المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1910714
يتصفح الموقع حاليا : 594

البحث

البحث

عرض المادة

الجهاد الشاق فتنة تكشف المنافقين فيتخلفوا عن الغزو

د / احمد نصير

 

الجهاد الشاق فتنة تكشف المنافقين فيتخلفوا عن الغزو

 

 قال تعالى (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ (50) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (52)

 

  • تخلف نية الجهاد عن المنافقين
  • الجهاد يكشف المنافقين
  • عدم تخلف نية الجهاد عن المؤمن وإن كان من أصحاب الأعذار
  • تخلف نية الجهاد ابتداء عن المتخلفين عن القتال بغير عذر
  • الله يستعمل أهله وخاصته للجهاد ويثبط من ليسوا أهلا لذلك
  • سعي المنافقين في نشر الفتنة وسقوطهم فيها
  • تربص المنافقين بالمؤمنين لا يضرهم وتربص المؤمنين بالمنافقين يمنع حصول الفتنة

 

أولا : تخلف نية الجهاد عن المنافقين

 

قوله (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) (42) قال الرازي "العرض" ما عرض لك من منافع الدنيا ،وقال ابن عاشور (والعرض ما يعرض للناس من متاع الدنيا) كما في قوله (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى) [الأعراف /169] ، وقوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا)[الأنفال/67] والمراد به الغنيمة)[1] .

 

 و"السفر القاصد" أي "سهل المنال" ، أما إذا بعدت الشقة فإنهم يتخلفون عن الغزو ، أي : (المسافة التي تقطع بمشقة ، وذلك أن غزوة تبوك كانت إلى أرض بعيدة ، وكانت في شدة الحر ، وطيب الثمار ، فشقت عليهم)[2],(فتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ، ودمشق ، تبعد عن المدينة حوالي 600 كيلو متر ، وعن دمشق حوالى 700 كيلوا متر) [3].

 

 

ورغم بعد المسافة بين مكة وتبوك أو بين المدينة وتبوك فإن (البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في المنشط والمكره)[4]، فإذا تخلفوا في مثل هذه الظروف فقد نقضوا البيعة ، ومن ثم توجه إليهم اللوم والعتاب .

 

 والتعبير بلفظ (عرضا) يدل على السعي لطلب الدنيا ، ويبين أن نية الجهاد في سبيل الله لم تكن حاضرة في قلب المنافق البتة ، فهو لا يعتبر الجهاد من أعظم القربات إلى الله ، وإنما يسعي إليه إذا ما ظن أنه محقق لمصلحة مادية وكسب محقق ، وعندئذ يهرول استجابة إليه ، كما لو كان ثمة مغنم يقصده من مشاركة المؤمنين في الغزو ، يقال (الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر)[5] ، أما لو كانت حساباته التي يحسبها بعقله القاصر لا يتطلع منها إلى كسب قريب ، فإنه يعرض عن السعي للجهاد ، لأن المغنم الذي يقصده تخلف عنه ، لكنه لا يظهر ذلك ويختلق الأعذار .

 

ففي قوله (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) كشفت الآية عن طريقة المنافقين ترويج سلعتهم ، فقد دأبوا على بالكذب ، لما لا والكذب آية من آيات المنافق ، ومنهم عبد الله بن أبي ابن سلول.

 

كما ينفقون سلعتهم باليمين الغموس ، (فحلفهم راجع إلى خوفهم من المؤمنين ، وذلك هو سبب رغبتهم في إرضائهم، وليعرضوا عنهم خوفاً من أذاهم)[6]، وهذه اليمين التي يحلفونها تسمى في الشرع باليمين الفاجرة ، قال رسول الله r (وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ[7])[8] ، (البَلْقَعَةُ الأرضُ التي لا شَجَرَ بها)[9]، أي أنهم بذلك الحلف يريدون أن ينالوا رضاء المسلمين عنهم ، لكن يصيبهم بها سخطهم ، قال رسول الله r (الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)[10] ، أي أنها مظنة وسبب إنفاقها أي رواجها - في ظن الحالف – لكنها في حقيقة أمرها "ممحقة للبركة" أي (سبب لذهاب بركة المكسوب إما بتلف يلحقه في ماله أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل أو بقي عنده وحرم نفعه أو ورثه من لا يحمده)[11].

 ولهذا اتبعه بقوله سبحانه (يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) فلا ينالون بذلك رضاء المؤمنين ، وإنما يعاقبون الله بنقيض قصدهم ، فيسخط عليهم المؤمنون ، ولا يقيمون لأعذارهم وزنا ، لاسيما وقد شهد الله تعالى على كذبهم ، فلا ينطلي حلفهم الكاذب على أهل الحق ، كما في قوله (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (محمد/30). 

 

ثانيا : الجهاد يكشف بواطن المنافقين

 

قوله (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (43) تصدرت الآيات بالعفو عما بدر من النبي r بمنحه الإذن للمنافقين عن التخلف عن الغزو ثم العتاب له عن هذا الفعل ، لأن المقصود هو تعليم النبي r كيف يكشف عن بواطن المنافقين ، وهو أمر لا يتأتى إلا بالاختبار والابتلاء ، والجهاد هو خير موطن لذلك ، لاسيما إذا كان بعيد الشقة ، قال مجاهد (نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول اللّه r فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا)[12]، أي إنهم في كلا الحالين عازمون على القعود .

