المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1908665
يتصفح الموقع حاليا : 325

البحث

البحث

عرض المادة

توطئة لغزوة تبوك ورفع الظلم الواقع على الناس

د / احمد نصير


توطئة لغزوة تبوك ورفع الظلم الواقع على الناس


قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)

اليهود والنصارى كلاهما أفسدوا الدين بأن تأولوا على الله بغير علم ، ووصفوه بما لا يليق ، وأقاموا نظام هرمي وصارم يَعبد فيه البشر بعضهم بعضا بحجة اتخاذ بعضهم وسطاء لعبادة الله ، الأمر الذي يصطدم بعقيدة الإسلام ونورها ، فهم قد كرهوا هذا النور ، والله متم نوره وناصر نبيه ومظهر دينه ، وليس لهم غاية من تلك الانحرافات العقائدية والطقوس الشركية غير أكل أموال الناس بالباطل ، ومؤدى ذلك ولازمه اضطهادهم لأهل الحق وصدهم الدعوة الإسلامية لأجل إنشاء نظام عالمي يقوم على اكتناز الأموال وتراكم رؤوس الأموال وأيلولتها لأحبارهم ورهبانهم .

وعليه فإن المسألة يتفرع عنها أربعة مسائل :-
- إفساد اليهود والنصارى عقيدة الناس في الله
- مدى فاعلية نظام الأوامر الهرمية لاستعباد البشر
- نتيجة الصراع بين عقيدة النور وعقيدة الظلام
- غاية النظام العالمي القائم على اتحاد أهل غير ملة الإسلام

قال القطان (بعد أن ذكر الله تعالى أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم ، وفي وجوب مقاتَلَتِهم وإبعادِهم عن المسجد - جاء هنا بحُكم أهل الكتاب وبيان الغاية منه ، وفي ذلك توطئةٌ للكلام عن غزوة تبوك والخروج إليها في زمن العُسرةِ وقتَ الحر الشديد في الصيف ، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين ، ثم بعد ذلك بيّن انحراف اليهود والنصارى عن دِينهم الاصلي ، وأنهم اتّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله ، وأنهم يسعون في إبطال الاسلام ، وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسول الله وصحة دينه ) .

 


أولا : إفساد اليهود والنصارى عقيدة الناس في الله

قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(30) نسبوا لله ابنا كلا من اليهود أو النصارى ، فعن ابن عباس قوله "يضاهئون " يشبهون ، (يضاهئون يشابهون المضاهاة معارضة الفعل بمثله يقال ضاهيته إذا فعلت مثل فعله) ، وذلك لكي يزيلوا التفرقة في أذهان الناس بين الخالق والمخلوق ، فإذا تساويا لم تستلزم العبادة من المخلوق للخالق ، حيث تكون العلاقة بين الإنسان والإله – في معتقدهم – أشبه بعلاقة الابن بأبيه أو بأمه ، له أن يتدلل عليهما ويقومان هما على رعايته ، ولكل منهم استقلاله في حياته عن الآخر ، ولكل منهم ملكه وسلطانه .

أي إنهم أسسوا عقيدتهم على تلك المضاهاه التي ترجع أصولها التاريخية على فكرة الثالوث عند الوثنية القديمة ، والتي تتمثل أبرزها فيما يلي :-
 الثالوث المصري القديم (العائلي) : وتمثل في أوزيريس (الأب) ، إيزيس (الأم)، وحورس (الابن)
 الثالوث البابلي: قسم البابليون الآلهة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: إله السماء، إله الأرض، وإله البحر.
 الثالوث الهندي (الهندوسية): "تريمورتي" المتمثل في براهما (الخالق)، فشنو (الحافظ)، وسيفا (المدمر)، وتصور أصنامهم غالباً بجسد واحد وثلاثة رؤوس.
 الثالوث الفارسي: أورمزد، ميثرا، وأهرمان.
 الثالوث الروماني العتيق: جوبيتر (ملك الآلهة)، مارس (الحرب)، وكويرينوس.

