ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الشيعة و حجية القرأن
الشيعة و حجية القرأن
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نعود إلى ما كنا بصدده من مدارسة اعتقاد الشيعة في مسألة حجية القرآن الكريم. وذكرنا أن الرافضة يقولون إنه لا حجة إلا بقيم، ثم إنهم أيضًا حصروا علم القرآن ومعرفته بالأئمة الذين لهم حق فهم القرآن الكريم وتفسيره، هم فقط الأئمة. ولذلك عندهم مصطلح القرآن الصامت والقرآن الناطق، فالقرآن صامت، وأما هم فالقرآن الناطق يوضحون لنا معاني القرآن الصامت. أيضًا هم يزعمون أن قول الإمام يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه ويبين مجمله إلى آخره، كما ناقشنا ذلك من قبل بالتفصيل.
ومعنى ذلك أن الهدف من هذه المقالات تبديل دين الإسلام وتغيير شريعته، بالاعتقاد بأن كلام الله سبحانه وتعالى عرضة للتبديل والتغيير بالنسخ أو بمخصص أو مقيد أو مبين أو عام، يزعم شيوخ الشيعة أنهم ينقلون ذلك عن أئمتهم، وهو القيم الذي له الحق في فهم القرآن الكريم.
البحث الثاني يتعلق أيضًا بموضوع القول في مصادر الإسلام، وهو اعتقاد الرافضة في قضية تأويل القرآن، وهذه القضية في منتهى الخطورة. وفيها مسألتان: الأولى اعتقادهم بأن للقرآن الكريم معاني باطنة تخالف الظاهر، والثانية قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
فهاتان مسألتان تتعلقان باعتقادهم المتعلق بتأويل وتفسير القرآن الكريم. فأول شيء: عقيدة خطيرة جدًا، عقيدة باطنية، وهي أن القرآن الكريم له معاني باطنة تخالف الظاهر. فهذه آيات القرآن الكريم عندهم لها ظاهر، لكن المعنى الحقيقي الباطني موجود عند الأئمة.
وقدم الشيعة مئات الروايات التي تؤول آيات الله على غير تأويلها، ونسبوها للأئمة الاثني عشر، وليس لهذا التأويل الباطني من ضابط ولا له قاعدة يعتمد عليها. وسنجد في تأويل آيات القرآن محاولة يائسة لتغيير هذا الدين وتحوير معالمه وطمس أركانه؛ فأركان الدين تفسر بالأئمة، والصلاة والصيام والحج والزكاة تفسيرها الأئمة، الأئمة الاثنا عشر هي أركان الإسلام. وآيات الشرك والكفر تؤول بالشرك بولاية علي وإمامتهم، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم. وهكذا يخرج القارئ لهذه التأويلات بدين غير دين الإسلام، وهذا الدين له ركنان أساسيان هما الإيمان بإمامة الاثني عشر، والكفر واللعن لأعدائهم، على أساس قاعدة لا ولاء إلا ببراء. فالإيمان بالأئمة الاثني عشر، وكأن القرآن الكريم ليس كتاب الله، وإنما هو كتاب الإمامة أو كتاب ولاية علي والأئمة وسائر الأئمة.
فإذا قارنت بين هذا وبين كلام علماء السلفيين في بيان أن القرآن كله يدور حول محور واحد، وهو التوحيد، وحقوق التوحيد، وعواقب التوحيد في الدنيا والآخرة لمن آمن أو لمن كفر، وحقوق التوحيد والتزام الطاعات والعبادات، هذا من التوحيد، وصفات الله عز وجل، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، فالقرآن كله يدور حول معنى لا إله إلا الله، توحيد الله سبحانه وتعالى. أما هؤلاء الضالون فيتمحور القرآن الكريم عندهم حول قضية الإمامة، فكأنه كتاب الإمامة أو ولاية علي، وليس كتاب الله تبارك وتعالى.
جاء في أول الكافي للكليني ما نصه عن محمد بن منصور قال: سألت عبدًا صالحًا – وهم يعنون به موسى الكاظم الذي يعدونه إمامهم السابع – عن قول الله عز وجل: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور. ومن هم أئمة الجور؟ أي حاكم حكم في التاريخ كله غير أئمتهم الاثني عشر. وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق.
