المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1907346
يتصفح الموقع حاليا : 475

البحث

البحث

عرض المادة

الحض على البدء بقتال أئمة الكفر الناكثين "غير المعاهدين" ، ما يسمى " بجهاد الطلب "

د / احمد نصير

الحض على البدء بقتال أئمة الكفر الناكثين "غير المعاهدين" ، ما يسمى " بجهاد الطلب "

 

قال تعالى (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)

 

ويعزي ذلك لعدة أسباب أشار إليها هذا المقطع من السورة ، وتتمثل فيما يلي :-

  • تعذر تجديد عقود الآمان مع الناكثين من حيث الواقع العملي .
  • التحذير مسارعتهم للخيانة عند ظهورهم على المسلمين والغدر بهم .
  • يجوز تجديد الثقة في الناكثين إذا ما أظهروا توبة وحسن إسلامهم
  • وجوب قتال أئمة الكفر لردعهم ردعا خاصا
  • القتال لأجل تحقيق الرد العام عن النكوث في الأيمان والهم بالخيانة
  • القتال لأجل تحقيق القصاص للمظلومين وشفاء صدورهم
  • القتال يكشف الولائج الخفية بين المنافقين والكافرين عند الضغط عليهم بقتال الكافرين .

 

المسألة الأول : تعذر تجديد عقود الآمان مع الناكثين من حيث الواقع العملي

 

قوله (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ) غرض الاستفهام النفي والإنكار ، أي (ليس لهم عهد أبداً وهم كافرون غادرون)[1] ، قال ابن عاشور الآية (استئناف بياني ، نشأ عن قوله "بَرَاءةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" [التوبة:1] ثم عن قوله "أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ" [التوبة:3]- وعن قوله – "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" [التوبة:5] التي كانت تدرجا في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهود سابقة ، لأن ذلك يثير سؤالا في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر، فلعلّ بعض قبائل العرب من المشركين يتعجب من هذه البراءة ، ويسأل عن سببها، وكيف أنهيت العهود وأعلنت الحرب، فكان المقام مقام بيان سبب ذلك ، وأنه أمران: بُعد ما بين العقائد ، وسبق الغدر)[2]

 أي  لأن عقيدتهم ليس فيها التزام بشيء ، فعهودهم مع المسلمين غير ملزمة لهم ديانة ، بينما عقودنا معهم تلزمنا ديانة ، والمعنى (أن الشأن ألا يكون للمسلمين عهد مع أهل الشرك ، للبون العظيم بين دين التوحيد ودين الشرك، فكيف يمكن اتفاق أهليهما، أي فما كان العهد المنعقد معهم إلا أمرا موقّتاً بمصلحة ، ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علة الإنكار على دوام العهد معهم) [3]، قال القطان (كيف يكون لهؤلاء الناقضين للعهود مرارا ، عهدٌ محترم؟)[4]  

 

قال الشعراوي (تعجب الله من أن يكون للمشركين شيء اسمه عهد؛ لأنهم لا يعرفون إلاَّ نقض العهد ، ولا يتمسكون بالعهود ولا يحترمونها ، إذن يحق التعجب من أن يكون لهم عهد بينما في الحقيقة لا عهد لهم)[5] .

 وقال طنطاوي (الاستفهام فيه للانكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد ، وهو إنكار للوقوع لا للواقع ، أى تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك فى المستقبل)[6].

 

وقال قطب في قوله (..إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا) اشترط استقامتهم في الماضي ، وفي قوله (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ) اشترط استقامتهم في المستقبل ، وهي دقة بالغة في صياغة النصوص لا تلحظ إلا بضم النصين الواردين في الموضوع الواحد)[7] .

وهو ما يستوجب من الناحية العملية عدم المسارعة في إبرام عهود أمان مع المشركين ، وقد لحقهم وصف "الناكثين" ، فلا ينفك عنهم لعلة الشرك ، كما في قوله تعالى (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ)(محمد 35) ، وليكن ذلك بخلاف الأصل ، وبقدر الضرورة ، فالمصلحة تقضي إمضاء الجهاد فيهم حتى يذعنوا ، والسلم مع أمثال هؤلاء –دون تعميم- هو خروج مؤقت على الأصل المقرر للناكثين غير المعاهدين ، وقد علم الله دخائلهم ، وأخبرنا بها في قوله (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)(البقرة 217) .

 

قوله (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..) (7) استثنى المحافظين على عهودهم مع المسلمين من موضع الاستنكار ، وهم أهل مكة ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قال "يَعْنِي"أَهْلَ مَكَّةَ"[8] ، قال ابن كثير : يعني (يوم الحديبية)[9] .

 

فعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ r زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ قَالَ (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)[10]، أي أن النبي r لم يعقد مع أهل مكة صلحا من قبل ولم يجرب منهم النكوث في العهد ، ولذلك كان يستشرف منهم صلحا ليكون بديلا عن استمرار القتال بينهما ، وتصان به الدماء التي حرم الله سفكها ، فمن الفقه تجربة الناس أول مرة ، والتدرج معهم بوسائل سلمية لمعرفة معدنهم .

 

وقيل أن المقصود بوجه خاص أناس من المشركين ، يعني (مثل بني كِنانة وبني ضمَرة)[11] لأنهم لم ينقضوا عهدهم الذي عاهدوا الرسول عليه يوم الحديبية ، وهي قريبة من مكة ، ولذلك قال (عند المسجد الحرام) .

 

قوله (.. فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (7) قال القطان أي (فاستقيموا أيها المسلمون على عهد هؤلاء ما داموا مستقيمين ، فالمتقون هم الذين يخشون نقض العهد ، فلا يفعلونه)[12].

قال ابن عاشور (ويتعين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي r في عمرة القضاء عند المسجد الحرام ، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم، زيادة على دخولهم في الصلح الأعم ، ولم ينقضوا عهدهم ، ولا ظاهروا عدوًا على المسلمين إلى وقت نزول براءة)[13].

 

فالآية تدعو للسبر والتقسيم ، والنظرة بشيء من التفصيل دون تعميم الحكم على الجميع ، وذلك بالنظر لكل قوم على حدة ، فلا يؤخذ قوم بجريرة قوم لمجرد ثبوت النقض من بعضهم متى كان لكل قوم منهم عهد مستقل مع المسلمين ، روي عن ابن إسحاق أن المقصود بهم (قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله r وبين قريش ، فلم يكن نَقَضَها إلا هذا الحيُّ من قريش ، وبنو الدُّئِل من بكر ، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته)[14] ،  قال السدي وابن إسحاق والكلبي (أمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى مدته)[15] .

 

 قال ابن عاشور (والمقصود من تخصيصهم بالذكر: التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه) [16]، فهذا هو شأن أهل التقوى والإيمان ، لا يظلمون أحدا ،ويعرفون أحوال الناس وخياناتهم ، فيعاقبون الخائن دون أن يستطيل عقابهم لمن لم يخن ، بل يمضون عهدهم معه ، وهم محتاطون من غدره ، فينظرون فيه أمر هل استقام على العهد أم اعوج عنه ، وهو ما يستلزم الاستخبار عن شأنهم ، بمراقبة تصرفاتهم وتقييمها كل فترة للكشف عمن يستحق إمضاء العهد منهم لمدته ، ومن يستحق نبذه ، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بالخب والخب لا يخدعني ، وقال المغيرة: كان والله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه (أفضل من أن يَخدع وأعقل من أن يُخدع)[17].

