المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1910714
يتصفح الموقع حاليا : 588

البحث

البحث

عرض المادة

المنافقون غير مأهلين معنويا للجهاد ،وبالكاد يمكن تألفهم

د / احمد  نصير

المنافقون غير مأهلين معنويا للجهاد ،وبالكاد يمكن تألفهم

 

قال تعالى (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

 

لما أراد المنافقون أن يصلحوا صورتهم أمام المؤمنين بعدما تخلفوا عن الجهاد ، قدموا بعض النفقات ، وبعضهم قدمها طوعا ، وقد ينفقونها طوعا لإظهار مشاركتهم في العمل العام وإحسانهم للناس ، ولكن الله لا يقبل صدقاتهم لكفرهم وإن أظهروا الإيمان بالله والإحسان للناس ، فهؤلاء قد يمن الله عليهم بالأولاد والأموال تعجيلا لحظهم في الدنيا من أعمال الخير التي عملوها حتى إذا ما انقلبوا للآخرة لم يبق لهم حسنة يجازون بها ، وآخرون أنفقوها كرها ، فيعذبهم الله بها إذ لم يقصدوا من ذلك خيرا ، حيث تضيق أنفسهم بالإنشغال بالأموال والأولاد .

 

إذ ضاقت الدنيا علي المنافقين ، فلم ينتفعوا بأموالهم ، ولم يبارك لهم في أولادهم ، فإنهم يلجئون إلى مخالطة المؤمنين ، يظنون أنهم بتلك المخالطة ينطلي على المؤمنين خداعهم فيظنونهم منهم ، وقلوبهم ترتجف – في ذات الوقت - خوفا من أن ينكشف زيفهم ، ويتخيلون صورتهم  -في كل لحظة  - عندما تنكشف حقيقتهم وييستبين أنهم مشعلوا الفتن بين الناس ، فيفرون ويختبئون خوفا من عقاب المؤمنين لهم ،فإذا ما سلموا من العقاب ، فإنهم يعودون إلى الإيقاع بين الناس ، فلا يكفون عن الغمز واللمز ، والتقليل من جهود المؤمنين في سبيل الله .

 

ويظلون على هذا الحال من التخفي والتستر والنفاق لأن كل همهم وشغلهم أن ينالوا نصيبا من المال والقسمة إذا ما انتصر المسلمون ، وليسوا أهلا لتلك القسمة بتخلفهم عن الجهاد ، فلا هم غزوا وأرضوا ربهم ،ولا هم عملوا وكسبوا وتوكلوا علي الله ورغبوا في رزق ربهم ، فلما خسروا المغانم تطلعوا في أموال الصدقات ، وهي لا تحل عليهم ، وقد حدد الله مصارفها علي سبيل الحصر ، فإن جاز أن يأخذوا منها فمن باب تأليف قلوبهم ، لعلها تنصلح بها .

 

ويمكن في هذا المقطع الحديث عن عدة نقاط رئيسية كما يلي : -

  • الرياء أحبط أعمال المنافقين 53-54
  • الإسلام لا يستقوى بالمنافقين 55
  • اضطراب حياة المنافقين حتى الزهوق 56
  • خوف المنافقين وسوء حالتهم النفسية 57
  • تنكب المنافقين وجه الصالح العام وسخطهم عند القسمة 58 -59
  • يجوز منح المنافقين شيئا من أموال الصدقات تألفا لقلوبهم 60

 

أولا : الرياء أحبط أعمال المنافقين :

 

قوله (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) (53) أي لن تنطلي علينا حيلتكم وتمحكم بأعمال المؤمنين لتستروا نفاقكم بها ، قال البغوي أي (إن أنفقتم طوعا أو كرها)[1]، قال ابن عاشور (كأنهم قالوا ذلك مع شدة شحهم لأنهم ظنوا أن ذلك يرضي النبي r عن قعودهم عن الجهاد) ، فقوله (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) أي (بمال تبذلونه عوضا عن الغزو، أو بمال تنفقونه طوعا مع خروجكم إلى الغزو) [2].

 

قوله"طَوْعاً" قال الشعراوي (يكشف أن ما ينفقونه كان اختيارا منهم ، وكذلك كانت أحوال المنافقين كلها ، فمنهم من قدم أولاده للجهاد ، ومنهم من قدم بعضاً من ماله ، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم ، وكان الواحد يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد ، ويفعل ذلك طوْعَ إرادته ، خوفاً من افتضاح نفاقه لا طاعة لله ، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود ، أما مثل تلك الأفعال التي صدرت منهم ،وإن نبعت من طوع النفس فقد كانت للمظهر وليست للعبادة)[3].

 

قوله" أَوْ كَرْهًا " (الكُره هنا للمشقة)[4] ، وعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ"هَذَا فِي الزَّكَاةِ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ أُمَّتِهِ طَائِعِينَ أَوْ كَارِهِينَ، فَأُخِذَتْ مِنْهُمْ)[5].

