المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1911982
يتصفح الموقع حاليا : 337

البحث

البحث

عرض المادة

غيبة المهدي

غيبة المهدي

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فأنهينا في مدارسة أصول مذهب الشيعة إلى عقيدة المهدية والغيبة، ويناقش المصنف هنا مسألة المهدية والغيبة عند الفرق الشيعية بوجه عام، ثم نشأة هذه الفكرة عند الاثني عشرية وتطورها.

ففكرة الإيمان بالإمام الخفي أو الإمام الغائب توجد لدى معظم فرق الشيعة، حيث تعتقد في إمامها بعد موته أنه لم يمت. يعني هي ليست فقط الفرقة الاثني عشرية، لكنها معظم الفرق الشيعية، كل فرقة تعد إمامًا من أئمتها أنه سوف يعود، أو أنه هو الإمام الغائب أو الخفي.

فمعظم هذه الفرق كما ذكرنا تعتقد في إمامها بعد موته أنه لم يمت، وتقول بخلوده واختفائه عن الناس وعودته إلى الظهور في المستقبل مهديًا، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي قدرت له العودة، كما تختلف في تحديد الأئمة وأعيانهم الذين يعتبر الإمام الغائب واحدًا منهم.

تعتبر السبئية -كما يقول القمي والنوبختي والشهرستاني وغيرهم- أول فرقة قالت بالوقف على علي وغيبته. معنى الوقف على علي أنهم لا ينسبون الإمامة لمن بعده، يعني كان علي هو الإمام فقط، وليس بعد علي إمام. فالسبئية بذلت هذه البذرة، بذرة الوصي. وإذا استعملنا عبارة أنهم ذهبوا إلى، أو هي أول فرقة قالت بالوقف على علي، يعني لم تسق الإمامة إلى من بعده، أيًّا ما كان، أيضًا قالوا بغيبته.

قالوا بغيبة علي رضي الله تعالى عنه، حيث زعمت السبئية أن عليًا رضي الله عنه لم يقتل ولم يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.

ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض. هذا كلام عبد الله بن سبأ.

وظلت السبئية تنتظر عودته من غيبته. ثم انتقلت هذه الفكرة من السبئية إلى بعض فرق الكيسانية، كالكَرْبية، أتباع أبي كريب الضرير. وفرقة الكيسانية قالت لما مات محمد بن الحنفية -وأحيانًا طبعًا في موضوع المهدية تدعي طائفة معينة في شخص معين، ويكون رجلًا من الصالحين، يعني رجلًا على السنة ومستقيمًا، ولكن الفرقة تدعي في حقه أنه هو هذا الإمام المهدي أو الغائب، يعني إذا هناك أناس صالحون نسبت أو ادعيت إليهم المهدية، ولم يدعوها من قبل أنفسهم-.

فالفرقة الكيسانية لما مات محمد بن الحنفية، وهي تدعي أن محمد بن الحنفية هو إمامها، قالوا: إنه حي لم يمت، وهو في جبل رضوى بين مكة والمدينة، عن يمينه أسد، وعن يساره نمر موكلان به، يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه.

وحتى شعراؤهم تغنوا بهذه العقائد كثيرًا، ومن أشهرهم كثير عزة. كثير عزة كان منتسبًا إلى هذه الفرقة الكيسانية، فكان يقول في شعره:

ألا إن الأئمة من قريش
ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه
هم الأسباط، ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبر
وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى
يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يُرى عنا زمانًا
برضوى عنده عسل وماء

يبقى الأول هو الحسن، والثاني الحسين رضي الله عنهما، وسبط لا يذوق الموت حتى... اللي هو محمد بن الحنفية، وسبط... يعني أخوهم بقى، لكن أمه الحنفية. والمعنى أنهم يزعمون أنه مختبئ في جبل رضوى، عنده عسل وماء.

يقول: ادعوا أن محمد بن الحنفية لما بلغهم موته قالوا: لا، هو حي لم يمت، وهو في جبل رضوى بين مكة والمدينة، عن يمينه أسد، وعن يساره نمر موكلان به يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه. وقالوا: إنه المهدي المنتظر. وزعموا أنه سيغيب عنهم سبعين عامًا في جبل رضوى، ثم يظهر فيقيم لهم الملك، ويقتل لهم الجبابرة من بني أمية.

فلما مضت سبعون سنة ولم ينالوا من أمانيهم شيئًا، حاول بعض شعرائهم توطين أصحابهم على هذه العقيدة، وأن يرضوا بالانتظار ولو غاب مهديهم مدة عمر نوح عليه السلام، حتى لا ينهار مذهبهم. قالوا يعني إنه لا حرج أن هو يخلف الموعد سبعين سنة، وإننا سنظل ثابتين على هذه العقيدة حتى لو تأخر علينا عمر نوح عليه السلام.

ويقول شاعرهم في ذلك:

لو غاب عنا عمر نوح أيقنت
أن النفوس بأنه سيؤوب

إني لأرجوه وآمله كما
قد كان يأمل يوسفًا يعقوب

مهما طال الأمد فنحن ثابتون على المبدأ، وسوف ننتظره.

ثم شاع التوقف على الإمام وانتظار عودته مهديًا بعد ذلك بين فرق الشيعة. يعني اللي هو مبدأ "عنزة ولو طارت". كانوا ماشيين في الصحراء فبينا في الأفق، فواحد قال له: دي طائر، فقال: لا، دي عنزة. شوية كده وراحت طارت في الهواء، فقال له: مش قلت لك طائر؟ قال له: عنزة ولو طارت. يعني مكابرة مع الحقائق.

فكان دائمًا موضوع الوقف على الإمام المدعى أنه الغائب أو المخفي أو المهدي المنتظر، يبدأ لما يجي خبر موته، حادثة موته، يعودون إلى مبدأ "عنزة ولو طارت"، فيرفضون أن يقروا بموته، ويطلعوا بفكرة أنه اختفى إلى آخره وسوف يعود فيما بعد. فيقفون. هذا معنى الوقف.

فالسبئية قالوا بالوقف على علي، أنه هو الإمام الذي سيأتي بعد ذلك، ولم يدعوا باقي الأئمة. وهكذا الكيسانية ادعوا الوقف على محمد بن الحنفية بن علي رضي الله تعالى عنه.

فبعد وفاة كل إمام من أهل البيت، تظهر فرقة من أتباعه تدعي فيه هذه الدعوى، وتنتظر عودته، وتختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا في تحديد الإمام الذي وقفت عليه وقدرت له العودة في زعمهم. لذلك قال السمعاني: ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافًا يلوح عليه حمق بليغ.

حتى بعض فرق الزيدية، وهي الجارودية، تاهت في وهم هذا الانتظار للإمام، مع اختلاف في فروع هذه الطائفة في تحديد الإمام المنتظر، كما نقل ذلك الأشعري والبغدادي والشهرستاني وغيرهم. ولذلك فإنه لا صحة لما قاله بعضهم من أن الزيدية كلها تنكر هذا الاتجاه، كما قاله أحمد أمين وأشار إليه جولد تسيهر.

هذه عقيدة الغيبة عند فرق الشيعة ارتبطت بأفراد من أهل البيت معروفين، وجدوا في التاريخ فعلًا، وعاشوا حياتهم كسائر الناس. وهنا بيمهد هو لمبدأ خطير جدًا، أن كل الناس الذين ادعي فيهم من قبل أن كل واحد منهم هو الإمام الغائب، وأنه سوف يعود، بنوا هذه الدعوى على واحد وجد على ظهر الأرض، عاش في وسط الناس، ثم مات، فأنكروا موته وقالوا: لا، ده اختفى، سيعود.

علشان بيمهد للخرافة العظمى عند الرافضة الشيعة الإمامية الاثني عشرية، حيث إنهم الغريب فيهم أنهم ادعوا وجود مهدي اختفى وسيعود، وهذا المهدي لم يولد أصلًا.

يعني كان من قبلهم من ضلال الشيعة أرحم، وكانوا أخف حالًا وأخف ضلالًا من هؤلاء الاثني عشرية، لأن دول على الأقل كانوا يتشبثون بشخص وجد، والناس عاشوا معه، وعرفوا أحواله ونحو ذلك، ثم لما مات ادعوا فيه الوقف عليه وأنه سوف يعود.

أما هؤلاء الضلال فإنهم يتعلقون بشخص لم يولد أصلًا، ولم يره أحد، ولم يحس له حس ولا خبر، ما فيش أي شيء يدل على أنه خلق هذا المخلوق. فهو هنا بيمهد لهذا الأمر، يقول:

هذه عقيدة الغيبة عند فرق الشيعة ارتبطت بأفراد من أهل البيت معروفين، وجدوا في التاريخ فعلًا، وعاشوا حياتهم كسائر الناس، فلما ماتوا ادعت فيهم هذه الفرق تلك الدعوى، حيث لم تصدق بموتهم، وزعمت أنهم غابوا وسيعودون للظهور مرة أخرى.

أما هذه الفكرة عند الاثني عشرية فتختلف من حيث إنها ارتبطت عندهم بشخصية خيالية لا وجود لها عند أكثر فرق الشيعة المعاصرة لظهور هذه الدعوى، وهي عند أصحابها شخصية رمزية، ولذلك يرمزون إليها بدون ذكر اسمها. يعني أكثر فرق الشيعة التي كانت معاصرة لموت الحسن العسكري أنكرت دعوى وجود ابن له، وأنه الإمام المختفي إلى آخره.

فهي شخصية رمزية، لم يرها الناس، ولم يعرفوها، ولا يعلمون مكانها. غابت -كما يدعون- بعد ولادتها، ولم يظهر حملها، وأحيطت ولادتها بسياج من السرية والكتمان، بل إن عائلتها ووكيلها وأقرب الناس إليها لم يعلموا بأمر هذا الحمل وذلك المولود، وكانوا له منكرين، بل لم يظهر للشيعة التي تدعيه إلا من خلال نواب يدعون الصلة به.