 

المسألة الثانية : التحذير من مسارعة المشركين للخيانة  حال ظهورهم على المسلمين

 

قوله (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (8) قال الشعراوي « كيف » هنا تعجب من أن يكون للمشركين في الحاضر أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض العهود لو تمكنوا من المؤمنين ، فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي اعتبار)[18] ، وقد بين الله تعالى أن المعلوم من حالهم الغدر عند التمكن، وأنهم ينتهزون فرصة الاغتيال والمجاهرة بسر المكاشفة وبيَّن أنهم في إظهار التمسك بالعهد منافقون كما في قوله (يَرْضُونَكُمْ بِأَفَواهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُم) ، وقوله: (إلاًّ) (يحتمل القرابة والعهد والجوار)[19]، و(الذمة هي الوفاء بالأمانة التي ليس عليهما إيصال ولا شهود)[20].

 

فالآية تومئ إلى أن عهودهم مع المؤمنين في أوقات ظهورهم على المسلمين وضعف المسلمين ، ينبغي ألا يعول عليها المؤمنين كثيرا ، بل هي عهود تخدم مصالحهم ، وإن جاز للمسلمين إبرامها – كهدنة مؤقتة – لأغراض علاج المصابين أو تأمين الغذاء للمضرورين أو الإمداد بالسلاح والذخيرة ...الخ ، فهي عقود هشة هم يستفيدون منها أكثر من استفادة المسلمين منها ، ولذلك علي المسلمين الحذر منهم ، (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)(البقرة 102) .

 

قال ابن عاشور (وفي إعادة الاستفهام إشعار بأن جملة الحال لها مزيد تعلق بتوجه الإنكار على دوام العهد للمشركين ، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته- ابتداء- لأنهم ليسوا أهلا لذلك ، وإلى إنكار دوامه بالخصوص لما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين، مما قامت عليه القرائن والأمارات)[21]

 

 وكذلك فعلت هوازن وثقيف عقب فتح مكة ، فعندما سمعت بفتح مكة ، تحالفا بقيادة مالك بن عوف النصري، وانضمت إليهما قبائل بنو هلال وبنو غطفان لقتال النبي r ، فكان ذلك سبب لغزوة "حنين".

 

وهذا يعني أن الصلح مع الكفار والمشركين لابد وأن يكون من مركز قوة حتى يحترم ، أما إذا كان في موطن تكون الغلبة فيه للكافرين ، فلابد وأن يفهم المسلمون جيدا أن العدو يتخذ من الصلح ذريعة لأن يتجهز لقتال أشد ، ولابد وأن يستعدوا لهذه المرحلة ، ولا يركنوا للصلح والدعة ، فهذا يخالف ما أخبر الله عنه (وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً) أي يستحرون القتل في المسلمين دون اعتبار لعهد ولا لمواثيق حقوق الإنسان التي يعسلون بها أفواههم كما في قوله (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ)، أي أن اتفاقاتهم وعهودهم مع المسلمين مجرد حبر على ورق ، فلا يرضى المسلمون عنها ، ففي أقرب فرصة للغدر سوف يغدرون ، لأن قلوبهم تأبى هذا الصلح وترفضه ، فالفاسق لا دين له ولا عهد ولا ذمة ، إذن لابد وأن يعي المسلمون جيدا أنهم يحاربون أناس يعصون الله ويشربون الخمر ولا يتورعون عن الزنا والربا ولا يحرمون مع حرم الله ، فأنى لهم أن يلتزموا بكلمات محررة في مواثيق وعهود لا تساوي عندهم أكثر من ثمن الورق الذي كتبت عليه ، وقد لجئوا إلى إبرامها لتحين الفرصة للغدر بالمسلمين ، تكهنا بإفاقتهم حلال الهدنة قبل إفاقة المسلمين من حرب ضروس  .

 

وقد أخبر النبي r أن ذلك سوف يحصل دومًا ، ومستقبلًا ، أي سوف يحصل منهم الغدر آخر الزمان ولا شك ، فعن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ ، فَيَغْدِرُونَ ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا)[22] .

 فقوله (بني الأصفر) قيل (هُمْ الرُّوم سُمُّوا بِذَلِكَ لِصَفَرِ اللَّوْن فِي آبَائِهِمْ)[23]

 والهدنة  (الصلح بعد القتال)[24]

 قوله "فيغدرون" أي (ينقضون عهد الهدنة ، فيأتونكم تحت ثمانين غاية أي "راية" ، وهي العلم) أي أكثر من ثمانين لواء تحت كل لواء اثنا عشر ألفا ، يعني تقريبا جيش قوامه مليون مقاتل بالسلاح والآلات والعتاد ، ما يعني أن أكثر دول الروم سوف يشارك في هذه الحرب الغادرة إن لم يكن كلهم ، فتقدم كل دولة لواء أو أكثر لحرب المسلمين .

  

 

وقد ذكر النبي r سبب هذه الملحمة فقال (سَتُصَالِحُكُمْ الرُّومُ [25]صُلْحًا آمِنًا ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا ، فَتَنْتَصِرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمَّ تَنْصَرِفُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلِيبِ الصَّلِيبَ ، فَيَقُولُ غَلَبَ الصَّلِيبُ ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُومُ إِلَيْهِ فَيَدُقُّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ)[26].

قوله (تغزون أنتم وهم عدوا) لم يسم هذا العدو ، لكنه عدو مشترك للصليبيين والمسلمين .

وقوله (ثم تَنزلون بمرجٍ ذي تلول) ؛ دلالة على أنَّه بعد تَحقيق الانتصار تَنزل الجيوشُ بأرضٍ فسِيحة ذات نبَات منتشِر على مساحةٍ كبيرة، وفيها مرتفعات ليسَت شاهِقة الارتِفاع، وهي أُولى أمارات هذه الحَرب[27]، وقيل إنها تقع في الشام، تحديداً في ريف حلب الشمالي بالقرب من دابق ومارع في سوريا.

  

وقد بين النبي r موقع المسلمين يومئذ في يوم الملحمة مع الروم ، يقول (يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ)[28].

 

قوله (..يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (8) قال النيسابوري (يعطونكم ويرونكم بألسنتهم خلاف مافي قلوبهم مثل قول المنافقين) وَتَأبَى قُلُوبُهُمْ (الإيمان) وَأكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (ناكثون ناقضون كافرون)[29] ، من هنا نفهم كيف دخل المنافقون في صفوف المسلمين ، قال الألوسي (أي إنهم في حالة العجز يبدون للمسلمين الوفاء بأفواههم ، من باب المداهنة لا المهادنة ، ويعدونهم بالإيمان والطاعة ، لكن ما يخفونهم هو الكفر)[30].