 

وفي المقابل تجد أن الله تعالى كتب الجهاد في سبيله وفرضه وهو يعلم كره المؤمنين له ، كما في قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) (البقرة/216) ورغم ذلك يقبل المؤمن على الجهاد في سبيل مولاه ولو كان كارها له ، لأن الشرع أوجبه عليه ، فهو يسلم بما فرضه الله عليه ، إيمانا بحكمته وسعة علمه (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة/216) ، فالمؤمن يعلم أن الطاعة واجبة عليه في المنشط والمكره ، ولذلك فإنه يُطوِّع نفسه على فعل ما يرضاه الله ورسوله ، ولو لم يكن يسيرا عليه ، سهلا على قلبه ، فيصير الخروج للجهاد سهلا ويسيرا على جوارحه التي طوعوها لله ، وقد تألف قلبه على حب الجهاد بعد أن صحح نيته لله.

 

فقوله (..لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ..) تيئيس لهم أن تطولهم رحمة الله وإن عملوا صالحا ، بإخبارهم أن الله أنزل عليهم عقوبة بإحباط أعمالهم التي شابها الشرك بالله حتى ولو كانت قد صدرت منهم عن طواعية واختيار ، بسبب اختلاط الرياء بها ، فالله تعالى لا يتقبل إلا عملا خالصا له ، ولا عبرة البتة بما هم فيه من نشاط وخفة في الإقبال على الطاعات طالما كان رياءً وطلبا للسمعة ، إذ صاروا بها في الحكم مثل أفعال الكافرين .

 

 فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[6] ، فقد ساوى الله أعمال المنافقين بأعمال الكافرين ، فكلاهما حبطت أعمالهما ، لأنها لم تكن يوما خالصة لله ، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم .

 

قوله (..إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) (53) بيان لعلة إحباط أعمالهم الصالحة وعدم تقبل الله لها ، وردها عليهم [7]، هذا على وجه الإجمال ثم فصل السبب في قوله (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (54).

 

قوله (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (54) يبدو أن الآية ذكرت ثلاثة أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم ، فبدأت بأول سبب أنهم يبطنونه الكفر بالله وبرسوله ، والكفر وحده كافيٌ في عدم القبول ، ثم ذكرت سببين آخرين - هما من آثار الكفر والفسوق-يدلان على أن عبادتهم رياء ، فصلاتهم لأجل رياء الناس ، وحالهم فيها لا يسر ، ليس فيها همة ولا خشوع ، ودفعهم للإمام زكاة المال على كره ومضض ، فذكر هذين السببين إشارة إلى تمكن الكفر من قلوبهم ، ويومئ بعدم الانخداع بصلاتهم ولا بصدقتهم ، فهي أعمال قربات ظاهرة "الصلاة" و"النفقة"   ، يظهرون الإيمان بهذين العملين الخاليين من الإخلاص ويبطنون الكفر وهو كاف لإحباط أعمالهم .

 

وعلى عكس ما يظن الناس فقد يطيل المنافق الصلاة فيغتر الناس بصلاته ، وهذا نوع من المنافقين ضليع في النفاق أخبر النبي r عنه ، فعنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ r يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ عُمَرُ ائْذَنْ لِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ لَا إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ)[8]، وفي ذلك كناية عن سرعة مروقهم من الدين كسرعة السهم ، فمن سرعة السهم يخترق جسم الهدف ويخرج بسرعة ، وهكذا يخرجون من الإسلام .

 

لكن غالبا ما تجد أن صلاتهم –أي المنافقين- بلا تعقل ولا خشوع ، ويغلب عليها الكسل والملل ، كما ينكشف نفاقهم بتكاسلهم عن صلاة الجماعة ، لاسيما صلاتي الفجر والعشاء ، فعَنْ النَّبِيِّ r قال (أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ )، وَقَالَ(لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) [9]، لأن الحياة قديما وقبل دخول الكهرباء كانت هادئة وبسيطة فكان العرب ينامون من بعد غروب الشمس ، قال النووي (العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب)[10] ، فكان يثقل علي المنافقين السهر حتى يؤدوها جماعة مع المسلمين ، وقوله r "أثقل الصلاة" محمول على الصلاة في جماعة[11]، فعبد الله بن عمر كان يقول ( كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن) [12]، قال الألباني ومعناه (أنه لا يغيب إلا لأمر سيئ ؛ إما في بدنه، وإما في دينه)[13]،  قال الشنقيطي (ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك)[14].

 

وكذلك فإن نفقاتهم دائما يشوبها الرياء والسمعة ، لذا فإنهم يعلنونها للناس حتى ينالوا شكرهم ومدحهم ، ففي الحديث عن رسول الله r قال (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ .. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)[15].