هذه الشخصية هي شخصية المهدي المنتظر عندهم، ويشكل الإيمان بها عند الاثني عشرية الأصل الذي ينبني عليه مذهبهم، والقاعدة التي تقوم عليها بنية التشيع عندهم، إذ بعد انتهاء وجود أئمة الشيعة بوفاة الحسن العسكري، أصبح الإيمان بغيبة ابنه المزعوم هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم، والأساس الذي يمسك بنيان الشيعة من الانهيار.

كيف ومتى بدأت هذه الفكرة عند الاثني عشرية؟

يناقش أو يذكر حال الشيعة بعد وفاة الإمام الحادي عشر الذي هو الحسن العسكري. يقول: لا بد في الحديث عن النشأة أن نتناول حال الشيعة بعد وفاة الحسن، لعلاقته الوثيقة بنشأة هذه الفكرة، إذ بعد وفاة الحسن -الذي هو إمامهم الحادي عشر- سنة ستين ومئتين، لم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه، كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها.

يعني لما مات، الورثة اللي كانوا موجودين هم أخوه جعفر وأمه، هم الذين ورثوه، ولم يوجد أحد آخر يكون له نصيب في الميراث. وبسبب ذلك اضطرب أمر الشيعة، وتفرق جمعهم، لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين عندهم بدون إمام.

لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وحتى كتاب الله سبحانه وتعالى في زعمهم ليس حجة عندهم إلا بالإمام، كما بينا ذلك من قبل، وهم يعتقدون أن بالإمام بقاء الكون، إذ لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت. وهو -أي الإمام- أمان للناس كما جاء في كتبهم، ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله.

ولكن الإمام مات بلا عقب، وبقيت الأرض بلا إمام، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فتحيرت الشيعة واختلفت في أعظم أمر عندها، وهو تعيين الإمام، فافترقت إلى أربع عشرة فرقة كما يقول النوبختي، أو خمس عشرة فرقة كما ينقل القمي، وهما من الاثني عشرية، وممن عاصر أحداث الاختلاف، إذ هما من القرن الثالث، فمعلوماتهما مهمة في تصوير ما آل إليه أمر الشيعة بعد الحسن العسكري.

ومن بعدهما زادت الفرقة واتسع الخلاف، حيث يذكر المسعودي الشيعي المتوفى سنة 346 ما بلغه اختلاف شيعة الحسن العسكري بعد وفاته، وأنه وصل إلى عشرين فرقة، فما بالك بما بعده؟

وقد ذهبت هذه الفرق مذاهب شتى في أمر الإمامة. فمنهم من قال: إن الحسن بن علي حي لم يمت، وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر. ما دام ما جابش أولاد، يبقى لازم يفضل هو نفسه حي، لأن ما ينفعش يموت ومالوش ولد ظاهر. شوفوا المنطق، فعلا غاية في الحمق كما ذكر بعض العلماء. لأن الأرض لا تخلو من إمام.

فوقفت هذه الفرقة على الحسن العسكري، وقالت بمهديته وانتظاره، كما هي العادة عند الشيعة بعد وفاة كل إمام تدعي إمامته.

وذهبت فرقة أخرى إلى الإقرار بموته، مجموعة ثانية قالت: لا، ده هو مات بالفعل، ولكنها زعمت أنه حي بعد موته، يعني مات، وبعد موته هو حي ولكنه غائب وسيظهر، مش عارفين إزاي يبقى حي ومات.

بينما فرق أخرى حاولت أن تمضي بالإمامة من الحسن إلى أخيه جعفر. يبقى الإمامة تتحول إلى جعفر أخيه. وأخرى أبطلت إمامة الحسن بموته عقيمًا، قالوا: بما أنه مات عقيمًا إذًا لم يكن إمامًا، لأن الإمام لا بد أن يخرج من صلبه ولد حتى يتم عدد الأئمة.

أما الاثنا عشرية فقد ذهبت إلى الزعم بأن للحسن العسكري ولدًا. هم محتارون يعني يخرجوا إزاي من الورطة دي، ده الدين كله سينهار. فالفرقة الإمامية الاثنا عشرية ذهبت إلى زعم عجيب جدًا عشان يحلوا المشكلة، فقالوا: إن الحسن العسكري كان له ولد، وكان قد أخفى مولده أبوه -اللي هو الحسن العسكري- وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب السلطان له، فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته.

هذا في الكلام عن الشيعة. ولا عرفه الجمهور بعد وفاته. كلمة الجمهور هنا كلمة خبيثة، لأن معناها أن في ناس عرفوه، وشافوه، واتصلوا به، لكن جمهور الناس ما حدش.

ويقابل ذلك اتجاه آخر يقول: إن الحسن بن علي قد صحت وفاته، كما صحت وفاة آبائه، بتواطؤ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته، وتواتر ذلك عن الولي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه. وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا ولد له.

فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن بن علي، وأن الإمامة انقطعت. يعني دول كانوا منطقيين شوية، كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك جائز أن تنقطع الإمامة، لأن الرسالة والنبوة أعظم خطرًا وأجل، والخلق إليها أحوج، والحجة بها ألزم، والعذر بها أقطع، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام الباهرة، فقد انقطعت، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة.

قبلوا الأمر الواقع وتصرفوا بشيء من المنطق يعني. كذلك فرقة أخرى قطعت بموت الحسن بن علي، وأنه لا خلف له، وقالت: إن الله سيبعث قائمًا من آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي، وإن شاء بعث غيره، ونحن الآن في زمن فترة انقطعت فيه الإمامة.

وهكذا تضاربت أقوالهم واختلفت اتجاهاتهم، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون. وبلغت الحيرة في تلك الفترة أن اختار بعضهم التوقف، وقال: نحن لا ندري ما نقول في ذلك، وقد اشتبه علينا الأمر.

هذه بعض ملامح الخلاف الذي دب بين الشيعة بعد وفاة الحسن. قد يتعجب الإنسان من ذلك الإصرار الشديد على القول بإمامة أحد من آل البيت، حتى إنهم لينكرون موت من مات، أو يدعون أنه حي بعد موته، أو يخترعون ولدًا لمن لا عقب له. وقليل منهم ثاب له لما انكشف له الغطاء بموت الإمام عقيمًا، فترك التحزب والتشيع، وقال بانقطاع الإمامة، ورجع إلى شؤون حياته.

ولعل هذه الفئة هي التي تتشيع عن صدق، فلما تبين لها الأمر وسقط القناع رجعت. إن أهم سبب لهذا الإصرار يتبين من خلال اختلاف هذه الفرق ونزاعها فيما بينها للدفاع عن رأيها والفوز بأكبر قدر من الأتباع، حيث إن كل طائفة تنادي بمهدي لها، وتكذب الأخرى، ومن خلال تلك الخصومة تتسرب الحقيقة، كما يحصل حينما يتنازع اللصوص.

لنستمع مثلًا إلى ما ترويه الاثنا عشرية التي تقول بالغيبة والوقف على الابن المزعوم للحسن العسكري في كشف حقيقة دعوى الطائفة الأخرى التي تقول بالغيبة والوقف على موسى الكاظم. تقول: مات أبو إبراهيم -أي موسى الكاظم- وليس من قوَّامه أحد إلا وعنده المال الكثير.

القوَّام اللي هم النواب والوكلاء. مات أبو إبراهيم موسى الكاظم، وليس من قوَّامه أحد إلا وعنده المال كثير. وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعًا في الأموال. كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.

وجاءت عندهم روايات أخر بهذا المعنى تكشف ما خفي، وأن وراء دعوى غيبة الإمام وانتظار رجعته الرغبة في الاستئثار بالأموال، وأن هناك فئات منتفعة بدعوى التشيع تغرر بالسذج، وتأخذ أموالهم باسم أنهم نواب الإمام.

فإذا ما توفي الإمام أنكروا موته لتبقى الأموال في أيديهم، ويستمر دفع الأموال إليهم باسم خمس الإمام الغائب. وهكذا تدور عمليات النهب والسلب، والضحية هم أولئك السذج المغفلون الذين يدفعون أموالهم إلى من زعموا أنهم نواب الإمام في بلدان العالم الإسلامي، والذين استمرؤوا هذه الغنيمة الباردة، فظلوا يذكون في النفوس محبة آل البيت، واستشعار ظلم آل البيت، والحديث عن محن آل البيت، والمطالبة بحق آل البيت، ليفرقوا الأمة، ويتخذوا من تلك الأموال وسيلة لتغذية جمعيتهم السرية التي تعمل على تقويض كيان الدولة الإسلامية.

إذًا السبب المادي أحد أسباب النزوع إلى هذا القول باختراع إمام لم يولد، فهم نوابه، وبالتالي هم الذين يجمعون الخمس من أموال الناس.

لعل من أسباب القول بالمهدية والغيبة أيضًا تطلع الشيعة إلى قيام كيان سياسي لهم مستقل عن دولتهم الإسلامية، وهذا ما نلمسه في اهتمامهم بمسألة الإمامة، ولما خابت آمالهم وغلبوا على أمرهم وانقلبوا صاغرين، هربوا من الواقع إلى الآمال والأحلام كمهرب نفسي ينقذون به أنفسهم من الإحباط، وشيعتهم من اليأس.

فأخذوا يبثون الرجاء والأمل في نفوس أصحابهم، ويمنونهم بأن الأمر سيكون في النهاية لهم. ولذلك فإن القول بالمهدية والغيبة ينشط دعاته بعد وفاة كل إمام لمواجهة عوامل اليأس وفقدان الأمل، بالإضافة إلى تحقيق المكاسب المادية.