ولذلك وضعوا في الإنجيل عبارة نسبوها للمسيح فقالوا " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ، مبررين ذلك بوجوب الخضوع للاثنين في حكمهما ، وكأنهما سلطانان معترف بهما ، ولكل واحد منهما مملكته ، أحدهما في الأرض وهو قيصر ، والآخر في السماء وهو الله ، ولا تعارض بين سلطان هذا وذاك ، فليهادن أتباع المسيح قيصر ويعطوه الجزية حتى لا يغضب عليهم ، ويدفعوا في ذات الوقت حقوق الله للمساكين ، ولا تعارض بين سلطانهما ، وهكذا انفصلت المسيحية بهذا الفكر عن الحركة في الحياة ، وأضحت محصورة داخل الكهنوت والأديرة والكنائس ، وأضحت الحياة القيصرية بما تتضمنه من ظلم واقع عليهم بعيدة كل البعد عن مجاهدتهم وعن تعاليم المسيح غير الإذعان للملك والسكوت على ظلمه مخافة بطشه .

وهو بلا شك يخالف تعالم الإسلام بوضوح تام ،لأن الإسلام يتعامل مع هذا الظلم بالسعي الحثيث لرفعه بشتى السبل ، وإن جازت التقية في أحوال معينة ، لكن لا يجوز المساومة مع الظالم في ظلمه ومهادنته على ذلك ، بل إن الشهادة في سبيل النطق بكلمة الحق عن حاكم جائر من أرفع منازل الشهداء عند الله .

وقَوْلُهُ (..يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ..) قال أبو حيان (بين تعالى لحاق اليهود والنصارى بأهل الشرك ، وإن اختلفت طرق الشرك في فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره ، لأنّ الشرك هو أنْ يتّخذ مع الله معبوداً ، بل عابد الوثن أخف كفراً من النصراني ، لأنه لا يعتقد أنّ الوثن خالق العالم ، والنصراني يقول بالحلول والاتحاد) .

وفي الآية دعوة إلي المتَبَعِين الذين أضلوا الناس فاتبعوهم ، أن يتحققوا من قولهم ويبحثوا عن مصدره ومستنده ، فأمور العقيدة لابد وأن تثبت بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة ، فإذا فعلوا ذلك علموا أنهم إنما هم متبعون لعقائد أسلافهم الوثنية ، كما في بلاد الهند ومصر القديمة والإغريق ، مثل الثالوث المصري القديم المؤلف من أوزوريس وإيزيس وحوريس هو قاعدة الوثنية الفرعونية) .

كما أن في الإخبار بهذا التشابه استظهار لغايتهم من هذا القول ، فكل ملل الكفر غايتها تلبيس الحق بالباطل ، كما في قوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ){آل عمران/71} ، فالكفر دائما يعتمد على الكذب والتضليل وتلبيس الحق بالباطل ، فهم لا يريدون أن يأتوا بباطل محض حتي يدخل الباطل على الناس في صورة بعض الحق ، فيقبلوا الباطل لتلبسه بالحق ، فهم لا يريدون أن يأتوا بإلحاد محض ، وإنما يلبسون العقيدة بشركيات من عند البشر ، وذلك لأن الإلحاد الكامل سريعا ما يهزم ويزول ، أما العبادة الشركية فإنها تحقق ما يقصدونه من صرف الناس عن عبادة التوحيد لله بإخلاص ، فيخدعونهم ببعض الطقوس والشعائر الشركية لينشغلوا بها راغبين عن عبادة الله الواحد الأحد .

وفي قوله (..قَاتَلَهُمُ اللّهُ..) يصور مدى بشاعة هذه الجريمة في حق الله تعالى ، وأنها تستوجب عقابه ، وهو عقاب يقوده الله سبحانه بذاته العلية ، فيقاتلهم بعباده المؤمنين ويقهرهم ويذلهم ، كما قال تعالى (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ..) (التوبة 14) ، وقال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر 6) ، قال ابن كثير (وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى ، لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة، والفِرْية على الله تعالى) .