 

فبالرغم من خطورة هذه المسألة ، إلا أن دين الإسلام يقبل دخول المنافقين الإسلام ، حتى وإن كانوا يدخلون الإسلام وهم كارهون ، كما قال الله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) (المائدة 40) ، فإنهم يفعلون ذلك لأجل أن يشتروا بآيات الله مكانة بين المسلمين يعتزون بها بينهم ، وقد ضعفت حيلتهم ، ولكن الإسلام يقبلهم  على هذا الحال ، من باب السياسة الشرعية ، فهو ملف خطير لابد وأن يتم التعامل معه بحذر .

 

فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلِمْ قَالَ (أَجِدُنِي كَارِهًا قَالَ أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا)[31] ، وليس في ذلك إكراه في الدين ، لأن إجابته للإسلام وإن كان كارها لا تنفي عنه الإرادة والاختيار ، فهو اختار الإسلام والبقاء مع المسلمين ، ولم يختر السياحة في الأرض واللحوق بالمشركين إن سبقت منه خيانة ، ولم يختر البقاء على دينه وأداء الجزية كأهل الذمة متى لم تسبق منه خيانة ، بل اختار الإسلام على كل ذلك ، وإن كان قلبه غير مطمئن بالإيمان ، لأنه لا يزال يجد في قلبه شيئا يزول بعدما يطمئن بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، وقد اطمأن لكلام رسول الله فدخل الإسلام ، وسوف يطمئن حتى يمارس الشعائر ويطرد الشياطين ، ولذلك قال رسول الله r لوفد ثقيف حينما شرطوا عليه إذا أسلموا أنهم لن يشاركوا في صدقة ولا الجهاد ، (سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا) ما يعني منحهم مزيد من الوقت ليحسن إسلامهم [32].

والدليل على ذلك أن أبا سفيان أسلم كذلك على هذا الحال ثم حسن إسلامه فيما بعد ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بعدما رأي اهتمام هرقل بنبي الله محمد r (هَذَا مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُهُ) ثم قال (وَاللَّهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ)[33] ، أي أنه أسلم وهو كاره لأنه كان زعيم قريش ، وكره أن يفقد مكانته بينهم ، ولكنه أحسن إسلامه بعد ذلك ، فالكره هنا يصف لحظة دخول الإسلام نتيجة لزوال زعامته وخضوعه لأمر النبي r، وليس بالضرورة كراهية للدين ذاته كمعتقد، وإنما هو صراع نفسي بين كبريائه السابق وبين الحقيقة التي أيقنها "مستيقنا بأن أمره سيظهر"

قال الذهبي عنه في سير الأعلام والنبلاء ( وله هنات وأمور صعبة لكن تداركه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف ثم بعد أيام صلح إسلامه.(قال الذهبي (شهد قتال الطائف، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الاخرى يوم اليرموك)[34]

فعن سعيد بن عبيد الثقفي قال: رأيت أبا سفيان بن حرب يوم الطائف قاعدا في حائط أبي يعلى يأكل فرميته فأصبت عينه فأتى النبي rفقال: يا رسول الله هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال النبي r (إن شئت دعوة الله فردت عليك، وإن شئت فالجنة قال: فالجنة)[35].

 

قوله (اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (9) عبر عن استمرارهم في الكفر والعناد مع المسلمين ومحاربتهم لأجل الحفاظ على مراكزهم بين جيوشهم وسلطانهم وممالكهم بمن اشترى الدنيا بحذافيرها بالكفر والصد عن سبيل الله ، فكانت صفقته خاسرة ، لأن متاع الدنيا مهما عظم فهو قليل ، والصد عن سبيل الله أسوأ ما يعملونه لأجل هذا المتاع القليل ، سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ:  " ثَمَنًا قَلِيلا "  قَالَ:"قَالَ: الثَّمَنُ الْقَلِيلُ: الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا"[36]، ولو أنهم فقهوا الصفقة بحق لعلموا أن الدنيا لا تشترى بل بتاع لأجل الآخرة ، فمن اشترى الآخرة أعطاه الله خيري الدنيا والآخرة ، قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (آل عمران 134) ، ولكنهم (بقوا على الشرك لمنافع يجتنونها من عوائد قومهم: من غارات يشنها بعضهم على بعض ، ومحبة الأحوال الجاهلية من خمر وميسر وزنا ، وغير ذلك من المذمات واللذات الفاسدة)[37].

 

قال ابن عاشور (وصفت هذه الآية المشركين بمثل ما وصف القرآن به أهل الكتاب في سورة البقرة ، من الاشتراء بآيات الله ثمنا قليلا) [38]، أي كلا من اليهود والمشركين –الذين هم أئمة الكفر – على ذات الشاكلة من تفضيل ما يفني على ما يبقى ، فذلك هو السبب الحقيقي لصدهم عن سبيل الله ، قال ابن عاشور (ولكنهم لم تطل مدة حتى دخلوا في دين الله أفواجا سنة الوفود وما بعدها ... ) ، في حين أن اليهود لم يؤمنوا لأجل سادات قومهم منعوهم من الإيمان ، ولذلك قال الرسول r (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[39] ، يعني بذلك ساداتهم ، ولكنهم لم يؤمنوا فمنعوا قومهم ، فحري بالمؤمنين قتال أئمة الكفر المعتدين لهذه العلة .

 

قوله (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذمة..) (10) أي لا يراعون عهدا ولا قرابة ولا نحو ذلك من حقوق الإنسان خصوصا بالنسبة للمؤمنين ، فقوله "في مؤمن" قال ابن عجيبة (إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل الإيمان فقط)[40] ، فسبب غدرهم مجرد أن الذي يقف أمامهم هو فرد مسلم يؤمن بالله ورسوله ، فهم يغتاظون منه لمجرد إيمانه بالله ورسوله ، ولذلك قال (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)(البقرة 120) ، قال تعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج:8] ..

 

قوله (.. إِلاًّ وَلاَ ذمة..) يعني القرابة والعهد [41]، قاله السدي[42] ، فهم لا يراعون حق قريب ولا جار ولا عهد مع غريب ، بل هو أقرب لهضم حقوق المؤمنين إذا تمكنوا ، كما قالوا (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران 76)

 

 قال سيد قطب (فهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم ، ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم ، وفي غير ذمة يرعونها لكم أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم! فهم لا يرعون عهداً ، ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم؛ ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها –أي مواثيق حقوق الإنسان -... ، فليس الذي يمنعهم أن تكون بينكم وبينهم عهود؛ إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم! . .)[43] .

 

فقوله (..وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (10) أي يعتدون على المسلمين بالأذى القولي والفعلي ، فهذا هو حالهم في كل زمان ، كما ثبت في السيرة النبوية ،  فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r  وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)[44].

 

فإذا كان هذا هو شأن المشركين مع المسلمين في بداية الإسلام ، أي الشدة والقسوة على المؤمنين الموحدين بالله تعالى ، فإن ذلك كذلك لهو حاصل عندما يظفر أعداء الله ببعض المسلمين ، فيذوقونه ما ذاقه المسلمون الأوائل من العذاب ، وإذا كان الصبر دواء لمن قبلهم ، فإنه سيكون كذلك لآخر هذه الأمة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)[45] ، وفي رواية قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (وَمَنْ الْغُرَبَاءُ ؟) قَالَ (الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ)[46].، فغربة المؤمنين أنهم يضطدون ويعذبون لا لشيء إلا لأنهم مؤمنون ، يقول النبي r (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ)[47].

