، والأمة محرومة؟ والأمة تكون على الضلال وهي محتاجة للهداية؟ يبقى القرآن معطل، الحق مستخبي في السرداب مع المهدي، وعادي تعدي قرون ورا قرون وما في أي استفادة من هذا الوحي. هل في طعن في الإسلام أكثر من هذا؟

يقول: ولكن الدين الذي لم يكمل ولن يكمل هو دين الشيعة، الذي يزيد فيه شيوخهم على مر الدهور، ولا يزال في نقص واختلاف؛ لأنه من صنع البشر. هذا دين أرضي، ليس دينًا سماويًا، ليس هو دين الإسلام.

هذه بعض الخطوط العامة لهذه العقيدة الخطيرة في مذهب الشيعة، أما شواهدها فإن المقام سيطول لو عرضت لها كلها، فكيف بتحليلها ونقدها؟ فلنذكرها على سبيل الإجمال.

فهم يزعمون أن الأئمة هم خزنة علم الله ووحيه، وقد عقد صاحب الكافي بابًا لهذا بعنوان: باب أن الأئمة عليهم السلام ولاة أمر الله وخزنة علمه، وضمن هذا الباب ست روايات في هذا المعنى. وبابًا آخر بعنوان: أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم، وفيه سبع روايات. وبابًا ثالثًا بعنوان: أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام، وفيه أربع روايات.

وهذا العلم المستودع نوعان كما سبق: مفسر ومزبور.

فمما ذكروه فيه ما جاء في أصول الكافي: باب أن الله عز وجل لم يعلم نبيه علمًا إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين، وأنه كان شريكه في العلم، وذكر فيه ثلاث روايات.

وقريب من هذا ما جاء في البحار في باب بعنوان: باب أنه صلوات الله عليه، يعني علي، كان شريك النبي صلى الله عليه وآله في العلم دون النبوة، وأنه علم كما علم النبي صلى الله عليه وآله، وأنه، أي علي، أعلم من سائر الأنبياء عليهم السلام، وقد استشهد لذلك باثنتي عشرة رواية من رواياتهم.

كما قدم المجلسي اثنتي عشرة رواية تتحدث عن علم علي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ألف باب من العلم، في باب عقده لهذا الموضوع.

قالت إحدى رواياتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى علي ألف حديث لم تعلمه الأمة، وزعمت أن عليًا أعلن ذلك للناس، فقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إليَّ ألف حديث، في كل حديث ألف باب، لكل باب ألف مفتاح.

وموضوع التسلسل ده، هم مغرمون جدًا بموضوع ألف وخمسة آلاف وسبعة آلاف، وشجرة فيها سبعة آلاف فرع، وكل فرع فيه سبعة آلاف كذا، الأسلوب بتاع أبو زيد الهلالي ده، وال... يعني عادي جدًا معروف جدًا عندهم، وفي خرافاتهم وأساطيرهم.

ومرة أخرى زعمت روايتهم أن أبا عبد الله قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام بألف باب، كل باب يفتح ألف باب.

ثم زعمت أن عليًا قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من الحلال والحرام، ومما كان، ومما يكون إلى يوم القيامة، كل باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت المنايا والبلايا وفصل الخطاب.

كما قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلل عليًا بثوبه عند موته، وأنه حدثه بألف حديث، كل حديث يفتح ألف باب.

وهذا كله ليس بذاك العلم في نظر الأئمة بالقياس لما عندهم من العلوم، فقد قال أبو بصير: دخلت على أبي عبد الله فقلت له: إن الشيعة يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم عليًا بابًا يفتح منه ألف باب. فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد، علم والله رسول الله صلى الله عليه وآله عليًا ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب.

قلت له: هذا والله هو العلم. قال: إنه العلم، وليس بذاك، يعني احنا لسه اللي عندنا أكثر كمان من هذا العلم.

وقد استمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته - كما تزعم روايات الشيعة - يعلم عليًا علومًا وأسرارًا لا يطلع عليها أحد سواه، وقد وصلت مبالغات الشيعة في هذه الدعوى إلى مرحلة لا يصدقها عقل، حتى قالوا بأن عليًا استمر في تلقي العلم من فم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد موته عليه الصلاة والسلام.

وعقد المجلسي لهذا بابًا بعنوان: باب ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله عند وفاته وبعده.