كما أن التشيع كان مهوى قلوب أصحاب النحل والأهواء والمذاهب المتطرفة، لأنهم يجدون من خلاله الجو المناسب لتحقيق أهدافهم والعودة إلى معتقداتهم. فانضم إلى ركب التشيع أصناف من أصحاب هذه الاتجاهات الغالية، وكان هذا الخليط يشطح بالشيعة نحو معتقداته الموروثة، ولا سيما بعد أن عزلت الشيعة نفسها عن أصول الأمة وإجماعها.

ولهذا فإن مسألة المهدية والغيبة حسب الاعتقاد الشيعي لها جذورها في بعض الديانات والنحل، مما لا يستبعد معه أن لأتباع تلك الديانات دورًا في تأسيس هذه الفكرة في أذهان الشيعة.

ويميل بعض المستشرقين إلى أنها ذات أصل يهودي، لأن اليهود يعتقدون بأن إيليا رفع إلى السماء وسيعود في آخر الزمان، ولذلك فإن إيليا هو -حسب رأيهم- النموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين.

هو هنا يقول إن هذا لا يكفي لإظهار الأثر اليهودي، لأن نفسنا نحن المسلمين نعتقد أن المسيح عليه السلام رفع إلى السماء، وسوف يعود في آخر الزمان، فالفكرة ليست غريبة عن الأصول الإسلامية.

وبعض شعراء الشيعة صرح بأن فكرة المهدية مستمدة من أخبار كعب الأحبار، الذي كان على دين اليهودية قبل إسلامه، كما قال كثير عزة في ابن الحنفية:

هو المهدي خبرناه كعب
أخو الأحبار في الحقب الخوالي

المؤلف القفاري، الدكتور القفاري، يرجح أن عقيدة الشيعة الاثني عشرية في المهدية والغيبة ترجع إلى أصول مجوسية، لأن الشيعة أكثرهم من الفرس، والفرس من أديانهم المجوسية، والمجوس تدعي أن لهم منتظرًا حيًا باقيًا من ولد بشتاسف بن بهراسف، يقال له أبشوثا، وأنه في حصن عظيم من خراسان أو الصين، وهذا مطابق لجوهر مذهب الاثني عشرية.

ثم يناقش من الذي وضع مبدأ الغيبة عند الاثني عشرية. فإذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة النص على علي بالإمامة، فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل لفكرة الإمامة بعد انتهائها حسيًّا بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة، لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى.

هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد العمري، وقد قام بدوره في منتهى السرية، حيث كان يتجر في السمن تغطية على الأمر، وكان يتلقى الأموال التي تؤخذ من الأتباع باسم الزكاة والخمس وحق أهل البيت، فيضعها في جراب السمن وزقاقه تقية وخوفًا.

وقد زعم في دعواه أن للحسن ولدًا قد اختفى، وعمره أربع سنوات، وزعم أنه لا يلتقي به أحد سواه. عثمان بن سعيد ده ما حدش خالص يقدر يوصل للمهدي غيره، هو فقط اللي هو باب إلى المهدي، يتصل بالمهدي ويقابله، فهو السفير بينه وبين الشيعة، يستلم أموالهم، ويتلقى أسئلتهم ومشكلاتهم، ليوصلها إلى الإمام، الإمام الغائب.

ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول معصوم، حتى إنها ترفض الإجماع بدون المعصوم، لأن الإجماع بدون وجود المعصوم في وسط أهل الإجماع لا قيمة له، فالعبرة بوجود المعصوم. وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل واحد غير معصوم.

وقد ادعى مثل دعواه آخرون، فعثمان بن سعيد بيدعي أنه بيقابل المهدي، مجرد دعوى، ما فيش أي دليل حسي عليها، وهو ليس بمعصوم، ولذلك قبل خبره في أخطر دعوى كما نرى. ليس هذا فحسب، بل نفس هذه الدعوى ادعاها آخرون، كل يزعم أنه الباب للغائب. وكان النزاع بينهم على أشده، كل واحد منهم يخرج توقيعًا يزعم أنه صدر عن الغائب المنتظر، يتضمن لعن الآخر وتكذيبه. كل واحد يدعي أنه هو الباب.

أكثر من واحد ادعى أنه باب مع المهدي، بيتصل به، وبيجي بالتوقيعات، الرقاع، يكتب جواب الأسئلة والفتاوى، وبيمضي طبعًا أنه مين؟ محمد بن الحسن العسكري، أو يعني المهدي الخرافة. فكل واحد يدعي. طيب، التوقيعات بقى، كل واحد يدعي أنه بيجيب وثائق من المهدي، وفتاوى، وبيتصل به، وبيجيب توقيعات تتضمن لعن الآخر وتكذيبه.

وقد جاء على ذكر أسمائهم الطوسي في مبحث بعنوان: ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية لعنهم الله، وهذا في كتاب الغيبة للطوسي، إمام من أئمة الشيعة. فعمل بابًا اسمه: ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية لعنهم الله. فطبعًا ده اعتراف بأن واقعًا كان موجودًا، أن ناسًا كثيرين ادعوا أنهم يتصلون بالمهدي في السرداب، ويجيبوا توقيعات منه. والمهم كل واحد يلعن الثاني ويكذبه في التوقيعات.

ولعثمان بن سعيد -كما تنقل كتب الشيعة- وكلاء في معظم الديار الإسلامية. يعني الباب يتعامل مباشرة مع المهدي الخرافي، واللي تحته في طبقة الوكلاء بقى وكلاء، نواب، ما يتعاملوش مع المهدي مباشرة، دول يتعاملوا مع مين؟ الباب. واضح؟ قصص زي ألف ليلة وليلة، يعني كلام الخرافة والحماقة واضحة جدًا عليه.

يقول: ولعثمان بن سعيد، كما تنقل كتب الشيعة، وكلاء في معظم الديار الإسلامية، يدعون لإمامة هذا المعدوم، والقول ببابية عثمان بن سعيد. وقد جاء على ذكر هؤلاء الوكلاء ابن بابويه القمي، وهو أجمع نص لأسمائهم، كما يذكر محمد باقر الصدر.

وهناك وكلاء آخرون غير مرضيين، من عثمان بن سعيد ومن يشايعه، وقد ذكر منهم الطوسي سبعة في مبحث بعنوان: ذكر المذمومين من وكلاء الأئمة.

والفرق عندهم بين الباب والوكيل أن الباب يلتقي بالإمام الغائب، والوكيل يلتقي بالباب، ولا يرى الإمام، ويكون الواسطة بين الشيعة والباب.

ولما توفي عثمان بن سعيد -الأول، اللي هو الباب الأول المعتمد عليه عند الاثني عشرية- عيَّن من بعده ابنه محمدًا، ولكن خالفه في ذلك طائفة منهم، فلم ترتضِ ببابية ابنه، ونشأ نزاع بينهم، ولعن بعضهم بعضًا.

فهذا أحد المخالفين، ويدعى أحمد بن هلال الكرخي، لما قيل له: ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد، وترجع إليه، وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة؟ فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، ولست أنكر أباه، يعني أنا مقر أن أباه -اللي هو عثمان بن سعيد- هو الباب، لكن لم أسمعه بنفسي ينص عليه بالوكالة. أما أن أقطع أن أبا جعفر -اللي هو ابنه بقى، محمد- وكيل صاحب الزمان، فلا أجسر عليه.

فقالوا: قد سمعه غيرك. فقال: وما سمعتم؟ فلَعَنوه وتبرؤوا منه.

وتكشف بعض أوراقهم سبب هذا التنازع بينهم. يذكر الطوسي مثلًا عن رجل يدعى محمد بن علي بن بلال، أنه رفض بابية محمد بن عثمان العمري، وأنه جرت بينه وبين العمري قصة معروفة، كما يقول، حيث تمسك الأول بالأموال التي كانت عنده للإمام، وامتنع من تسليمها، وادعى أنه الوكيل، حتى تبرأت منه الجماعة ولعنوه.

هو ده جوهر الموضوع، أنه مش عايز يسلم الأموال اللي عنده لمين؟ لهذا الباب الجديد، وادعى نفسه أنه هو الباب. ده ادعى نفسه أنه هو الباب، عشان ما تسلمش الأموال لواحد تاني، فطبعًا تبرؤوا منه ولعنوه، وحصل نزاع.

فتلاحظ هنا أنه شارك عثمان بن سعيد في الوكالة، فلما توفي استأثر هو بالمال، فهو تزاحم وتكالب على البابية والوكالة من أجل جمع الأموال، وإلا لو كان هناك إمام غائب يسير أمر شيعته عن طريق الأبواب، لما صارت الأموال إلى هذا الرجل المحتال، ولما كان محل ثقة الإمام صاحب الزمان، لأن الإمام عندهم يعلم ما كان وما يكون.

يبقى هو المفروض الباب بتاعه، وبيحتال، وياخذ أموالًا باسم الخمس ومظلومية أهل البيت إلى آخره، وهو نصاب. طيب، مش الإمام المفروض أنه معصوم، وأنه يعلم الغيب، ويعلم ما كان، ويعلم ما يكون؟ فلماذا هذا الإمام يتعامل مع واحد بهذه المثابة؟ المفروض أن هو يحذر من التعامل معه، وينفي عنه صفة البابية.

يقول: فلماذا لم يصدر أمره من البداية في التحذير من التعامل معه حتى لا يأخذ أموال الناس؟ لكن الحقيقة أنه لا إمام غائب، وما جاش تحذير من الإمام المهدي، لأنه أصلًا لم يخلق، بل توجد عصابات تأكل أموال الناس بالباطل باسم التشيع والتدين، وإن نزاعها كان لأجل تلك الأموال.

ثم توفي محمد بن عثمان بن سعيد سنة 304 أو 305، بعد أن تولى الباب نحو خمسين سنة، يحمل الناس إليه أموالهم، ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة.

