المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1907346
يتصفح الموقع حاليا : 476

البحث

البحث

عرض المادة

التفرقة بين عهود الخائنين وعهود الملتزمين

د / احمد نصير

التفرقة بين عهود الخائنين وعهود الملتزمين

قسمت سورة براءة "التوبة" المشركين الذين يقطنون خارج سلطان دولة المسلمين إلى قسمين ، إما "معاهدين" أو "محاربين" ، وشددت على هذا التقسيم الثنائي ليسبر المسلمين عن من خان العهد معهم ، وليطرحوا عهده بعدما ثبت أنهم ليسوا أهلا للعهد مع المسلمين ، فحضت على قتالهم لأجل أن ذمتهم لا تدين بعهد ولا باتفاق ، وفي ذات الوقت أكدت على أن يحتفظ أصحاب العهود الذين لم يظهروا على المسلمين ولم يضمروا خيانة بعهودهم إلى مدتهم .

 

 ووضعت حكما انتقاليا للخائنين للعهد كي يوفِّقوا أوضاعهم في ظل براءة الله ورسولهم من خيانتهم ، وطرح عهودهم أرضا بعد أن ثبتت خيانتهم ، فأمهلتهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض وينعمون فيها بسلم المسلمين ، فإذا ما انقضت هذه الأشهر الأربعة وجبت محاربتهم وقتلهم أينما وجدوا درأ للفتنة وردًا لعدوانهم وقد بدأوه أول مرة ، والبادي أظلم ، فإذا أعلنوا إسلامهم عصموا دمائهم وأموالهم ، إذ لا أمان لهم ولا عهد -بعد الخيانة- إلا بالإسلام .

 

 وليس في ذلك إكراه لهم على الإسلام ، وإنما يجُبُ الإسلام ما كان منهم من غدر وخيانة ، لأن الجزاء المستحق عليهم هو قتلهم لـأجل خيانتهم وغدرهم واتفاقهم سرا مع من يحاربون المسلمين إما بمعاونتهم بالسلاح أو بالمشورة أو المخابرة كما حصل في غزوة الأحزاب من قبل ، ومن ثم أعلن الإسلام موقفه إزاء خيانتهم صراحة ودون مواربة ، بأنهم ليسوا أهلا للعهد ، وبالتالي أضحى لا بديل عن قتالهم غير أن يعلنوا إسلامهم ، وقد سقط خيار الجزية والمصالحة لأنهم ليسوا أهلا لذلك كذلك ، بعد أن ثبت بالأدلة نقضهم للعهد ، فلا يسوغ أن يدافع عنهم الإسلام ويؤمن صوامعهم وبيعهم وحريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية مقابل هذه الجزية متى خانوا الإسلام سرا أو علانية ، فلا يؤمن غدرهم ولا يجدي عهدهم ، فليس ثمة خيار غير قتالهم أو أن يتوبوا ويسلموا ، وليس في ذلك نسخ لأحكام "العهد أو المصالحة" ، بل يظل لأصحاب العهود حقهم متى استقاموا على العهد ، لكن هؤلاء ليسوا على تلك الشاكلة ، وقد فقدوا اعتبار الجدارة للعهد والمصالحة  .

 

لكن ثمة نظرية أخرى وضعها الفقهاء توسع على للإمام وتجيز له – بحسب ما يراه محققا للمصلحة- أن يمد عهدهم وصلحهم متى ظلوا معزولين عن الأمة وأمن غدرهم لمدة بغير حد ، فيظل لهؤلاء عهدهم وحقوقهم على مثل ما اصطلحوا عليه ، فبوب العلماء – كما نوهنا في التمهيد - بابا بعنوان (باب الموادعة من غير وقت) أي (هذا باب في بيان الموادعة أي المصالحة والمتاركة من غير تعيين وقت ، وقول النبي r أقركم ما أقركم الله به ، فقالوا (ليس في أمر المهادنة حد عند أهل العلم لا يجوز غيره ، وإنما ذلك على حسب الحاجة والاجتهاد في ذلك إلى الإمام وأهل الرأي)[1] ، وهو ما يدخل في باب السياسة الشرعية .

 

وفي ذلك سبع مسائل :-

  • نبذ عهود الخائنين
  • منح فرصة للخائنين لتوفيق أوضاع خلال مهلة محددة
  • تأكيد عهود الملتزمين إلى مدتهم
  • حكم مراعاة اتفاقات السلم الدولية مثل اتفاق الأشهر الحل وكذا الأمم المتحدة :
  • بيان حكم ناكثوا العهود بعد انقضاء مهلة توفيق الأوضاع دون توفيقها
  • إخلاء سبيل من حسن إسلامه ولو ظاهرا :
  • استحداث فئة المستأمنين داخل دار الإسلام :

 

المسألة الأولى : نبذ عهود الخائنين

 

قوله تعالى (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) (1) قال الهراسي (اعلم أن الإمام إذا استشعر من أهل العهد جناية أو توقع منهم غائلة كان له نبذ عهدهم إليهم دفعاً لغائلتهم، حتى لا يؤتى من حيث لا يشعر، إلا أنه إنما يجوز ذلك بأن يجاهر بنبذ العهد إليهم حتى لا يكتسبهم مغافصة[2] فيشبه الغدر)[3]، .. وإذا ثبت ذلك فقوله: "بَرَاءَةٌ .." يدل على أن عهداً قد تقدم بينهم، وأنه قد نُقِض)[4] .

 

 ويبدو من ظاهر السياق أن المشركين هم الذين نقضوا العهد ، ولذلك أعلن الله براءته من عهدهم ، فالذي نبذ العهد هو الله سبحانه ، بعد أن ثبتت الخيانة بالأدلة ، فلا خيار للإمام في هذه الحالة ، لما في ذلك من تعريض المسلمين لمزيد من الخيانة والغدر ، فليس من حقه أن يبقى على عهدهم ، أما في سورة الأنفال فالنبذ متروك لتقدير رسول الله r كما في قوله (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (58) حيث لم تثبت الخيانة بالأدلة لكن ثمة قرائن تدل عليها ، فكان للنبي r الخيار في أن يمهلهم أو ينبذ عهدهم قطعا للشك والريبة ، وفي الحالين تبدو أخلاق الإسلام حين يأمر المسلمين بنبذ العهد حتى لا تبدو منهم خيانة وإخطارهم بذلك قبل بدء قتالهم ، وذلك لقول النبي r (ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)[5] .

 

قال صاحب المنار (وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ بِحُكْمِ الْمُعَاهَدَاتِ الْمَرْعِيَّةِ فَيَأْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمْ شَرَّ الْآخَرِ وَعُدْوَانَهُ، مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يُدَانُ بِهِ ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ بِإِيجَابِهِ، كَيْفَ وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْمِيثَاقِ، مَنْ كَانُوا أَجْدَرَ بِالْوَفَاءِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ! هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ مَا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ نَبْذِ عُهُودِهِمِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِتْمَامِ مُدَّةِ عَهْدِهِمُ الْمُؤَقَّتَةِ لِمَنِ اسْتَقَامَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا)[6].

 

والحكم الوارد بهذه الآية ليس على إطلاقه في كل مشرك ، وإنما مخصوص بمن غدروا وخانوا عهد رسول الله r ، فلم يجز الشارع إمضاء عهدهم بعدما ثبتت خيانتهم ، ولا يجوز تجديده في هذا الفرض ، أما من لم تظهر منهم خيانة فغير مخاطبين بهذا الحكم ، ويشهد لذلك أن النبي r فتح خيبر عنوة ثم صالح أهلها على غير مدة محددة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا)[7] ، وقد بوب البخاري بابا بهذه المناسبة فقال (بَاب الْمُوَادَعَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ) وَقَوْلِ النَّبِيِّ r (أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ) [8] ، وللقرطبي تعليق على ذلك فقال (وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه، وليس كذلك غيره)[9] ، وهذا مذهبه في المسألة ، لكن البخاري كان فقهه للمسألة أنها ليست خاصة بالنبي r ويجوز للإمام أن يقرهم على ذلك من باب السياسة في فرض كسر شوكتهم وضمان عدم تكرار خيانتهم .

 

 ويمكن اعتبار أن أهل خيبر هم كيان مستقل عن يهود بني قينقاع وبني نضير وبني قريظة ، وإن حصل اندماج بينهم ، والدولة تتعامل مع هذا الكيان الجديد بصفحة بيضاء نقية ، لاسيما وأن مصلحة المسلمين كانت تقتضي ذلك بعدما أدبهم النبي r وكسر شوكتهم وأخذ أسلحتهم ، فصالحهم بأن ترك لهم الأرض على أن يعملوا فيها ويؤدوا خراجها ، ولينشغل المسلمون باستكمال الفتوحات ، ولذلك لم يجر عليهم النبي r الأحكام التي سبق أن وقعها على يهود قينقاع وبني نضير بالإجلاء ، ولا على يهود بني قريظة بالتقتيل والسبي  .

 

فقد صالح r يهود خيبر على أن تبقى الأرض ينتفعون بها وتظل رقبتها لله ولرسوله ، أي لهم حق الانتفاع فحسب ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ r أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا – أي يتحملون نفقات العمل فيها - ، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ – أي مناصفة بينهم والنبي r - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا – أي إنه لم يحدد للعهد مدة معينة ، ما يعني أنه تركهم فيها من باب تحقيق مصلحة مشتركة بينهما وذلك من باب السياسة الشرعية - ، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ)[10] ، أي لم يحصل لهم جلاء إلا في عهد عمر بن الخطاب حيث خاف من خيانتهم .

 

 ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان "بَاب إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" وَقَالَ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ r (أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ)[11]، قال النووي (هذا حديث صريح في أنهم لم يكونوا عبيدا .. ،كانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين ، وهذا يدل لمن قال عنوة إذ حق المسلمين إنما هو في العنوة ، وظاهر قول من قال صلحا أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين)[12] .