وقالت الرواية الأولى في هذا الباب: إن عليًا قال: أوصاني النبي صلى الله عليه وآله فقال: إذا أنا مت فاغسلني بست غرب من بئر غرس - وهو بئر في المدينة - فإذا فرغت من غسلي فأدرجني في أكفاني، ثم ضع فاك على فمي. قال: ففعلت، وأنبئ بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وقالت الرواية الثانية بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كما يفترون: يا علي، إذا أنا مت فاغسلني وكفني، ثم أقعدني وسلني واكتب.

ومضت بقية الروايات على هذا النسق المظلم، حتى قالوا بأن عليًا كان إذا أخبر بشيء قال: هذا بما أخبرني به النبي صلى الله عليه وآله بعد موته.

وهكذا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويكشفون كذبهم بأنفسهم عبر مبالغتهم التي لا تكاد تنتهي.

وهذا جزء من رواياتهم عن العلم الذي خصه النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وأورثه من بعده.

ولم يكتف الخيال الشيعي بهذا، بل زعم أن عند الأئمة العلم المزبور، أو الكتب التي ورثوها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء على ذكر بعضها صاحب الكافي في باب عقده بعنوان: باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، وفي باب آخر بعنوان: ما أعطي الأئمة عليهم السلام من اسم الله الأعظم، وفي باب ثالث بعنوان: باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء عليهم السلام.

أما شيخهم المجلسي فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، وجمع ما في معظم كتب شيوخهم المعتمدة عندهم، وسجل ذلك في بحاره في أبواب متعددة تضمنت روايات يصعب حصرها، مثل باب جهات علومهم عليهم السلام وما عندهم من الكتب. بلغت أخبار هذا الباب تسعة وأربعين خبرًا، انتخبها كعادته من مجموعة من كتبهم المعتمدة لديهم. وباب في أن عندهم كتبًا فيها أسماء الملوك الذين يملكون الأرض، كل حكام العالم الإسلامي والعربي والأفريقي وكل العالم، كل الملوك والحكام متسجلين أسماؤهم في قائمة عند الأئمة. وباب في أن عندهم كتبًا فيها أسماء الملوك الذين يملكون الأرض. وباب في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء عليهم السلام يقرؤونها على اختلاف لغاتها. وباب أن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله، ولا تبقى الأرض بغير عالم. وباب أنهم عليهم السلام عندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم. مش كده وبس، ده كان ساعات يروح الواحد ويسأل واحدًا من أئمتهم: أنا مكتوب فين؟ عشان يطمن أنه من أهل الجنة.

وتحدثت روايات هذه الأبواب عما ورثه الأئمة من صحف. يعني نحمد الله على نعمة الإسلام والسنة والعقل، لأن هذا دين لا يمكن إنسانًا عاقلًا أن يقبله. ده لسه كمان المآسي جاية بعدين.

وتحدثت روايات هذه الأبواب عما ورثه الأئمة من صحف وغيرها، أو عن المصادر الوهمية التي تزعم الرافضة أنها عند أئمتهم الاثني عشر، والتي فيها كما يزعمون كل ما يحتاجه الناس.

ولو ذهبنا نعرض ونفصل محتويات هذه الأبواب، ونحلل معلوماتها، ونبين ضروب تناقضاتها وأوهامها، لكان بذاته بحثًا مستقلًا، ولكن نكتفي بالإشارة والمثال.

لقد كان مما تضمن هذه الأبواب روايات عديدة عن صحيفة تسمى الجامعة أو الصحيفة، وصفوها بأن هذه الصحيفة دي بقى إيه؟ سبعون ذراعًا بخط علي عليه السلام، وإملاء رسول الله صلى الله عليهما وعلى أولادهما، فيها من كل حلال وحرام، وليس من قضية إلا هي فيها، حتى أرش الخدش. لو واحد خربش الثاني، الدية بتاعته كام، أو الأرش.

وتكرر ذكر هذه المعلومات وما في معناها في روايات كثيرة.

ومن العجب أن أئمتهم يعدون أتباعهم بأنهم سيحكمون بما في هذه الصحيفة لو تمكنوا من الحكم، حيث قالوا: لو ولينا الناس لحكمنا بما أنزل الله، لم نعد ما في هذه الصحيفة، مش هنخرج قليلًا مما في هذه الصحيفة أو الجامعة.