وتولى بعده رجل يدعى أبا القاسم الحسين بن روح، وقد كان -كما تذكر روايتهم- يقوم بمهمة البابية في آخر حياة محمد بن عثمان، حيث كان يحيل إليه استلام الأموال التي يأتي بها الأشيع.

لذلك قال رجل يدعى محمد بن علي الأسود: كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، فيقبضها مني. فحملت إليه شيئًا من الأموال في آخر أيامه، قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمر بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي، فكنت أطلبه بالقبوض.

ما هو محمد بن عثمان بقى إيه؟ ده الباب، ما حدش هيقدر يطعن فيه، لكن لما جه قبل ما يموت بسنة أو سنتين، جه يجيب له يسلم له الفلوس، فقال له: لا، روح سلمها لمين؟ لأبي القاسم الروحي. فلما راح لأبي القاسم الروحي طالبه بالقبوض، اللي هي إيه؟ إيصالات، إيصالات الاستلام.

يقول: فكنت أطلبه بالقبوض، فشكى ذلك إلى أبي جعفر محمد بن عثمان. إزاي يطالبني بإيصالات؟ فأمرني ألا أطلبه بالقبوض، وقال: كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليه. فكنت أحمل بعد ذلك الأموال إليه ولا أطلبه بالقبوض.

ولما تردد أحدهم في تسليم أمواله إلى أبي القاسم بن روح، غضب منه الباب محمد بن عثمان، وقال له: لم تمتثل ما قلته لك. ولكن الرجل حاول أن يلاطفه ويهدئ من غضبه، خشية أن يخرج له توقيعًا بلعنه والبراءة منه، كعادة الأبواب فيمن يرفض دفع الأموال إليه، يعني تمامًا كسكوك الحرمان عند النصارى.

فقال له متلطفًا: لم أجسر على ما رسمته لي، إلا أن الباب أجابه وهو غاضب، وقال له: قم كما أقول لك. يقول الرجل: فلم يكن عندي غير المبادرة، فصرت إلى أبي القاسم بن روح، وهو في داري، في دار ضيقة، فعرفته ما جرى، فسر به وشكر الله عز وجل، ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك من الدنانير.

إذًا تلاحظ ما تحاط به الرموز الشيعية نفسها من صفة القداسة، وما تطفى به على قولها من العصمة ووجوب الطاعة المطلقة، وإلا فاللعن والطرد من رحمة الله. كما تلاحظ بأن لغة المال، بزنس، لغة المال هي اللغة السائدة في التوقيعات المنسوبة للمنتظر، وعلى ألسنة الأبواب والوكلاء. المال عصب الحياة، نعم.

وكان اختيار أبي القاسم لأنه أحفظ لسر المكان الذي يقيم فيه الغائب، حيث إن اختيار الباب يتم من قبل الدوائر الشيعية حسب مواصفات خاصة، لعل من أبرزها حفظ السر وعدم الظهور والشهرة.

يدل على ذلك ما جاء في الغيبة للطوسي، أن سهلًا النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم، وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه -مكان المهدي الغائب يعني- كما علم أبو القاسم، وضغطتني الحجة على مكانه، لعلي كنت أدل على مكانه.

يعني عايز يقول إن أنا عشان إنسان مشهور، وبناظر المخالفين، وبتكلم وكذا، فممكن المخالفون في يوم من الأيام يضغطوا عليه جامد، ويقولوا له: فين المهدي الخرافة بتاعك ده؟ طب ورينا هو فين؟ فبيقول: أنا ممكن أكون ضعيفًا، ما أقدرش أكتم السر، فاحتمال حد يستفزني في مناظرة ويقول لي: طب هات لنا، يعني خلينا نشوفه هو فين مكانه. فأنا يعني إيه، أتورط وأتكلم، كسبق لسان، ما يحفظش السر، يعني، فيورط المهدي، ويكشف عن سر وجوده. كلام.

يقول: ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم، وضغطتني الحجة على مكانه، لعلي كنت أدل على مكانه. وأبو القاسم، فلو كانت الحجة تحت ذيله، وقرض بالمقاريض، ما كشف الذيل عنه.

فأبو القاسم، اللي هو الروحي، بيقول: لو كانت الحجة -اللي هو المهدي- تحت ذيله، لو هو في داخل الثوب الطويل، تحت العباءة بتاعته، المهدي مستخبي تحتها، وهو واقف كده ومخبيه، فبيقول: لو كانت الحجة تحت ذيله، وقرض بالمقاريض، لو قطعوا لحمه كده قطعًا، ما كشف الذيل عنه.

دين الأسرار والطلاسم والخرافات والكذب والأحقاد، ما الذي يرغب في مثل هذا الدين؟

ولذلك الشباب الرافضة لما ينقلبوا على الدين، بيبقى إلحاد من أسوأ أنواع الإلحاد، لأن هذا هو النموذج الذي يقدم لهم على أنه ده الدين، والذي يرفضه العقل والفطرة وكل شيء، فبالتالي لما ينقلبوا إلى ملاحدة نتيجة رفض هذا الدين، بينقلبوا إلى أسوأ أنواع الملاحدة، إلا من يريد الله به خيرًا، وتكون سبقت له السعادة، فيهديه الله إلى الإسلام الحق كما أنزله الله.

يقول: ورغم ذلك فقد أثار تعيين أبي القاسم ابن روح نزاعًا كبيرًا بين الخلايا السرية، فانفصل عدد من رؤسائهم، وادعوا البابية لأنفسهم، وكثر التلاعن بينهم.

وقد اضطر بعضهم لأن يكشف حقيقة دعوى البابية تلك، بسبب أنه لم ينجح في اقتناص مجموعة أكبر من الأتباع، ومن هؤلاء محمد بن علي الشلمغاني، المقتول سنة 323، وهو ممن ادعى النيابة عن مهدي الروافض، ونافس أبا القاسم ابن روح عليها، وفضح أمرهم فقال: ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف.

يعقب على ذلك أحمد الكسروي رحمه الله -إيراني، كان شيعيًا ثم فتح الله عليه وتاب، يعني أسلم، وقتله الرافضة بعد ذلك رحمه الله- يقول: لقد صدق فيما قال، فإن التخاصم لم يكن إلا لأجل الأموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه، فيدعي البابية لكي لا يسلمه إلى آخر. بعد ما يجمع المال ومبلغًا كبيرًا، فيقول: لا بقى، أنا الباب، مش يسلمها للباب كوكيل، لا، هو يقول: أنا الباب، يدعي البابية لنفسه، عشان يعني لا تجود نفسه أنه يسلمها لواحد تاني، إنما هو في يده أن هو يعني يأخذ هذه الأموال.

ثم ما لبث ابن روح أن توفي سنة 326، فانتقلت البابية بوصية منه إلى رجل رابع يدعى أبا الحسن علي بن محمد السمري. تولى منصب البابية، وكان قد انقضى على غيبة الإمام قرابة سبعين عامًا، لم يتحقق فيها أمل الشيعة في رجعته، رغم انتظارهم إياه وتلهفهم عليه.

وطبعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لو جمعنا الآثار الواردة عن الوظيفة التي يأتي بها المهدي إلى الدنيا، وهيعمل إيه في البشر، لكنا نقول -يعني- لو أنه فعلًا موجود، كنا نقول: عجل الله نسفه من الوجود. لأن المهدي الخرافة الوهمي، الصورة التي رسمها الشيعة، رجل مجرم، مخرب، قتال، سفاح، متعطش للدماء، مش هيسيب حد، وبالذات العرب، هيدبح العرب بالذات مذابح.

وطبعًا ده نفس مجوسي، نفس فارسي، العصبية الفارسية عندهم. فسنرى إن شاء الله أن المهدي ده هو مجرم، المهدي بتاعهم، اللي هو متوهمين، وهو طبعًا غير موجود، غير مخلوق. لكن لو فعلا لو كان موجودًا وهيطلع بدل ما هم بيقولوا كل ما يجي اسمه: عجل الله فرجه، ويقفوا عند المكان اللي هو هناك ويقولوا: يا إمام، اخرج، فقد طال الانتظار، وشمت بنا الفجار -يقصدوا أهل السنة- لأن أهل السنة دائمًا يسخرون منهم في موضوع المهدي.

فبيشتكوا له بقى، بيقولوا: الناس شمتت فينا، أنت تأخرت علينا قوي، فاخرج يا مولانا فقد طال الانتظار، وشمت بنا الفجار. فالمهدي ده مجرم. المهدي بتاع الشيعة، اللي هو الوهمي الذي لم يخلق، لو فعلًا موجود، كان المفروض ندعو باستمرار كما نتعوذ من المسيح الدجال. كده. ليه؟ لأنه سيخرج بالقتل. لدرجة هم الشيعة نفسهم في كتبهم بيقولوا: لو... لأن القائل سيقول: ما هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم. إنسان ليس في قلبه رحمة من كثرة القتل، وبالذات في العرب.

وسنرى التفاصيل، فيعني بدل ما هم بيقولوا: عجل الله فرجه، هي في الحقيقة صورة قبيحة جدًا لهذا المصلح المنتظر اللي هيأتي ليدمر البشرية، ويقتل، ويخرب، ويفعل كذا وكذا. فالحمد لله أنه لم يوجد أصلًا، يعني هذا وهم وخرافة.

وقد تخلفت وعود الشيعة بالظهور للغائب المستور، وساد الشك الأوساط الشيعية، وبدأت تتكشف حقيقة الأمر بعد النزاع الحاد الذي وقع بين أدعياء البابية، ولذلك اختفى نشاط الباب تمامًا، فلا تجد له في كتب الشيعة مثل ما تجد لأسلافه من الرقاع والتوقيعات التي ينسبونها للغائب المنتظر.