 

 قال أبو السعود (كان الأولى تأخيرُ الإذن حتى يظهر كذبُهم آثرَ ذي أثيرٍ ، ويفتضحوا على رؤوس الأشهادِ ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعةِ ولا يتسنّى لهم الابتهاجُ فيما بينهم)[13]، ولذلك عاتبه المولى سبحانه  (لأنّه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، فيكون ذلك دليلاً للنبي r على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان) [14].

 

ولا يخفى ما في تركهم في المدينة وحدهم من تهديد لأهلها ، وقد خرج رسول الله r بجيشه للغزو ، وإن كان قد أمَّر خلفه علي بن أبي طالب علي المدينة ، إلا أن في كثرتهم وتحزبهم  وقلة عدد الصحابة فيها ما يهدد دولة المدينة المنورة ، فكان الأحرى أن يصطحبهم في الغزو لا ليستقوى بهم – فإنهم لا يزيدون المؤمنين إلا خبالا - ، ولكن ليأمن مكرهم وغدرهم ، سيما وقد استغلوا هذه الفرصة بإفساد الحياة الدينية في المدينة وأنشأوا مسجد ضرار ينشر البدعة ويخالف السنة ، لكن الله سلم وكشفهم .  

 

وإذن النبي r لهم بالعقود هو إذن بصفته نبي مرسل ، وليس إذن إداري أو سياسي كرئيس دولة ، بمعنى أن قعودهم أو لحوقهم بالنبي r في الغزو سواء من الناحية التنظيمية والسياسية ، لأن النبي كما أنه لم يكره أحدا على الإسلام  فإنه لم يكرههم كذلك على الغزو ، وإنما كان في استئذانهم منه لأجل أن يظن فيهم خيرا ، فيحتفظوا بمكانتهم الأدبية أمامه ، ولا يعلمون أن الله أطلعه على سرهم ، ولذلك قال الله (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).

 

ثالثا : عدم تخلف نية الجهاد عن المؤمن وإن كان من أصحاب الأعذار إلا في حالة الاستحالة المطلقة

 

قوله (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (44) أي أن ذلك بخلاف حال المؤمنين الذين لو أصابهم عذر فإنهم لا يتخلفون عن الجهاد في سبيل الله تعالى ، اللهم إلا إذا صار حالهم بهذا العذر إلى استحالة مطلقة ، أما لو اقتصر الأمر على المشقة وحسب ولو كانت كبيرة فإنهم لا يأبهون لذلك .

 فهذا هو عمرو بن الجموح كان أعرج شديد العرج وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله r إذا غزا فلما أراد رسول الله r أن يتوجه إلى "أحد" قال له بنوه إن الله عز وجل قد جعل لك رخصة فلو قعدت فنحن نكفيك فقد وضع الله عنك الجهاد فأتى عمرو بن الجموح رسول r فقال يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعون أن أخرج معك والله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة ، فقال له رسول الله r أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد ، وقال لبنيه وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله r فقتل يوم أحد شهيدا) [15].

 

كما إنه لا عذر لأحد في ترك الجهاد مع الإمام حتى لو كان الإمام فاجرا مادام ظل مسلما وإن كان من أهل المعاصي ، قَالَ النَّبِيُّ r (وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ:-

  • السَّمْعُ
  • وَالطَّاعَةُ
  • وَالْجِهَادُ
  • وَالْهِجْرَةُ
  • وَالْجَمَاعَةُ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ ، وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ؟ قَالَ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ)[16]

 يعني (بمُفارقةُ الجماعةِ): (تُرْكُ السُّنة واتِّباع البِدْعة)[17]، قال ابن حجر (كل من فارق الجماعة ترك دينه غير أن المرتد ترك كله ، والمفارق بغير ردة ترك بعضه)[18].

 

ومفارقة جماعة تعني كذلك مخالفة أمر الإمام بالتخلف عن جماعة المجاهدين الذين عينهم الإمام ، فهذا يدخل في مفهوم مفارقة الجماعة كذلك ، ولا عذر في ذلك حتى وإن كان الإمام فاجرا ، فالجهاد معه واجب في اعتقاد أهل السنة والجماعة ، ويعضد هذا الحكم ما روي عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) [19].

 

قال ابن حجر (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب ، والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ، فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها)[20] .

 

 قال بن بطال (والذى عليه جمهور الأمة أنه لا يجب القيام عليهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد الإيمان وتركهم إقامة الصلوات ، وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ؛ لأن فى ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء ، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة)[21].

 

رابعا : تخلف نية الجهاد ابتداء عن المتخلفين عن القتال بغير عذر

 

قوله  (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي من أعطاهم الله من النعم والطول ما يكفيهم مؤنة القتال في سبيل الله ، ثم يبخلون بأنفسهم وأموالهم أن يبذلوها للجهاد، فأولئك هم الموصوفون بنفي الإيمان عنهم ، قال ابن عاشور (في هذه الآية تصريح للمنافقين بأنهم كافرون، وأن الله أطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين على كفرهم، لأن أمر استئذانهم في التخلف قد عرفه الناس)[22] .