أما القرآن فليس له ذكر. طب لو وليتم هتحكمونا بكتاب الله؟ لا، المهم الصحيفة الجامعة. أما القرآن فليس له ذكر، كما يخبروننا هم.

حيرونا لدرجة أن في روايات بتقول إن المهدي سوف يحكم بشريعة داود عليه السلام، يحكم بشريعة داود؟ شريعة منسوخة دي! حينما يخرج يحكم بشريعة داود، يبقى دي يعني معناها بقى أن أنتم واليهود علينا، لأنه حاجة يعني قاسم مشترك وجد بينكم وبين إخوانكم اليهود.

أما القرآن فليس له ذكر، كما يخبرون بأن الجامعة هي دستورهم الذي يتبعون، حيث قالوا: فنحن نتبع ما فيها ولا نعدوها، يحكمون بالصحيفة أو بالجامعة، ولن يعدوها إلى غيرها.

وزعم أبو بصير، وهو أحد رواتهم، بأنه رآها عند أبي جعفر، كما زعم زرارة أنه استمع إلى نص من نصوصها، يقول: إنما يحدث به المرسلون كصوت السلسلة أو كمناجاة الرجل صاحبه.

كما نقلت روايتهم أخبارًا عن كتاب آخر يسمونه كتاب علي، ووصفوا شكله بأنه مثل فخذ الرجل مطوي، وأنه خط علي بيده وإملاء رسول الله، ولم ينقلوا لنا من نصوصه وأحكامه إلا حكمًا واحدًا، حكمًا جائرًا واحدًا، ده من كتاب علي، كتاب تاني.

يقول: إن النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا توفي عنها شيء. هذا والله خط علي بيده، وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرجال نصيب ترك الوالدين والأقربون، وللنساء نصيب، نعم، وهم يأخذون بهذا النص من ذلك الكتاب الموهوم، ويعرضون عن نصوص القرآن العامة، والتي لم تفرق بين العقار وغيره.

ثم إن هذا يناقض ما يدعونه بأن لفاطمة نصيبًا في فدك، قضية مظلومية الزهراء. طب ما أنتم... طب ليه بقى؟ ما هو إذا ترك عقارًا يبقى المفروض مالهاش.

ويبدو من خلال رواياتهم أن هذا الكتاب لا يظهر له صوت إلا في جو من الإلحاد والزندقة، إذ إنه ما إن قتل المغيرة بن سعيد البجلي الكوفي، أحد الزنادقة، ما إن قتل المغيرة، والذي تعترف كتب الرافضة بغلوه، حتى زاد حرصهم على إخفاء الكتاب.

فقد قال جعفر حينما نقل له نص في ولاية علي: هذا مكتوب عندي في كتاب علي، ولكن دفعته أمس حين كان هذا الخوف، وهو حين صلب المغيرة.

وتتحدث روايتهم أيضًا عن صحيفة، في صحيفة قد خباها - أو حباها في رواية أخرى - رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأئمة، ولا تفصح عن شيء أكثر من هذا. دين سري.

وتذكر أخبارهم بأنه في ذؤابة سيف علي صحيفة صغيرة، وأن عليًا عليه السلام دعا إليها الحسن فدفعها إليه، ودفع له سكينًا، وقال له: افتحها. فلم يستطع أن يفتحها، ففتحها له، ثم قال له: اقرأ. فقرأ الحسن عليه السلام الألف والباء والسين واللام وحرفًا بعد حرف، ثم طواها فدفعها إلى الحسين عليه السلام، فلم يقدر أن يفتحها، ففتح له، ثم قال له: اقرأ يا بني. فقرأ كما قرأ الحسن عليه السلام، ثم طواها فدفعها إلى ابن الحنفية، فلم يقدر على أن يفتحها، ففتحها له، فقال له: اقرأ، فلم يستخرج منها شيئًا. كان ده ابن الجارية بقى، فلأنه طبعًا مش من الأئمة، مع أنه ابن علي، بس هم مطلعينه من أهل البيت. فقال له: اقرأ، فلم يستخرج منها شيئًا، فأخذها وطواها ثم علقها بذؤابة السيف.

وقد سئل أبو عبد الله عما في هذه الصحيفة فقال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف باب. وقال أبو عبد الله عليه السلام: فما خرج منها إلا حرفان الساعة.