 

قال الزمخشري (الكراهية خلاف الطواعية ، وقد جعلهم الله تعالى طائعين في قوله" طوعاً " ثم وصفهم بأنهم "لا ينفقون إلاّ وهم كارهون" ، قلت : المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله r أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلاّ عن كراهية واضطرار ، لا عن رغبة واختيار)[16]، بمعنى أنه يبدو من فعلهم الصدقة أنهم ينفقونها طوعا لا جبرا ، فهم يؤدونها في موعدها وقبل طلبها منهم كذلك ، لكنهم يفعلون هذا الفعل مضطرين حتى لا ينكشف زيفهم ونفاقهم .

 

ثانيا : الإسلام لا يستقوى بالمنافقين ولا بأموالهم

 

قوله (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ..) (55) قال العلماء (نهى الله - تعالى - المؤمنين فى شخص نبيهم r عن التطلع إلى ما فى أيدى هؤلاء المنافقين فقال (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ . . ) [17]، إذ لا أمل في أن يأتي النصر من هؤلاء المنافقين ، فلا يطمع أحد فيما معهم من مال وما حولهم من عشائر وأولاد ، فلا يُظن أن الإسلام يستقوى بهم ، فالحق قوي بذاته ، وإنما يقوى المؤمنون إذا اتبعوا الحق ، ولا يقوى الحق بهم ولا بغيرهم .

 

 ومن جهة أخرى فإن الزكاة طهرة للأعمال ، ولكي تؤتي بركتها في أعمال البر لابد وأن يكون مصدرها حلال ، لقول النبي r (من جمع مالا حراما، ثم تصدق به، لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه)[18] ، وقال r "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ- فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ"[19].

 

كما يشترط لقبول الصدقة أن تنفق بنية خالصة لله تعالى ، فلا بركة في مال أنفقه منافق بنية يشوبها الرياء والمنٍّ والأذى ، لقوله تعالى (أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (البقرة 264) .

 

ثانيا : اضطراب حياة المنافقين حتى الزهوق

 

قوله (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا..) (55) أي إن ما يحوزنه من أموال -من جهة ثالثة -وما يستكثرون به من أولاد ، فإنما يمتعهم الله تعالى بها في الدنيا حتى لا يكون لهم نصيبا منها في الآخرة ، قال الثعالبي (حقَّر الله - في الآية- شأْنَ المنافقين ، وعلَّل إِعطاء اللَّه لهم الأَمْوَالَ والأولاد؛ بإِرادته تعذيبهم بها في الحياةِ الدنيا ، وفي الآخرة)[20].

 

 فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)[21]، قال أبو حيان (لما قطع رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ، بيّن أن الأشياء التي يظنونها من باب منافع الدنيا جعلها الله تعالى أسباباً ليعذبهم بها في الدنيا)[22]، قال ابن عجيبة وذلك (بسبب ما يكابدون في جمعها وحفظها من المتاعب ، وما يرون فيها من الأمراض والمصائب ، أو ما ألزموا به من أداء زكاتها ، مع كونهم لا يرجون خَلَفها ؛ فلا يستوفون التمتع بها في الدنيا؛ لقصر مدتها ، ولا يجدون ثواب ما أعطوا منها؛ لعدم إيمانهم)[23].

 

قوله (.. إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (55) يعني أن أموالهم وأولادهم في ظاهر الأمر هي سر سعادتهم في الدنيا ، لكن حقيقة الأمر خلاف ذلك ، فهم يعيشون بسببها حياة ممتلئة بالتعاسة والزهق ، قال الخازن (قيل إن سبب كون المال والولد عذاباً في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما ، فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ، ويزداد الحزن والغم بسب المصائب الواقعة فيهما)[24] .

قال ابن عاشور (كشف الله سرا من أسرار نفوس المنافقين بأنه خلق في نفوسهم شحا وحرصا على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه، فجعلهم بسبب ذلك في عناء وعذاب من جراء أموالهم، فهم في كبد من جمعها وفي خوف عليها من النقصان، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها، فقد أراد الله تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة، وتم مراده)[25] .

 

 والتعبير بقوله "وتزهق أنفسهم" تكرر في ذات السورة مرة أخرى في الآية 85 ، وهو كناية عن الضجر والملل حتى الموت رغم ما معهم من مال وبنين ، لكنهم يموتون وهم على هذا الحال من الكفر والزهق من الدنيا والملل منها ، فهو تعبير يدل على سوء الخاتمة ، ويوحي بأن أنفس المنافقين قد ملت من التظاهر بالإيمان وإسرار المعصية ، وسئمت أنفسهم كثرة محاولاتهم خداع المؤمنين ، فعذبهم الله بمشكلات أبنائهم وإدارة أموالهم ، فلم ينتفعوا بشيء منها حتى أدركهم الموت وهم على هذا الحال من العذاب النفسي ، والتلون في الشخصية كل لحظة ، وقد أوشكوا على إدراك أن جهودهم في محاربة المسلمين لأجل جمع مزيد من المال الحرام قد باءت بالفشل ، فهو تعبير يظهر مدى انزعاجهم وعدم اطمئنانهم ، وأن محاولاتهم في التخفي والاندساس بين المسلمين تكاد أن تكشف بعدما أصابهم الزهق والملل، ثم فجأة تنكشف حيلهم ويظهر كفرهم أمام أنفسهم وأمام المؤمنين ثم يقفون أمام الله فيحاسبهم ويعذبهم على ما فعلوا. 