 

قوله (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) ذلك لأنهم لم تخلص قلوبهم لله ، بل لا تزال قلوبهم متعلقة بالدنيا ، كتعلق الطفل بثدي أمه قبل الفطام ، قال ابن كثير (ليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هَلْكى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)[23]، قال الخازن (المنافقون متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين) [24] .

 

 قال الرازي (الشاك المرتاب يبقى متردداً بين النفي والإثبات ، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين ، ... فإن كان اعتقاده غير جازم ، ولم يكن ثمة راجح ومرجوح ـ فإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك ، ويبقى متردداً بين الطرفين)[25]، قال إسماعيل حقي (وفيه إشارة إلى أن من استولت عليه الغفلة أداه ذلك إلى الشك ، ومن لزم الشك كان بعيدا من عين الصواب ، قال بعضهم وصف أهل الشك والنفاق باللعب وذلك لترددهم وتحيرهم فى أمر الدين واشتغالهم بالدنيا واغترارهم بزينتها)[26] .

 

قوله (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ..) (46) ذلك أن الجاد صادق العزم يتجهز لما ينتوي فعله ، فصدق النية مرتبط بالتجهيز لها ، ولذلك قال النبي r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) [27].

 

وأداة الشرط "لو" حرف امتناع الجواب لامتناع الشرط ، أي امتناع خروجهم لعدم إعدادهم العدة ابتداء ، فلأنهم وقد انتفت عندهم نية الجهاد في سبيل الله من قبل أن يستنفرهم الإمام للجهاد فإنهم لم يخرجوا حين استنفروا ، لعدم الاستعداد للجهاد وإعداد العدة ، فذلك دليل علي تخلف هذه النية مسبقا ، قال القشيري (ألْزَمَهم الخروجَ من حيث التكليف ، ولكن ثبَّتهم في بيوتهم بالخذلان) [28].

 

قال ابن تيمية (يَجِبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا)[29] ، فعن رَسُول اللَّهِ r يَقُولُ (مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَقَدْ عَصَانِي)[30]، قال المناوي (لأنه حصل له أهلية الدفاع عن الدين ونكاية العدو ، فتعين عليه القيام بالجهاد ، فإذا أهمله حتى جهله فقد فرط في القيام بما تعين عليه فيأثم)[31]. .

 

خامسا : الله يستعمل أهله وخاصته للجهاد ويثبط من ليسوا أهلا لذلك

 

قوله (..وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (46) قال ابن عاشور في بيان الحكمة من كراهية الله انبعاثهم (هي إرادة الله سلامة المسلمين من إضرار وجود هؤلاء بينهم، لأنهم كانوا يضمرون المكر للملمين فيخرجون مرغمين، ولا فائدة في جيش يغزو بدون اعتقاد أنه على الحق)[32]، و(التثبيط رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله)[33]

 

والقاعدون هنا هم المعذورون ، قيل للمنافقين اقعدوا معهم لا لأنهم أصحاب أعذار مثلهم ولكنهم لأنهم ليسوا أهلا لأن يستعلهم الله في نصرة دينه وعقاب أعدائه ، قال الشعراوي ("القاعدون" هنا هم الذين لا يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز ،فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد)[34] ، أي أنهم أضحوا أشبه بالعجزة وإن كانوا شبابا أقوياء .

 

سادسا : المنافقون ينشرون الفتن بين الناس

 

قوله (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (47) أي (لأسرعوا بينكم بالنميمة والتحريش والإِثارة لإِبقائكم في الفتنة ، ومن بينكم من يكثر السماع لهم والتأثر بأقوالهم المثيرة الفاسدة)[35]

 

وهو ما يفيد بطريق اللزوم أنه لو صادف أن خرجوا مع الإمام ، فعليه أن يجنبهم أهم المسائل وأخطرها ، وإنما يجعلهم في وضع لا يفتن المؤمنون منه ، فخطورة ترك هؤلاء القوم حال المشاركة في الجهاد هو نشرهم الشائعات وتخذيلهم المؤمنين .

 

قوله (..يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ..) قال أبو بكر الجزائري (وجود منافقين في صفوف المؤمنين خطر عليهم وضرر كبير لهم ، لذا ينبغي إن لا يُشرَكوا في أمر ، وأن لا يُعوَّل عليهم في مهمة)[36] ، لقوله: (يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ) [التوبة:47] ، فكل عمل يشاركون فيه قصدهم منه هو الفتنة .

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ الّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ مِنْ ذَوِي الشّرَفِ فِيمَا بَلَغَنِي ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ ، وَالْجَدّ بْنُ قِيسٍ ؛ وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ فَثَبّطَهُمْ اللّهُ لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبّةٍ لَهُمْ وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ)[37] .

 

قوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (47) يعني أن المؤمنين ليسوا بمنأى من التأثر بهم ، فقد يُخدع بعضهم ويصدق كذبهم ، فيزداد الطين بله حين ينشرون شائعاتهم بين الجند فتضعف معنوياتهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)[38]، قال ابن جزي (يسمعون أخبارهم وينقلونها إليهم)[39] .