 

المسألة الرابعة : يجوز تجديد الثقة في الناكثين إذا ما أظهروا توبة وحسن إسلامهم

 

قوله (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(11) تضمن المعنى أن هؤلاء لا يُؤمَن جانبهم إطلاقًا إلا بإسلامهم ، ولا يصدُق ذلك بمجرد الإعلان ، بل يتعين أن يحسنوا إسلامهم بإقامة شعائر الإسلام ، لا سيما الصلاة والزكاة ، فإن لم يفعلوا ذلك ذلك فهم غادرون لا يستقيم لهم قول ، ولا يقبل منهم عهد ، ولا تؤخذ منهم جزية لأن خيانتهم قد سبقت ، فشأنهم أن يُقتلوا إلا أن يسلموا ، كما فعل النبي بيهود بني قريظة لما ثبتت خيانتهم ، ولا سبيل لسلمهم إلا بالدخول في الإسلام حقا والتزام شعائره .

 

وبذلك نفهم أن آية السيف ينحصر تطبيقها على هذه الحالة فحسب ، وبذلك نفهم مناط تطبيق قول النبي r (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)[48]، فهو يكل الإيمان الصادق لنياتهم ، وإن لم تؤمن قلوبهم ، فليس علينا غير ظاهر أعمالهم ، أي إقامة الشعائر كالشهادتين والصلاة والزكاة ، فمتى ظلوا على ذلك عصمت دماؤهم وأموالهم ، ومتى ثبت كذبهم فليسوا أهلا لهذه العصمة .

 

وبذلك نفهم لماذا طبق الصحابة حد الردة ، ولأي سبب طبق هذا الحد ، فعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ مَا لِهَذَا قَالَ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ r )[49]، أي إنهم هربوا من القتل بعد خيانة العهد بالدخول في الإسلام من باب التقية ، ولكنهم لا يعجزون ، فظهرت خيانتهم مرة أخرى بالردة ، فقتلوا حدا ، لأنهم دخلوا بالكفر كما قال الله (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) (المائدة 61) ، فلم يدخلوا الإسلام إلا من باب الخداع ، لأنهم كما ذكرت الآيات يشترون بآيات الله ثمنا قليلا .

 

قوله (..فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ .....)(11) قال ابن عاشور (عقَّب الشدة باللين إن هم أقلعوا عن عداوة المسلمين بأن دخلوا في الإسلام ، وفرَّع على توبتهم أنهم يصيرون إخوانا للمؤمنين، فجُعلت توبتهم سببًا للأخوة مع المؤمنين ، أما في قوله "فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ" [التوبة:5] جعل المعقب بالتوبة هنالك هو الأمر بقتالهم والترصد لهم ، فناسب أن يفرع على توبتهم عدم التعرض لهم بسوء ، وقد حصل من مجموع الآيتين أن توبتهم توجب أمنهم وأخوتهم ، وجعلت الأخوة مذكورة ثانيا لأنها أخص الفائدتين من توبتهم)[50] .

 

ولعل الفائدة التي نلحظها من تكرار الإشارة إلى توبتهم مرتين ، والتعقيب في الأولى بإخلاء السبيل وفي الثانية بإدراجهم ضمن صفوف الأخوة في الدين أنه يستحب التريث شيئا فشيئا بين "إخلاء السبيل" ، ولحوقهم بالمؤمنين ، ومنحهم "الثقة المطلقة" ، فلا يسوغ تكليفهم بأعمال دعوية فور إسلامهم ما لم يثبت إحسانهم العمل ، فإقامة الصلاة دليل على المواظبة على هذه العبادة خمس مرات في اليوم والليلة ، وهذا العمل يحتاج لالتزام طويل الأمد ، كذلك إيتاء الزكاة فإنها لا تجب إلا بعد حلول الحول ، أي سنة تقريبا ، ما يعني أن الفترة اللازمة لمنحهم هذه الثقة لا تقل عن سنة ، وذلك لإتاحة الفرصة لمراقبتهم والتأكد من حسن إسلامهم ، كما أنها فترة كافية لفهم تعاليم الإسلام والالتزام بأحكامه ، إذ لو كان في القلب شيء من النفاق فإنه يتطهر بالمواظبة على هاتين العبادتين ، وعليه يجب التريث قبل والاعتماد عليهم ، ويتحقق ذلك رويدا رويدا بالامتحان والاختبار والابتلاء ، كما يبتلى اليتيم حتى يثبت رشده ، وأهليته لإدارة أمواله .

 

وقوله (وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي نبيّنها ونوضحها ، قال أبو حيان (وهذه الجملة اعتراض بين الشرطين ، بين قوله "فإن تابوا" ، وقوله "وإن نكثوا" ، بعثاً وتحريضاً على تأمل ما فصل تعالى من الأحكام ، وقال لقوم يعلمون لأنه لا يتأمل تفصيلها إلا من كان من أهل العلم والفهم)[51].

 

أي إنه إذا تحققت الجدارة –كما تقدم -فإنهم يمنحون الثقة لأن يكونوا أهلا لتحمل فروض الكفاية كالجهاد في سبيل الله ، والحسبة والقضاء متى كانوا أهلا لهذه الولايات ، وقد ثبت حسن إسلامهم ، ويجوز نكاحهم للمسلمات .

 

أما قبل ذلك فإنهم يستفيدون بمجرد إسلامهم عصمة دمائهم وأموالهم ، قال الماوردي (وَتَصِيرُ بِلَادُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَحْرَزُوا بِإِسْلَامِهِمْ مَا مَلَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَرْضٍ وَمَالٍ ، فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَ مَنْ أَسْلَمَ)[52] ، أي لا يردون الأموال التي غنموها من المسلمين حال كفرهم متى أسلموا وحسن إسلامهم [53].

 

المسألة الخامسة : وجوب البدء أو التركيز على قتال أئمة الكفر لردعهم ردعا خاصا لتضييق دائرة القتال

 

قوله (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (12) (دل على أن المعاهد لا يقتل في عهده ما لم ينكث أو يطعن في الدين ، فالطعن في الدين صورة من صور النكث في العهد ، لأن العهود إنما أبرمت لأجل ألا يطعن أحدهم في الدين ، ولا يصد عن سبيل الله صاد .

 

 (وذِكر الأمرين -وهما "النكث" و"الطعن" - لا يقتضي توقف قتالهم على وجودهما معا ، بل يكفي حصول أحدهما لإيجاب قتالهم ، فإن النكث يقتضي ذلك بانفراده عقلاً وشرعاً)[54]، (وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم)[55] ، أي أن الطعن في الدين لا يلزم للبدء بقتالهم ، كما يكفي النكث في الأيمان ، فإن نكثوا حل قتالهم كذلك .