وقد اعترف بذلك بعض الشيعة، وإن حاول أن يتستر على تلك الأسباب، فيعزو الأمر إلى كثرة الضغوط على الشيعة. بدا بقى لما كثر النصابون اللي بيدعي كل واحد منهم إنه الباب، واختلفوا، الحكاية اتكشفت بقى. ما هو ليه بيتناقضوا؟ كل واحد بيقول: أنا الباب. فالموضوع بدأ ينكشف، ولذلك توقف الكلام على موضوع البابية، بقى مع الوقت نامت قضية البابية.

وبعض الرافضة عزى ذلك، وقال: ده بسبب الضغوط الأمنية، الضغوط من الخلافة، من الخلفاء والحكام، هي دي اللي خلتهم يخافوا قوي على الباب، لأحسن حد يتتبع الباب ويقدر يوصل لمين؟ للمهدي المنتظر ويقتله في السرداب.

استمر السمري في منصبه الشكلي ثلاث سنوات، لأنه ما كانش قادر يمارس بقى موضوع البابية، لأن انفضحت القضية، وربما أدركته الخيبة، وشعر بتفاهة منصبه كوكيل معتمد للإمام الغائب. فلما قيل له وهو على فراش الموت: من وصيك من بعدك؟ هنتصل بالإمام إزاي؟ بالمهدي؟ مين بعدك الباب الجديد يعني؟ قال: لله أمر هو بالغه.

وهكذا انتهت دعوى الصلة المباشرة بالغائب، لأن أوراقها انكشفت بسبب التنافس عليها. ووصلت دعوى الغيبة إلى طريق مسدود، إذ لم تنجح فكرة البابية الخاصة، ولكن أخرج شيوخ الشيعة توقيعًا منسوبًا للسمري عن المنتظر، يعلن فيه انقطاع البابية المباشرة.

مرحلة جديدة بقى. دي الفترة اللي فاتت كانت الغيبة الصغرى، يعني بيظهر لشخص واحد، الباب. دخل بقى في مرحلة جديدة: الغيبة الكبرى، لا سبيل إطلاقًا إلى المهدي المنتظر في السرداب. فادعوا وجود وثيقة للسمري عن المنتظر يعلن فيه انقطاع البابية المباشرة، واختراع مبدأ النيابة العامة التي يشترك فيها شيوخ الشيعة، كالخميني والثاني ده اللي هو علي الخامنئي. ده منصب، هو نائب عن المهدي، ده نائب عن المهدي. النيابة بقى العامة، واضح.

بعد هذا التغيير خرجت قضية... وهو ما بيستحيش يعني، مرة كان بيخطب في الأمم المتحدة واتكلم عن خروج الإمام المهدي الذي سوف يملأ الأرض عدلًا. ما يستحي يعني، معتز بعقيدته الخرافية لدرجة أنه في المحافل الدولية بيتكلم بهذا الكلام الخرافي.

والخميني -قاتله الله- في عيد ميلاد المهدي قام وتكلم كلامًا بشعًا جدًا، كلام لا يقوله مسلم أبدًا، قال: إن المهدي حينما يخرج سوف ينجح فيما فشل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعياذ بالله.

إذا اخترعوا مبدأ النيابة العامة، النيابة العامة بقى عن المهدي يشترك فيها شيوخ الشيعة. وبعد هذا التغيير خرجت قضية غيبة المهدي من طريقها المسدود. تلاحظ دائمًا عند كل انسداد يشوفوا لهم حل. لما الحسن العسكري مات عقيمًا، واختلفوا، ده في الآخر شافوا له حلًا، أنه كان له ابن دخل السرداب، عشان يفضل الدين قائم، لأنه هينهار. كذلك بعد كده موضوع البابية، لما بدأ ينكشف، وفشلت فكرة البابية، بدأوا يخترعوا إيه؟ الغيبة الكبرى، أن هيجي بقى عصر دلوقتي ما حدش خالص هيقدر يقابل المهدي في السرداب.

يقول: وبعد هذا التغيير خرجت قضية غيبة المهدي من طريقها المسدود، واختفت ظواهر النزاع على منصب البابية، هي بابية شبيهة بالبابوية برضه، واقتسمت الغنيمة بين الجميع بالسوية، وقررت عقيدة النيابة، والتي سنتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

هؤلاء الأبواب الأربعة: عثمان بن سعيد، وابنه محمد، وابن روح، والسمري، هم المؤسسون لقضية الغيبة والمهدية، أو هم الوجوه البارزة التي رسمت نظرية المهدي عند الاثني عشرية. تسمى فترة عملهم بالبابية الغيبة الصغرى، استمرت سبعين سنة أو تزيد.

يقول شيخهم وآيتهم جعفر النجفي: إن الغيبة الصغرى استمرت أربعًا وسبعين سنة. وطبعًا هذا الاختلاف، يعني هذا الأمر غير متفق عليه، لأن بعضهم يقول إنها ثمان أو تسع وستون سنة إلا أشهرًا، والصدر بيقول إن مدتها سبعون سنة.

يقول: وسنتناول نظرية المهدية والغيبة كما جاءت في كتب الاثني عشرية، ونتعرف على مضامينها، حيث أصبحت اليوم هي أساس المذهب الشيعي.

يقول: قصة المهدي في كتب الشيعة قصة غريبة، نسج الخيال خيوطها، وبلغ مداه في صياغة أحداثها، وتحولت إلى أسطورة كبرى لا تجد إلى العقل منفذًا، ولا في الفطر السليمة قبولًا، حتى أنكرتها أكثر الفرق الشيعية التي عاصرت ولادتها.

ولنعرض خطوطها العامة، بدءًا من اختيار الحسن لأم المهدي المزعوم، إلى ولادة المهدي واختفائه، ثم عودته وسيرته.

أما اقتران الحسن بأم المهدي، فقد صاغت كتب الشيعة أحداثه بما يشبه قصص ألف ليلة وليلة. فاختيار الحسن العسكري للجارية التي ينسبون لها الولد قد تم -كما تصوره كتب الشيعة- عن دراية بالغيب المستور. فهو يبعث خادمه لسوق بيع الجواري، ويعطيه أوصاف الجارية، ونوع ملابسها، والكلام الذي ستنطق به أثناء بيعها، وما يحدث أثناء المساومة، ويرسل معه كتابًا لها بالرومية، باللغة الرومية، ما إن تنظر إليه حتى تبكي بكاء شديدًا، وتتمسح به.

وحينما يعجب الخادم من كل ذلك، تكشف له عن هويتها، وأنها مليكة بنت يشوع بن قيصر ملك الروم. يمكن ده السبب إن هم بيقولوا دلوقتي بعضهم بيقول إن الملكة إليزابيث، ملكة إنجلترا، من آل البيت. ده كلام منشور يعني، مش نكتة. يعني احتمال يكون بقى الحكايه جاية من الطريق ده، والله أعلم.

وحينما يعجب الخادم من كل ذلك، تكشف له عن هويتها، وأنها مليكة بنت يشوع بن قيصر ملك الروم، وتسرد له قصة حياتها ووقوف الكوارث أمام زواجها من خطابها. أي حد كان ييجي يخطبها تيجي له كارثة، بحيث هي مكتوبة بقى لمين؟ للحسن العسكري. فمرت بكوارث، كل اللي يقرب لها ويحاول يخطبها، طبعًا كانت تحصل له كوارث.

وأنها رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يخطبها من المسيح، وقال له: يا روح الله، جئتك خاطبًا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد الحسن العسكري.

ثم تتتابع الرؤى عليها، حتى تزورها في المنام أم الحسن العسكري ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لها مريم: هذه سيدة النساء. دي أم مين بقى؟ أم الحسن العسكري. يعني كأنها أفضل من فاطمة. سيدة النساء أم زوجك أبي محمد عليه السلام. فتتعلق بها أم المهدي، تتعلق بمريم عليها السلام، تتعلق بها أم المهدي وتبكي وتشكو إليها امتناع الحسن العسكري من زيارتها.

لكن أم الحسن قالت لها: إن ابني محمدًا لا يزورك وأنت مشركة بالله. يعني أبو محمد لا يزور وهي مشركة، وسيدة النساء ومريم ووصائف الجنة يزرنها، مع أنها برضه مشركة. لكن أم الحسن قالت لها: إن ابني محمد -المفروض: محمدا- لا يزورك وأنت مشركة بالله.

ثم تمضي أحداث القصة حتى تسلم بتأثير هذه المنامات، فتبدأ زيارات الحسن العسكري لها في الأحلام، ثم تذكر قصة وقوعها في أسر المسلمين، واختيارها اسم نرجس إخفاء لحقيقتها، عشان ما يبانش أنها بنت القيصر يعني، ثم طلبها من مالكها ألا يبيعها إلا لمن ترضاه، وهو الذي يحمل المواصفات التي أوحي إليها بها في المنام. كجارية ما تتباعش غير لحد مين؟ هي عارفة الصفات كويس.

ثم تلتقي بعد ذلك بالحسن، ولا تجد غرابة في لقائه لأنها تعرفه وتتصل به قبل ذلك من خلال الرؤى والأحلام، فيزف لها البشرى بولد يملك الدنيا شرقًا وغربًا، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا.

أما حملها بالمهدي فاغرب وأعجب، إذ لم يظهر عليها أثر الحمل، مع أن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق -كما يقولون- حاولت التثبت من حملها، فوثبت إليها كما تزعم روايتهم، فقلبتها ظهرًا لبطن فلم تر فيها أثرًا للحمل، وعادت إلى الحسن وأخبرته، لكنه أكد لها وجود الحمل، وقال لها: إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل.

والأغرب من ذلك أن أم الولد نفسها حتى ليلة ولادتها لم تعلم بأمر حملها، حتى قالت حكيمة: يا مولاتي، ما أرى بك شيئًا من هذا. طبعًا دي قصة مفبركة بطريقة متقنة جدًا. إيه سر الكلام في موضوع أن لم يظهر عليها آثار الحمل؟ لأن جعفر، اللي هو أخو الحسن العسكري، حبس نساء الحسن وإماءه بعد وفاة الحسن حتى يحصل الاستبراء، ليتأكد أن ما فيش حمل، عشان القاضي يقسم التركة في ضوئها.