 

ثالثا : شدة خوف المنافقين  وسوء حالتهم النفسية

 

قوله (وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ ..) (56) قال القطان (بعد أن بين الله حالة المنافقين وفضحَهم بأنهم يُظهرون غير ما يضمرون ، ذكر هنا غلوَّهم في النفاق بالحلف الكذب)[26] ، قال تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (الحديد 16).

يلقاكَ يحلِفُ أنَّهُ بِكَ وَاثِقٌ        وإذا تَوَارى مِنْكَ فَهُوَ العَقْرَبُ

يحلفون بالله ليصدق المؤمنون أنهم منهم ، وأنهم لا يتخابرون مع أعدائهم ، مخافة أن يشك فيهم المسلمون ، فيتحروا عنهم ، ويستبين نفاقهم ، فإذا تأكدوا من خيانتهم عوقبوا المسلمون على غدرهم وخيانتهم وتخابرهم .

 

وفي قوله "..وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ" فحقيقة أمرهم هو الخوف وتفرق القلب ، وليس اطمئنانه بذكر الله ، فهذا هو قلب المؤمن ، قال الراغب الأصفهاني "الفرق " (تفرق القلب من الخوف)[27] ، قال الألوسي (وأصل الفرق إنزعاج النفس بتوقع الضرر ) ، قيل : و(هو من مفارقة الأمن إلى حال الخوف)[28]، والمعنى (أنهم يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين ، فيظهرون الإسلام تقية وخوفاً)[29].

فالخوف لا يقي من الموت ولكنه يمنع من الحياة[30] .

 

قوله (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ [31]وَهُمْ يَجْمَحُونَ[32]) (57) قال صاحب المنار (هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَيَانِ سَبَبِ النِّفَاقِ، وَمُصَانَعَةِ الْمُنَافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْخَوْفُ وَبَيَانُ حَالِهِمْ فِيهِ ..إِنَّهُمْ لِشِدَّةِ كُرْهِهِمْ لِلْقِتَالِ مَعَكُمْ وَلِمُعَاشَرَتِكُمْ، وَلِشِدَّةِ رُعْبِهِمْ مِنْ ظُهُورِ نِفَاقِهِمْ لَكُمْ، يَتَمَنَّوْنَ الْفِرَارَ مِنْكُمْ، وَالْمَعِيشَةَ فِي مَضِيقٍ مِنَ الْأَرْضِ يَعْتَصِمُونَ بِهِ مِنِ انْتِقَامِكُمْ)[33]، وهذا لخوفهم من أن يحملهم المؤمنون على الجهاد ، أو يكلفونهم بالخدمة العامة كجمع الزكوات وإنفاقها على المستحقين ...أو التمريض أو التعليم..وسائر فروض الكفاية كإنكار المنكر والأمر بالمعروف...الخ .

 

  

 

فالقرآن يصور الحالة النفسية لدي المنافقين وإمعانهم في الهروب من المؤمنين خوفا وفزعا ، وكأنهم شياطين أينما سلك المؤمن فجا سلك المنافقون فجا آخر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ)[34]، وهم في روغانهم ذاك كما قال الشاعر :  ويَرُوغُ مِنْكَ كمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ[35]

 

رابعا : تنكب المنافقين وجه الصالح العام وسخطهم عند القسمة

 

قوله (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ..)(58) (واللمز: العيب، يقال لمزه إذا عابه)[36]، أي يعيب على النبي r تقسيمه للصدقات ، ويقول إنها ليست قسمة عادلة ، فعنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (اعْدِلْ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) .

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ - وَهُوَ الْقِدْحُ - ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ [37]فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ ، آيَتُهُمْ [38] رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ[39] يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ [40]مِنْ النَّاسِ)[41].

 قوله (يسبق الفرث والدم) يعنى أن السهم بعدما أصاب جسد الصيد مر مرا سريعًا فى الرمية وخرج ، ولم يعلق به من الفرث والدم شىء ، فشبه خروجهم من الدين ولم يتعلق منه شىء بخروج ذلك السهم) [42] .