قال ابن عاشور في عطف "النكث" و"الطعن" هو (عطف قسيم على قسيمه، فالواو فيه بمعنى (أو) فإنه إذا حصل أحد هذين الفعلين : الذين هما "نكث الأيمان"، و"الطعن في الدين" ، كان حصول أحدهما موجبا لقتالهم، أي دون مصالحة، ولا عهد، ولا هدنة بعد ذلك)[56].

 

وقال (وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبئ بأن ذلك الطعن كان من دأبهم في مدة المعاهدة ، فأريد صدهم عن العود إليه ، ولم أقف على أنه كان مشروطا على المشركين في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا في الإسلام، في غير هذه الآية، فكان هذا شرطا عليهم من بعد، لأن المسلمين أصبحوا في قوة) [57].

 

ومن الأمثلة علي الطعن الذي استوجب القتال أو العقوبة  قتل كعب بن الأشرف: كان كعب بن الأشرف شاعرًا يهوديًا يطعن في الإسلام، ويشبب (يتغزل) بنساء المسلمين، ويحرض على النبي r فأمر النبي r بقتله[58]

وروي عن ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ r وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ r وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ r أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَر)[59].

 

ومن الأمثلة على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين قتال أبو بكر لمانعي الزكاة ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا)[60].

كما قاتل مسليمة الكذاب الذي ادعى النبوة وأتباعه ، فعَنْ قَتَادَةَ قَالَ مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْأَنْصَارِ ،فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ قَالَ وَكَانَ بِئْرُ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ)[61]

وقاتل علي بن أبي طالب الخوارج الذين كفروا الصحابة ، فعن زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ r لَاتَّكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ*)[62]

 

كما قاتل الإمام "علي" الزنادقة ، والسبئية أتباع عبد الله بن سبأ ، وقد اختلف معه ابن عباس في طريقة قتلهم ، لأنه حرقهم ، فعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّقَ قَوْمًا-وفي رواية (زنادقة)[63] - فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ r مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)[64].

عن أبي الطفيل قال (أتى علي بقوم زنادقة فقالوا أنت هو قال من أنا قالوا أنت هو قال ويلكم من أنا قالوا أنت ربهم فقال علي إن قوم إبراهيم عضبوا لآلهتهم فأرادوا أن يحرقوا إبراهيم بالنار فنحن أحق أن نغضب لربنا ثم قال يا قنبر دونكهم فضرب أعناقهم ثم حفر لهم حفر النار وألقاهم فيها)[65]

 

قوله (..فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (12) والمقصود بأئمة الكفر عند ابن عباس (رؤوس قريش)[66]، أي أن قتالهم أولى من قتال غيرهم ، بل هو كاف ورادع لغيرهم ، وبقتالهم تُكف الأيدي عن قتال الباقين ، قال ابن جزي (الآية على العموم دون تعيين  لأن (أبو جهل ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، وسهيل بن عمرو) ، فأكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة)[67]، ولذلك يدخل في معنى أئمة الكفر زعماء اليهود ، وكذلك يدخل فيه (الذين غدروا برسول الله r ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان على أن لا يعينوا عليه أعداءه من المشركين، وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على إخراج النبي r) ، (فكل هؤلاء يدخلون في معنى"أَئِمةَ الكُفْرِ"[68] .

 

ولعل المقصود بأئمة الكفر – كذلك فضلا عما تقدم - من يديرون هذه الحروب وتلك المؤامرات لأن في رصدهم وقتلهم حقن لدماء كثير من الجند ، فهم الذين يصدون عن سبيل الله ، وهم الذين قال الله في شأنهم (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة/64) ، ومعلوم أن اليهود هم الذين يديرون الحروب في كل بقاع العالم ، وبقتلهم تصل الدعوة لمن حُجبوا عنها .

 

 ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان بَاب"فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ" وأورد تحته حديث عن زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ وَلَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ r تُخْبِرُونَا فَلَا نَدْرِي فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا قَالَ أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ ، أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ ، شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ)[69] ، فالحديث يدل على انحصار أئمة الكفر في قلة قليلة معروفة سواء من الكافرين أو المنافقين ، كما يدل على أن المنافقين ادخلوا ضمن معنى أئمة الكفر لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، ورغم ذلك كانوا معروفين لدي الصحابة.

 

 ففي قصة كعب بن مالك رحمه الله وتخلفه عن تبوك، قال: "فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ r فَطُفْتُ فِيهِمْ ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ" [70]  ، وفي هذا بيان أن "المنافقين قد كانوا معروفين قبل تبوك ، ثم تأكد ذلك بتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم ، ثم نزلت سورة براءة فقشقشتهم ، بهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم ، قبل وفاة النبي r "[71] .

 

 بهذا يتضح أن أئمة الكفر من المشركين أو اليهود أو المنافقين جميعا ، وجميعهم لم يُمَكِّنهم الله تعالى من المسلمين بل ظل دين الله محفوظا لم يمسه مشرك أو كافر أو منافق ، بل فشلت كل محاولاتهم للطعن في الدين ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية (والصحابة المذكورون في الرواية عن النبي r والذين يعظمهم المسلمون على الدين كلهم كانوا مؤمنين به ، ولم يعظم المسلمون ولله الحمد على الدين منافقا ، والإيمان يُعلم من الرجل كما يُعلم سائر أحوال قلبه من موالاته ومعاداته وفرحه وغضبه وجوعه وعطشه وغير ذلك ، فإن هذه الأمور لها لوازم ظاهرة ، والأمور الظاهرة تستلزم أمورا باطنة)[72].

 

وقد اجتهد الصحابة والتابعين في تطبيق هذه الآية لاختصار أمد القتال ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أَنَّهُ  حِينَ وَجَّهَهُمْ أَبِو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ، قَالَ إِلَى النَّاسِ:"إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُحَوَّقَةً رُءُوسِهِمْ فَاضْرِبُوا مَقَاعِدَ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ بِالسُّيُوفِ ، فَوَاللَّهِ لأَنْ أَقْتُلَ رَجُلا مِنْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ سَبْعِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ:  " فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ "[73].

 

قوله (..لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (12) قال الزمخشري (هذا متعلق بقوله (فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر) أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عما هم عليه ، وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد)[74].

 

 

المسألة السادسة : القتال لتحقيق الرد العام عن النكوث في الأيمان أو الهم بالخيانة ودرء الفتنة

 

قوله (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (13) تضمن الحض على جهاد الطلب بعد بيان مبرراته ومفهومه وبيان علته ، وابتدأ بذكر السبب الرئيسي لقتالهم وهو نقضهم عهودهم من المسلمين ، فلا يستأمنون بعد ذلك ، فمن نقض العهد مرة لا يستأمن على عهد جديد ، فلا سبيل للسلم معهم بغير كسر شوكتهم ونزع سلاحهم ، ليدخلوا كرها في طوع المسلمين ، الذين يعاملونهم بعد كسر شوكتهم معاملة أهل الذمة من عصمة الدم والمال ، فتجب الجزية عليهم لأجل نزع سلاحهم ويع على المسلمين واجب حمايتهم . 