وفي قوله (..أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يعني أنى يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد فجعلوا له ولداً تعالى الله عن ذلك علواً كبير) .
ثانيا : مدى فاعلية نظام الأوامر الهرمية لاستعباد البشر وإضلالهم عن التوحيد الخالص لله

قوله (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (31) بينت الآية النظام الهرمي الذي أنشأه أهل الملل غير المسلمين ، الذي يضمن تبعية بعضهم لبعض ، وخضوع الضعيف للقوي ، حتى لا يخرج أحد من هذه المنظومة عن سلطانهم الذي ضمن هذا النظام فاعليته ، ويكشف أصغر محاولة للخروج عليه بمجرد محاولة أن يشذ ضعيف عن طوع الأقوى منه درجة ، الذي هو بدوره خاضع للأقوى منهما ..وهكذا .

واللافت للنظر كذلك أنهم بهذا النظام كذلك يؤكدون فكرة ما للقيصر للقيصر وما لله لله ، ذلك أنهم وإن كانت طوائف منهم يعتبرون المسيح هو الآله وطوائف أخرى تعتبره ابن الإله ، ومن ثم يجيزون عبادته دون الله ، فإنهم بهذا النظام يشركون في عبادتهم للمسيح كذلك ، ولذلك جاء ذكر القرآن للمسيح بن مريم معطوفا على اتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ، يعني أنهم بهذا النظام يعبدون بعضهم بعضا وكذلك يعبدون المسيح ، وهكذا استبان أن دعوتهم خالية في أساسها وأصلها من التوحيد الخالص .

وحقيقة العبادة هي الخضوع بالطاعة للمعبود ، فمجرد طاعتهم والخنوع لهم دون تحري أمرهم هل يوافق أم يخالف أمر الله ، كما يفعل المسلمون ، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فإن مجرد طاعتهم لأربابهم على هذا النحو هو في ذاته عين الشرك بالله ، ودون حاجة أن يسمونهم آله أو أطلقوا عليهم هذه التسمية ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ  وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) .

قال ابن تيمية (وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا - حَيْثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ :-
(أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللَّهِ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ، فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ فَهَذَا كُفْرٌ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُمْ - فَكَانَ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ .. مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ) .
وَ(الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ ثَابِتًا لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ ؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ] ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ ( السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) .

قال صاحب الظلال (فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم . . ومع هذا فقد حكم الله - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها . . فهذا وحده - دون الاعتقاد والشعائر - يكفي لاعتبار من يفعله مشركاً بالله ، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين) أي حال طاعتهم عن اعتقاد بوجوب ذلك وإن تعارض مع معتقداتهم ، وليس مجرد طاعة عن ضعف بشري وذلة في معصية.


وكذلك التنظيمات الماسونية تقوم على مثل ذلك التنظيم الهرمي

فهم بهذا النظام يقرون أتعس وضع يمكن أن يعيشه بشر ، وبالكاد يتحمله ، فحين يخضع المخلوق لأوامر مخلوق مثله وتتعارض مع أوامر الخالق ، ويُجبرون على تقديسها وعدم معارضتها ، وكأنها من عند الله ، فيخضعون لها بموجب سلطانها ورهبتها سواء تمثلت في رهبة أدبية أو قوة مادية ، عندئذ يتشتت العبد بين أرباب شتى يعجز عن إرضائهم جملة واحدة ، وعلى فترات زمنية متعاقبة ، كما في قوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) {الزمر/29} ، ولا خلاص لهم من ذلك إلا بجهاد الطلب .

من ذلك يمكن القول بأن هؤلاء لا يريدون للبشر أن يمارسوا حريتهم في اختيار عقيدتهم ، فيعمدون إلى تفعيل نظام هرمي للأوامر يوجب السمع والطاعة للقيادة الأعلى ، والتي تصطبغ عادة بالصبغة الدينية – غالبا – أي أن أحبارهم ورهبانهم- يأمرونهم بمعصية الله وينهونهم عن طاعته ، تحت ستار أدبي متمثل في هذه الصبغة الدينية ، فذلك الضامن النفسي لهذا الاتباع ، وتكون القاعدة الجزائية – كذلك – هي الضامن السلطوي لعدم خروجهم من هذا النظام ، والرشى بالمال هي الضامن المادي لاستمرار هذا النظام ، فلا يتمكن المرء من مخالفتهم إلا إذا أعلن تمرده على النظام كله بكل أركانه ، ركنه النفسي والسلطوي والمادي ، ومن ثم يقع في دائرة من العقوبات الجزائية إذا ما حاول أن يغير عقيدتهم أو يخالف أوامر الكهان والأحبار .