 

ولم يؤاخذ النبي r أهل خيبر بالخيانة التي وقعت من بعضهم ، واعتبرها حادثة فردية لا تستوجب معاقبتهم جميعا ، فقد بوب البخاري بابا بعنوان "بَاب إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ" وأورد بعده حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ r شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ r اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ r مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلَانٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ r اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) [13].

 

وقد ظلوا على ذلك الحال حتى بعد فتح مكة ونزول سورة براءة ، وبعد وفاته r إلى عهد أبي بكر وعمر حتى ظهرت منهم خيانة ، فأجلاهم عمر بن الخطاب ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ فَأَخْرَجَهُمْ)[14] ، قال الهراسي (ويجوز أن يعاهد المشركين إلى أن يرى فيهم رأيه ، كما عاهد أهل خيبر ، وقال في العهد: (أقركم ما أقركم الله ثم أجلاهم عمر، وكل ذلك جائز)[15] ، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ)[16] ، أي أن عمر أنزل عليهم حكم الله لما ظهرت خيانتهم ونبذ عهدهم ، وطبق عليهم الشرط الذي شرطه النبي لصالح المؤمنين والذي يجيز إجلاءهم  منها متى شاءوا ، وذلك لما تجددت خيانتهم ، أو ظهرت قرائن تدل على اقتراب خيانتهم ، فيكون من حقه إخراجهم منها متى شاء ، أي في الوقت الذي يرى أن ذلك أكثر آمانا للمسلمين ، حتى لا تتكرر خيانتهم ، فالمسلم لا يقع في جحر واحد مرتين .

 

 وسبب إجلائهم أيام عمر بن الخطاب أنه  ظهرت خيانتهم في اعتدائهم على ابنه عبد الله ، وهذه الواقعة تدل على جراءتهم بعدما كسر رسول الله r شوكتهم وأدبهم ، ولكن الأجيال تتغير ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ – (ذلك إن عبد الله بن عمر خرج إلي ماله هناك ،فعُدي عليه من الليل ففُدعت يداه ورجلاه)[17] - قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ[18] ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهْمَتُنَا ، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ r وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ  ، وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا ،فَقَالَ عُمَرُ أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ r كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ [19]لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ ، فَقَالَ كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ –أي مزحة-، قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ)[20] ، أي أنه لما أجلاهم عوضهم بدل جهدهم في  زراعة أرض المسلمين ما يعادل قيمة ما أنفقوه عليها وبذلوه من جهد من المال والثمار والإبل وعروضا ، ما يدل على عدالة المسلمين حتى وهم يعاقبون أعداء الله  .

ولا يجوز فهم هذه الحادثة على أنها حادثة فردية ، لسببين :-

 الأول : أن يهود خيبر يعيشون كمقاطعة مستقلة في الدولة المسلمة يحكم بعضهم بعضا ، فإذا بدر من أحدهم عدوان فإنه ينسب لهم جميعا ، لأهل هذه المقاطعة مما يدل على أنهم فقدوا السيطرة على أتباعهم ، ولم يتمكنوا من تأمين المدينة من الغدر أو الخيانة .

 

 السبب الثاني : أن الذي عدي عليه ابن الخليفة عمر بن الخطاب ، ما يعني تعمدهم إيذاءه وتطاولهم عليه ، وهو ما يعني تجرئهم على غيره من باب أولى ، فلو لم يؤخذ على أيديهم بعد هذه الحادثة لاستطال أذاهم لعوام المسلمين الذين يخرجون إليهم لإدارة أموالهم مثل عبد الله بن عمر ، بل لامتنع المسلمون الخروج إليهم مخافة أن يؤذونهم ، وقد بلغ أذاهم ابن الخليفة ، ويترتب على ذلك أن يضطر المسلمون أن يبيعوا أرضهم لليهود حتى يأمن على نفسه من العدوان ، وهذا هو مقصدهم من إيذاء عبد الله بن عمر حتى تكون تلك المقاطعة لهم ولا يختلطون بغيرهم إلا أن تكون لهم شوكة عليهم ، فاستبان بذلك أنهم بعد أن كسر النبي r شوكتهم ظهر منهم جيل يريدون أن ينبتوا شوكة لأنفسهم لإيذاء المسلمين .

 

وفي ضوء ما تقدم يتبين أن مصالحة النبي r ليهود خيبر ليس لأنهم اكتسبوا مركزا يمكنهم الاحتفاظ به أمدا ، فهم لا يستحقون هذا العهد لأنهم أهل غدر وخيانة ، وإنما صالحهم من باب السياسة ، ورعاية لمصلحة الأمة ، فليس بحاجة لأن يجليهم منها حالا ، بل استعملهم لإصلاح الأرض ، لكنه كان يعلم أنهم سوف يخونون في المستقبل وعندئذ يحق للإمام إجلاءهم ، ففي قول عمر (أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ) دليل على أن رسول الله r كان يعلم محل الخيانة منهم ، وأنه سوف يأتي يوم يخونون فيه المسلمين فتنزل عقوبة الجلاء بهم ، وبالرغم من ذلك أمضى ما اصطلحوا عليه من باب المصلحة لهم وللمسلمين ، ولعلمه أنهم لن يقدروا على خيانته إلا بعد باع طويل ولن يقدروا إذا حاولوا ، وأن الله سوف يقي المسلمين شرهم  .

 

ويشهد لذلك كذلك قول النبي r (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) [21] ، فكانت تلك وصيته r عند مرض موته ، وذلك لعلمه بالوحي أنهم أهل غدر وخيانة ، وأن قربهم بالمسلمين ومخالطتهم لهم في جزيرة العرب ليس في صالح المسلمين ، ولذلك قال (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)[22] .

 

   

          أرض العرب                                                      أرض الحجاز                                                   أرض نجران

 وقد جاءت عدة أحاديث ، تدل على ذات المعنى ، منها ما روي عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ ( لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا)[23].

 وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ (آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ r أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) [24] .

 

ووصية النبي r بإخراجهم تدل على أنهم يرفضون الانخراط في دولة واحدة مع المسلمين ، فهم لا يرغبون في هذه الخلطة حتى تنطبق عليهم أحكام أهل الذمة ، بل يريدون أن يعيشوا في جماعات مثل أهل خيبر يحكم بعضهم بعضا ، ويخرجون بذلك من حكم الإسلام ، ولهذا كانت وصية النبي r إخراجهم لأجل تلك العلة .

 

 وهو ما يعني حرص النبي r على أن تكون لجزيرة العرب التي تحتضن البيت الحرام والتي خصصت لأداء مناسك الحج خصوصية وميزة على سائر دور الإسلام ، فجعلها خالصة من التنظيمات المسلحة المنتمية إلى طائفة المشركين ، حيث لا يسوغ أن يكون ثمة تنظيمان مسلحان على أرض واحدة أحدهما يدين بالإسلام ، والآخر يشاق الله ورسوله ، فلا يحدث ذلك إلا أن يعدي أحدهما على الآخر ، ولذلك أخذ النبي r من يهود خبير السلاح ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى النَّخْلِ وَالْأَرْضِ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ r الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ –يعني السلاح[25]- وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا... وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَعْمَلْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَنَا الشَّطْرُ مَا بَدَا لَكَ وَلَكُمْ الشَّطْرُ) [26].

 

فلما استتب لرسول الله r الأمر في الجزيرة العربية ، أعلن للقبائل المجاورة من اليهود والنصارى وغيرهما من المشركين أن ينضووا تحت لوائه ويعلنوا استسلامهم ، دون حاجة لسفك مزيد من الدماء ، وقد فهم الصحابة ذلك ولم يمنعهم هذا الفهم من ترك يهود خيبر على حالهم كما أقرهم رسول الله r يعملون في أرضهم مقابل نصف ثمارهم ، وهو ما يعني أن بقاءهم في خيبر حال خلافة أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما لم يكن خرقا للحظر المشار إليه ، لأنهم كانوا يعيشون مسالمين نازعي السلاح ، فشوكتهم لم تكن تظهر على المسلمين ، كما أن بقاؤهم فيها كان فيه مصلحة للأرض التي قاموا على زراعتها ، وقد أمن خليفة رسول الله r غدرهم ، فأمضي لهم ما أقرهم رسول الله r عليه .

 

 وبالرغم من هذا الفهم فقد وسع بعض الفقهاء في هذا الحظر ليشمل كل بلدة للمسلمين ، وبالرغم من هذا التوسع في الفهم إلا أنه استثنى كذلك تلك الحالة التي يرى فيها الإمام مصلحة مع أمن غدرهم ، فيقرهم على أن يخضعوا لسلطان المسلمين ويعملوا في الأرض مسالمين ، مثل الأطباء والخبراء والمهندسين المسالمين ، أما إذا لم يأمن غدرهم أجلاهم متى لم يتمكن من إخضاعهم

 

وقد جعل العلماء -في زمانهم- عمل أهل البلاد التي فتحت عنوة في أرضهم قرينة على خضوعهم للمسلمين ، حيث ينشغل المسلمون بالحروب والجهاد ، وينشغل أهل الذمة بالحرف والزراعة والصناعات ، بذلك يكون المجتمع الذي يخضع لحكم الله ورسوله بكل طوائفه من المسلمين وغير المسلمين عونا لبعضهم البعض متى تصالحوا على ذلك .

 

 ولذلك نقل ابن حجر عن الطبري قوله (على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك ، وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها )[27] ، فكلامه يحمل على ما إذا لم يتمكن من مصالحتهم بأن يخضعوا لسلطان المسلمين ويعملوا في أرضهم كأهل خيبر لما صالحهم النبي r على ذلك .

كما نقل عنه ابن بطال قوله (فبان بذلك أن سبيل كل بلدة قهر فيها المسلمون أهل الكفر، ولم يكن تقدم قبل ذلك من إمام المسلمين لهم عقد صلح على إقرارهم فيها، أن على الإمام إخراجهم منها ومنعهم القرار بها، إلا أن يكون بالمسلمون إليهم ضرورة .... كالذي فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره) [28]، ولا شك أن تقدير حالة الضرورة هو استنفار المسلمين لأعمال أخرى ، فكلما اتسع عمران الدولة ظهرت الحاجة لتضافر الطرفين يدا بيد لتحقيق مصلحة مشتركة ، هذا إلى حين أن يحصل اندماج بينهما لتنطبق عليهم أحكام أهل الذمة .