فهم عاملين حاجة بقى مضادة لهذا الأمر، لأن التاريخ سيثبت هذا، أنه لم يحصل ظهور الحمل إطلاقًا بعد وفاته، وحصل توزيع التركة على هذا الأساس. فهم عشان يبطلوا هذا قالوا: لا، كان في حمل، بس ما فيش أي علامة من علامات الحمل.

يقول: ويبدو أن نفي ظهور أثر الحمل عليها هي حيلة أو محاولة للتخلص مما ثبت حتى لدى الشيعة من قيام جعفر -وهو أخو الحسن العسكري- بحبس نساء الحسن وإمائه بعد وفاة الحسن لاستبرائهن، حتى ثبت للقاضي والسلطان براءة أرحامهن من الحمل، وتم بعد ذلك قسمة ميراث الحسن.

والغريب أن الشيعة يقرون بذلك، بس هم بيحاولوا يخرجوا من دي بقصة إن لا، كان في حمل، بس ما فيش أي علامة من علامات الحمل.

والرواية التي تنفي تبين أمارات الحمل، حتى لأم الوليد، تثبت في آخرها ما ينقض هذا الزعم، وهو أن المولود كان يتكلم وهو في بطن أمه. المهدي وهو في بطن أمه كان يتكلم، حتى قالت حكيمة: فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ، وسلم عليّ.

وكذلك يروي الطوسي عن حكيمة نفسها أنها قالت حينما استدعاها الحسن إلى بيته للإشراف على ولادة المهدي من جاريته، فقالت: جعلت فداك يا سيدي، الخلف ممن هو؟ يعني المهدي اللي هيتولد ده مين أمه؟ قال: من سوسن. تقول: فأدرت نظري فيهن، فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن. فهي في هذه الرواية تدرك حملها بمجرد النظر إليها، وفي رواية ابن بابويه تقلبها ظهرًا لبطن فلا تجد أثرًا.

وهي هنا تسميها سوسن، وهناك تسميها نرجس، كما تسمى في بعض الروايات بأسماء أخرى، زي ريحانة، وثقيل، إلى آخره، وكل يضع كما يشاء، وكتب الاثني عشرية تستوعب وتتسع لجميع أنواع الأكاذيب.

وحينما ولد... شوف قصة الولادة بقى

وحينما ولد المهدي، سقط من بطن أمه جاثيًا على ركبتيه، رافعًا سبابتيه إلى السماء، ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو أذن لنا في الكلام لزال الشك.

وفي رواية أخرى أنه سقط ساجدًا لله، وهو يتشهد ويدعو بقوله: اللهم أنجز لي ما وعدتني.

ثم عرج بهذا المولود إلى السماء بواسطه طيور خضر. وحينما تبكي الأم نرجس خوفًا على ولدها -راحل بقى في السماء، معراج، فخايفة عليه الولد يقع ولا حاجة- ثم عرج بهذا المولود إلى السماء بواسطة الطيور الخضر، وحينما تبكي الأم نرجس خوفًا على ولدها، يجيبها الحسن بقوله: سيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه.

أما نموه فهو مخالف تمامًا لسنة الله في خلقه، وخارج عن النواميس الطبيعية التي يخضع لها الكائن الحي بأمر الله. يصور ذلك الخبر المروي على لسان حكيمة بنت محمد، حيث تقول: لما كان بعد أربعين يومًا -يعني من ميلاده- دخلت على أبي محمد عليه السلام، فإذا مولانا الصاحب يمشي في الدار، فلم أر وجهًا أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته.

الولد عنده أربعون يومًا، فبتوصفه بقى: لم أر وجهًا أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته. فقال أبو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عز وجل. فقلت: سيدي، أرى من أمره ما أرى، وله أربعون يومًا؟ فتبسم وقال: يا عمتي، أما علمت أن معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة. النمو يعني، معدل النمو.

وفي رواية القمي: إن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة، وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن. ده كل الأئمة بقى، مش بس ده. منا يعني من الأئمة الاثني عشر. وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن، ويعبد ربه عز وجل عند الرضاع، وتطيعه الملائكة، وتنزل إليه صباحًا ومساء. يمكن تكون هي تطعمه، ها.

لكن هذا المولود الذي يحمل كل هذه الظواهر الخارقة، لا يعلم علمه أحد، ولا يرى له أثر. فما فائدة إجراء هذه الخوارق إذًا؟ يعني الخوارق بتكون إيه؟ زي المسيح عليه السلام تكلم في المهد، علشان يبرئ أمه ويعلن دعوته من البداية: إني عبد الله آتاني الكتاب إلى آخره.

وغلام جريج مثلًا في قصة جريج العابد، نطق أيضًا ليبرئ جريجًا. والغلام في قصة أصحاب الأخدود لما قال لأمه: يا أماه اصبري فإنك على الحق. يعني في حكمة من وراء هذا النطق. طب الخوارق دي كلها وما حدش شافها، يبقى إيه قيمتها؟ فإيه الداعي أن كل هذه القصص وما حدش لم يرها أحد يعني؟

ثم ما لبث بعد كده كمان لا، ما لبث أن غاب، اختفى بقى الولد ده الخارق، سوبر طفل. ثم ما لبث أن غاب، ولم يعلم بأمره ولا غيبته أحد إلا حكيمة، والتي تقول كما تنسب إليها الرواية إن الحسن أمرها ألا تفشي هذا الخبر في أمر هذا المولود حتى ترى اختلاف شيعته بعد وفاته.

قصة محبوكة. إن قال لها بقى اللي هو الحسن، هو الأب بقى، قال لها: أوعي تتكلمي أبدًا أن في ولد اسمه محمد بن الحسن، ولا أحواله وأوضاعه اللي أنت شفتيها، لحد لما بعد ما يموت والشيعة تختلف، فقولي لهم لا ده عنده ولد، وقصته كذا وكذا، لحد ما اختفى.

يقولون: ثم ما لبث أن غاب، ولم يعلم بأمره ولا غيبته أحد إلا حكيمة، والتي تقول كما تنسب إليها الرواية إن الحسن أمرها ألا تفشي هذا الخبر في أمر هذا المولود حتى ترى اختلاف شيعته بعد وفاته، حيث قال الحسن: فإذا غيب الله شخصي، وتوفاني، ورأيت شيعتي قد اختلفوا، فأخبري الثقات منهم، فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه، ويحجبه عن عباده، فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرائيل عليه السلام فرسه، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

فمسألة المهدي وغيبته تسربت إلى الشيعة عن طريق حكيمة، كما تقوله رواية شيخ الطائفة. وما أدري كيف يقبل الشيعة قول امرأة واحدة غير معصومة في أصل المذهب، وهم الذين يردون إجماع الأمة بأسرها إذا لم يكن المعصوم فيهم، ولو في مسألة فرعية.

وتلاحظ أن إمامهم يأمر بحجب أمر المهدي وغيبته إلا عن الثقات من شيعته، مع أن من لم يعرف الإمام عندهم فإنما يعرف ويعبد غير الله، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق.

أما وقت غيبة المهدي، فإن روايات الشيعة تتضارب في تحديده. فيروي الطوسي أن حكيمة قالت: فلما كان بعد ثلاث من مولده -يعني كان عمره ثلاثة أيام- اشتقت إلى ولي الله، فصرت إليهم، فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرًا، ولا سمعت ذكرًا، فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمد عليه السلام، فاستحييت أن أبدأ بالسؤال، فبدأني فقال: هو يا عمة في كنف الله، وحرزه، وستره، وغيبه، حتى يأذن الله له.

عارف إن هي بتدور على الولد، لأنها اشتقت إلى ولي الله، عايزة تشوفه. قال لها بقى قبل ما هي تسأل: هو يا عمة في كنف الله، وحرزه، وستره، وغيبه، حتى يأذن الله له. يبقى هو اختفى وكان عنده كام؟ ثلاثة أيام.

رواية ثانية: حكيمة فقدته بعد سبعة أيام. وفي رواية ثالثة: أنها رأته بعد أربعين يومًا يمشي في الدار، ثم فقدته بعد ذلك.

وفي رواية أخرى أن حكيمة كانت تختلف إلى الحسن العسكري، إلى دار العسكري، تزوره كل أربعين يومًا، وقبل وفاته بأيام قلائل، كان عمر المهدي آنذاك خمس سنوات على الأكثر، زارت الدار العسكرية كعادتها. المرة دي بقى هو عنده خمس سنوات. تقول: فرأيته رجلًا فلم أعرفه. ما هو خمس سنوات، يبقى كام بقى نضربها في كام؟ يعني المعدلات اختلف فيها من قبل يعني.

تقول: فرأيته رجلًا فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السلام: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديك؟ فقال لي: هذا ابن نرجس، هذا خليفتي من بعدي، وعن قليل تفقدوني، فاسمعي له وأطيعي. الروايات كلها متضاربة.

وإذا تضاربت سقطت كلها. هكذا غاب المهدي، ولم يعلم بأمره أحد سوى حكيمة، التي أودعت خبره ثقات الشيعة كما تقول رواياتهم.

أما مكان الغيبة، فإنه كان موضع السرية والكتمان. ولما تناهى إلى شيعته خبر الغيبة المزعومة، حاولوا التعرف على مكانه، إلا أن الباب الذي يدعي الصلة به رفض البوح بشيء من ذلك، وأخرج توقيعًا سريًا ينسبه للمهدي، يقول فيه: إن عرفوا المكان دلوا عليه. فما حدش يخبرهم. إن عرفوا المكان دلوا عليه.