ولم يفصح هذا النص عن معاني هذه الحروف المبهمة، والتي يفتح بها آلاف من الأبواب المغلقة كما يزعمون، ولماذا لم يستفد منها الأئمة وهم في أخبار الشيعة تتناوبهم المحن، ويعيشون في ظل الخوف والتقية، حتى ظل آخرهم قابعا في سردابه فيما يزعمون، يمنعه الخوف من أعدائه كل هذه القرون المتطاولة؟

وقد أشار شيخ الإسلام إلى ما يشبه هذه الدعوى، حيث أشار إلى لون من استكشاف المستقبل بواسطة حساب الجمل من حروف المعجم، وأشار إلى أن هذا مما ورث عن اليهود، وأن طائفة حاولت به استخراج مدة بقاء هذه الأمة. فقد تكون تلك الدعوى السابقة، كشبيهتها هذه، ذات أصل يهودي.

وهي على العموم ضرب من الهوس والجنون، أو لون من الكيد للأمة، وإلهائها عن مهمتها في هذه الحياة، ونوع من التلبيس على عوام الشيعة وخداعها، وإغراقها في جو من الطلاسم والألغاز، لا تبصر من خلاله طريقها، ولا تهتدي بسبب ظلماته إلى الصراط المستقيم.

وزعمهم في هذا الباب لا يكاد ينتهي، فقد افتروا بأن عليًا قال: إن عندي صحفًا كثيرة، وإن فيها لصحيفة يقال لها العبيطة، وما ورد على العرب أشد عليهم منها، وإن فيها لستين قبيلة من العرب مبهرجة، يعني رديئة، ما لها في دين الله من نصيب.

ولعل القارئ يلاحظ من خلال قراءة هذا النص وأمثاله هوية واضع هذه النصوص، وأنهم صنف من الشعوبية الذين يكنون كل حقد وكراهية للعرب، لا لمجرد جنسيتهم، ولكن للدين الذي يحملونه ويسعون في نشره، وأن هذا الصنف قد استغل التشيع ليحقق من خلاله كيده وعدوانه ضد الأمة ودينها.

ولقد انطلت الخدعة على طوائف الشيعة، فأوسعت مصادرهم لأخبار هذا الصنف الحاقد، أو تعمدوا ذلك، والضحية هم الأتباع الجهلة الذين ينخدعون بهذه الأساطير لأنها منسوبة لأهل البيت، ولم يعلموا أن وراء الأكمة ما وراءها.

ومن الكتب التي عند أئمتهم كما يزعمون كتاب يسمى ديوان الشيعة أو الناموس أو السمط على اختلاف روايتهم في تسميته. كتاب بقى، اللي هو ديوان الشيعة أو الناموس أو السمط، ده بقى إيه؟ في حاجة خطيرة جدًا، يزعمون أنه قد سجل فيه الشيعة بأسمائهم وأسماء آبائهم.

وكان أتباع الأئمة، كما تزعم رواية الشيعة، يذهبون إلى الأئمة ليقفوا على أسمائهم في هذا الديوان، لأن وجود الاسم فيه هو برهان النجاة، يعني اللي ما يلاقيش اسمه يبقى ده رايح جهنم.

فمثلًا هذه امرأة تدعى حبابه الوالبية، كما تقول روايتهم، جاءت لأبي عبد الله وقالت له: إن لي ابن أخ، وهو يعرف فضلكم، وإني أحب أن تعلمني أمن شيعتكم؟ قال: وما اسمه؟ قالت: فلان ابن فلان. قالت: وقال: يا فلانة، هات الناموس. هاتي لي إيه؟ السمط أو ديوان الشيعة أو الناموس. فجاءت بصحيفة تحملها كبيرة، فانتهى، ثم نظر فيها، فقال: نعم، هو ذا اسمه واسم أبيه هنا.

ومن ليس له اسم في هذا الديوان فليس عندهم من أهل الإسلام، لأن إمامهم قال: إن شيعتنا مكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم.

وأحيانًا يقولون في رواياتهم بأنهم ورثوا ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دفع إليه حينما أسري به صحيفتان. يبقى دي معلومة جديدة بقى. في رحلة الإسراء، دفع إليه صحيفتان: صحيفة فيها أصحاب اليمين، وأخرى فيها أصحاب الشمال، وفيهما أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار، وقد دفعهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - كما يزعمون - إلى علي، وتوارثها الأئمة من علي، وهما اليوم عند منتظرهم، عند المهدي المنتظر في السرداب.