 

قوله (..وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ..) (13) فقد ذكر القرآن في مواضع أخر محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، كقوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) [الأنفال30]، وقوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا) [الإسراء 76].

 

وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل ، أي خرج مضطرا لسوء معاملتهم له ، كقوله (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) [الممتحنة1]، وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) [محمد13]، وقوله (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [التوبة40]، قال الرازي (فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه)[75] .

 

والاكتفاء بذكر الهم بارتكاب هذه الجريمة كمبرر لقتالهم ، يدل على جواز تحرك قوافل المسلمين للجهاد بمجرد أن يعلموا بهذا الهم ، (مثلما اجتمعت قريش في دار الندوة وهموا على فعل ذلك)[76] ، فالمسلمون يجب أن يسبقوا عدوهم بخطوة ، ولا ينتظرون تحركه قبلهم متى ثبت لديهم هذا الهم وتلك المؤامرة سواء تعلقت بالمسلمين أو بقياداتهم أو أحد زعمائهم ، ولو فرد واحد منهم ، لقوله r (المسلمون تتكافأ دماؤهم) [77].

 

فقوله (..وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ..) حض الله المجاهدين على الجهاد ، بعدما أزاح الشبهات التي قد تعلق في أذهان البعض ، فتجعلهم يترددون في الإقدام على الجهاد ، أو يخافوا عدوهم ، بتذكيرهم ما بدر من المشركين من نبذ عهود المشركين والبدء بقتالهم أول مرة ، فالبادئ بالقتال لابد وأن يكرر فعلته مرارا وتكرارا حتى يردعه رادع ، ولا يردعه غير كسر شوكته بقتال مثله ، كما في قوله (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة 190) .

 

قال الزمخشري أي : (وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة ، لأن رسول الله r جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم البادءون بالقتال والبادىء أظلم ، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله ، وأن تصدموهم بالشرّ كما صدموكم؟ وبخهم بترك مقاتلتهم وحضّهم عليها ، ثم وصفهم بما يوجب الحضّ عليها ، ويقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب ، حقيق بأن لا تترك مصادمته ، وأن يوبخ من فرط فيها)[78].

 

وقد فرق مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بين جهاد الدفع ومبرراته وجهاد الطلب ومستندهما الشرعي ، فأصدر قراره رقم 207 (3/22) ما نصه [79]:-

جهاد الدفع : وهو ما يفرضه واجب الدفاع الشرعي المقرر إذا حدث اعتداء على الأمة أو المجتمع أوالدين أو الوطن أو الأفراد، وهذا الجهاد يزول حكمه بزوال الاعتداء وخروج العدو من بلاد المسلمين. يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)

وأما جهاد الطلب: هو الذي يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة وإزالة العوائق أمامها كما يهدف إلى الدفاع عن المستضعفين والمضطهدين بالأرض وفق ضوابط وشروط حددها الفقهاء تحقيقًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة.

قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:39]، وقال سبحانه: (مَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) (النساء:75).

 

ما يعني أن جهاد الطلب يدور كذلك في مبرراته حول مبررات جهاد دفع ، بيد أن الفارق بينهما أنه في جهاد الدفع يكون الخطر حال وواقع فعلا ، ويكون مقصده تحرير بلاد المسلمين من عدو يستحل بيضتها ، بينما في جهاد الطلب فإن الخطر مستقبل وقد يكون وشيكا فيزداد مبرره ، ويدل عليه نقض العهد أو الطعن في الدين أو الصد عن سبيل الله ، ويكون بقصد منع الفتنة وتحرير الضعفاء من ظلم الظالمين في جميع بلاد الله التي يورثها لمن يشاء من عباده.

 

وقوله (..أَتَخْشَوْنَهُمْ..) فالخشية توجب الإقدام لا الخور والجبن والانخزال ، بذلك وضح واستبان مفهوم جهاد الطلب ، فالخشية هي المنطلق الفكري لغزو ديار الخائنين ، بهذا تنقلب الخشية من هجوم العدو علي المسلمين وغدره بهم ومباغتته لهم إلى مبادرة من المسلمين بالهجوم عليه منعا لضرر يخشى وقوعه مستقبلا ، فيُدفع الضرر الأكبر بالضرر الأدنى ، بمعنى ارتكاب أخف الضررين .

 

ولذلك خرج رسول الله r بعد غزوة الأحزاب وقد تجمعت عليه قبائل العرب وخانه اليهود الذين عاهدوه أقوى من ذي قبل ، فلم يخش أن يعيد العرب التحزب عليه مرة أخرى ، ولم ينتظرهم حتى يأتوه ، بل إنه بادر بعد ذلك للخروج إليهم ، ما لم يكن بينه وبينهم عهد ، فسُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ حِينَ أَجْلَى الْأَحْزَابَ عَنْهُ (الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ)[80] ، فكان ذلك هو المنطلق الفكري والنبوي لجهاد الطلب .

 

وقوله (..فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ..) تضمن الخطاب تهديدا لمن تخلي عن قتالهم خشية منهم ، وهو ما يستدل منه على وجوب جهاد الطلب ، مثلما هو معروف من وجوب جهاد الدفع ، وأن التخلي عن هذا أو ذاك آثم ، قال البغوي أي (في ترك قتالهم)[81] ، قال الطبري (فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم، وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله)[82] .

 

فمن أصول أهل السُّنَّة والجماعة اعتقادَهم بفرضيَّة الجهاد وبقائِه إلى قيام السَّاعة؛ طلبًا ودفعًا،  وهو من أفضلِ القُرُبات، ومن أعظم الطَّاعات، وقد وضع العلماء ضوابط هذه المسألة بعد الإقرار بأن جهاد الطلب فرض كفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الكل ، فقال بعضهم (علماء المسلمين الذين أفتَوْا بوجوب جهاد الطَّلب، أوْجَبوه على القادِر لا على العاجز، فإذا كانت الأمَّةُ ...-وفق تقدير ولاة الأمور[83]- بمجموعها غيرَ قادرةٍ على دفْع العدوِّ الصائل، وأعداء الإسلام أقوى منها عُدَّةً وعتادًا بمراحل؛ فكيف يُقال: إنَّهم يأثمون جميعًا إذا لم يَرفعوا عَلَمَ الجهاد، وهو جهادُ طلب وليس دفعًا؟! بل يقال: يجب عليهم أن يعدُّوا عُدَّتَه، ولكلِّ زمان عُدَّتُه وسلاحُه؛ هذا فيما يتعلَّق بجهاد الطلب)[84].

 

قوله (..إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (13) علق الإقدام للغزو على صدق الإيمان فقال r (إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) ، لأن المؤمن هو الذي يتجهز للجهاد من حيث القدرة ، فمن لم يتجهز له فأين الإيمان في قلبه ؟ ، وقد قال النبي r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) [85]، قال الصنعاني (فيه دليل على وجوب العزم على الجهاد ، وألحقوا به فعل كل واجب ، قالوا فإن كان من الواجبات المطلقة كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكانه وإن كان من الواجبات المؤقتة وجب العزم على فعله عند دخول وقته)[86].