 

 قال ابن عاشور (وهذه الجملة "وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" اعتراض للتنبيه على أن بغيهم الفتنة أشد خطرا على المسلمين لأن في المسلمين فريقا تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ، ويتأثرون ، ولا يبلغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ)[40].

 

وكذلك من بين المستمعين لهم منافقون أيضا أو مستغفلون ، وهؤلاء يروجون ما ينشره أصدقاؤهم من الأكاذيب والأراجيف ، فعَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ:  " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ "  قَالَ:"عُيُونُ الْمُنَافِقِينَ: لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، هُمْ عُيُونٌ لِلْمُنَافِقِينَ)[41] ، قال أبو حيان (واندرج فيه من يقبل كلام المنافقين ، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين)[42].

 

لا خيرَ في وُدِّ امْرِئٍ مُتَمَلِّقٍ      حلْوِ اللسانِ وقلبهُ يَتَلهبُ

 

   

 

قال ابن عاشور : وجاء لفظ (سَمَّاعُونَ) بصيغة المبالغة (للدلالة على أن استماعهم تام،  وهو الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يسمع)[43]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ)[44]  

 

وكثرة السماع للآفاكين والكذابين والمفترين ومثيري الشائعات يؤدي بالضرورة إلى أن يعلق في الذهن شيء من أقوالهم ، وبالتالي تصديقهم ، ولوشيئا قليلا ، فإذا تكرر ذلك كثر تصديقهم حتى الانحياز لهم ومطيعين لهم ، قال ابن كثير أي: (مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير)[45].

 

قوله (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) (48) فالمنافقون منذ أن هاجر النبي r إلى المدينة ظلوا يثيرون الفتن ويوقعون بين المسلمين ، وقد ظاهروا المشركين واليهود ، وظلوا على هذا الحال حتى فتح مكة ، فلما ظهر أمر الإسلام على الجزيرة العربية ، ولم يكن هذا الظهور يفرحهم ، تأسفوا عليه وحزنوا ، فغيروا سياستهم ، فأبطنوا الكره للإسلام والمسلمين ، وسعوا في نشر الفتن بطرق خفية.

 

قال ابن عاشور جملة (ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ) تعليل لقوله (يبغونكم الفتنة) ، (فذلك ديدنهم)[46]، أي عادة عندهم نشر الفتن بطريق علني أو سري خفي ، والدليل أنهم فعلوا ذلك من قبل فلا يستبعد أنهم سيفعلون ذلك مستقبلا ، فلينتبه من يتعامل معهم ، فهم أهل فتنة ولا يتركون الأمور تستقر على حال ، كذلك فهم يوقعون بين الناس عن طريق ترويج الشائعات واستقطاب كل صاحب عائلة لعائلته ضد العائلة الأخرى ، وهكذا .

 

 

 

فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فِي جَيْشٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ فَعَلُوهَا أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَبَلَغَ النَّبِيَّ r فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ r دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ)[47].

 

وقد ذكر المفسرون [48]المثال الواضح على خيانة المنافقين ، وخيانة دولتهم ما حصل في غزوة أحد لما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r فِى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ الْمُنَافِقُ بِثُلُثِ النَّاسِ ، فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ وَالنِّفَاقِ)[49] .

 

قوله (..وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور..) قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْ (لِيَخْذُلُوا عَنْك أَصْحَابَك وَيَرُدّوا عَلَيْك أَمْرَك )[50] قال الزمخشري أي (دبروا لك الحيل والمكايد ، ودَوَّرُوا الأراء في إبطال أمرك)[51]، وهكذا يفعل المنافقون ما لم تفعله الشياطين ، قال الحسن منهم (عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل أخو بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن رافع، وزيد بن التابوت القينقاعي)[52].

 

 فيجعلون الأمور المحيطة بالمسلمين في تقلب دائم لا استقرار فيها ولا اطمئنان ، فيزداد الارتياب بين الناس ، ويتحيرون في اتخاذ القرارات ، فما يثبتونه اليوم يبطلونه غدا لكثرة تقلب الأمور ،  فالفتن تجعل الحليم حيرانا ، لا يدري  الفعل المناسب لما يدور حوله ، والقرار الملائم لما حوله من إشكاليات ، ولا يدري مناط المصلحة وكيف يبتغي رضاء ربه في تحقيق الصالح العام .

 

وقد روي بسند ضعيف عن رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا)[53]

وقَالَ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْرِ فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ)[54]

ومن أمثلة تقليب المنافقين للأمور جعل الحلال حراماً والحرام حلالاً، ونشر الشائعات ، وتكذيب الصادقين وتصديق الكاذبين، وإدعاء الإيمان وإظهار الكفر للكفار، والتذبذب بين الحق والباطل، والتلون في المواقف، والتخوف من الشدائد وانسحابهم منها، والإرجاف والتعويق في لحظات البلاء  .