وإذا لاحظنا أنهم يزعمون أن لكبار شيوخهم صلة بالمنتظر المزعوم، وهذا المنتظر عنده كل هذه العلوم، والتي منها سجل أسماء أهل الجنة وأهل النار، فلا يستبعد ما يقال بأن بعض آياته في دولتهم الحاضرة يصدرون سكوك الغفران والحرمان. بعض الناس قالوا إن الأئمة بيعملوا زي الجماعة بتوع القرون الوسطى، وما زالوا طبعًا، سكوك الغفران والحرمان إلى آخره، ويبيعوا لهم قراريط في الجنة إلى آخره. فإنهم يزورون سكوك الغفران والحرمان، يبقى ما يبعش؟ فيعني ممكن يعملوا كده؛ لأن في سكة بيقدروا يعرفوا بها التفاصيل دي، ويغررون بأولئك المغفلين، ويزجون بهم في أتون الحرب تحت تأثير هذه الأماني والوعود الكاذبة.

تعرفون الخميني، لما كان يجيبوا الأطفال، يعني شبابًا مراهقين أو صبيانًا مراهقين، ويعمل لهم بتاع كده يربطها على رأسهم، ويمشوا عشان الألغام وأجل الأشياء، فمش بعيد أنه كان بيعدهم بالجنة بقى.

نقف وقفة يسيرة مع موضوع سبق أن تعرضنا له بالتفصيل، لكن نذكركم به لبعد العهد به، في بحث فقه أشراط الساعة، كنا بنتكلم على الاستدلال العابثين بأشراط الساعة بما لا يصلح دليلًا، أحاديث ضعيفة موضوعة، أو استدلالهم بمرويات الرافضة وغلاة الصوفية.

ونقلنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال شيخ الإسلام: ومن أمثلة ذلك أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة أهل البيت من العلوم الدينية، وأما من علوم الحوادث الكائنة، ما هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي بكتمانها والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك، وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى، فإن هذه الطائفة الرافضة من أكثر الطوائف كذبًا وادعاء للعلم المكتوم، ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة.

وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية، حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه.

عشان كده الجماعة الصوفية المغالون في التصوف حالتهم خطيرة جدًا؛ لأن المفاهيم دي موجودة عند الصوفية. إن في علوم، بس هم بيقولوا بقى علوم التصوف أسر بها الرسول إلى علي، وعلي برضه بيقولها، يعني للصوفية، أخذها مش عارف الحسن البصري، حاجة يعني إيه، أو وصلت لحسن البصري. قرأت هذا من زمن الصوفية، يعني معاصر كتاب صوفي.

فالصوفية في خطر شديد عليهم، ناس يعتبرون يعني من عوامل المخاطرة، يعني معرضين لأن يهلكوا مع الرافضة لسبب وجود بعض القنوات تسهل دخول الصوفية في دين الرافضة.

وصاروا يدعون أنه - أي عليًا - خص بأسرار من العلوم والوصية، حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه، فيخبرهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفي ذلك عن نفسه.

وقال أيضًا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص علي بعلم انفرد به عن الصحابة فكله باطل، وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما، فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية.

وقد ادعى محمد عيسى داود أن عليًا رضي الله عنه تلقى العلوم الظاهرة والباطنة من النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعًا هذا أحد مظاهر التزاوج بين الشيعة وبين الصوفية. وكذا الأسرار الغيبية المتعلقة بكل ما يحدث في العالم حتى يوم القيامة.

ثم إن عليًا لغز هذه العلوم بالرموز، اللي هو انكود بقى، بيعمل تشفير، بيقول هنا: تلقى علي العلوم الظاهرة والباطنة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا الأسرار الغيبية المتعلقة بكل ما يحدث في العالم إلى يوم القيامة، ثم إن عليًا لغز هذه العلوم بالرموز والحروف المقطعة والأشكال الخاصة، دوائر ومثلثات وأشياء كده زي بتاعة المنجمين.

وأنا رأيت صفحة بيدعي فيها هذا الدجال، السندباد المصري، بيدعي أن دي صفحة متاخدة من الجفر، زي بتوع الجماعة بتوع الفلكيين، اللي هم الدجالين والمنجمين وكذا، مثلثات وحروف، أشياء كده غريبة.