والتاريخ شاهد على فترة الاضطاد الكنسي التي عاشتها أوروبا في القرون الوسطى بما يعجز الناس عن وصف بشاعتها حيث اضطهدت الكنيسة الكاثوليكية الهراطقة، مثل الكاثار، من خلال محاكم التفتيش والصليبية الموجهة ضدهم ، ومن أبرز ما سطره التاريخ اضطهاد دقلديانوس، حيث أُجبر المسيحيون على تقديم التضحيات للآلهة الرومانية، مما أدى إلى موت وتعذيب وسجن العديد منهم ، ولا تزال البشرية تعاني بمثل هذا الاضطهاد ، ولكن تحت عدة أغطية وسواتر .
قوله (..وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (31) يقول النبي  (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) .

أما في الإسلام في الأمر أيسر بكثير ، حيث يدين العباد لله وحده بالطاعة ، ولا يدينوه لغيره بشيء إلا أن يأمرهم الله بطاعته ، كطاعة الوالدين وولي الأمر في غير معصية ، ويقول رسول الله  (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) ، ومعيار التمييز بين أوامر الله وما يضادها من أوامر مخالفة لأمر الله - وإن زعم مصدرها أنها من الله - هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه  .

فالعلاقة بين العبد وربه في الإسلام مباشرة ، ولذلك فإنها تختلف عن هؤلاء بالكلية ، فالأوامر تأتي من الله مباشرة ، والمعصية لا تكون إلا لله ، والله هو الذي يعاقب ويحاسب على المعصية ما لم تمس المجتمع ، فيدافع المجتمع عن حقه ليحاسب الجاني على إخلاله بالنظام العام كجرائم الحدود كالسرقة والقتل ..الخ ، ومن هنا شرع جهاد الطلب لهدم النظام الهرمي القائم على استعباد الناس ، وحرمانهم من أبسط حقوقهم في اختيار دينهم وإعلان عقيدتهم بحرية ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

ثالثا : نتيجة الصراع بين عقيدة النور وعقيدة الظلام

قوله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (32) هذه الآية من أقوى مبررات الجهاد في سبيل الله تعالى ، واستظهارا لرحمة الله بالناس من فرضه ، ذلك أن جهاد الطلب يدرأ قتال كبير محتمل قد يحصل لو لم يعِ المؤمنون أهمية "الجهاد" ، ولذلك قال النبي  (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فالخيل كناية عن الجهاد في سبيل الله ، وقد صرح بذلك البخاري فبوب بابا لهذا الحديث بعنوان (بَاب الْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ) ، أي أن تلك الفريضة ماضية وباقية لا تنقطع حتى ولو تولى أمر المسلمين فاجر فهي لن تنقطع رغم ذلك ، فطالما لا يزال الكفار يقاتلون المسلمين فلا يزال يوجد في المسلمين من يقاومهم ويقاتلهم كذلك ، وإن لم يكن حال المؤمنين بأحسن حال ، وإن تولى عليهم فاجر ، فهم يقاتلون معه تحت سلطانه ، لأن فجورهم – كما قال ابن تيمية – على نفسه ، وقوته للمسلمين .