 

قوله (..حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) (48) لفظ "حتى" يفيد الغاية ، وعن قَتَادَةَ "إِنْ كَانَ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَسَاءَهُمْ"[55] ،  أي عندما علا أمر الإسلام وارتفع شأن المسلمين وانتصروا على أعدائهم ، كفوا أنفسهم عن إثارة الفتن ، وخضعوا لسلطان الإسلام لا عن حب واقتناع ، بل عن كره واضطرار ، ومن ثم مارسوا النفاق بطريق مستتر ، وقد كانوا من قبل يثيرون الفتن بشكل علني ، وكان الرسول يصبر عليهم وعلى أذاهم ، لكن حالهم بعد ذلك تغير إلى ما هو أسوأ حيث يديرون الحرب على الرسول وأصحابه بشكل سري تام .

 

وقد وُلد من مدرستهم كثير من أصحاب مذاهب الفتن كالشيعة الرافضة.. وغيرهم ، فخرج منهم عبد الله بن سبأ ظهر في فترة خلافة عثمان بن عفان وتنسب إليه الروايات التاريخية بأنه مشعل الاضطرابات والاحتجاجات ضد عثمان بن عفان في الخفاء؛ كان من الغلاة بحب علي بن أبي طالب ومدعٍ لألوهيته، ومؤسس الفرقة السبئية، وهو أول من أظهر الطعن والشتم للصحابة خصوصاً أبي بكر وعمر بن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر[56] ، قال ابن تيمية (ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولص النصرانى الذى كان يهوديا فى إفساد دين النصارى)[57]

 

سابعا : المنافقون يسقطون في الفتنة  دوما

 

قوله (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (49) هذا نوع آخر من المنافقين ، تلبسوا بالمعاصي واقتراف كبائر الذنوب ، وأرادوا الاستتار في الإسلام وهو برئ منهم ، قال ابن عاشور (هذه السورة سورة براءة، حتى سميت الفاضحة لما فيها من تعداد أحوالهم بقوله تعالى" وَمِنْهُمْ، و وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ")[58] ، فالمنافق يلحن في القول عندما لا يجد لنفسه مخرجا ، فلما استنفر النبي r الناسَ لغزوة تبوك وسماها صراحة ، لم يجد المنافقون  بُدًا كي يتخلفوا عن الجهاد إلا أن يستأذنوا النبي r فاختلقوا عذرا لا يليق بهم أن يختلقوه ، ولكنه في ظنهم عذر إذا ما ترأف النبي r لحالهم .

 

أي يعتذرون للنبي عن الإنضمام لصفوف المجاهدين لمواجهة الروم خوفا من أن يُفتنوا بنسائهم ، وهم مفتونين أصلا بالزنا ونشر الفاحشة ، وهكذا يتلبس الذئب بملابس النعاج ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ:"يَا جَدُّ، هَلْ لَكَ فِي جِلادِ بَنِي الأَصْفَرِ ؟ قَالَ جَدُّ: أَوَتَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَإِنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّسَاءَ وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ أَنَا رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَرِ أَنْ أَفْتَتِنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ " وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا "[59].

 

قال أهل السير (نزلت هذه الآية في الجد بن قيس، وكان من أكثر بني سلمة مالاً وأعد عدةً في الظهر؛ وكان معجباً بالنساء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تغزو بني الأصفر؟ عسى أن تحتقب من بنات الأصفر! فقال: يا محمد، قد علم قومي أنه ليس رجل أعجب بالنساء مني، فلا تفتني بهن! يقول عز وجل: " ألا في الفتنة سقطوا "[60].

 

قوله (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) أي أن هؤلاء الذين يظهرون خوفهم من أن يفتنهم نساء بني الأصفر ، هم في الأصل الذين كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء لأجل الحصول على المال ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تَزْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَلَدَتْ أَوْلادًا مِنَ الزِّنَا, فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لا تَزْنِينَ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ لا أَزْنِي, فَضَرَبَهَا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:  " وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ "[61].

 

قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)  ونظيره قوله (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت/55)

 

قال رسول الله r (إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ )[62].

 

ثامنا : تربص المنافقين بالمؤمنين لن يضرهم

 

قوله (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ) (50) يكشف القرآن عن الحالة النفسية للمنافقين الممزوجة بالكره والحسد للمؤمنين ، حيث لا يتمنون لهم الخير أبدا ، ويظنون أن الدائرة سوف تكون عليهم ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"جَعَلَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالْمَدِينَةَ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ r أَخْبَارَ السُّوءِ ، يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ جَهَدُوا فِي سَفَرِهِمْ وَهَلَكُوا، فَبَلَغَهُمْ تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ، وَعَافِيَةُ النَّبِيِّ r وَأَصْحَابِهِ فَسَاءَهُمْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ  " إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ .." [63] ، تلك الحالة النفسية غير السليمة نابعة من قلب مريض بآفات البغض والحسد .