هو بيدعي أن عليًا أخذ العلوم دي كلها، ولغزها، ولغز هذه العلوم بالرموز والحروف المقطعة والأشكال الخاصة، وادعى أن ذلك لا يطلع عليه إلا ورثة علم سيدنا علي من آل البيت الشريف.

وطبعًا محمد عيسى داود يدعي أيضًا أنه من آل البيت، بيقول في كتاب يسمى المفاجأة: هل يمكن أن تكون هذه القوانين مصوغة - طبعًا ده لحن، لأن المفروض تكون مصوغة - هل يمكن أن تكون هذه القوانين مصوغة في صورة كلمات وجمل هي رموز وشفرات؟، وسمى هذا الفعل المفترى على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالتلغيز الكريم والتشفير العظيم، وزعم أنه كان بتوجيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

زعم أيضًا محمد عيسى داود أن أهل البيت توارثوا كتاب الجامعة. شايفين التواصل بين الرافضة وبين الصوفية؟ زعموا أيضًا أن أهل البيت ورثوا كتاب الجامعة، وادعى أنه إملاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخط علي رضي الله تعالى عنه.

أيضًا ادعى محمد عيسى داود حجية الجفر.

يقول شيخ الإسلام: وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق، فمن أكبر الأشياء كذبًا، حتى يقال: ما كذب على أحد ما كذب على جعفر رضي الله عنه. ومن هذه الأمور المضافة كتاب الجفر الذي يدعون أنه كتب فيه الحوادث.

وأيضًا محمد عيسى داود جاب استدلالات من الجفر على إعادة بناء الهيكل اليهودي، بشرك الله بالخير، يعني إنت، ودي من ضمن العبث بأشراط الساعة، إن دايمًا يجيبوا أخبارًا مزعجة، أن المسجد الأقصى يهدم، وبعضهم بالسنة والدقيقة يوم كذا، وعدت طبعًا كالعادة. فذكر استدلالات من الجفر على إعادة بناء الهيكل اليهودي، يعني كان دي حتمية، مافيش نقاش، أن هذا سوف يحصل والعياذ بالله.

وقال في شأن الجفر، يقول إيه بقى؟ ده في كتاب المفاجأة، وهو ألّف كتابًا مستقلًا، محمد عيسى داود، 536 صفحة، اسمه الجفر، أو سماه أسرار الهاء في الجفر. أيوه، بيقول إيه بقى في شأن الجفر؟ وفي الجفر الكبير الأحمر علوم صريحة واضحة، الأحداث والمعالم، والجفر الصغير مجموعات علوم وتنبؤات ملغزة بقواعد علم الحروف، تلك العلوم الشديدة الخصوص والتي لا يعرفها إلا ندرة من أهل العلم.

أي نعم، ده فيما يتعلق بقضية العلوم السرية.

هذا موضوع الحروف في حساب الجمل أيضًا، هذا معروف أنه علم يهودي، وأن الرافضة ممن اهتموا بهذا العلم جدًا، وعلم أسرار الحروف.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ونحن نعلم من أحوال أئمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق - وليس هو بنبي من الأنبياء - من جنس هذه الأمور: علم النجوم، ما يعلم كل عالم بحال جعفر رضي الله عنه أن ذلك كذب عليه.

جعفر اللي هو اللوحة الإعلانية المضيئة الكبيرة، لأن إمام جليل، فكانوا اللي عايز يروج أي كذب يقول لك: قال أبو عبد الله عليه السلام.

فإن الكذب عليه من أعظم الكذب، حتى إنهم قد نسبوا إليه أحكام الحركات السفلية، والعلماء يعلمون أنه بريء من ذلك كله.

أما كتاب الجفر، فيقول فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة، وخاطبت في ذلك طوائف منهم، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى، وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء، وطلبت مباهلة بعضهم؛ لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين.

ويدخل ضمن هذه الصناعة ما يسميه الرافضة بعلم أسرار الحروف، وأهم مؤلف فيه عندهم كتاب الجفر، المنسوب كذبًا وبهتانًا إلى جعفر الصادق رحمه الله تعالى، ونسبته إليه كذب باتفاق أهل العلم به.

إذ إن واضع هذا الكتاب هو هارون بن سعيد العجلي، كان من غلاة الرافضة، وهو رأس الزيدية، وكان له كتاب يزعم أنه يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص.