فجهاد الطلب ليس خيار بل هو ضرورة لابد منه لإزالة رؤوس الكفر والفتنة الصادين عن سبيل الله ، فهؤلاء هم الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواه الشرك ومناهجه ، وبه يفتح المجاهدون أبواب الحرية لشعوب هؤلاء المتبوعين الظالمين ، فتستقل شعوبهم عن التبعية لهم ولمنظومة أوامر الرهبان والأحبار، ويتحرروا من عبادة البشر ، ليرتقوا إلى عبادة الله .
لكن جهاد الطلب لا ينجح أبدا إلا بالتجرد وإخلاص المجاهدين لله ، ليظلوا هم مشاعل هذا النور ، قال رسول الله  (بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد مالم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة ، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الآخرة من نصيب) ، أي أن ذلك مرهون بأن يتجرد المجاهدون من الدنيا ليكون عملهم خالصا لوجه الله ولأجل تحرير العباد لرب العباد .

قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (33) هذه الآية مبشرة بظهور هذا الدين على الدين كله ، مهما حاول المشركين طمس معالم هذا الدين ، فعَنْ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ) ، وكان تميم الداري يقول : (قد عرفت ذلك في أهل بيتي ، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية) .

قال ابن تيمية (ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال ، فإن النبي  مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين ، فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعا واختيارا بغير سيف لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات ثم أظهره بالسيف ، فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعا فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى ، فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك ، ومنفعته قبل منفعته ، ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف ، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان ، وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف ، وهو ظهور مجمل علا به على كل دين مع أن كثيرا من الكفار لم يقهره سيفه ، فكذلك كثير من الناس لم يظهر لهم آياته وبراهينه ، بل قد يقدحون فيه ويقيمون الحجج على بطلانه ، لا سيما والمقهور بالسيف فيهم منافقون كثيرون ، فهؤلاء جهادهم بالعلم والبيان دون السيف والسنان) .

رابعا : غاية النظام العالمي القائم على اتحاد أهل غير ملة الإسلام استجلاب المال من قوت الشعوب

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) كالرشوة ، وذلك من أجل تغيير الأحكامِ والشرائعِ والتخفيفِ والمسامحة فيها ، ويدخل في ذلك كذلك (كتابة صكوك الغفران يبيعونها للسفلة منهم إلى غير ذلك من الحيل باسم الدين) ، وكذلك (أخذهم من أموال اتباعهم ضرائب باسم الكنائس والبيع ، وغير ذلك مما يوهمونهم به أنّ النفقه فيه من الشرع والتقرب إلى الله ، وهم يحجبون تلك الأموال) .

قال ابن عاشور في الآية (تنبيه المسلمين على نقائص أهل الكتاب تحقيرا لهم في نفوسهم،.. فبعد أن ذكر تأليه عامتهم لأفاضل من أحبارهم ورهبانهم المتقدمين بيَّن للمسلمين أن كثيرا من الأحبار والرهبان المتأخرين لا يستحقون المقام الديني الذي ينتحلونه) ، (والمقصود من هذا التنبيه أن يعلم المسلمون تمالئ الخاصة والعامة من أهل الكتاب على الضلال وعلى مناوأة الإسلام ، وأن غرضهم من ذلك حب الخاصة الاستيثار بالسيادة ، وحب العامة الاستيثار بالمزية بين العرب ، وأسند الحكم إلى "كثير منهم" دون "جميعهم" لأنه لم يخلوا من وجود الصالحين فيهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق) .

وقوله (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي (وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ، ويُلبسون الحق بالباطل ، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير ، وليسوا كما يزعمون ، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون) .

قوله (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (34) قال ابن كثير (هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس) ، يعني أنهم الصنف الثالث (أرباب الأموال) يأتون بعد أهل السلطة (الحكام والأمراء والشرطة) ، وأهل الدين (الأحبار والرهبان) ، قال ابن كثير (فإن الناس عالة على العلماء ،وعلى العُبَّاد ، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس) .

قال العلماء (أَصْلَ الْكَنْزِ فِي اللُّغَةِ هُوَ "الْجَمْعُ" ، وَكُلُّ مَالٍ جُمِعَ فَهُوَ كَنْزٌ ، لَكِنَّ الشَّرْعَ قَرَّرَ هَذَا الِاسْمَ عِنْدَهُ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ مَنْعِ الْحَقِّ مِنْهُ) ، أي منع الزكاة التي تعطي للفقراء والمساكين والمستحقين لها ، ذلك أن الاكتناز هو جمع المال والاحتفاظ به بعيدا عن التداول ليظل متراكما مدة زمنية طويلة نسبيا ، فلا يدر نفع اقتصادي أو اجتماعي .