 

 

 

قال القرطبي (مقصود هذا التمثيل أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام ولم يتعلق بها منه شئ كما خرج هذا السهم من هذه الرمية الذي لشدة النزع وسرعة السهم)[43]، قال ابن بطال (فإنما ترك النبى r قتله ؛ لأنه عذره بجهله ، وأخبر أنه من قوم يخرجون ويمرقون من الدين ، فإذا خرجوا –أي في قوة ومنعة-وجب قتالهم) [44] ، أما إذا كانوا فرادى فإنهم يُتألفون دعويا لعل قلوبهم تلين للإسلام حقا .

 

قوله (..فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)(58) قال صاحب الإشارة (لا يكون المؤمن كاملاً حتى يستوي عنده المنع والعطاء ، والفقد والوجد ، والفقر والغنى ، والعز والذل ، وأما إن كان في حالة العطاء والوجد يفرح ، وفي حالة المنع والفقد يسخط ، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق)[45] .

 

وعَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ:  " ..فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا " "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ مَالٍ ؟ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ: فَكَانُوا يَرْضَوْنَ بِمَا أُعْطُوا وَيَحْمِدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ: فَإِنْ أُعْطُوا كَثِيرًا فَرِحُوا"[46].

 

قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ) (59) وهذا ما فعله الأنصار لما قسم النبي r الفئ على قريش يتألفهم للإسلام وكانوا حديثي عهد بالإسلام ، فرضوا أن يرجعوا للمدينة بفضل الله ورسوله ، راغبين عن الغنيمة لقريش .

 

 فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ –أي حزن- هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ – أي كثر الكلام - حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ r قَوْمَهُ

فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ) قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا؟ قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ .

قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ ، فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟

 قَالُوا بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ

قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ

قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ r فِي رِحَالِكُمْ ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ

قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ r وَتَفَرَّقْنَا) [47]

 

 وفي رواية عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ r فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ قَالُوا هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ قَالَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتِهِمْ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ)[48].

 

قال ابن القيم (ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله يقسِمُها رسوله حيث أمره لا يتعدى الأمر ، فلو وضع الغنائم بأسرها فى هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة ، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولمَا عَمِيَتْ أبصارُ ذى الخويصرة التميمى وأضرابه -وأمثاله- عن هذه المصلحة والحكمة...، ولعَمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله ومعرفته بربه وطاعته له وتمام عدله وإعطائه لله ومنعه لله ، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب ، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة ، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم ، وله أن يُسلِّط عليها ناراً من السماء تأكلها، وهو فى ذلك كله أعدلُ العادلين، وأحكمُ الحاكمين)[49].

 

خامسا : يجوز منح المنافقين شيئا من أموال الصدقات تألفا لقلوبهم

 

قوله (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (60) سمت الآية المستحقين الثمانية لأموال الزكاة ، وجعلت منها نصيبا للخروج في سبيل الله ، قال مقاتل (يعنى فى الجهاد ، يعطى على قدر ما يبلغه فى غزاته)[50] ، وقال ابن جزي ( يعني الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب ، واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل)[51]  ، والأصل أن المجاهدين غير راغبين في أموال الصدقات ما يجعل نيتهم خالصة لوجه الله ، لكن ذلك لا يُنتفي حظهم منها باعتبار أن الجهاد من مصارف الزكاة الثمانية بقوله تعالى (وفي سبيل الله) والجهاد في سبيل الله ، لاسيما وأن الفئ يقسمه الإمام كيف يشاء ، فإذا كان ذلك وقد وزع الإمام أموال الفيء وفقا لسياسته الشرعية تأليفا لقلوب المسلمين الجدد كما فعل النبي r بأموال مع قريش وخص الطلقاء منهم بأموال الفئ رغم فرارهم في حنين ، ولم يعط الأنصار ، هنا قد يقل حظ المجاهدين من أموال الفئ ، وقد تركوا شغلهم ودنياهم لأجل الجهاد في سبيل الله ، وعندئذ يجوز تعويضهم من أموال الزكاة متى كفت حاجة الفقراء والمساكين  والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ، فما بقي منها جاز توزيعه على المجاهدين ، والمسافرين المارين بأهل هذه الدار تكرمة للضيف القادم عليهم .

 

والمقصود بالفقراء في قوله (لِلْفُقَرَاء ) المستحقين للصدقة ، هم فقراء أهل البلد المحتاجين للنفقات الضرورية من مأكل وملبس ومسكن ودواء وعلاج وتعليم.

 

واختلفوا في نقل الزكاة من بلد إلى بلد على الإطلاق .

فقال أبو حنيفة : يكره إلا أن ينقلها إلى قريب له محتاج أو قوم هم أمس حاجة من أهل بلده فلا كراهة .

وقال مالك : لا يجوز على الإطلاق إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد

وقال الشافعي : يكره نقلها ، فإن نقلها ففي الإجزاء قولان .