 

قال العلماء في الشرح (فإن ظن ظان أن فعل عمر فى ذلك إنما هو خاص بمدينة الرسول ، وسائر جزيرة العرب ؛ لأمره r  بإخراجهم منها دون سائر بلاد الإسلام ، وقال : ( لو كان ) حكم غير جزيرة العرب كحكمها فى التسوية بين جميعها فى إخراج أهل الكفر منها ، لما كان عمر يقر النصارى فى سواد العراق ، وقد قهرهم الإسلام وعلاهم ، ولكان قد أجلى نصارى الشام ويهودها عنه ، وقد غلب الإسلام على بلادهم ، ولما ترك مجوس فارس فى أرضهم ، وقد غلبهم الإسلام وأهله .

فإن الأمر فى ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن عمر لم يقر أحدًا من أهل الشرك فى أرض قد قهر فيها الإسلام ، وغلب ولم يتقدم قبل ذلك قهره إياهم منه لهم أو من المؤمنين عقد صلح على الترك فيها إلا لضرورة المسلمين إلى إقرارهم فيها ، كإقراره نبط سواد العرق فى السواد بعد غلبة المسلمين عليه ، وكإقراره من أقر من نصارى الشام فيها بعد غلبتهم على أرضها دون حصونها ؛ فإنه أقرهم للضرورة إليهم فى عمارة الأرض ؛ إذ كان المسلمون فى الحرب مشاغيل ، ولو أجلوا عنها لخربت الأرض ، وبقيت بغير عامر .

 

 فكان فعلهم فى ذلك نظير فعله ( r ) وفعل الصديق t فى يهود خيبر بعد قهر المسلمين لهم ، عمالا عمارا ؛ إذ كانت بالمسلمين ضرورة لعمارة أرضهم ، لاشتغالهم بالحرب فى مناوأة الأعداء ، ثم أمر رسول الله بإجلائهم عند استغنائهم عنهم ، وقد كانوا سألوه عند قهرهم على الأرض إقرارهم فيها عمالا لأهلها ، فأجابهم إلى إقرارهم فيها ما أقرهم الله ، وإجلائهم منها إذا رأى ذلك  ، وأقرهم الصديق على نحو ذلك .

 

 فأما إقرارهم مع المسلمين فى مصر لم يكن تقدم فى ذلك قبل غلبة المسلمين عليه عقد صلح بينهم وبين المسلمين بما لا نعلمه صح به عنه ، ولا عن غيره من أئمة الهدى خبر ولا قامت بجواز ذلك حجة ، بل الحجة فى ذلك عن الأئمة ما قلناه ) [29].

 

مما تقدم أن المصلحة المرسلة تقضي بتركهم في أرضهم ما لم تبد لهم خيانة ، وقد فسر العلماء ذلك بأن المجتمع بحاجة إليهم – ولا شك – متى ظلوا على حالة السلم والعهد ، لأن المجتمع بوتقة تنصهر فيها كافة الاختلافات الفكرية والعقائدية للقيام بالعمل العام الذي يحقق الخير العام للمجتمع كله ، ذلك أن الدولة الفاضلة التي ينادي بها الفلاسفة محض تصور ، والواقع هو أن يعيش أبناء المجتمع معا يبنون هذا المجتمع متى كانوا ارتضوا جميعا ذلك ، فإذا انتفت فروض هذه المسألة ، ولم ينصهر المشركون -في إطار عهد الذمة أو الاستئمان - مع المجتمع المسلم فلا شك أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .

 

المسألة الثانية : منح فرصة للخائنين لتوفيق أوضاع خلال مهلة محددة

 

قوله (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (2) تضمنت الآية تقرير فترة انتقالية قبل إنفاذ الحكم الوارد في الآية السابقة الذي يوجب إجلاء الخائنين من دور الإسلام بدلا من قتلهم ، كما حصل مع يهود بني قينقاع ونضير ، بما يسمح لهؤلاء الخائنين توفيق أوضاعهم في ظل نبذ عهودهم ، قال الواحدي (سيروا فيها آمنين حيث شئتم ، وهذا تأجيلٌ من الله سبحانه للمشركين ، فإذا انقضت هذه المدَّة قُتلوا حيثما أُدركوا)[30] ، أي إنها فرصة لأن يجلوا أنفسهم قبل أن يدركهم المجاهدون أو فرصة لأن يدخلوا في دين الله تعالى خلال هذه المدة ، قال الهراسي (المقصود من التسامح بهذه المدة التوصل إلى هذه البغية ، وهو رجاء الإسلام) [31] .

 

 قال الألوسي في قوله (سيحوا) ولم يقل (سيروا) (ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفية ما ليس في "سيروا" ونظائره وزيادة " فِى الأرض" زيادة في التعميم)[32] ، قال الخازن (وأصل السياحة الضرب من الأرض والاتساع فيها والبعد عن مواضع العمارة) ، قال ابن الأنباري : قوله (فسيحوا) مضمر (فيه إضمار) أي (قل لهم فسيحوا وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال)[33] ، قال الشعراوي (من سماحة هذا الدين أن المولى سبحانه يعطي مهلة لمن قطعت المعاهدة معهم ، فأعطاهم مهلة أربعة أشهر حتى لا يقال إن الإسلام أخذهم على غرة )[34].

 

 وقال الهراسي (واعلم أن الذين تقدم ذكرهم، وقعت منهم مظاهرة أو مخابرة وخداع يقتضي نقض العهد والاخلال به ، ولذلك قال:  فلو كان ممن تقدم ذكرهم الاستقامة في العهد، لم يجز منه تعالى أن يتبرأ منهم وينقض عهدهم، فكل ذلك يدل على أنه قد كان تقدم منهم نقض العهد ، إما ظاهراً وإما سراً ، وقال ابن عباس في سورة التوبة: إنها هي "الفاضحة" ، فهذا القول منه يدل على أنهم نكثوا وأسروا به ، فأظهر الله تعالى لنبيه ما أسروه بالبراءة منهم ونبذ العهد إليهم) [35].

 

قال الشنقيطي (والذي يبينه القرآن ويشهد له ، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين أو من كانت مدة عهده المؤقت أقل من أربعة أشهر، فتكمل له أربعة أشهر، أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم،-ما لم تظهر خيانتهم أو يستدل عليها بقرينة - ودليله المبين له من القرآن قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة/4]، وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد، قاله ابن كثير ) [36].

 

قوله ( وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (3) الأذان هو الإعلان ، فهو إعلان للناس ببراءة الله ورسوله من عهود المشركين مع المسلمين بعدما ثبتت خيانتهم أكثر من مرة ، واختيار وقت الحج الأكبر لإعلان هذه البراءة حتى تصل للناس كافة ، قال القطان (هذا بلاغ من الله ورسوله إلى الناس كافة ، في اجتماعهم يوم النّحر من الحجّ الأكبر ، يصرح بالبراءة من عهود المشركين)[37] ، قال الهراسي (وتسميته الحج الأكبر يدل على أن العمرة أصغرهما)[38].

 

وهكذا يحتج علي الناس-بهذا الأذان -  بتلك البراءة ، فلا يكون للمشركين عهد بعد ذلك ، وهم في دار الإسلام إلا أن ينضووا تحت حكم الإسلام ، بمعنى أن تطبق عليهم أحكام الذمة متى ارتضوا أن يعيشوا بين المسلمين وفي ديارهم وتحت حكمهم ، أما غير ذلك فلا عهد لهم بعد انقضاء مدته ما لم تجز مصلحة المسلمين مد الصلح معهم ،كما حصل مع يهود خيبر ، وذلك في الفرض أن يكون المسلمون قوة ،ويكون بالكفار الضعف ، وهي مصلحة يوازنها ولي الأومر وفقا لقواعد السياسة الشرعية.

 

وقد طبق النبي r هذا الأذان فمنع أن يحج بيت الله الحرام مشرك ، فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ (أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)[39] ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ (يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)[40] .

 وكذلك أصحاب النبي r فعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ (.... وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ r مُشْرِكٌ) [41].

 

قوله (..فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (3) أشار لهم بالتوبة يعني الدخول في الإسلام ، لأن الإسلام يجُب ما قبله من سيئات ونبذ للعهود ونقض للمواثيق ، فبالإسلام يدخلون في أمان المسلمين وعهدهم ، وهذا هو الشرط الوحيد الذي يضمن بقائهم بين المسلمين بعد نقضهم لعهودهم السابقة ، لاسيما وقد رفضوا أن ينضووا كأفراد وليس كجماعات تحت عهود أهل الذمة .

 

يقول سيد قطب (المشركون بعد أن نقضوا عهدهم وقاتلهم المسلمون فقدوا حق العهد ثانية ، وصار من حق المسلمين أن يفرضوا الشرط الذي يضمن لهم الأمن والسلامة ، وهو توبتهم عن الشرك ودخولهم في الإسلام وقيامهم بواجباته التعبدية والمالية ، ولا يعد هذا من قبيل الإكراه في الدين) [42]، إذ لا خيار آخر في ظل ثبوت خيانتهم وعدم جدارتهم بالعهد كجماعات .