انتهى. وتقرر هذه الرواية الواردة في أصح كتبهم الأربعة مبدأ أن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفة تامة، وتضرب المثل بما أحل الله وحرم في كتابه من الطيبات والخبائث، وأن المقصود بذلك بالطيبات والخبائث أو الحلال والحرام رجال بأعيانهم، هم الأئمة الاثنا عشر وأعداؤهم. وهذا التأويل لا أصل له من لغة أو عقل أو دين، وهو محاولة لتغيير دين الإسلام من أساسه، ودعوة إلى التحلل والإباحية.
وفي هذا النص الوارد في أصح كتبهم يظهر من خلاله الدافع إلى القول بأن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وهو أن الشيعة عندهم نقطة ضعف شديدة جدًا في مذهبهم، وهي أنهم يعتقدون أن ركن الدين الأعظم هو الإمامة، وأن من لم يقر بالإمام فهو كافر. فلما كان أهل السنة يحرجونهم بهذا السؤال: إذا كانت قضية الإمامة هي أصل أصول الدين، فلماذا خلت منها آيات القرآن الكريم؟ كيف يخلو القرآن من قضية الإمامة، وهو قد أنزل أطول آية فيه في حفظ مال المسلم؟ فكيف تخلو قضية هي أصل الدين عندهم من النص القرآني الصريح؟
فكان رد الفعل العكسي عندهم أنهم قالوا: جميع آيات القرآن الكريم، التي في الحلال أو في الحرام أو في الطيبات أو الخبائث، كلها إما خبر عن الأئمة الحق، أو خبر عن أعدائهم، وهم كل خلفاء المسلمين الذين غصبوا الخلافة في زعمهم. يقول الدكتور القفاري حفظه الله تعالى: إن الدافع وراء هذا الزعم بأن للقرآن ظاهرًا وباطنًا هو أن كتاب الله سبحانه وتعالى خلا من ذكر أئمتهم الاثني عشر، وخلا من النص على أعدائهم. وهذا الأمر أقض مضاجعهم وأفسد عليهم أمرهم، وقد صرحوا بأن كتاب الله قد خلا من ذكر الأئمة، فقالوا: لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا أسماءنا فيه مسمين. فلما لم يكن لأصل مذهبهم وهو الإمامة والأئمة ذكر في كتاب الله، قالوا بهذه المقالة لإقناع أتباعهم وترويج مذهبهم بين الأغمار والجهلة، وحتى يجعلوا لهذه المقالة القبول أسندوها – كعادتهم – لبعض آل البيت كذبًا وزورًا.
ومسألة القول بأن لنصوص القرآن باطنًا يخالف ظاهرها شاعت في كتب القوم، وأصبحت أصلًا من أصولهم؛ لأنه لا بقاء لمذهبهم إلا بها أو بما في حكمها. ولذا عقد صاحب البحار بابًا بهذا العنوان: باب أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، وقد ذكر في هذا الباب أربعًا وثمانين رواية. وهذه الروايات قليل من كثير مما أورده في كتابه في هذا الموضوع. يقول في صدر هذا الباب: قد مضى كثير من تلك الأخبار في أبواب كتاب الإمامة، ونورد هنا مختصرًا من بعضها، ثم ساق الروايات الأربع والثمانين التي تثبت أن القرآن له ظهر وبطن.
وفي تفسير البرهان عقد بابًا مماثلًا لما في البحار بعنوان: باب في أن القرآن له ظهر وبطن. وفي مقدمة تفسير البرهان أفاض القول في هذه المسألة، فقد ذكر خمسة فصول حشر فيها روايات أئمتهم في هذا الباب، انتخبها من مجموعة كبيرة من كتبهم المعتمدة. وقد قرر كثير من كتب التفسير عندهم في مقدمتها هذه المسألة كأصل من أصولهم، كتفسير القمي والعياشي والصافي وغيرها.
ومن نصوصهم في هذه المسألة: إن للقرآن ظهرًا وبطنًا، وبطنه بطن إلى سبعة أبطن. وعن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية عن نفس الآية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك، كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم. فقال لي: يا جابر، إن للقرآن بطنًا، وللبطن بطنًا، وظهرًا، وللظهر ظهرًا، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن. إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه.
وتقرر نصوص الشيعة أن لكل آية معنى باطنيًا، بل قالوا بأكثر من ذلك، فقالوا: لكل آية سبعة بطون، ثم طاشت تقديراتهم فقالت بأن لكل آية سبعين بطنًا، واستفاضت بذلك أخبارهم. يقول أحد شيوخهم: لكل آية من كلام الله ظهر وبطن، بل لكل واحدة منها – كما يظهر من الأخبار المستفيضة – سبعة بطون وسبعون بطنًا.