وقال أحمد في المشهور عنه : لا يجوز نقلها إلى بلد آخر تقصر فيه الصلاة إلى قرابته أو غيرهم ، ما دام يجد في بلده من يجوز دفعها إليهم .

وأجمعوا على أنه إذا استغنى أهل بلد عنها جاز نقلها إلى من هم أهلها )[52].

 

وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن نقلها؟ فأجاب: الذي نفهم أن الذي نقل إلى النبي r من الزكاة، زكاة البادية، وأما زكاة القرى، فيذكرون أن النبي r ما نقلها هو ولا أصحابه، إلا إذا لم يجدوا في أهل البلد من . يستحق؛ لكن في وقتنا نقلها للمصلحة، وأظن أن الشيخ تقي الدين اختار جواز ذلك للمصلحة)[53].

 

نفهم مما تقدم أنه لا يجوز نقل الزكاة لبلد آخر إلا بعد كفاية أهل البلد ذاتها ، فإن استكفوا جاز نقلها لغيرها من البلاد ، الأحوج ثم الأقل حاجة  ،والأقرب ثم الأبعد...وهكذا بحسب سياسة ولي الأمر الشرعية واجتهاده .

 

وفي تعريف "المسكين" المستحق للصدقة قيل هو من يظنه الناس مستورا بالنعمة وهو محتاج إليها ، ولكنه لا يسأل الناس ، فعن النبي r قال (إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه ، ويكره البؤس والتباؤس ويبغض السائل الملحف ويحب الحيي العفيف المتعفف"[54]، فهذا يلزم لإمكان الوصول إليه التحري عنه بدقة ، ولذلك فإن العاملين على الزكاة يتحققون من ذلك بجهد لمعرفة المسكين ومقدار حاجته للصدقة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ)[55] .

 

أما سهم "المؤلفة قلوبهم" ، فيقصد به ما ينفق من أموال الصدقات لتأليف قلوب الناس على الإسلام ، كالموائد الطعام التي تقام لـ (سادة القوم الذي أسلموا) فهم مطاعون في قومهم وفي إعطائهم تقريرهم على الإسلام وترغيب نظائرهم وأتباعهم) [56]، فالغاية من إعطائهم فضلا عن تمني إسلامهم ألا يشعروا أنهم في عزلة من المجتمع الإسلامي ، بل يجدوا أن المسلمين يهتمون لأمرهم ويشركونهم من أموالهم ، كما في قوله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة/8)

 

قال تعالى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) (المائدة/6)

 

ولا ينظر في تحديد من هم (المؤلفة قلوبهم) إلى مكانتهم في قومهم وحسب ، فهذا السهم يختلف البتة عن الرشوة ، وإنما ينظر إلى أن قلوب بعض من لم يسلم منهم والتي ترغب في الإسلام لكن لا تزال تخاف المسلمين لشبهات علقت بها ، وفي تقديم الهدية لهم والطعام وسيلة للتحاب وتهذيب خوفهم .

 

 قال ابن تيمية (وإنما كان يعطي المؤلفة قلوبهم لما في قلوبهم من الهلع والجزع ليكون ما يعطيهم سببا لجلب قلوبهم الى أن يحبوا الإسلام ، فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب إلى حب الله عز وجل وصرفها عن ضد ذلك ، ولهذا كان يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار ، فمنعهم بذلك العطاء عما يكرهه منهم فكان يعطي لله ويمنع لله)[57] .

 

كذلك من أسلم منهم ولا يزال في قلبه ضعف ويخاف الابتلاء ، فلعله عندما يذوق النعمة يتجلد بعد ذلك للابتلاء ، مثل العباس بن عبد المطلب عم النبي r لما أخذ من مال البحرين ما زاد عن حاجته تعويضا عما أُخذ منه فداء لنفسه بعد أسره يوم بدر ، عوضه الله بعد ذلك ، فكانت له نفقة عظيمة في تبوك ، وهكذا تحول العباس من المؤلفة قلوبهم إلى من هم أصحاب الطول في الصدقات ، وقد روي عن ابن عباس قوله (والمؤلفة قلوبهم) ، (وهم قوم كانوا يأتون رسول الله r قد أسلموا ، وكان رسول الله r يرضَخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح ! وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه)[58].

 

فالإسلام ينظر إلى هؤلاء جميعا نظرة إشفاق ورحمة ، وذلك لمن يتوسم المسلمون في قلبهم رغبة للإسلام لكنهم يحتاجون لوقت ليزدادوا اطمئنانا ، فيختصر الإسلام لهم هذا الوقت بذلك السهم المخصص لتأليف قلوبهم .

 

قوله (وَفِي الرِّقَابِ) يعني تحرير الأسرى من العدو ، فيفاديهم الإمام من بيت مال المسلمين أو من مال الزكاة ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ)[59].