 

أما في الفرض الثالث وهو أنهم لم يسلموا ، ولم يتركوا أرضهم ويرحلوا إلى أرض أخرى أي دار كفر ، مثلما فعل يهود قينقاع وبني النضير إذ أجلاهم النبي من المدينة فلحقوا  بيهود خيبر ، وإنما اختاروا العناد مع المسلمين ، مثلما حصل من يهود بني قريظة ، فإن هؤلاء الواجب في شأنهم محاربتهم وقتلهم ، إذ لا أمان لهم ، والسؤال الذي يجب طرحه هنا ماذا يفعل بأسراهم ؟

 

هنا يجب التفرقة بين أمرين :-

الأول : فعل النبي r في أسرى بني قريظة ، إذ أمر بقتل مقاتلتهم (الرجال)، وسبي نسائهم وذراريهم، وتقسيم أموالهم، بناءً على حكم سعد بن معاذ الذي ارتضوه حكماً ، إذ جاء هذا الحكم بسبب خيانتهم العظمى بنقض العهد مع النبي r  والتحالف مع الأحزاب (قريش وغطفان) وطعن المسلمين من الخلف أثناء حصار المدينة في غزوة الخندق ، وهذه الخيانة ثبتت في حقهم جميعا ، وليست حادثة فردية تدل على عدم قدرتهم على السيطرة على أتباعهم وحسب ، بل هم جيش منظم يحاد الله ورسوله ، ولو تركوا لعادوا لما نهو عنه .

 

الثاني : إذا ما جاز الإبقاء عليهم ، فيكون الحكم إما بإجلائهم أو أسرهم دون قتلهم ، بجسب قدرة الدولة على استيعابهم ، مثلما حصل مع يهود بني قينقاع وبني النضير ، حيث إن خيانتهم حصلت من سادتهم ورؤسائهم وبعض أتباعهم ، وليس عموم القبيلة متهم بتلك الخيانة ، خلافا لما حصل من بني قريظة ، حيث إن كلهم متهمون بالخيانة ، ففي الفرض الأول يجوز للإمام نبذ العهد ، تطبيقا لقوله سبحانه (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال 58) أي بمجرد حصول قرائن الخيانة وإن لم تثبت بأدلة قاطعة ، فيكون الحكم هو إجلاؤهم لدار الكفر متى كانت الدولة ضعيفة لا تقدر على استيعابهم ولا السيطرة عليهم ، ويجب عليه في الفرض الثاني قتالهم لذات السبب ، أنه لا يقدر على استيعابهم في هذا الفرض ، وليس من السائغ إجلاؤهم ، لأنه لو أجلاهم بعدما ثبتت خيانتهم ، فقد حمل المسلمين عبء محاربتهم بعد ذلك مرارا وتكرارا .

 

أما إذا كانت دولة الإسلام قوية وقادرة على استيعابهم ، فهنا يجوز إبقائهم في الأسرى حتى يتم المن أو الفداء ، كما ذكر الله (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)(محمد 3) ، فإن استطالت مدة بقاؤهم في الأسر ، ففي هذا الفرض فإن هؤلاء المحاربين للمسلمين قد عزلوا زمنا عن المسلمين ، وبعد انقضاء مدتهم امتنعوا عن الخروج أو تسليم أنفسهم ، فقاتلهم المسلمون ، ووقع بعضهم في الأسر ، ولم تثبت منهم خيانة مثلما ثبتت في حق بني قريظة ، وإنما صدرت الخيانة من بعضهم مثل يهود بني قينقاع والنضير ، ولكنهم اتبعوا سادتهم فقاتلوا المسلمين[43] .

 

فهؤلاء إن حكم الإمام بعدم قتلهم لتلك الأسباب ، فإنهم يختلطون بالمسلمين وهم في الأسر ، وكانوا قبل ذلك لا يختلطون بهم ، لكنها فرصتهم لأن يتعرفوا على عقيدة الإسلام وأخلاق المسلمين وآدابهم دون تشويه ، وعندئذ لو كانت قلوبهم فيها شيء من الحياة فإنهم لابد وأن ينبهروا بالإسلام ، ويتعجبوا من تلك الأخلاق وهم في الأسر ، فيسلمون ويتوبون ، ويلحقوا بالخير الذي فاتهم زمنا ، وهو عين ما أخبر عنه النبي r إذ قال (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ)[44]، يعني الكفار من العجم الذين كان المؤمنون يأسرونهم بعد قتالهم ، فإذا أسروهم ورأوا أخلاق المسلمين دخلوا الإسلام طواعية فقبل الله منهم ذلك ، فيكون الأسر هو السبب الظاهر لدخولهم الجنة ، قال الطحاوي (كان المؤمنون تقع أيديهم عليهم ، وهم على كفرهم الذي كانوا عليه ، فيبقى رقهم عليهم ، فيرون من الإحسان إليهم ومن الفعال بهم)[45].

 

وعن أَبي الطُّفَيْلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ (ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ r ، ثُمَّ قَالَ : أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ ضَحِكْتُ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مِمَّ ضَحِكْتَ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ نَاسًا يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلاسِلِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ يَسْبِيهُمُ الْمُهَاجِرُونَ فَيُدْخِلُونَهُمُ الإِسْلامَ) [46] ، وقيل (هم الأسارى الذين يؤسرون وهم كفار، فإن ذلك الأسر من أسباب إسلامهم ودخولهم في الإسلام، فهم يقادون إلى الجنة في السلاسل، يعني أنهم يجرون إلى شيء لا يريدونه وهو خير لهم ، فيئول بهم الأمر إلى أن يسلموا ويكونوا من أهل الجنة ، وقد كانوا كارهين في أول الأمر؛ لأن أسرهم مكروه لهم، ولكنه يترتب على أسرهم وبقائهم وعدم قتلهم أنهم يشاهدون أحوال المسلمين وأعمال المسلمين وأحكام الإسلام، فيدخلون في الإسلام، فيكونون من أهل الجنة)[47] .

 

قوله (وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (3) أي إن لم يختاروا الإسلام أو أن الرضوخ لحكم الله بتطبيق أحكام أهل الذمة عليهم ، فإن لحقوا بدار الكفر المحاربين ، فإنهم في هذه الحالة لن يكونوا بمعصومي الدم ، وعندئذ لا يعجزون المسلمين لجهرهم بعداوتهم لهم بانضمامهم للمحاربين الصادين عن سبيل الله .

 

ولعل المعنى المراد إيصاله أكثر اتساعا من مجرد لحوقهم بدار الكفر ، بل يشمل كذلك من يظهر منهم التوبة والدخول في الإسلام مع إبطان الكفر وكتمان العداوة للمسلمين في صدورهم ، فهؤلاء وإن دخلوا في أمان المسلمين بهذه الحيلة إلا أنهم لا يعجزون الله تعالى ، وهؤلاء يبشرون بأن عذاب الله سوف يطولهم قريبا .

 

 وقد سبق ذكر هذا المعنى في قوله (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (التوبة 2) وتكرر هنا في هذه الآية كذلك ، قال الرازي (ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم) [48]، (لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال فقد تخلص عن العذاب بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة) [49]، أي (لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً)[50]

 

وقد حصل ذلك في يهود بني قينقاع وبني النضير إذ أنهم لما خرجوا من المدينة وذهبوا إلى خيبر تبعهم النبي r ولحقهم في غزوة خيبر وفتحها الله له عنوة ، بل إن تجمع يهود بني النضير (وقينقاع) في خيبر كان هو السبب الرئيسي لغزوة خيبر، وقد حاصرهم النبي r وقاتلهم في حصونهم، مما يؤكد أن خيبر كانت المأوى الأخير لهم قبل أن يلحقهم النبي r بها ، وهكذا يسلط الله رسله على أعدائه كما في قوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر6) .

 

المسألة الثالثة : تأكيد عهود الملتزمين إلى مدتهم

 

قوله ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (4) استثناء على الأصل السابق ذكره بشأن البراءة من عهود المشركين ، فاستثنى منها من أوفى بالعهد منه مع رسول الله r ولم ينقص من التزاماته شيئا ، كما لم تظهر منه خيانة ، وهو الأمر الذي اقتضى بمفهوم المخالفة التأكيد على أن المقصود بالأصل السابق ذكره هو البراءة من الخائنين لعهودهم مع رسول الله r ومع المسلمين ، ولذلك شُرع التبرؤ من عهودهم .

 

 أما هؤلاء الملتزمون بعهودهم فإن حكمهم تأكيد العهد معهم ، وإمضائه إلى مدته ، وهذا أشبه بالاتحادات الكونفدرالية Confederation حيث تتمتع دول الاتحاد باستقلالها لكنها تتحد في بعض الأمور المشتركة مثل الدفاع العسكري المشترك ، وهو ما فعله النبي r لما دخل المدينة مع اليهود ، حيث اتفق معهم على حمايتها من الخارج ، ولكن هذا الاتحاد تفكك لاسيما بعد غزوة الأحزاب وظهور خيانتهم له ، ولم يكن لليهود في هذا الوقت عهد دائم لأنهم لم يكونوا أهل ذمة ، حيث لم يكن قبل نزول السورة عهود دائمة مع غير المسلمين .

 

كما (يفهم من مفهوم مخالفة الوارد في هذه الآية أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم) ، ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى"فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ" [التوبة/7]، قال الشنقيطي (وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله: "وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ" [التوبة/12] )[51]

 

ومن صور نقض العهد الإخلال بأحد شروطه المعلنة ، كما في قوله (لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا) ، فمن أخل ببند من بنود الصلح عليه أن يتحمل عاقبة أمره ، كأن يظاهر أحدا من أعداء المسلمين عليهم ، بأن يكون ناصرا لهم ومعينا ، ولو ببيع السلاح لهم ، وهو قوله (وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا) ، مثلما حصل يوم الأحزاب حيث ظاهر أبي حقيق وحيي بن أخطب مشركي مكة في حربهم على رسول الله يوم الخندق سرا ، وقد قتلهم النبي r جزاء ذلك .

 

فإذا لم يُخلوا بالعهد ولم تبد منهم خيانة فعهدهم إلى مدتهم ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةِ قَالَ بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ :-

  • أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ
  • وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ r عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ
  • وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ
  • وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)[52]

وقد استدل ابن حجر بهذا الكلام على أن قوله تعالى (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلا ، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته)[53].