وقع ذلك لجعفر الصادق ونظائره عن طريق الكشف والكرامة كما يزعمون، ويزعمون أنه كان مكتوبًا عند جعفر في جلد جفر صغير، فرواه عنه هارون العجلي وكتبه، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه، وصار هذا الاسم علمًا على هذا الكتاب عندهم.

وهذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه، وإنما تظهر منه شواذ من الكلمات التي لا يصحبها دليل، ويزعمون أن هذا الكتاب مشتمل على حوادث الأزمان على مر العصور، عرفت من طريق علم الحروف المتعلق بآثار النجوم.

مما يتشبثون به لتعضيد هذا المعتقد عندهم ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر الصادق، أنه قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قيل له: ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم، فيه علم النبي والوصي، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل. ده في أصول الكافي.

ومما رواه أيضًا أن أبا عبد الله سئل عن الجفر فقال: هو جلد ثور مملوء علمًا، مع أن الجفر هو ولد المعز مش الثور.

وتارة يذكرون أن هذا العلم مأثور عن آدم عليه السلام، فيزعمون أن جعفرًا ورث هذا العلم عن أبيه جعفر الصادق، وهو الذي حل معاقد رموزه وفك طلاسم كنوزه، ثم ذكر أن له كتاب الجفر الأكبر والجفر الأصغر، وأن الجفر الأكبر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي من أبا تا ثا إلى آخرها، وأنها ألف وفق، وأن الجفر الأصغر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق.

وهذا كله من أكاذيب الرافضة على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الكتاب، كما ذكرت آنفًا، نسب كذبًا إلى جعفر الصادق رحمه الله تعالى، وليس لهم برهان على إثباته سوى القول المجرد عن الدليل، بل قد نفى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يكون هو وذريته مخصوصين بشيء من الوحي دون الناس.

وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله تعالى أنه قيل لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحب وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل - اللي هي الدية يعني - وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.

يقول الدكتور القفاري: كما أن لدى الأئمة كتابًا يقولون عنه بأنه وصية الحسين، فيها ما يحتاج الناس، أو ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا إلى أن تفنى.

كما أن لدى الأئمة الجفر الأبيض، وفيه كما تقول روايتهم: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم والحلال والحرام ومصحف فاطمة، وفيه ما يحتاج الناس، حتى إن فيه الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش.

يقول هنا: هل المسلمون بحاجة في دينهم إلى غير شريعة القرآن؟ لقد أكمل الله سبحانه لنا الدين، وختم بكتابه الكتب، ونسخ بالإسلام الأديان كلها، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه.

وتأتي روايات أخرى عندهم تجعل من هذا الجفر ألوانًا، لكل لون مضمون يتناسب مع لونه ونكهة توافق شكله. فهناك الجفر الأبيض، وهناك الجفر الأحمر، والذي يحمل الموت، الأحمر، والذي سيبعث به منتظرهم، وتتوعد الرافضة بهذا الجفر الصالحين من سلف هذه الأمة وخلفها؛ لأنه يحكي أسطورة الانتقام الموعود.

ثم يختم الدكتور القفاري البحث بقوله: هذا نكتفي بهذا القدر من المصادر الوهمية التي تزعمها الرافضة، والتي يغني في بيان فسادها مجرد عرضها وتصورها، والتي لو كان شيء منها موجودًا لتغير وجه التاريخ، ولما عجز الأئمة حسب منطق الرافضة عن الوصول إلى سدة الحكم، ولما عصفت بهم المحن، ومات كل واحد منهم مقتولًا أو مسمومًا كما يزعمون، ولما غاب غائبهم في سردابه، وظل مختفيًا قابعا في مكمنه خوف القتل.

وهذه المزاعم الخطيرة التي دونها الرافضة في المعتمد من كتبهم تحمل أمورًا خطيرة.

خلاصة الكلام: تحمل دعوى استمرار الوحي الإلهي، وهو باطل، قامت الأدلة النقلية والعقلية على بطلانه، وأجمع المسلمون على أن الوحي قد انقطع منذ مات النبي صلى الله عليه وسلم، والوحي لا يكون إلا لنبي.

وقد قال الله سبحانه: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.

وقد جاء في نهج البلاغة عن علي قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله على حين فترة من الرسل، إلى أن قال: فقفى به الرسل وختم به الوحي.

فهذا يدل على أن هذه الدعوى التي مدى عرضها هي من صنيع شيوخ الشيعة المتأخرين.