 

فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ ، قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ)[87]، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ) [88]، أى (يُحْضِر ويْمرح فى حَبْله فيكتب له ذلك الاستنان حسنات)[89].

 

 

 

 

المسألة السابعة : القتال لأجل تحقيق القصاص للمظلومين وشفاء صدورهم

 

قوله (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (15) بينت هذه الآية الأغراض الثانوية –وليست الأساسية – للجهاد ، فالأغراض الأساسية سبق وأن بينها قول النبي r (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ (فذكر الحديث) [90] ، وفي رواية (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[91].

 

أما الأغراض الثانوية المشروعة فقد بينتها هذه الآية وتتمثل في تعذيب الكافرين بأيدي المؤمنين وإلحاق الخزى والعار والهزيمة النفسية بهم انتقاما للمؤمنين الذين لحقهم الأذى المادي والمعنوي منهم بما يحقق الشفاء لصدورهم مما أصابها من ألم وغيظ ، ولهذا انتقم بلال من أمية بن خلف في بدر وقتله ، فذلك الرجل عذبه في مكة أشد التعذيب ، فمكنه الله منه في بدر ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (لَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ .. أَبْصَرُ بِلَالٌ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ)[92] ، وفي رواية (فَلَمّا رَآهُ قَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا)[93] .

 

من ذلك نرى مدى الأذى الذي أصاب المؤمنين من عدوان الكافرين ، وكيف أن نصر الله سبحانه يتأخر ولابد وأن يتأخر حتى أصاب المؤمنين مثل هذا الأذى ، ولذلك قال الله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة/214) .

 

وقد مس الصحابة بلاء كثير ، وكان أقله أن يخر الرجل منهم من قامته أثناء الصلاة مع رسول الله r مغشيا عليه بسبب الضعف والجوع ، فَقَالَ رسول الله r لأهل الصفة (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً)[94]، فهؤلاء الصحابة هم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة ، وقد سلبت قريش أموالهم ، وتحملوا الضعف في المدينة والجوع حتى أتاهم نصر الله .

 

المسألة الثامنة : القتال يكشف الولائج بين المنافقين والكافرين

 

قوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (16) أي يصطفي الله المجاهدين بعد الغربلة ،فيصيرون أهلا للتمكين ، ذلك أن الابتلاء بأذى الكفار هو في حقيقته تمحيص للصف المسلم حتى لا يبقى فيه طالب للدنيا ، ليتجرد المجاهدون من حظوظ النفس ، وتكون غايتهم الله وحده ، فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ (أَبَى –الله- أَنْ يَدَعَهُمْ دُونَ التَّمْحِيصِ)[95]

 

قال أبو بكر الجزائري أي (أتحسبون أن تتركوا بدون امتحان ، وأنتم خليط منكم المؤمن الصادق ، ومنكم المنافق الكاذب ، فمن جملة ما كان يوحى به المنافقون التثبيط عن القتال بحجة أن مكة فتحت وأن الإِسلام عز ، فما هناك حاجة الى مطاردة فلول المشركين ، وهم يعلمون أن تكتلات يقودها الساخطون على الإِسلام حتى من رجالات قريش يريدون الانقضاض على المسلمين وإهدار كل نصر تحقق لهم)[96].

 

قوله (..وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) عن ابن عباس، قال: (الوليجة: البطانة من غير دينهم)[97] ، قال الخازن (والمقصود من هذا نهي المؤمنين عن موالاة المشركين وإن يفشوا إليهم أسرارهم)[98]، كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران 118) قال أبو حيان أي (حتى يتبين الخلَّص منكم وهم المجاهدون في سبيل الله الذين لم يتخذوا بطانة من دون الله من غيرهم)[99].

 

ذلك أن دأب المنافقين هي إقامة علاقات مع المشركين لمصالح بينهم ، فإذا ما أضحى هؤلاء المشركين أعداء للمسلمين لنقض العهد ، فإنهم لا ينقضون علاقتهم بهم ، بل تظل بينهم وشائج وصلة ، ولو في السر يتخابرون بينهم ، قال الجياني في قوله "وليجة" كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم ، والمراد بالوليجة في الآية "البطانة" أي (الدخلاء من المشركين يخالطونهم ويودونهم) [100] أي (دخيلة) وهي الرجل يُدخل في القوم وهو ليس منهم ويطلعونه على أسرارهم وبواطن أمورهم ، (فهناك من اتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة يلطعونها على أمور المسلمين ، ويسترون عليهم وهي بينهم دخلية)[101].

 

والمعنى المستفاد من الآية –وفقا لمفهوم المخالفة - أن من يبطن علاقة في السر مع المشركين ويخالطهم ويودهم ، فإنه لابد وأن ينسلخ بالتبعية من موالاة الله ورسوله والمؤمنين ، فلا يمكن الجمع بين الأمرين ، فإما أن يكون ولاؤه لله ورسوله والمؤمنين أو أن يكون للكافرين والمشركين ، ولذلك لابد قبل أن ينطلق المسلمون للفتح وجهاد الطلب أن يتطهر الصف المسلم من هؤلاء المنافقين ، حتى يمن الله عليه بالنصر ، لأنهم لا يزيدون المسلمين إلا خبالا ، وحتى يحصل ذلك لابد من كشف العلاقة الباطنية بين المنافقين والكفار ، وتحمل ابتلاءات الجهاد والقتال هو الذي يكشف المنافقون ، الذين لا يتبعون الرسول في جهاد إلا إذا ظهر منه مغنما ، فإن ظنوا فيه مغرما تخلفوا عنه ، هنا يتحقق التمحيص كاملا ، وتتحقق التربية بالجهاد في سبيل الله ، وهكذا يكون تمحيص أهل التمكين كما قال ابن كثير بحيث يكون (الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله)[102].

 

فلابد من تجرد العامل لله تعالى من كل شيء ، فلا يجوز أن يدخل في العمل لله شيء من حظوظ النفس إطلاقا ، لا يداخله عجب ولا رياء ولا غرور ولا طلب السمعة ولا انتقام أو غضب للنفس ولا عصبية أو قبلية ، بل ، لاسيما عند الجهاد في سبيل الله ورفع راية الإسلام ، فلم يكن النبي r ولا أصحابه ينتصرون لأنفسهم قط ، بل كانوا ينتصرون لله ، ويغضبون لله ، وليس لأنفسهم حظ من ذلك ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ (وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ r لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ)[103].

 

كذلك وصى النبي r أصحابه بالتزام هذا الخلق في كل حال حتى إذا استطال الأذى وضاق صدرهم به ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r جَالِسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَعَ رَجُلٌ بِأَبِي بَكْرٍ فَآذَاهُ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ آذَاهُ الثَّالِثَةَ فَانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ انْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوَجَدْتَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r نَزَلَ مَلَكٌ مِنْ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ)[104].