 

ولذلك يأخذون احتياطات خاصة ليكونوا بمنأى أن يصيبهم ما أصاب المسلمين في أحد ، حين مسهم القرح ، فعَنِ السُّدِّيِّ في قوله " قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ " "قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا فِي الْقُعُودِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُصِيبَهُمُ"[64] ، فكثير من المفسرين حمل الحسنة على يوم بدر ،والمصيبة بيوم أحد ، قال أبو حيان (واللفظ عام في كل محبوب ومكروه ، وسياق الحمل يقتضي أن يكون ذلك في الغزو ، ولذلك قالوا : الحسنة الظفر والغنيمة ، والمصيبة الخيبة والهزيمة ، مثل ما جرى في أول غزوة أحد، ومعنى أمرنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم في التخلف عن الغزو ، من قبل ما وقع من المصيبة)[65] .

 

والإسلام قد عالج هذا الأمر، فأهتم أول ما اهتم بقلب المؤمن فقَالَ رسول الله (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)[66]، وفي رواية لمسلم (لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)[67]، كما اهتم بطهارة القلب ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[68] ، فالمسلم لا يفرح بضر أصاب أخيه أو جاره ، بينما المنافق وإن كان يفرح بذلك -في أول الأمر - لما في قلبه من مرض إلا أنه لما يرى صبر المؤمن يحزن ولا يفرح.

 

قوله (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (51) أمر الله بوجوب الاسترجاع إليه عند المصيبة ، بما يوجب عدم الجزع ولا الحزن ، والإيمان بقضاء الله وقدره ، فالمؤمن يعلم أن ما أصابه إنما هو ابتلاء منه سبحانه ، يقول النبي r (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[69]، قال المناوي (بين وجه العجب بقوله "أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن")[70].

 

 وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)[71]، قوله (واسترجع) (أي قال إنا لله وإن إليه راجعون)[72]، ("واسترجع" أي أظهر رجوع الخلق كلهم إلى أمرك بقضائك وقدرك وقال إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون وغاية الأمر أن بعضنا سابقون والباقون لاحقون)[73].

 

قوله (..هُوَ مَوْلاَنَا ..) أي ناصرنا وحافظنا قاله الجمهور[74]، قال ابن عاشور (الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة، أو معترضة أي لا يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، ولنا الرجاء بأنه لا يكتب لنا إلا ما فيه خيرنا العاجل أو الآجل، لأن المولى لا يرضى لمولاه الخزي)[75].

 

ومقتضى هذه الولاية تدمير معسكر الكافرين ، قال تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)(محمد11)

 

قوله تعالى (.. وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي عندما تتقلب الأمور يتذكر الإنسان أن فوق تدبير البشر تدبير خالق البشر ، فيفوض المؤمنون بالله أمرهم إليه رضا بتدبيره ، (إذ لا فاعل سواه)[76].

 

وفي هذا تنبيه بأن حال المنافقين بالضد من ذلك ، و(أنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية الفانية)[77] ، فالمؤمنون وحدهم هم الذين يتوكلون على الله مولاهم ، وغيرهم لا يفعل ذلك .

 

قوله (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (52) فالمسلم يسلم أمره لله ، ولا ضير ، قَالَ رسول الله r (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[78] ، معنى ذلك أن ما يصيب المؤمن من إيذاء في سبيل الله يفرح به كما يفرح بالنعمة ، فكلاهما حسن عنده ، وكلاهما خير .

 

والمقصود بإحدى الحسنيين يعنى (إما النصر والظفر وأما الشهادة والجنة ، فمن عاش من المجاهدين كان كريما له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة)[79]، فإن أصابه الموت فقد نال الشهادة ، وإن كانت الأخرى فقد نصره الله على أعدائه ، قال ابن تيمية (واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة ، وفى تركه خسارة الدنيا والآخرة)[80].

 

وفي ذلك تنغيص على المنافقين فرحتهم المؤقتة عندما يصيب المؤمن مصيبة ، لكنه سرعان ما يعلن فرحته بها مثلما فرح بالنعمة ، لعلمه ويقينه أنها حسنة من الله في الحالين ، ففي حديث النبي عن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون قال (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ)[81] أي يستوي عند المؤمن الحالين ، لأنه في حال منهم أكثر شكرا وفي الآخر آكثر صبرا ، وما الإيمان إلا نصفه شكر ونصفه صبر .

فإن لم يحصل النصر حالا وكانت الشهادة فهي خير ما يتمناه المجاهد في سبيل الله ، قَالَ رَسُولِ اللَّهِ r (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ –أي خاصة به وحده- :-

  • يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ
  • وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ
  • وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
  • وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ
  • وَيُحَلَّى حُلَّةَ الْإِيمَانِ
  • وَيُزَوَّجُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ
  • وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ)[82].

 

تاسعا : تربص المؤمنين بالمنافقين يكشف نفاقهم

 

وقوله (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) (52) يعني أن أهل الحق ليسوا في غفلة عن المنافقين بل إنهم ليعرفونهم بسيماهم ، وبلحن قولهم ، ولكنهم ينتظرون إقامة الحجة عليهم ، ويتربصون ظهور الأدلة على نفاقهم نفاقا مغلظا ، بمعنى خيانتهم لله ولرسوله وللمسلمين وتعاونهم مع أعداء الله تعالى ، فهذا هو التربص المقصود بالآية في قوله (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) ، ما يعني توقف المسلمين في الحكم على المنافقين حتى تظهر أدلة خيانتهم بصورة قاطعة لا مجال لدحضها.