وقد لوحظ أن المفيد، المتوفى سنة 413، يكفر من يذهب إلى القول بنسبة الوحي لغير الأنبياء.

ثم هي تدعي ثاني دعوى - يعني أول دعوى خطيرة استمرار الوحي الإلهي - ثاني دعوى: أن الدين لم يكمل، وهي مخالفة صريحة لقول الله تبارك وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم.

كما تزعم بأن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم لم يبلغ جميع ما أنزل إليه، وأنه لم يمتثل أمر ربه في قوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، والخميني قال كلامًا قريبًا من هذا، أن الرسول عليه السلام قصر في إبلاغ موضوع الإمامة.

وهذا ازدراء بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا وجد من فرق الشيعة من يقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وبين الدين، وأقام الحجة على العالمين، وأعلن ذلك بين المسلمين أجمع.

فلا سر في الدين عند أحد، قال تعالى: لتبيننه للناس ولا تكتمونه، للناس، مش تبينوا لطائفة خاصة، لا، تبينه للناس ولا تكتمونه. فهو بيان للناس وليس لفئة معينة من أهل البيت.

وقال تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا.

وقال تعالى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه.

فالدين قد تم وكمل، لا يزاد فيه، ولا ينقص منه، ولا يبدل، لا من إمام مزعوم، ولا من غائب موهوم.

وقد ودع المصطفى صلى الله عليه وسلم الدنيا بعد أن بلغ الدين كله، وبين جميعه كما أمره ربه، وأعلم بذلك جميع المسلمين أجمع، فلا سر في الدين عند أحد.

قال صلى الله عليه وسلم: تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: صدق الله ورسوله، فقد تركنا على مثل البيضاء.

وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.

وقال عمر رضي الله عنه: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، كما في البخاري.

وقال الإمام الشافعي: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.

بل قال جعفر الصادق كما تنقل كتب الشيعة نفسها: إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئًا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه.

فكل ما تنسبه الشيعة بعد هذا كذب، والرافضة ليست على شيء في مخالفتها في هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا.

وأين هذه المصادر اليوم؟ يعني الدين له مصادر سرية، إذًا كيف جاء الإسلام لهداية البشرية، كيف وهو في مصادر سرية غير مطلع عليها؟

أين هذه المصادر اليوم؟ وماذا ينتظر منتظرهم حتى يخرج بها إلى الناس؟ وهل الناس بحاجة إليها في دينهم؟

فإن كان الناس بحاجة، فلما تبقى الأمة منذ اختفاء الإمام المزعوم منذ أكثر من أحد عشر قرنًا بعيدة عن مصدر هدايتها؟ وما ذنب كل هذه الأجيال المتعاقبة لتحرم من هذه الفيوضات والكنوز؟

وإن لم تكن الأمة في حاجة إليها، فلما كل هذه الدعوى؟ ولما يصرف هؤلاء الشيعة عن مصدر هدايتهم، وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟

إن الحق الذي لا ريب فيه أن الله أكمل لنا ديننا: اليوم أكملت لكم دينكم، وكل دعوى بعد ذلك فهي باطل من القول وزور.

وكل هذه الدعوى أرادت منها هذه الزمرة إثبات ما تزعمه في الأئمة، فزادت وغلت في ذلك، فانكشف بذلك أمرها.

والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده، ولو كان عند علي مثل هذه العلوم لأخرج للناس أيام خلافته، ورواها عنه أئمة أهل السنة، ولم يختص بها شرذمة من الرافضة، حتى يقول بعض العلماء:

ألم تر أن الرافضين تفرقوا
فكلهم في جعفر قال منكرا
وطائفة قالوا إمام ومنهم
طوائف سمته النبي المطهرا
ومن عجب لم أقضِه جلد جفره
برئت إلى الرحمن ممن تجفرا

يعني آمن بالجفر المزعوم.

وطبعًا تذكرون أن ابن تومرت أيضًا بنى ضلالاته ومذابحه على أشياء ادعى أنه اطلع عليها من الجفر المزعوم. هذا سبق أن ألممنا فيه بالتفصيل في دراسة حركة ابن تومرت في المغرب، وأيضًا في فقه أشراط الساعة، في العبث بأشراط الساعة.

نكتفي بهذا القدر.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • الاحد AM 11:35
    2026-04-26
  • 16
Powered by: GateGold