وفي النظريات التقليدية يعد الاكتناز ذلك الجزء المتبقي من مجمل الادخار بعد عملية تحويل المدخرات إلى استثمارات، فالادخار يختلف كليا عن الاكتناز ، لأنه عملية اقتصادية إيجابية لابد منها قبل الاستثمار ، أي هو مصدر تدفق المال لأجل الاستثمار ، ومنه يشتق منحنى الاستثمار، ولذلك فالاكتناز – ذاته ، وبهذا المعنى - ظاهرة سلبية اقتصادياً واجتماعياً.

وتعد هذه الظاهرة من أكبر معوقات التنمية في الدول النامية لتعطيل الأموال عن الحركة في الأسواق ، ولذلك لم يبح الإسلام الاكتناز لأسباب اقتصادية تتمثل في الإضرار بالاستثمار العام ، ومن ثم الإنتاج والاستقلال الاقتصادي للدولة ، ولأسباب اجتماعية تتمثل في الإضرار بالفقير ، والإخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية ، لأن تداول المال في عملية البيع والشراء يخلق العديد من الوظائف فيستفيد الفقير من ارتفاع مستوى التشغيل ، ومؤدى ذلك كذلك زيادة الإنتاج للسلع مما يساعد على خفض الأسعار، (فالإسلام يريد أن يبقى المال داخلاً ضمن النّشاط الإقتصاديّ ومستخدماً فيه , لا أن يُحبس ويُكنز , مما يؤدّي إلى خروجه عن خلقته الّتي خلقه الله بها) .

وعلاجا لهذه الآثار فرض الإسلام الزكاة ، للتقليل من الآثار الضارة للاكتناز ، فهي العمل الذي يقابل فعل الاكتناز ، روي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْكَنْزِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ) ، جاء في الشروح (كل مال أدى زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفونا تحت الأرض ، وكلما لا يؤدي زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا) ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) وأورد تحته حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ في قوله (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ) .

والمال الذي تجب عليه الزكاة إذا لم يستثمر تأكله الصدقة ، مما يحمل صاحبه إلى تدويره خلال الحول حتى لا ينقص بسبب الصدقة ، فيضطر لتدويره لتعويض مقدار الزكاة حتى وإن كان العائد المتوقع بمقدارها أي بمقدار 2,5 في المائة ، ولذلك شمل مفهوم الإسلام للزكاة المال المدخر والمكتنز معا ، فالإسلام أوجب الزكاة على عملية نماء المال ، وعلى المال المكتنز على وجه سواء ، وذلك إعلاءً للاعتبارات الاجتماعية لهذه الفريضة فضلا عن معالجة الآثار السلبية الاقتصادية للاكتناز .
فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ فَقَالَ مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) ، ولذلك فرض الله الزكاة طهرة لهذا المال ، سواء أكان مكتنزا لأجل الادخار المجرد أو لأجل الاستثمار أو الاستهلاك المؤجل.

بالإضافة إلى الزكاة الواجبة شرعا ، فإن الصدقة وإن كانت من أعمال التطوع فيما زاد عن مقدار الزكاة ، فإنها - كذلك- تكون واجب اجتماعي لمن هو بحاجة إليها ، أي أنها واجبة على الكفاية متى لم تف أموال الزكاة بحاجة الفقراء والمحتاجين ، فهي بمثابة فرض أدبي وإن لم يكن أداؤها واجب عيني .
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فِي سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يُصَرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ) .

قوله (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (35) هذه الآية دليل على أن الاكتناز في ذاته –ووفقا لمفهومه المتقدم ذكره- ذنب يعاقب عليه في النار يوم القيامة .

فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ  تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا .
وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ .
قَالَ وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ .
وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ .
وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) .

 

  • الثلاثاء AM 09:57
    2026-05-12
  • 14
Powered by: GateGold