هذا النص يشير إلى أنه في مكان معين، وفي مخبأ سري لا يعرفه إلا الباب، وأن سبب كتمان غيبته عن شيعته هو خوفه من إخبارهم للغير بمكانه.

لكن دلت بعض روايات الكافي على البلد الذي يختفي فيه، حيث قالت: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة. فهي تشير إلى أنه يختبئ بالمدينة النبوية المباركة، لأن طيبة من أسمائها.

ولما قال أحدهم للحسن العسكري: إن حدث بك حدث، فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة.

بعضهم بقى مش عاجبه المدينة تبقى طيبة، فالمازندراني بيقول يحتمل أنه يريد بالمدينة سر من رأى، اللي هي مدينة سامراء. بينما يروي الطوسي في الغيبة أنه مقيم بجبل يدعى رضوى. دي زي مين؟ زي ما قالت الكيسانية في حق محمد بن الحنفية. فده قال: ده هو راح في جبل رضوى.

حيث يقول في روايته عن عبد الأعلى مولى آل سام: خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام، فلما نزلنا الروحاء -مدينة بينه وبين المدينة أربعون ميلًا- من جبال فارس... قال: أحببناه فنقله الله إلينا، أما إن فيه كل شجرة مطعم، ونعم أمان للخائف. مرتين. أما إن لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين، واحدة قصيرة، والأخرى طويلة.

تذكر روايات أخرى أنه يختفي في بعض وديان مكة. فقد جاء في تفسير العياشي وغيره أن أبا جعفر قال: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، ثم أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، وهو وادٍ في مكة.

عشان كده طبعًا الشيعة عندهم، زي ما عند الصوفية، كتير بقى ناس تحكي أنها قابلت المهدي، والمهدي خرج لها وهي في الصحراء. القصص المعروفة دي، بس بدل ما بيحكوها عندنا الصوفية على الخضر، هم بيحكوها على المهدي.

يقول: غير أن أحاديثهم في الأدعية والزيارة لمقامات الأئمة تلوح إلى أنه مقيم بسرداب سامراء، وهي بلدة على دجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخًا، يقال لها سر من رأى. فالناس خففوها وجعلوها سامراء، وفيها السرداب المعروف في جامعها، الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخرج منه.

ولذلك جاء فيها: ثم ائتِ سرداب الغيبة. دي تعليمات، آداب ومناسك زيارة الأئمة، فبيقول له: تعمل كذا وكذا وكذا. ثم يقول: ثم ائتِ سرداب الغيبة، وقف بين البابين، ماسكًا جانب الباب بيدك، ثم تنحنح كالمستأذن، وسمِّ، وانزل وعليك السكينة والوقار، وصل ركعتين في عرض السرداب، وقل: اللهم طال الانتظار، وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتصار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هذه البقعة، الغوث الغوث الغوث يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلاف، وهجرت لزيارتك الأوطان، وأخفيت أمري عن أهل البلدان لتكون شفيعًا عند ربك وربي، يا مولاي يا ابن الحسن بن علي، جئتك زائرًا لك.

تشير بعض أخبارهم إلى أن معه في غيبته ثلاثين من أوليائه يؤنسونه في وحدته. وما بـثلاثين من وحشة! وجود ثلاثين واحد معاه برضه هيؤنسه يعني، هيذهب الوحشة.

وتخصيص السرداب بتلك الأدعية والمناجاة والاستئذان عند الدخول يدل على أن واضع تلك الروايات يوهمون أتباعهم بوجوده في السرداب.

ولهذا قال ابن خلكان: والشيعة ينتظرون خروجه في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى. وذكر ابن الأثير أنهم يعتقدون أن المنتظر بسرداب سامراء.

ورغم ذلك فإن بعض الشيعة المعاصرين ينفي ما هو واقع، ويقول: لم يرد خبر، ولا وجد في كتاب من كتب الشيعة أن المهدي غاب في السرداب، ولا أنه عند ظهوره يخرج منه، بل يكون خروجه بمكة، ويبايع بين الركن والمقام.

لكن عمل الشيعة يخالف ذلك، ويتفق مع ما جاء في كتب الزيارة عندهم. فقد ظل الشيعة -كما يقول الشيعي أمير علي- إلى أواخر القرن الثامن الهجري، الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير، يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء، فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون إلى بيوتهم بعد طول الانتظار، وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن.

كان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين، حتى قيل:

ما آنَ للسرداب أن يلد الذي
كلمتموه بجهلكم ما آنا

فعلى عقولكم العفاء فإنكم
ثلثتم العنقاء والغيلانا

العنقاء طائر له اسم وليس له جسم، طائر خرافي، فيضرب العرب به مثلًا بالمستحيل.

وقال ابن القيم: ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل.

ولهذا جاء في أدعيتهم ما يشعر بأنهم صاروا بهذا الاعتقاد موضع السخرية والشماتة، فيدعو أحدهم ويقول مناجيًا هذا الغائب: طال الانتظار، وشمت بنا الفجار، اللي هم أهل السنة، يعيروهم ويقولوا لهم: إن دي خرافة يعني.

وقد جاء في بعض أدعية الزيارات عندهم ما ينبئ عن حيرتهم في مكانه الذي يختفي فيه، فهم يهتفون به ويقولون:

ليت شعري أين استقرت بك النوى
بل أي أرض تقلك أو ثرى
أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى

هذا، وتذكر روايات أخرى لهم أنه ليس له مكان ثابت، بل هو يعيش بين الناس، يشهد المواسم، يشهد الموسم، فيراهم ولا يرونه. يعني بيكون موجود في موسم الحج، فهو يراهم لكنهم هم لا يرونه.

وهكذا تختلف أخبارهم في تحديد مكانه، وكل زمرة تذهب في هذا مذهبًا، على اختلاف الفصائل الشيعية، أو على اختلاف الأحوال والأزمنة، أو حتى تستمر لعبة التلبيس والتزوير. ومن الطبيعي أن تختلف ما دام غائبهم لا وجود له.

وإذا كان مكانه موضع السرية في بعض أخبارهم، فإن اسمه أيضًا قد حكم عن شيعته، فقد جاء في توقيعات المنتظر التي تصدر عن بابه: إن دللتهم على الاسم أذاعوه.

هذا النص يشير إلى أنه مجهول الاسم، كما هو مجهول المكان والولادة والنشأة. ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، غير أن رواية الشيعة كانت تحرم تسميته باسمه، حيث جاء فيها: ولا يحل لكم ذكره باسمه، بل اعتبرت من يسميه باسمه في عداد الكافرين، وقالت: صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر.

ولذلك تلاحظ حين يرد ذكره في روايتهم، يكتب اسمه بالحروف المقطعة هكذا: م ح م د، عشان ما يسموش، هو كده ما سماهوش باسمه.

ولما قالوا: كيف نذكره؟ طب لما إحنا اللي هيقول اسمه هيبقى كافر، فكيف نذكره؟ قال الحسن العسكري: قولوا الحجة من آل محمد، صلوات الله عليه وسلامه، قولوا عليه الحجة القائم. وهكذا كانت الدوائر الشيعية قديمًا لا تذكره فيما بينها إلا بالرمز الذي لا يعرفه سواه، زي كلمة الغريم. ولهذا قال المفيد عن إطلاق هذا اللقب عليه: هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديمًا بينها، ويكون خطابها عليه السلام للتقية.

والرموز بقى اللي بيطلقوها على المهدي: القائم، الخلف، السيد، الناحية المقدسة، الصاحب، صاحب الزمان، صاحب العصر، صاحب الأمر، وغيرها.

وعملية الكتمان تلك تنبئ عن تنظيم سري داخل الدولة الإسلامية، يتخذ أتباعه لغة الرمز والإشارة للتفاهم فيما بينهم، وهي من جانب آخر محاولة للتستر على الكذب وإخفاء الحقيقة، ثم هي تنقض ما يدعونه أن مهديهم قد ذكر باسمه ووصفه من قبل.

وبعضهم بيقول إن النهي عن التصريح بالاسم خاص بزمن الخوف والتقية.

أما مدة الغيبة، فإن مخترعي هذه الفكرة كانوا يمنون أتباعهم بقصر المدة، اللي اخترعوا فكرة الغيبة لما وصلت سبعين سنة، والقصة كما حكيناها، بعد كده دخلوا في الغيبة الكبرى، ودائمًا كانوا يمنوهم أن هو هييجي بدري، يعني هييجي بعد عشر سنين، بعد عشرين، بعد خمسين، بعد مئة. دلوقتي ألف ومئة وعشرة تقريبًا أو حاجة زي كده.

وسرعة العودة لغائبهم، حتى أكدوا في روايتهم أنها لا تعدو ست سنين في أقصى الأحوال. فقد جاء في الكافي عن علي بن أبي طالب -كما يفترون- أنه قال عن منتظرهم: تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. ولما سئل: كم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين. طب ستمئة سنة؟ وما طلعش برضه!

ويبدو أن هذا النص قد وضع في الأيام الأولى لنشوء فكرة الغيبة لتسكين النفوس الثائرة، وتهدئة القلوب الحائرة التي أفاقت على الحقيقة المرة حينما مات الإمام بلا عقب، وانجلت الخدعة، وتبينت الحقيقة. فربطت حينئذ دعوى الغيبة بهذا الوعد القريب لتكون أسهل للتصديق وأقرب، وليضمنوا الكسب الحاضر للمال الجاهز الذي ينتظر ظهور الإمام ليدفع إليه باسم حق آل البيت.