 

وبالنظر إلى الحال الذي كان عليه الناس قبل نزول سورة التوبة يتبين أنه لم يكن ثمة عقد ذمة أي أمان دائم ، فإما أمان مؤقت أو حرب ، قال الهراسي (كان المشركون حينئذ ضربين : -

أحدهما "أهل الحرب"

والآخر "أهل العهد" ،ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف الكلام إلى الضربين)[54]

أي لم يكن أحد من المشركين يرتضي أن يختلط مع النبي r في دولة واحدة وتنطبق عليه أحكام أهل الذمة ، بل كانت جميع عهود النبي r لهم عقود استئمان مؤقتة لمدتها .

 

 والدليل على ذلك كذلك حيث أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ r وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ صِلِيهَا) [55] ، فالحديث المتقدم دليل على أن أمها لكونها مشركة لم تكن تعيش بين المسلمين ، وإنما قدمت إلى ابنتها أسماء لزيارتها ، وذلك حال العهد بين النبي r وقريش ، فلما قدمت عليها استأذنت النبي r في برها فأقرها على ذلك .

 

وعليه يمكن القول بأن سورة براءة أنشأت صنفا جديدا من الناس ، هم "أهل الذمة" ، بحيث يكون القول كذلك بأنها سمحت بالتعايش بين المسلمين وغير المسلمين لأول مرة على أرض واحدة رغم اختلاف الدين بينهما ، ولكن تحت سلطان الإسلام ، لأن ذلك هو الضامن لأن لا يغدر بهم من يدينون بغير دين الإسلام ، بعدما أثبتت التجربة تكرار خيانتهم ، فلم يكن لهم من سبيل إلا أن يتعايشوا مع المسلمين ويتعرفوا على أخلاقهم وطباعهم ، ويلتزموا بأحكام شريعتهم -فيما ليس له صلة بأحكام دينهم -، ولهم حقوقهم ، وعليهم واجباتهم بما يضمن عدم إيذائهم للمسلمين ، وذلك على تفصيل سوف نذكره في حينه بإذن الله . 

 

المسألة الرابعة : حكم مراعاة اتفاقات السلم الدولية مثل اتفاق الأشهر الحل وكذا الأمم المتحدة :

 

قوله (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (5) أي إذا انقضت الأشهر الحرم ، فإن القاعدة هي ما تقدم ، قال الطبري (فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين ، وإدخال النقص فيه عليهم) [56] ، قال الشنقيطي أي: (إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها ، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم)[57] .

 

 

 فالآية أبقت على حكم تأمين الأشهر الحرم من كل عام ، ليكون الحكم هو إما المضي في عهد المشركين السابق إلى مدته أو قتال أهل الشرك خارج ديار الإسلام ، في غير زمن الأشهر الحرم التي تم الاتفاق في الجاهلية على عدم القتال فيها ، والمسلمون يلتزمونها متى التزموها ، فإن لم يلتزموها ، فلا تقيد بالأشهر الحرم ، ولا حرج في القتال في الأشهر الحرم التي أقرت في الجاهلية ، وأهل الجاهلية أنفسهم لا يلتزمونها.

 

 وبالنظر إلى واقعنا المعاصر نجد أنه بظهور عصبة الأمم المتحدة - والتي تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1919 الذي أنهى الحرب العالمية الأولى - ثم بعد فشلها باندلاع الحرب العالمية الثانية ، ظهرت الأمم المتحدة عن طريق ممثلوا 26 دولة  في أول إعلان الصادر عنها في 1/1/1942 خلال هذه الحرب بالاتحاد لمواصلة القتال ضد دول المحور ، وفي أكتوبر 1945 برز كيان الأمم المتحدة رسميا ليصيغ أول ميثاق عالمي لها موقعا من خمسين دولة في 26 / 6/ 1945 بإنشاء كيان رسمي للأمم المتحدة في 24/10/1945 [58] ، وقد انضمت الدول العربية تباعا إلى هذه المنظمة ليضحى عدد الدول الأعضاء في جمعيتها العمومية 139  عضوا حتى عام 2011  [59].

 

 وبذلك تأسس عهد لإقرار السلام بين الأمم المتحدة ، ورغم اعتراض البعض على سلطات مجلس الأمن وأنها حكرا على دول معينة إلا أنه يمكن القول بأنه عهد أشبه في مفهومه وتكييفه الشرعي بحلف الفضول أو المطيبين الذي نشأ في الجاهلية ثم أقره النبي r بعد البعثة ، ذلك أن ما لا يدرك كله لا يترك كله في فقه السياسة الشرعية

 

  فعن النبي r قال (شهدت مع عمومتى حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم)[60]، قال الطحاوي (وهو الذي شهده رسول الله r وسمي حلف الفضول وسمي أيضا حلف المطيبين إذ كان أهله مطيبين جميعا)[61]، (إِنَّمَا قِيلَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ لأَنَّهُمْ غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِى طِيبٍ يَوْمَ تَحَالَفُوا وَتَصَافَقُوا بَأَيْمَانِهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَ بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِى عَبْدِ الدَّارِ فِيمَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ السِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالرِّفَادَةِ وَاللِّوَاءِ وَالنَّدْوَةِ ، .. قَالَ الشَّافِعِىُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمْ حِلْفٌ مِنَ الْفُضُولِ)[62]، (فسمت قريش ذلك حلف الفضول ، وكان أهله المذكورون مطيبين جميعا لأنهم من المطيبين الذين كان الحلف الأول... وكانت محالفتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن لا يدعو الأحد عند أحد فضلا إلا أخذوه ، وبذلك سمي حلف الفضول وكان ذلك الحلف أشرف حلف في الجاهلية ، ولذا شهده رسول الله r وسمي أيضا حلف المطيبين إذ كان أهله مطيبون جميعا)[63] .

 

 وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (جلس النبي r عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من كان له حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ولا هجرة بعد الفتح)[64]، هذا هو الأصل ، لكن قد يعارض – في الظاهر - بقول رَسُولُ اللَّهِ r (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[65] ، قال ابن الأثير (أصل الحِلْف : المُعاقَدةُ والمعاهدة على التَّعاضُد والتَّساعُد والاتّفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفِتَن والقتال بين القبائل والغاراتِ ، فذلك الذي ورد النَّهْي عنه في الإسلام بقوله r " لا حِلْفَ في الإسلام "، وما كان منه في الجاهلية على نَصْر المَظْلوم وصلة الأرحام كحلْف المُطَيَّبين وما جرى مَجْراه فذلك الذي قال فيه r [وأَيُّمَا حِلفٍ كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شدة] يريد من المُعاقدة على الخير ونُصْرَة الحق ، وبذلك يجتمع الحديثان ، وهذا هو الحِلْف الذي يَقْتَضِيه الإسلام ، والمَمْنُوع منه ما خالف حُكْم الإسلام)[66].

 

بناء على هذا المفهوم يجب إعادة النظر في اتفاق الأمم المتحدة وما تضمنه من وضع مميز للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ، بحيث يؤخذ في الاعتبار اجتماع المسلمين كبنيان واحد ليكون لهم وضع دائم فيه يوازي الأعضاء الآخرين.

 

المسألة الخامسة : بيان حكم ناكثوا العهود بعد انقضاء مهلة توفيق الأوضاع  دون توفيقها

 

قوله (..فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (5) قال محمد الطاهر ابن عاشور في الأمر الوارد في الآية (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ)،( وَخُذُوهُمْ) ،( وَاحْصُرُوهُمْ)،( وَاقْعُدُواْ لَهُمْ) أنه (للإذن والإباحة باعتبار كل واحد من المأمورات على حدة ، أي فقد أُذن لكم في قتلهم ، وفي أخذهم ، وفي حصارهم ، وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام ، وقد يعرض الوجوب إذا ظهرت مصلحة عظيمة)[67].

 

وهو يتفق مع القاعدة الأصولية التي تقضي بأن الأمر بعد الحظر للإباحة ، مثل قوله (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)(الجمعة10) ، فالبيع بعد صلاة الجمعة مباح وليس بواجب ، كذلك الحال في هذه المسألة ، فهؤلاء المشركين كان لهم عهد ، والمسلمون على عهودهم ، فلما انقضى العهد – لأي سبب كان- ارتفع حظر قتالهم ، وأضحى الحكم هو إباحة قتالهم إما وجوبا لرفع ظلم أو جوازا بحسب التوقيت الذي يحدده الإمام لذلك ، وفقا لسياسته الشرعية .

 

وعليه فإنه يخرج من هذا الحكم من لم تصدر منهم "خيانة" وأبوا أن يسلموا ، فليس حكمهم وارد بحسب مفهوم المخالفة لهذه الآية ، فهذه الآية لم تعالج هذا الفرض ، بل يعالجه فرض آخر وهو عقد الذمة بالنسبة لمن يقيمون في دار الإسلام ، ويخضعون لسلطان الدولة .

 

 أما بالنسبة لمن يعيشون خارج دور الإسلام ، فيجوز مصالحتهم وموادعتهم بعقود آمان واستئمان ، لكن إذا تعذر إمضاء تلك العقود معهم ، فحكمهم ثابت بالآية ، وكذلك بما روي ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) [68]، وفي رواية (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ)[69] .

 

بذلك يصيغ الإسلام الأمور في صياغتها الطبيعية دون مواربة ، ويفصح عن كنه الموضوع وحقيقته ، فليست الحقيقة أن تظهر الفئتان لبعضهما البعض التعاون والتفاهم في بروتوكولات سياسية ، وحقيقة الأمر وبواطنه خيانات ومؤامرات سواء مخابراتية أو عسكرية ، فالإسلام يعلنها صراحة إذا لم يكن بين الدولة المسلمة والدولة الكافرة عهد إلى مدة معينة فإنها تعتبر معادية ، ولا سبيل إلى السلام بينهما ، وينطبق عليها أحكام الحرب ، ولا تنطبق عليها أحكام السلم والعهد  .