 

  من هنا وضعت القاعدة الشرعية بأنه لا يجوز أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي ، لأنه عندئذ يكون شاهد ولا يجوز أن يجمع بين الصفتين ، بل يجب محاكمتهم محاكمة منصفة عند ظهور أدلة نفاقهم المغلظ ، ولذلك قال ابن تيمية (أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى قَوْلِ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا r يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ النُّفُورَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَهَذَا النُّفُورُ حَرَامٌ) [83].

 

بهذا استبان مدى حذر أهل الحق الصادقين في الجهاد من المنافقين الذين يعوقونهم ويخذلونهم ، وانتظارهم أن تنكشف سريرتهم حتى يحق عليهم عذاب الله ، سواء بعذاب من عنده أي بأسباب يجريها عليهم ، أو بعقاب المؤمنين لهم كما في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(التوبة/73)

 

 قال ابن تيمية (قال أهل التفسير في قوله "أو بأيدينا" يعني بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم ، وهو كما قالوا لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا القتل لكفرهم)[84]  ، وقال (وذلك دليل على أنهم – أي المنافقون- يُقتلون إذا ثبت ذلك عليهم – أي ما يبطنون من الكفر- بالبينة لوجوه ، وذكر منها أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دماءهم الكذب والإنكار ، ومعلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم بينة بخلافه ولذلك لم يقتلهم النبي r لأنه لم تقم عنده بينة على نفاقهم .

 

وقال (ولو كان المنافق يجب قبول ما يظهر من توبة بعد ما ظهر نفاقه وزندقته لم يمكن أن يُتربص بهم أن يصيبهم الله تعالى بعذاب من عنده أو بأيدينا لأنا كلما أردنا أن نعذبهم على ما أظهروه -نفاق- أظهروا التوبة)[85]  ، قال ابن تيمية (فوجه الدليل أن الله أمر رسول الله عليه الصلاة و السلام بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين ، وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة فإنه ما لم يظهر منه شيء البتة لم يكن لنا سبيل عليه فإذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل) [86] .

 

وقوله (..فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) (52) فهو تربص من الطرفين ، فهو من جهة المنافقين يعني تربص أن يصيب المسلمين مصيبة نظرا لما ما يضمرونه في قلوبهم من حقد وغل تجاه الإسلام والمسلمين ، فهؤلاء أي المنافقون يتربصون وقوع الهزيمة بالمسلمين ، وعلو الكفار عليهم ، وتطبيق أنظمتهم وأوضاعهم ، وطمس شعائر هذا الدين ، وأنى لهم ذلك وقد قال الله سبحانه (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء 141) .

 

ومن جهة المؤمنين له مبرراته ، وهو إقامة الحجة على المنافقين بثبوت تعاونهم مع المشركين ضد المسلمين ، والتخطيط والتدبير لإيذائهم ، ما يدل على عدم غفلة المؤمنين عنهم ،ووضعهم تحت الرقابة الدائمة ، وفي ذات الوقت محاولة تألفهم وتطييب خاطرهم لعلهم يتوبون ، ما يعني أن المؤمنين يضعون المنافقين تحت المراقبة والتقارير الدائمة لتمني تأثرهم بالوسائل الدعوية وتقييم فاعليتها معهم ، وفي ذات الوقت تجنب خطر انقلابهم عليهم  .

 

 

 

[1] ) التحرير والتنوير ج10 ص 105

[2] ) البحر المديد ج2 ص 405

[3] ) تفسير القطان ج2 ص 138

[4] ) البحر المديد ج2 ص 405

[5] ) مفاتيح الغيب ج16 ص 58

[6] ) أضواء البيان ج1 ص 415

[7] ) وهي الأرض القَفْر التي لا شيء بها (النهاية في غريب الأثر ج1 ص 405)

[8] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج10 ص 35 رقم 20364 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب 2/174 السلسلة الصحيحة مختصرة ج2 ص 669 رقم 978 السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 52 رقم 978

بلاقع : جمع بلقع وهي الأرض القفراء التي لا شيء فيها

[9] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 86

[10] ) رواه البخاري ج7 ص 261 رقم 1945

[11] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 279

[12] ) تفسير ابن كثير

[13] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 172

[14] ) التحرير والتنوير ج10 ص 110

[15] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 24 رقم 17599 / والأصبهاني : معرفة الصحابة ج14 ص 156 رقم 4444 ، وحسنه الألباني : فقه السيرة ج1 ص 260 ، وقال ( سنده حسن إن لم يكن مرسلا وقد روى بعضه أحمد بسند صحيح)

[16] ) رواه الترمذي ج10 ص 89 رقم 2790 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج6 ص363 رقم 2863

[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 464

[18] ) فتح الباري ج12 ص 202

[19] ) رواه أبو داود ج7 ص 64 رقم 2171

ومع أن هذا الحديث ضعيف إلا أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة تصح خلف الفاسق وتصح صلاة الجنازة عليه، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في المعتمد عندهم وهو رواية في مذهب الحنابلة وهو قول أهل الظاهر، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - صاحب العقيدة الطحاوية وهي العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة -: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم

فتاوى الدكتور حسام عفانة : https://shamela.ws/book/10517/94

قال ابن باز : الحديث ليس بصحيح ضعيف عند أهل العلم، لكن معناه صحيح عند أهل العلم أنه يصلى خلف كل بر وفاجر، هذا هو الصواب، فأنت تصلي خلف الأمراء وتجاهد معهم وإن كانوا أهل معاصي، وتصلي خلف أئمة المساجد وإن كان فيهم معصية، لكن لا تصلي خلف الكافر، https://binbaz.org.sa/fatwas/7266/ /الحكم-على-حديث-صل-خلف-كل-بر-وفاجر

[20] ) فتح الباري ج13 ص 7

[21] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج5ص 126

[22] ) التحرير والتنوير ج10 ص 110

[23] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 159

[24] ) تفسير الخازن ج3 ص 281

[25] ) تفسير الرازي ج8 ص 42

[26] ) تفسير حقي ج13 ص 251

[27] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533

[28] ) تفسير القشيري ج3 ص 107

[29] ) مجموع الفتاوى ج28 ص 259

[30] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 327 رقم 2804 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 132 رقم 2270

[31] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 795

[32] ) التحرير والتنوير ج10 ص 111

[33] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 175

[34] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3539

[35] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 80

[36] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص80

[37] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 549

[38] ) رواه مسلم ج1 ص 15 رقم 6

[39] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 603

[40] ) التحرير والتنوير ج10 ص 113

[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 276

[42] ) البحر المحيط ج6 ص 177

[43] ) التحرير والتنوير ج10 ص 113

[44] ) رواه مسلم ج1 ص 24 رقم 8

[45] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 160

[46] ) التحرير والتنوير ج10 ص 114

[47] ) رواه البخاري ج15 ص 191 رقم 4525

[48] )   البحر المحيط لأبي حيان ج6 ص 177

[49] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 31 رقم 18317 ورواه عبد الرازق في مصنفه ج5 ص 363 رقم 9735

[50] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 549

[51] ) الكشاف ج2 ص 427

[52] ) تفسير الطبري ج14 ص 284 رقم 16783

[53] ) رواه الترمذي ج8 ص 424 رقم 2328 وصححه المنذري وضعفه الألباني

[54] ) رواه الترمذي ج8 ص 425 رقم 2329 وضعفه الألباني

[55] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 281

[56] ) ناصر بن عبد الله القفاري : أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ج1 ص 67 ، انظر: الفرق المفترقة ص :6 - الخوارج والشيعة ص: 112

[57] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ، مجموع الفتاوى ج28 ص 483

[58] ) التحرير والتنوير ج10 ص 140

[59] ) تفسير بن أبي حاتم ج7 ص 277 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 487 رقم 2988

[60] ) الواقدي : المغازي ج1 ص 446 ، ابن كثير : البداية والنهاية ج5 ص 6 سيرة ابن هشام ج1 ص 525

[61] ) تفسير ابن أبي حاتم ج10 ص 127

[62] ) رواه مسلم ج5 ص 311 رقم 1775

[63] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 281

[64] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 281

[65] ) تفسير البحر المحيط ج6 ص 168

[66] ) رواه البخاري ج1 ص 21 رقم 12

[67] ) رواه مسلم ج1 ص 158 رقم 64

[68] ) رواه مسلم ج12 ص 423 رقم 4648

[69] ) رواه مسلم ج 14 ص 280 رقم 5318

[70] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 248

[71] ) رواه الترمذي ج4 ص 154 رقم 942 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص21 رقم 1021

[72] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 257

[73] )الملا القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج5 ص 492

[74] ) البحر المحيط ج6 ص 179

[75] ) التحرير والتنوير ج10 ص 118

[76] ) البحر المديد ج2ص410

[77] ) اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 295

[78] ) رواه البخاري ج10 ص 366 رقم 2891

[79] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج28 ص 417

[80] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج28 ص 417

[81] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 31 رقم 4014 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 371

[82] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 309 رقم 2789 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 129 رقم 2257

[83] ) الفتاوى الكبرى ج6 ص 174

[84] ) الصارم المسلول ج1 ص 353

[85] ) الصارم المسلول ج1 ص 353

[86] ) الصارم المسلول ج1 ص 353

وأضاف شيخ الإسلام (وذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام له ظاهرا لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهره من الإسلام لكانوا بمنزلة الكفار وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون والآية جهادهم لأنهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى : { جاهد الكفار و المنافقين } [ التوبة : 73 ] ويقتضي جهادهم من حيث هم منافقون لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على أن موضع الاشتقاق هو العلة فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر لأجل الكفر ، ومعلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركا له في الظاهر ولا يعلم ما يخالفه ، أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركا للنفاق لأن ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق ،ولأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض وهو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا أظهر التوبة بعد أخذه لإقامة الحد عليه كما قد عرف ولأنه لو قبلت علانيتهم دائما مع ثبوت ضدها لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده)

  • السبت PM 12:37
    2026-05-16
  • 29
Powered by: GateGold