 

قوله (وَالْغَارِمِينَ) يعني من عليه دين ولم يقدر على سداده ، فإن المسلمين جميعا يكفلونه بما يخصصونه من مال الزكاة لهذا البند ، وهذا ما كان يفعله النبي r بعدما فتح الله عليه الفتوحات وزاد مال المسلمين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا ؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ)[60].

 

قوله (وَفِي سَبِيلِ اللّهِ ) شمل كافة المنافع العامة التي تحقق الصالح العام ، كإصلاح الطرق وإقامة خدمات عامة مجانية ...الخ .

قال ابن باز قوله (وَفِي سَبِيلِ اللّهِ) يعم الجهاد والمساجد والمدارس والربط.. وأشباه ذلك من المشاريع الخيرية كالقناطر وإصلاح الطرق أو نحو ذلك، ولكن الذي عليه أكثر أهل العلم وهو الأرجح: أن في سبيل الله يخص الجهاد والدعوة إلى الله سبحانه؛ لأنها من الجهاد، أما المساجد والمدارس والقناطر والربط.. ونحو ذلك، هذه تعمر من بيت المال، ومن مساعدة المسلمين ومساهمة المسلمين؛ لأنها مصالح عامة[61] .

 

وبالرغم من إمكان التوسع في هذا السهم المضروب في سبيل الله ليشمل جميع أعمال القربات إلا أن استعماله لابد وأن يكون بفقه يحكم التوسع فيه ، فلا تصرف الأموال في أعمال القربات ويوجد من الأعمال ما هو أولى وأهم منها ، بذلك نفهم لماذا قصر بعض العلماء الإنفاق في سبيل الله على الجهاد وإصلاح طرق الحج ، والبعض الآخر توسع بلا ضابط للمسألة .

 

قوله (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو الضيف الذي يمر على أهل قرية فوجب عليهم أن يضيفوه ، ولا يمتنعون عن أداء هذا الواجب ، فلا يمنعوه من حقه كما في قصة موسى والخضر عندما مرا على أهل قرية وأراد أن يضيفوهما ، وأداء هذا الواجب يدل على أخلاق أهل هذه القرية .

 

 وقد كان الصحابة لا يردون الضيف مهما أصابهم من فاقة ، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ r فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)[62].

 

قوله (..فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ..) أي أن مصارفها مفروضة وليس ثمة اختيار في صرف أموال الزكاة في مصارف أخرى غير الثمانية المذكورة ، مثلما أن أداء الزكاة مفروض بأنصبة معينة ، فكلاهما سواء بسواء .

 

قوله (..وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (60) فهو عليم بمن يستحق الزكاة ،وحكيم في ترتيب المستحقين لها ، وحصرهم كما تقدم ، وقد سئل ابن باز عن ترتيب مصارف الزكاة كما ورد بالآية فقال (كونه سبحانه بدأ بالفقراء يدل على أنهم أهم من غيرهم ، كما قال النبي r في السعي): نبدأ بما بدأ الله به) ، فالبداءة بما بدأ الله به الاهتمام به أولى من غيرهم، ولو بدأ بغيرهم لا بأس)[63] .

 

 

 

[1] ) تفسير البغوي ج4 ص 58

[2] ) التحرير والتنوير ج10 ص 120

[3] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3552

[4] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3552

[5] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 283

[6] ) رواه مسلم ج1 ص 484 رقم 315

[7] ) في  هذا المعني أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج2 ص 82

[8] ) رواه البخاري ج21 ص 255 رقم 6421

[9] ) رواه البخاري ج3 ص46 رقم 617

[10] ) شرح النووي على مسلم ج4 ص 158

[11] ) ابن دقيق العيد : إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ج1 ص 116

[12] ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ج2 ص 370 رقم 1485 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 100 رقم417

[13] ) السلسلة الصحيحة المجلدات ج9 ص 5

[14] ) أضواء البيان ج1 ص 320

[15] ) رواه مسلم ج10 ص9 رقم 3527

[16] ) الكشاف ج2 ص 433

[17] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1975

[18] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج8 ص 11 رقم 3216 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 214 رقم 880 وقال حسن

[19] ) متفق عليه

[20] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 146

[21] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022

[22] ) البحر المحيط ج6 ص 181

[23] ) البحر المديد ج2 ص 413

[24] ) تفسير الخازن ج3 ص 287

[25] ) التحرير والتنوير ج10 ص 121

[26] ) تفسير القطان ج2 ص 144

[27] ) الراغب الأصفهاني : مفردات ألفاظ القرآن ج2 ص 190

[28] ) روح المعاني ج10 ص 118

[29] ) البحر المديد ج2 ص 414 – الوجيز للواحدي ج1 ص 288 – تفسير أبي السعود ج3 ص 178 الألوسي ج7 ص262