 

وهذا ولكي يحدث هذا الفرض بداءة لابد وأن يهاب الأعداء جيش المسلمين ، بأن يضاهي جيش المسلمين جيوشهم ، لا لأجل قتالهم ، لأن الغرض في المقام الأول هو إيصال الدعوة ، ولكن لكي يتباهى المسلمون بهذا الجيش أمام الجبابرة ، فيجبرونهم على التفكير في الأمر بجدية قبل التسرع في الهجوم على المسلمين والعدوان عليهم ، فإذا حصل ذلك سعي الطرفان إلى التفاوض والتفاهم  للمصالحة والعقد ، فإن كانا يبغيان معا العدل وعدم الظلم ونصرة المظلوم فلن يقف أحدهما حائلا دون الآخر ، وإن كان ثمة طرف يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ، فلا شك أن التجربة أصدق من التقعيد والتنظير ، وهنا لابد وأن يظهر هذا الدين ليزيح تلك الفئة المفسدة ويتجاوزها لتظل الدعوة قائمة بأمر الله إلى يوم القيامة .

 

 أما لو لم يكونوا كذلك بأن أرادوا أن يظلوا على الكفر ، وقد بدت خيانتهم كما تقدم ، وصدهم عن سبيل الله ، هنا يكون الإمام بين خيارين ، وذلك بحسب الأوضاع الراهنة :-

الأول : أن يفرض عليهم الجزية متى قدر على تأمين أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، فيفرضها عليهم ليخضعوا لحكم الإسلام مع الاحتفاظ بحقهم في دينهم وممارسة شعائرهم وعباداتهم ، وتكون الجزية ضمان لوفائهم وعدم غدرهم.

الثاني : أن لا يفرض عليهم الجزية متى لم يكن في قدرته تأمينهم ، أو استعصى انخراطهم مع المسلمين تحت لواء الدولة المسلمة ، في الوقت الذي لا يرغب فيه في قتالهم ، لانشغاله بغيرهم عنهم ، كما يتعذر عهدهم بعقود استئمان لخيانتهم لها في الماضي ، فعندئذ له أن يسعي لتحييدهم ، فيعرض عليهم أن يتحالفوا معه عسكريا مع بقائهم على دينهم – كما حالف النبي r يهود المدينة لما قدم عليها - [70] ، فالغرض هو تحييدهم وليس الاستعانة بهم[71] ،ويكون ذلك من باب السياسة وليس في ذلك خروج عن حكم الآية .

 

فإن تعذر تطبيق الأحكام السالف بيانها فلا مفر عندئذ من القتال لحفظ دور الإسلام من خطر الغدر والعدوان ، وقد أجمل النبي r الآداب التي يجب مراعاتها قبل البدء في قتالهم ، فيما روي عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

  • قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا
  • وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ
  • ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ – أي تمهيدا لانتقالهم إلى صفوف المجاهدين - وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا – وهذا اختيارهم[72] - فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
  • فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ[73] فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ
  • فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ

 

وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا)[74] ، والمعنى في الفقرة الأخيرة من الحديث أن الأحكام التي تنطبق عليهم في الفرض الأخير كلها اجتهادية وإن كانت مؤسسة على الكتاب والسنة إلا أنها قد تصيب وتخطئ ، ما يفتح بابا واسعا من فقه السياسة الشرعية  .

 

فغاية تطبيق الحكم المشار إليه ألا يصد صاد عن سبيل الله ، بحيث يظهر هذا الدين ولا يخفى على أحد ، بحيث يعلمه القاصي والداني ، فتكون الدعوة قد بلغت هؤلاء المشركين في ديارهم من غير لبس أو تلبيس ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن يكون المسلمون عنوانا حقيقيا لهذا الدين ، كما كان رسول الله r وأصحابه ، والذي صدر لهم هذا الأمر ، فكان r قرآنا يمشي على الأرض ، وحتى يحصل ذلك لابد من السماح لهم بنشر دعوتهم واختلاطهم بالناس في دار الكفر ، فإذا حصل ذلك فعندئذ لن يخاف الناس من الصورة الحقيقية للإسلام .

 

والإشكالية التي يعاني منها الدعاة –الآن - في العالم الخارجي هو أن الناس أضحوا يخافون من الإسلام لتشويه أئمة الكفر لصورته من خلال عرض صورة المنافقين الذين يندسون في صفوف المسلمين ولا يلتزمون شرع الله ولا حدوده على أنها هي صورة الإسلام الحقيقية ، والإسلام بريء منهم كذلك ، فيخاف الناس أن يحيف هؤلاء المنافقون على حقوقهم .

ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن جهاد الطلب إلا بعد تمحيص الصف المسلم ، بحيث يميز الله الخبيث من الطيب ، فإذا حصل ذلك ، فاعلم أن الإسلام قد تجاوز كافة مراحل انتشاره إلي المرحلة الأخيرة ، لينتشر في بلاد الكفر جميعا .

 

أي تجاوز مرحلة السرية إلى مرحلة دعوة الأقربين ، ثم إلى مرحلة الصدع بالحق ، ثم مرحلة التحزب والتأييد للفكرة (البيعة) ، ثم مرحلة الانتشار في المجتمع كما حصل في مجتمع المدينة المنورة ثم مرحلة تكوين الدولة ثم الجيش الذي يحمي الدولة كما حصل في بدر وأحد ، ثم التحول إلى مرحلة الاعتراف الدولي وعقد الاتفاقات الدولية كما حصل في الحديبية ، ثم مرحلة الدولة القوية وترسيخ أركانها كما حصل في فتح مكة ، فإذا ما استتب الأمر على هذا النحو ، وترسخت أركان الدولة لم يبق على المسلمين من واجب إلا أن تنتشر الدعوة خارج حدودها إلى الامبراطوريات المجاورة كالروم والفرس، وهو ما استكمله الصحابة بعد رسول الله r لاسيما في خلافة عمر وعثمان بن عفان .

 

المسألة السادسة : إخلاء سبيل من حسن إسلامه ولو ظاهرا :

 

قوله (...فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (5) شرط أموراً ثلاثة لترك القتال تدل على وانصلاح حالهم ، وحسن إسلامهم ظاهرا ، هذه الأمور الثلاثة هي "التوبة" ، "الصلاة" ، "الزكاة" ، إذا تحققت كلها جميعاً يترتب عليها الحكم بإخلاء سبيلهم ، وقال في موضع آخر (فإنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فإخوَانُكُم في الدِّينِ"[75] ، ولما كان السياق عن الخائنين للعهد والمشركين ، فإنه يستدل منه أنهم أضحوا مسلمين وحسن إسلامهم ظاهرا ، ولأجل ذلك ، فإذا أعلنوا إسلامهم وأحسنوا ذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فإنهم يجب استثنائهم من حكم القتل أو الرصد أو الأسر ، وعندئذ يجب على الإمام أن يخلي سبيلهم .

 

  فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ r بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)[76].

 

 فإن أبوا أن يسلموا بعدما ثبتت خيانتهم ، فإنهم يكونون غير معصومين لعلة "الخيانة" لتعذر إمضاء عهد ثاني معهم ، لكنهم يمنحون فترة انتقالية لإجلائهم من أرضهم ، وهو ما أراد النبي r فعله مع يهود خيبر في بادئ الأمر حين عرض عليهم الإسلام والسلام حتى لا يجليهم ويطردهم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ r فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)[77]، ولكنهم أبوا وصالحوه على أن يعملوا في أرضهم مقابل نصف الثمار كما تقدم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلِرَسُولِ اللَّهِ r شَطْرُ ثَمَرِهَا)[78] ، بل وظل الحال على ذلك حتى بعد وفاته في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر كما سبق أن ذكرنا  .

 

وبذلك خلى رسول الله r سبيلهم ولم يكن قد أسلموا ولا تصدقوا ولا صلوا ، وإنما كان ذلك من باب السياسة الشرعية المرعية في تلك الأمة ، يعزى ذلك إلى انشغال المسلمين بالجهاد ،وانشغال اليهود بالزراعة ، وقد كسر النبي r شوكتهم ونزع سلاحهم

 

قال الإمام ابن القيم (أكثر الأمم دخلوا في الإسلام طوعا ورغبة واختيارا لا كرها ولا اضطرارا ، فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا r رسولا إلى أهل الأرض، وهم خمسة أصناف، قد طبقوا الأرض: يهود، ونصارى، ومجوس، وصابئة، ومشركون، وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها ...فلما بعث الله رسوله r استجاب له ولخلفائه بعده أكثر الأديان طوعا واختيارا، ولم يكره أحدا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله ، وأما من سالمه وهادنه، فلم يقاتله ، ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لأمر ربه سبحانه، حيث يقول: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وهذا نفي في معنى النهي، أي: (لا تكرهوا أحدا على الدين)... ومن تأمل سيرة النبي r ، تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله ، وأما من هادنه، فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) [79].

 

المسألة السابعة : استحداث فئة المستأمنين داخل دار الإسلام :

 

قوله (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)(6) قال ابن كثير يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: " وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم  "اسْتَجَارَكَ" أي: استأمنك ، فأجبه إلى طلبته (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) أي: [القرآن] تقرؤه عليه وتذكر له شيئًا من أمر الدين تقيم عليه به حجة الله  " ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ"  أي: (وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه) ، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) أي: (إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده)[80]

 

 قال ابن كثير (ومن هذا كان رسول الله r يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم واحدًا بعد واحد، يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله r ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم) [81].

أي أنه وعلى الرغم من أنه قد يكون بين المسلمين والمشركين عداوة وقد انقضى العهد بينهما ، لسبب ما  ، فإنه إذا طلب أحدهم دخول دار الإسلام في أمان لأغراض معينة قد يكون منها إرسال رسالة أو لأغراض تجارية أو سياحة أو لأغراض أخرى سلمية ، فهنا يجوز أن يُعطى له الأمان ، فيدخل دار الإسلام ويخرج منها دون أن يتعرض له أحد ، وهو ما نسميه الآن تأشيرة الدخول  Visa لأغراض سياحية أو تجارية أو تعليمية أو علاجية.