وفي البداء والتقية متسع للتأويل والرجوع عن الكلام في المستقبل. وهذا ما وقع بالنسبة لموقف شيوخهم المتأخرين من هذا النص، حيث قال بعضهم: يعني هو قال لهم إن الغيبة هتكون ستة أشهر أو ستة أيام أو ست سنين، ها، فاحتاروا طبعًا في هذا. فبعضهم بيقول: يحتمل أن يكون المراد أن الغيبة والحيرة في ذلك القدر من الزمان أمر محتوم، ويجري فيهما البداء بعد ذلك. البداء يعني -والعياذ بالله- كأن ربنا غير قوله. ولا حول ولا قوة إلا بالله. البداء مخرج كويس جدًا لأي موقف يعني يحاصرون فيه، يقول لك: إما البداء، وإما يقول: قالها على سبيل التقية.

وبعضهم بيقول إن المدة دي -ستة أيام، ستة أشهر، ست سنين- المقصود بها فترة الحيرة، مش فترة الغيبة، مع أن الحيرة والشك قد صحبتهم في أمر الغيبة، كما يظهر ذلك من الكتب التي ألفت في هذه المسألة.

فمنهم من حاول التخلص بغير هذا، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على الطعن في مسألة الغيبة ذاتها. كما جاء عندهم توقيت ظهور هذا الأمر في السبعين من الغيبة، ثم غير إلى مئة وأربعين، ثم أخر إلى غير أمد معين، ونسب للأئمة استطلاع وقت خروج الغائب من الحروف المقطعة في أوائل السور.

ويظهر من رواياتهم أن الرموز التي تدير دفة التشيع كانت تمني أتباعها بقرب الفرج والظهور للغائب المستور، حتى كان من الشيعة من يتوقع خروج الغائب بين لحظة وأخرى. فقد جاء في أخبارهم أن منهم من ترك البيع والشراء والعمل بانتظار الغائب، واشتكى من هذه الحالة حتى قال بعضهم: لقد تركنا أسواقنا انتظارًا لهذا الأمر حتى لا يوشك الرجل أن يسأل في يده.

ولكن الهدف من هذه الوعود هو ما أشرنا إليه من محاولتهم إمرار لعبتهم، وإزالة شك الأتباع وحيرتهم، وهذا ديدنهم في تعليل الشيعة بالأماني، وتخديرهم بالوعود، حتى اعترفوا في أخبارهم أن الشيعة ربِّيَت بالأماني منذ مئتي سنة.

وسبب ذلك أنه لو قيل لهم إن هذا الأمر لا يكون إلا بعد مئتي سنة أو ثلاثمئة سنة لقست القلوب، ولا رجعت عامة الناس عن الإسلام، يعني مذهبنا. لكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج.

اختلفت روايتهم التي وضعت لمعالجة مشكلة تحديد فترة الغيبة في طريقة معالجتها، فهي تارة تأمر بالتسليم، وتقول: إذا حدثناكم بحديث، فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين. يعني سلم من الروايات، ما تقولش دي متناقضة ولا محيرة، قول: صدق الله، إشارة إلى البداء.

وهي تارة تعزو سبب إخلاف الوعد بالظهور الذي حددته الأئمة إلى إفشاء الشيعة للسر، ولذلك حينما قال بعضهم: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال يعني إمامهم: بلى، ولكنكم أذعتم فأخره الله. هو كان له موعد فعلًا، لكن لما أنتم نشرتوه، ده هيشكل خطرًا على المهدي، فعاقبكم الله بأن أخره إلى أجل غير مسمى.

وتقول روايتهم إن الله تبارك وتعالى كان قد وقت هذا الأمر إلى سنة أربعين ومئة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله بعد ذلك وقتًا عندنا.

وهي تارة تعزو ذلك لقتل الحسين. يقول أبو عبد الله -بزعمهم طبعًا-: إن الله تبارك وتعالى كان قد وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره.

وهم ينظمون ذلك كله في عقيدة البداء، ولذلك قال المازندراني: توقيت ظهور هذا الأمر توقيت بدائي، فلذلك جرى فيه البداء. عقيدة البداء معروفة.

وهي حينًا تنفض اليد من أخبار التوقيت كلها، وتقول: كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون. كذب الوقاتون اللي هم بيحددوا موعد، وهلك المستعجلون اللي بيقولوا: إمتى بقى هيخرج المهدي؟ ونجا المسلمون، إن هم يعنون أنفسهم يعني.

وقالوا أيضًا: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ما نحددش معاد المهدي هييجي إمتى. وأيضًا في بعض روايتهم: ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل. ورواية أخرى: من وقت لك من الناس شيئًا فلا تهابن أن تكذبه، فلسنا نوقت لأحد وقتًا. ورواية أخرى: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين.

هكذا تتضارب أخبارهم وتتناقض، لأن الوضع يتم حسب الظروف والمناسبات.

أما سبب غيبته، إيه اللي خلاه اختفى؟ فقد جاء في الكافي عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم. قلت: ولِمَ؟ قال: إنه يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل.

وجاءت عندهم روايات عدة في هذا المعنى، وأكد ذلك شيخ الطائفة الطوسي بقوله: لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار، وكان يتحمل المشقة والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء عليهم السلام إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله تعالى.

ولكن هذا التعليل للغيبة، الذي يؤكده شيخ الطائفة، لا يتصور في حق الأئمة على ما يعتقد الشيعة، لأن الأئمة -كما يعتقد الشيعة بالنص- يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم. دي عقيدة عند الرافضة، وفيها نص أن الأئمة الاثني عشر يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم. يبقى مش هينفع حد يغتاله، وهيبقى عارف أنه هيموت إمتى وإزاي، فليه ما يظهرش؟

كما أثبت ذلك الكليني في الكافي، في روايات عديدة، وبوب لها بهذا اللفظ المذكور، وأثبت ذلك المجلسي في بحار الأنوار، وبوب له بلفظ: أنهم عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم.

هنا طبعًا مشكلة في تناقض شديد جدًا. إزاي بيختفي خوفًا من القتل، وإزاي هو يعرف متى يموت، وأنه لا يموت إلا باختياره؟ مش هيموت بالاغتيال، هيموت باختياره.

كما أن الأئمة -على حد ما يعتقد الشيعة- يعلمون ما كان وما يكون، ولا يخفى عليهم الشيء، كما قرر ذلك الكليني في باب يحمل العنوان المذكور. فطبعًا اللي يعلم الغيب، المفروض أنه يبقى عارف الخطر، ويقدر يحترز من هذا الخطر، فبوسعهم أن يحترزوا من الخطر بما لا يخطر على بال.

ثم لماذا لم يقتل واحد من أولئك النواب الأربعة الذين يدعون الصلة بالإمام مباشرة، وهم ليسوا كالإمام، لا يموتون إلا باختيار منهم؟

كذلك قد توفر الأمن التام للإمام في أثناء قيام بعض الدول الشيعية، فلماذا لم يخرج إليهم ويأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه وسلاحه وقوته؟ وإذا ما زالت الدولة رجع إلى مكمنه.

ولذلك قال أحمد الكسروي، الشيعي الأصل رحمه الله: إذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه، فلم يظهر عندما استولى البويهيون الشيعيون على بغداد وصيروا خلفاء بني العباس ألعوبة في أيديهم؟ فلم لم يظهر عندما قام الشاه إسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أنهارًا؟ فلم لم يظهر عندما كان كريم خان الزندي، وهو من أكبر سلاطين إيران، يضرب على السكة اسم إمامكم صاحب الزمان؟ اللي هي العملة يعني، يختم عليها: صاحب الزمان، ويعد نفسه وكيلًا عنه.

فدي كلها حالات تمكن، وإذا خرج هيحمونه، وإذا خرج الآن في دولتهم أيضًا سيقومون بحمايته وينتفعون به كثيرًا، فلماذا لم يخرج؟ وبعد، فلما لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا، وأكثرهم من المنتظرين؟ هذا في عهد الكسروي.

كذلك اليوم، من بعد الكسروي، قامت دولة الآيات، فلما لا يخرج إليهم؟ ولا سيما وهم يجأرون بالدعوات والاستغاثة لخروجه منذ مئات السنين.

كما وضعت روايات تعلل الغيبة بامتحان قلوب الشيعة واختبارها. ده امتحان من ربنا. اللي هي الناس اللي بتبقى إيه؟ الآن الموضوع طال، فجت لهم روايات بقى عملوا لهم روايات إن دي اختبار للناس المؤمنين اللي عندهم يقين.

وقد يكون هذا التعليل الذي تحمله تلك الروايات محاولة منهم لمعالجة ظاهرة الشك الذي تسلل إلى قلوب الشيعة، حيث لم تجد هذه المسألة طريقها إلى عقول كثير منهم، حتى اضطرهم ذلك إلى نبذ عقيدة التشيع ورفضها، كما مل الشيعة الانتظار للغائب الموعود، حتى قال قائلهم: قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمدًا.

وأطل عليهم شيخ شبح الشك الرهيب، وقد شهد بذلك ابن بابويه القمي، حيث يقول: رجعت إلى نيسابور وأقمت فيها، فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة.

صورت روايتهم التي وضعت لمعالجة هذا الأمر حيرتهم في أمر الغائب وطول غيبته وانقطاع أخباره. جاء في الكافي عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المنتظر، وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون.

يعني كل الحاجات اللي إحنا بنقولها عليهم، اخترعوا رواية أن الناس هتشك في أنه اتولد ولا ما اتولدش، والناس هتشك هو هييجي ولا ما جاش، إلى آخره. طب ما دي الواقع، فهو بيجيبها إيه؟ كأنها روايات بقى جاية من زمان بتخبر بالغيب يعني.

وقد نقلت لنا كتب الفرق أن هذا ما حدث لهم بعد موت الحسن العسكري، كما سبق، فكانت هذه الرواية وأمثالها اخترعت لمواجهة نزعة الحيرة والشك التي داهمتهم بعد موت إمامهم عقيمًا.

نكتفي بهذا القدر.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • الاحد AM 11:19
    2026-04-26
  • 150
Powered by: GateGold