[30] ) نجيب محفوظ

[31] ) كَالْفَرَسِ الْجَمُوحِ لَا يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ. وَهَذَا الْوَصْفُ مَنْ أَبْلَغِ مُبَالَغَةِ الْقُرْآنِ فِي تَصْوِيرِ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا تَتَجَلَّى لِلْفَهْمِ وَالْعِبْرَةِ بِدُونِهَا، فَتَصَوَّرْ شُخُوصَهُمْ وَهُمْ يَعْدُونَ بِغَيْرِ نِظَامٍ، يَلْهَثُونَ كَمَا تَلْهَثُ الْكِلَابُ، يَتَسَابَقُونَ إِلَى تِلْكَ الْمَلَاجِئِ مِنْ مَغَارَاتٍ وَمُدَّخَلَاتٍ، فَيَتَسَلَّقُونَ إِلَيْهَا، أَوْ يَنْدَسُّونَ فِيهَا. فَكَذَلِكَ كَانَ تَصَوُّرُهُمْ عِنْدَ مَا سَمِعُوا الْآيَةَ فِي وَصْفِهِمْ.

[32] ) (مَلْجأَ) حِصْناً أَوْ مَعْقلاً يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ – (مَغَارَاتٍ) غِيرَاناً – جمع غار- فِي الجِبَالِ يَخْتَفُونَ فِيهَا  - (مُدَّخَلاً) سِرْباً فِي الأَرْضِ يَنْحَجِرُونَ فِيهِ – (يَجْمَحُونَ) يُسْرِعُونَ فِي الدُّخُولِ إِلَيهِ .

أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1293

[33] ) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج10 ص 419

[34] ) رواه البخاري ج2 ص 471 رقم 573

[35] ) رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/125338/#ixzz6M9lvuBhy

[36] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج5 ص 9

[37] ) قوله : (رصافه) : بكسر الراء جمع رصف بفتحها شيء يلوى على النصل يدخل في السهم. وقوله : نضيه بفتح النون وكسر المعجمة ما بين النصل والريش. وقوله : قذذه بضم القاف وفتح المعجمة الأولى جمع قذة بتشديد المعجمة ، وهي ريش السهم.

وقوله : سبق الخ ، أي : السهم والفرث ما في الكرش ، والمراد : أنه لم يظهر أثر الفرث والدم فيه كما أن هؤلاء لا يتعلقون بشيء من الإسلام

(حاشية السندي على صحيح البخاري ج4 ص 36 )

[38] ) أي قائد هذه الفرقة الذي يتجمعون حوله

[39] ) تدردر أي تضطرب وتذهب وتجيء قال بن قتيبة وصيغة تفعلل تنبئ عن التحرك والاضطراب مثل تقلقل تزلزل (شرح السيوطي على مسلم ج3 ص 160) ومنه دردور الماء .

[40] ) أي في وقت افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية ( الديباج على مسلم ج3 ص 160 ) ، (شرح النووي على مسلم ج7 ص166)

[41] ) رواه مسلم ج5 ص 299 رقم 1765 ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ r الَّذِي نَعَتَ

[42] ) (شرح صحيح البخاري لابن بطال ج8 ص 592 )

[43] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج3 ص 158

[44] ) شرح صحيح البخاري ج8 ص 591

[45] ) البحر المديد ج2 ص 415

[46] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 288

[47] ) رواه أحمد في مسنده ج23 ص 350 رقم 11305

[48] ) رواه مسلم ج5 ص 288 رقم 1755 ومثله عند البخاري في صحيحه ج12 ص 128 رقم 3494

[49] ) زاد المعاد ج3 ص 485

[50] ) تفسير مقاتل ج2 ص 65 – معاني القرآن للفراء ج2 ص 113

[51] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 608

[52] ) الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الشيباني : اختلاف الأئمة العلماء ص220

[53] ) الدرر السنية في الكتب النجدية ج6 ص 250

[54] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 163 رقم 6202 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج6 ص 641 رقم 17176 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج260 رقم 2591 – السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 394 رقم 1320 وقال (أخرجه البيهقي في " الشعب " ( 2 / 231 / 1 ) و السهمي في تاريخ جرجان)

[55] ) رواه البخاري ج5 ص 330 رقم 1385

[56] ) إحياء علوم الدين ج1 ص 222

[57] ) الزهد والورع والعبادة ج1 ص 36

[58] ) تفسير الطبري ج14 ص 313

[59] ) رواه البخاري ج8 ص 440 رقم 2334

[60] ) رواه البخاري ج16 ص 461 رقم 4952

[61] (  https://binbaz.org.sa/fatwas/17180/

[62] ) رواه البخاري ج12 ص 157 رقم 3514

[63] ) https://binbaz.org.sa/fatwas/1051/

  • السبت PM 01:01
    2026-05-16
  • 33
Powered by: GateGold