 

وقد أشارت الآية إلى تطبيق عقود الاستئمان على المستوى الفردي ،وليس على المستوى الجماعي ، وإن جاز تطبيقها على المستوى الجماعي - كذلك - في فروض معينة قياسا على إجازة تطبيقها على المستوى الفردي

 

ويمكن تطبيق هذا المبدأ في الوقت الراهن على حركة التجارة الدولية وحاجة الأسواق المحلية لبعض السلع المستوردة أو الخبرة الأجنبية أو العملة الصعبة بتصدير سلع محلية ، مما قد يضطر التجار المسلمون إلى دعوة غير المسلمين من ديار غير معاهدة للقدوم إلى دار الإسلام لإتمام هذه العمليات ، وهنا ورغم أن بلدانهم لم تخضع لحكم الإسلام ، ولم تعاهد المسلمين على السلام أو تحالفهم عسكريا ، ورغم أن تصنيفها يظل تصنيف دار حرب إلا أن أفرادها يستفيدون من هذه الآية حال دخولهم إلى دار الإسلام بإذن الإمام ، فإن أذن لخك فإنهم يُؤمنون بما أمنهم الله به بحكم هذه الآية ، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)[82]، فالتجار لهم مصلحة في استضافة واستقدام أجانب لدار الإسلام وإن كانوا مشركين ورعايا دول معادية فإنهم يُؤمنون حتى يخرجوا منها.

 

 كما قد يتخذ تطبيق هذا المبدأ  صورة التحالف العسكري مع بعض البلدان المجاورة التي ليس فيها ظلم لأهلها ، فعن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا : كان في صلح رسول الله r يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ، فتواثبت "خزاعة" – وكان فيهم مسلمون ومشركون - فقالوا نحن ندخل في عقد محمد وعهده وتواثبت "بنو بكر" فقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم ، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله r وعهده ليلا بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة ، فقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد ، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله r وأن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة إلى رسول الله r يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله r أنشده إياها :-

 ( اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا )

 ( كنا والدا وكنت ولدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا )

 ( فانصر رسول الله نصرا عتدا ... وادعوا عباد الله يأتوا مددا )

 ( فيهم رسول الله قد تجردا ... ان سيم خسفا وجهه تربدا )

 ( في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا )

 ( ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا )

 ( فهم أذل وأقل عددا ... قد جعلوا لي بكداء مرصدا )

 ( هم بيتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا ركعا وسجدا )

فقال رسول الله r نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتى مرت عنانة في السماء ، فقال رسول الله r إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب ،وأمر رسول الله r الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه وسأل الله أن يعمي عليهم قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم ) [83]، (وكان ذلك مما هاج فتح مكة)[84].

 

وقد أعطى العلماء حجية لهذا الأمان بحيث إذا صدر من مسلم واحد مشهور بعدالته فإنه يعمم على جميع المسلمين ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)[85] ، قال الطحاوي (إذا أعطى رجل من المسلمين العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين ليس لهم أن يخفروه) [86].

 

وهذا قد حصل في عهد النبي r عندما دخل مكة فاتحا ، فعن أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ)[87]، قال الصنعاني (والأحاديث دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم)[88]، وفي رواية (أجرت رجلين حموين لي من المشركين فدخل علي بن أبي طالب فتفلت عليهما ليقتلهما وقال : أتجيرين المشركين ؟ فقلت : والله لا تقتلهما حتى تبدأني قبلهما ثم خرج فقلت : أغلقوا الباب دونه فأتيت النبي r بأسفل الثنية فلم أجده ووجدت فاطمة فكانت أشد علي من زوجها وقالت : لم تجيرين المشركين ؟ إلى أن طلع رسول الله r وعليه ثوب واحد فقال : مرحبا بفاختة أم هانيء فقلت : ماذا لقيت من ابن أمي أجرت رجلين حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما فقال : ما كان له ذلك فقد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت)[89].

 

 وتوسع آخرون في سبب الأمان فقالوا (إذا كان بعض المسلمين قاصي الدار عن بلاد الكفر ، فإنه إذا عقد للكافر عقدا في الأمان لم يكن لأحد منهم نقضه ، وإن كان أقرب دارا من المعقود له)[90]، يعني أن للمستأمن  أن يمر ببلاد المسلمين القريبة والتي لم يعقد فيها بأمان دون أن يمسه أحد منها بسوء حتى يصل إلى الدار البعيدة التي أخذ فيها الأمان ، احتراما للأمان الذي أخذه من الدار البعيدة ، فإن عهد الامان منها يلزم الدور التي قبلها .

مثال ذلك مسلم بالمغرب دعا مشركا من الصين لزيارة بلاده ، فأخذ إذن الإمام بذلك ، فهذا الصيني له أن يمر بكل بلاد المسلمين حتى يصل إلى المغرب لزيارة هذا المسلم .

 وزاد آخرون في التوسع في سبب الأمان فقال البغوي (بصحة أمان العبيد ، سواء كانوا مأذونين من جهة مواليهم في القتال أو لم يكونوا ، يروى ذلك عن عمر وعلي ، وابن عمر ، وبه قال الشافعي ، وأحمد وإسحاق ، ولم يجوز أبو حنيفة أمان العبد إذا لم يكن مأذونا في الجهاد)[91].

 

ويجوز الأمان من أحاد المسلمين على أن يكون ضامن لعدم غدر المشرك ، ويخص الأمان نفسه وماله وتجارته ، ومثال هذه الحالة زينب بنت رسول الله r شفعت لزوجها "العاص" مرتين ، مرة بالفداء والأخرى بالإجارة ، فالأولى كانت بعد واقعة بدر ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ –بنت رسول اللهr - فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ -زوجها- بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ ، قَالَتْ - عائشة- فَلَمَّا رَآهَا – أي القلادة التي أرسلتها زينب- رَسُولُ اللَّهِ r رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً ، وَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا ، فَقَالُوا نَعَمْ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ)[92] ، يعني أن العاص وعده أن يخلي سبيل زينب حيث كانت لا تزال في مكة إليه بحيث يرسلها إلى النبي r في المدينة المنورة .

والمرة الثانية قبيل فتح مكة لما خرج "العاص" زوجها تاجرا وهو لا يزال مشركا ، فوقعت تجارته في يد المسلمين ، فشفعت له وأجارته أي أجارت ماله ، روي الطبري أقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله r  بالمدينة قد فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج تاجرا إلى الشأم وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال رجال من قريش أبضعوها معه ، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله r فأصابوا ما معه وأعجزهم هربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله r فاستجار بها فأجارته في طلب ماله ، فلما خرج رسول الله r إلى الصبح ، .. كبر وكبر الناس معه ، صرخت زينب من صفة النساء إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع ، فلما سلم رسول الله r من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله r فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك ، فإنك لا تحلين له)[93].

 

وبعد هذه الحادثة أسلم زوجها "العاص"، إذ تحكي كتب السير والحديث أنه لما خرج قبيل فتح مكة بتجارته إلى الشام ومعه أموال قريش ، وقد أخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال، وأسروا أناساً وهرب أَبو العاص بن الربيع ثم أَتى المدينة ليلاً، فدخل على زينب فاستجار بها، فأجارته ، فلما وصل النبي r صلاة الصبح صاحت زينب: أَيها الناس، إِني قد أَجرت أَبا العاص بن الربيع ، فلما سَلَم رسول الله r أَقبل على الناس، وقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: أَمَا والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعتُه كما سمعتم؟ وقال: " يجير على المسلمين أدناهم " ، ثم دخل رسول الله r على ابنته فقال: " أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له " ، قالت: (إنه قد جاءَ في طلب ماله) ، فجمع رسول الله r تلك السرية، وقال: (إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أَصبتم له مالاً، وهو مما أَفاءه الله عليكم، وأَنا أُحب أَن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإِن أَبيتم فأنتم أَحق به) ، فقالوا: (بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أَجمع)، فعاد إِلى مكة وأَدى إلى الناس أَموالهم ، ثم قال: أَشهد أَن لا إٍله إلا الله، وأَشهد أَن محمداً رسولُ اللّه، والله ما منعني من الإِسلام إِلا خوفاً أَن تظنوا بي أَكل أموالكم ، ثم قَدِم على رسول الله r مسلماً، وحسُن إِسلامه، ورد عليه رسول الله r ابنتَه زينبَ بنكاح جديد، وقيل: بالنكاح الأَول)[94] .

 

 

[1] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج22 ص 404

[2] ) غَافَصَهُ: فاجأَه وأَخذه عَلَى غِرَّة فركِبه بمساءة

[3] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 39

[4] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 39

[5] ) رواه أبو داود ج9ص 414 رقم 3067 والترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهم وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1ص783 رقم 423

[6] ) محمد رشيد رضا : تفسير المنار ج10 ص 135

[7] ) رواه أبو داود في سننه ج8 ص 242 رقم 2613

[8] ) صحيح البخاري ج10 ص 454

[9] ) تفسير القرطبي ج2 ص 343

[10] ) رواه مسلم ج8 ص 174 رقم 2899

[11] ) رواه البخاري ج10 ص 424

[12] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 209

[13] ) رواه البخاري ج10 ص 428 رقم 2933

[14] ) رواه أبو داود في سننه ج8 ص 242 رقم 2613

[15] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 39

[16] ) رواه مسلم ج8 ص 174 رقم 2899

[17] ) عمدة القاري شرح صحيحالبخاري ج20 ص 477

[18] ) أي: اعوجَّتْ يداه ورِجلاه، وانقلبَتْ كفَّاه وقدَمَاه

[19] ) قوله تعدو بك قلوصك بفتح القاف وبالصاد المهملة الناقة الصابرة على السير

[20] ) رواه البخاري ج9 ص 254 رقم 2528

[21]) رواه البخاري ج10 ص 426 رقم 2932

[22]) والمراد بجزيرة العرب في هذه الأحاديث : الجزيرة العربية كلها ، التي يحيط بها البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي ، وتنتهي شمالا إلى أطراف الشام والعراق .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :" يجب أن يعلم أنه لا يجوز استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة ، لا من النصارى ، ولا من غير النصارى ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج الكفرة من هذه الجزيرة ، وأوصى عند موته صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من هذه الجزيرة ، فالواجب ألا يقر فيها الكفرة من اليهود ، والنصارى ، والبوذيين ، والشيوعيين ، والوثنيين ، وجميع من يحكم الإسلام بأنه كافر لا يجوز بقاؤه ولا إقراره في هذه الجزيرة ولا استقدامه إليها إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر ، كالضرورة لأمر عارض ثم يرجع إلى بلده ممن تدعو الضرورة إلى مجيئه أو الحاجة الشديدة إلى هذه المملكة وشبهها كاليمن ودول الخليج .
أما استقدامهم ليقيموا بها فلا يجوز بل يجب أن يكتفى بالمسلمين في كل مكان ، وأن تكون المادة التي تصرف لهؤلاء الكفار تصرف للمسلمين ، وأن ينتقي من المسلمين من يعرف بالاستقامة والقوة على القيام بالأعمال حسب الطاقة والإمكان ، وأن يختار أيضا من المسلمين من هم أبعد عن البدع والمعاصي الظاهرة ، وأن لا يستخدم إلا من هو طيب ينفع البلاد ولا يضرها ، هذا هو الواجب ، لكن من ابتلي باستقدام أحد من هؤلاء الكفرة كالنصارى وغيرهم فإن عليه أن يبادر بالتخلص منهم وردهم إلى بلادهم بأسرع وقت" انتهى .
"فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (6/454)


وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية؟
فأجاب :"استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية أخشى أن يكون من المشاقة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث صح عنه كما في صحيح البخاري أنه قال في مرض موته: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وفي صحيح مسلم أنه قال: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً). لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلماً يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يمنحوا إقامة مطلقة.
وحيث قلنا : جائز ، فإنه إن ترتب على استقدامهم مفاسد دينية في العقيدة أو الأخلاق صار حراماً، لأن الجائز إذا ترتب عليه مفسدة صار محرماً تحريم الوسائل كما هو معلوم. ومن المفاسد المترتبة على ذلك : ما يخشى من محبتهم ، والرضا بما هم عليه من الكفر، وذهاب الغيرة الدينية بمخالطتهم. وفي المسلمين ـ ولله الحمد ـ خير وكفاية، نسأل الله الهداية والتوفيق" انتهى .
"مجموع فتاوى ابن عثيمين"  (3/41).

[23] ) رواه مسلم ج 9 ص 221 رقم 3313

[24] ) رواه أحمد في مسنده ج4 ص 112 رقم 1599 – ج4 ص 120 رقم 1607 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج3 ص 206 رقم 1132 قال ابن البطال في الشرح (دلالة أمره r بإخراج اليهود من جزيرة العرب يوضح صحة ما قال ابن عباس وأن الواجب على الإمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الأسلام إذا لم يكن بالمسلمين إليهم ضرورة ، ولا كانت من بلاد الذمة التى صولحوا على الإقرار فيها إلحاقا لحكمة بحكم جزيرةالعرب )

انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال ج5 ص 341 – 343

[25] ) الصفراء : الذهب ، البيضاء : الفضة ، الحلقة : الدروع يعني السلاح

انظر الزمخشري : الفائق في غريب الحديث والأثر ج2 ص 304

قال ابن الأثير (الحَلْقة بسكون اللام : السلاحُ عامًّا . وقيل : هي الدُّروع خاصة

) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 1032

[26] ) جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير  ج2 ص 642 رقم 1130 – ورواه أبو داود ج8 ص 241 رقم 2612 وحسن إسناده الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 7 ص 6

[27] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 271

[28] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج5 ص 343

[29] ) شرح ابن البطال لصحيح البخاري ج 5 ص 341-344

[30] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 276

[31] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 40

[32] ) تفسير الالوسي ج7 ص 147

[33] ) تفسير الخازن ج3 ص 224

[34] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3354

[35] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 40

[36] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 40

[37] ) تفسير القطان ج2 ص 119

[38] أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 40 – مثله قال الرازي في تفسيره ج1 ص 2177

[39] ) رواه البخاري ج14 ص 215 رقم 4290

[40] ) رواه البخاري ج14 ص 215 رقم 4290

[41] ) رواه البخاري ج10 ص 445 رقم 2941

[42] ) في ظلال القرآن ج3 ص 463 ناقدا محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار

[43] ) يراجع في هذه المعاني ما ذكرناه في سورة الأنفال الآية 58

[44] ) رواه البخاري ج10 ص 200 رقم 2788

[45] ) بيان مشكل الآثار للطحاوي ج10 ص 181

[46] ) رواه البزار في مسنده ج1 ص 426 - ورواه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ( 2 / 298 ) وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج7 ص 75 رقم 2874

[47] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج14 ص 237 – شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج5 ص 167

[48] ) مفاتيح الغيب ج15 ص 178

[49] ) مفاتيح الغيب ج15 ص 178

[50] ) تفسير الماوردي : النكت والعيون ج2 ص 338

[51] أضواء البيان ج3 ص 114

[52] ) رواه الترمذي ج10 ص 358 رقم 3017 وصححه الالباني : ج7 ص 92 رقم 3092

[53] ) فتح الباري ج8 ص 319

[54] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج1 ص 36

[55] ) رواه البخاري ج10 ص 451 رقم 2946

[56] ) تفسير الطبري ج14 ص 110

[57] ) أضواء البيان ج2 ص 115

[58] ) https://www.un.org/ar/sections/history/history-united-nations/index.html

[59] ) https://www.un.org/ar/sections/member-states/growth-united-nations-membership-1945-present/

[60] ) الأدب المفرد ج1 ص 199 رقم 567 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 223

[61] ) أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج15 ص 222

[62] ) رواه البيهقي ج6 ص 366 رقم 13460 وفي ذيله الجوهر النقي لمؤلفه علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني

قَالَ الْقُتَيْبِىُّ فَتَحَالَفُوا فِى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ فَسَمَّوْا ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحِلْفٍ كَانَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ جُرْهُمَ عَلَى التَّنَاصُفِ وَالأَخْذِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِىِّ وَلِلْغَرِيبِ مِنَ الْقَاطِنِ قَامَ بِهِ رِجَالٌ مِنْ جُرْهُمَ يُقَالُ لَهُمْ الْفَضْلُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْفَضْلُ بْنُ وَدَاعَةَ وَالْفُضَيْلُ بْنُ فَضَالَةَ فَقِيلَ حِلْفُ الْفُضُولِ جَمْعًا لأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ وَ قَالَ غَيْرُ الْقُتَيْبِىُّ فِى أَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ فَضْلٌ وَفَضَّالٌ وَفُضَيْلٌ وَفَضَالَةُ

[63] ) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج2 ص 237

قال الألباني (المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي وابن إسحاق) صحيح السيرة النبوية ج1 ص 36 .

[64] ) الأدب المفرد ج1 ص 200 رقم 570 وصححه الالباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 225

[65] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595

[66] ) أبو السعادات الجزري : النهاية في غريب الأثر ج1 ص 1031

[67] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج10 ص 22

[68] ) رواه البخاري ج1 ص 42 رقم 24

[69] ) رواه أبو داود ج7 ص 233 رقم 3371 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 142

[70] ) ذلك أن الجزية مقابل أن يخضعوا لحكم الإسلام ، وهو ما يعني أنهم يؤمنون في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، فإن عجز المسلمون عن تأمينهم فلا جزية عليهم ، تفصيل ذلك في آية الجزية في سورة التوبة الآية رقم 29

[71] ) وهو ما ذكره في سورة الأنفال بصدد حديث النبي أنه قال للمشرك الذي أراد أن يقاتل معه ( إنا لا نستعين بمشرك )

[72] ) يعني: إذا استجابوا وأسلموا يدعون للتحول إلى دار المهاجرين، بمعنى: أنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، ويكونون مستعدين للجهاد معه، ويكون لهم ما للمهاجرين، وإن أبوا وأرادوا أن يبقوا في دارهم فيكونوا كأعراب المسلمين الذين يبقون في الفلاة، وليس لهم من الغنيمة والفيء إلا أن يجهزوا أنفسهم للجهاد

شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج14 ص 101

[73] ) والدعوة إلى إعطاء الجزية يعني: أن يعطوا الجزية حيث بقوا على كفرهم، ولكن المسلمين استولوا عليهم، فإنهم يعطون الجزية لأنهم يكونون تحت ولاية المسلمين، فيكونون خاضعين لحكم

شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج14 ص 103

[74] ) رواه مسلم ج9 ص 150 رقم 3261

[75] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 44

[76] ) رواه البخاري ج5 ص 201 رقم 1308

[77] ) رواه البخاري ج10 ص 425 رقم 2931

[78] ) رواه مسلم ج8 ص 173 رقم 2898

[79] ) هداية الحيارى 

[80] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 113

[81] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 113

[82] ) رواه أبو داود ج7 ص 388 رقم 2371 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج24 ص 158 رقم 11658

 صحيح سنن أبي داود ج 6ص 251رقم 2751

[83] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى  ج9 ص 233 رقم 18638 

[84] ) تاريخ الطبري ج2 ص 153

[85] سبق تخريجه

[86] ) الطحاوي : بيان مشكل الآثار ج3 ص 163

[87] ) رواه البخاري ج2 ص 91 رقم 344

[88] ) سبل السلام ج4 ص 61

[89] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج24 ص 416 رقم 21033

[90] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 36

[91] ) الإمام البغوي : شرح السنة ج11 ص 90

[92] ) رواه أبو داود ج7 ص 306 رقم 2317 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 192 والحديث رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ، وقال الذهبي في التلخيص على شرط مسلم .

[93] ) تاريخ الطبري ج2 ص 44

[94] ) ابن الأثير : أسد الغابة ج3 ص 203 ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3 ص 262 رقم 5038 والطبراني في المعجم الكبير ج22 ص 426

  • السبت PM 03:30
    2026-05-09
  • 8
Powered by: GateGold