 

 

[1] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 61

[2] ) التحرير والتنوير ج10 ص 27

[3]) التحرير والتنوير ج10 ص 28

[4] ) تفسير القطان ج2 ص 121

[5] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3380

[6] ) الوسيط لطنطاوي ج1 ص 1897

[7] ) في ظلال القرآن ج2 ص 480

[8] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 187

[9] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 115

[10] ) رواه أبو داود في سننه ج7 ص 410 رقم 2384 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص265 رقم2765

[11] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 276 ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ج5 ص 13 وابن أبي حاتم عن السدي

[12] ) تفسير القطان ج2 ص 121

[13]) التحرير والتنوير ج10 ص 28

[14] ) تفسير الطبري ج14 ص 142

[15] ) تفسير الثعلبي ج1 ص 998

[16]) التحرير والتنوير ج10 ص 28

[17] ) سراج الملوك ج1 ص 55

[18] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3384

[19] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 48

[20] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3383

[21] ) التحرير والتنوير ج10 ص 30

[22] ) رواه البخاري ج10 ص 443 رقم 2940

[23] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج7 ص 409 رقم 4032

[24] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 44

[25] ) أطلق خبراء الأعراق لقب الروم على خليط من الأعراق الرومانية والإغريقية التي سيطرت وتبادلت حكم نفس المناطق في حوض البحر الأبيض المتوسط عبر القرون وأختلطت أجناسها وثقافاتها ولغاتها اللاتينية والإغريقية بلهجاتها.

أستوطن الروم بصورة رئيسية الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط من الأناضول الى المحيط الأطلسي ويمتد شمالاً الى اسبانيا وفرنسا وألمانيا ومناطق حوض البحر الأسود في دول البلقان وأرمن القوقاز وأوكرانيا، أي كل أوربا تقريباً.

وتوسع حكم الروم الى الشام وشمال ما بين النهرين الى الأنبار (وأحيانا الى الخليج) ومصر وشمال الصحراء الأفريقية الكبرى - ساحل حوض البحر الأبيض المتوسط الجنوبي.

[26] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 108 رقم 4079 وصححه الألباني ج2 ص 389 رقم 3302

[27] ) حسام كمال النجار : نبوءة النبي r تصالحون الروم صلحا آمنا

  www.alukah.net/sharia/0/92521/نبوءة-النبي..-تصالحون-الروم-صلحا-آمنا/

[28] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 523 رقم8496 ، وأبو داود ج11 ص 373 رقم 3746 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 140

[29] ) الكشف والبيان ج5 ص 15

[30] ) تفسير الألوسي ج7 ص 166

[31] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4ص28

[32] ) رواه أبو داود ج8 ص 261 رقم 2630 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 387

[33] ) رواه البخاري ج10 ص 93 رقم 2723

[34] ) سير أعلام النبلاء ج2 ص 106

[35] ) كنز العمال ج10 ص 554 رقم 30237 ، معرفة الصحابة للأصبهاني ج11 ص 215

[36] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 190

[37] ) التحرير والتنوير ج10 ص 31

[38] ) التحرير والتنوير ج10 ص 31

[39] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647

[40] ) ابن عجيبة البحر المديد ج2 ص 384

[41] ) التبيان في تفسير غريب القرآن ج ص 222

[42] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 190

[43] ) في ظلال القرآن ج3 ص 481

[44] ) رواه البخاري ج11 ص 444 رقم 3343

[45] ) رواه مسلم ج1 ص 350 رقم 208

[46] ) رواه أحمد في مسنده ج34 ص 25 رقم 16094 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3ص347 رقم 1273

[47] ) رواه الترمذي ج8 ص 422 رقم 2326 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 105

[48] ) رواه البخاري ج1 ص 42 رقم 24

[49] ) رواه البخاري ج22 ص 73 رقم 6624

[50] ) التحرير والتنوير ج10 ص 34

[51] ) البحر المحيط ج6 ص 134

[52] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 83

[53] ) قد تقدم ذكر هذا الحكم فليراجع

[54] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 49

[55] ) أحكام القرآن  للهراسي ج3 ص 49

[56] ) التحرير والتنوير ج10 ص 36

[57] ) التحرير والتنوير ج10 ص 36

[58] ) وقد ذكرت قصة قتله في سورة الآنفال : في قوله (فشرد بهم من خلفهم)

[59] ) رواه أبو داود ج11 ص 437 رقم 3795 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص361

[60] ) رواه البخاري ج 21 ص 244 رقم 6413

[61] ) رواه البخاري ج12 ص 480 رقم 3770

[62] ) رواه مسلم ج5 ص 308 رقم 1773

[63] ) رواه البخاري ج21 ص 241 رقم 6411

[64] ) رواه البخاري ج10 ص 211 رقم 2794

[65] ) رواه محمد بن جرير الطبري : تهذيب الآثار مسند الإمام علي ج3 ص 82

[66] ) الدر المنثور ج5 ص 20

[67] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 585

[68] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 50

[69] ) رواه البخاري ج14 ص 217 رقم 4291

[70] ) رواه البخاري ج13 ص 328 رقم 4066

[71] ) عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في "الأنوار الكاشفة" لما في كتاب أضواء على السنة (ص278)

[72] ) منهاج السنة النبوية ج8 ص 335

[73] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 193

[74] ) الكشاف ج2 ص 401

[75] ) تفسير الرازي ج7ص469

وقال : واختلفوا فيه فقال بعضهم : المراد إخراجه من مكة حين هاجر . وقال بعضهم : بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل . وقال آخرون : بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد ، وإعانة أعدائه

[76] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 585

[77] ) سبق تخريجه

[78] ) الكشاف ج2 ص 402

[79] ) https://iifa-aifi.org/ar/3979.html

[80] ) رواه البخاري ج13 ص 14 ص 3801

[81] ) تفسير البغوي ج4 ص 18

[82] ) تفسير الطبري ج14 ص 158

[83] ) هذه الإضافة من عندي

[84] ) علوي بن عبد القادر السقاف : وقد أثنى عليه الشيخ مصطفى العدوي

https://dorar.net/article/1687/ /إشكالية-الغلو-في-الجهاد-المعاصر

https://www.youtube.com/shorts/CIQl0xMXZ1g

[85] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533

[86] ) سبل السلام ج4 ص 41

[87] ) رواه البخاري ج9 ص 347 رقم 2577

[88] ) رواه البخاري ج9 ص 347 رقم 2577

[89] ) الفائق في غريب الحديث والأثر ج2 ص 203

[90] ) رواه البخاري ج9 ص 383 رقم 2599

[91] ) رواه البخاري ج22 ص 470 رقم 6904

[92] ) رواه البخاري ج8 ص 87 رقم 2137

[93] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 631

[94] ) رواه الترمذي ج8 ص 372 رقم 2291

[95] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 198

[96] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 64

[97] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 198

[98] ) تفسير الخازن ج3 ص 235

[99] ) البحر المحيط ج6 ص 139

[100] ) الجياني : شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري : التبيان تفسير غريب القرآن ج1 ص 222

[101] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 64

[102] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 118

[103] ) رواه البخاري ج19 ص 88 رقم 5661

[104] ) رواه أبو داود ج13 ص 47 رقم 4251 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج5 ص 375 رقم 2376

  • السبت PM 03:31
    2026-05-09
  • 11
Powered by: GateGold