يقول الدكتور القفاري: وما ندري ما كنه هذه البطون، وما المعنى الذي يحاولون إثباته؟ فالمعنى لا يعدو أحد أمرين: إثبات إمامة الاثني عشر، أو الطعن في مخالفيهم وتكفيرهم. فلماذا تتعدد هذه البطون؟ فإذا كان الهدف كله أن القرآن له باطن وظاهر، وأن الباطن لا يخرج عن موضوعين: إما مدح الأئمة وإثبات إمامتهم، أو ذم مخالفيهم، فكان يكفي عندهم بطنان اثنان لا سبعون!
يقول الشيعة – وقد دلت أحاديث متكاثرة كادت أن تكون متواترة – على أن بطون القرآن وتأويله، بل كثيرًا من تنزيله وتفسيره، في فضل شأن السادة الأطهار، بل الحق المذهب أن أكثر آيات الفضل والإنعام والمدح والإكرام، بل كلها فيهم وفي أوليائهم نزلت. وأن جل فقرات التوبيخ والتشنيع والتهديد والتخويف، بل جملتها في مخالفيهم وأعدائهم. وإن الله عز وجل جعل جملة بطن القرآن في دعوى الإمامة والولاية، كما جعل جل ظاهره في دعوى التوحيد والنبوة والرسالة.
فهم يقولون: ظاهر القرآن الذي يأخذ به أهل السنة يتكلم عن التوحيد والنبوة والرسالة، لكن الباطن عندهم أن نفس هذه الآيات موضوعها الحقيقي الإمامة. ثم ينقد الدكتور القفاري هذه المقالة فيقول: لا شك أن للقرآن العظيم أسراره ولفتاته وإيماءاته وإيحاءاته، وهو بحر عظيم لا تنفد كنوزه، ولا تنقضي عجائبه، ولا ينتهي إعجازه. وكل ذلك مما يتسع له اللفظ ولا يخرج عن إطار المعنى العام؛ فالقرآن نزل بلغة العرب، فيفهم دائمًا في إطار المفهوم من لغة العرب.
ولكن دعوى أولئك الباطنيين غريبة عن هذا المقصد، وهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني، بل هي مخالفة للنص القرآني تمامًا. وهدفها هو البحث في كتاب الله عن أصل يؤيد شذوذهم، وغايتها الصد عن كتاب الله ودينه.
وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال من الدين، وعموم البشر على اختلاف لغاتهم يعتبرون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى، وأسلوب الأحاجي والألغاز لا وجود له إلا في الفكر الباطني. ولو اتخذ هذا الأسلوب قاعدة لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصلت الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.
والمتأمل لهذه المقالة يدرك خطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن، وأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به. فقوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس، يمكن عندهم أن يكون باطنه الأئمة! وبذلك لن يوثق بالقرآن الكريم؛ لأن كل لفظ يمكن أن يحمل على معنى آخر باطني لا ضابط له، وبالتالي يضيع الدين ويسقط الانتفاع بالقرآن الكريم.
والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى. وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم. ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن ودلالاته لما تحقق به الإعجاز، ولكان من قبيل الألغاز. والعرب كانت تفهم القرآن من خلال معانيه الظاهرة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من ادعى علمًا باطنًا أو علمًا بباطن، وذلك يخالف العلم الظاهر، كان مخطئًا؛ إما ملحدًا زنديقًا، وإما جاهلًا ضالًا. وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم، فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم. ثم يقول شيخ الإسلام: وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين بأن الإمام المبين هو علي. وعند أهل السنة المقصود اللوح المحفوظ، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين، أي ما سبق تقديره وكتابته في اللوح المحفوظ. لكنهم يقولون إن الإمام المبين هو علي رضي الله تعالى عنه.
وأيضًا في قوله تعالى: فقاتلوا أئمة الكفر، يفسرها هؤلاء الباطنيون بطلحة والزبير رضي الله عنهما. ثم يفسرون قوله تعالى: والشجرة الملعونة في القرآن بأنها بنو أمية، والعياذ بالله. وبنو أمية – مع ما وقع في دولتهم من أخطاء – ليست صفحتهم في تاريخ الإسلام ظلامًا في ظلام، كما يتوهم الحاقدون، بل هي دولة لها فضلها وإنجازاتها وجهادها وفتوحاتها، وإن لم تكن في منزلة الخلافة الراشدة.
فالشيعة عندهم حقد متوارث بالنسبة لأهل السنة، ويعتبرون أهل السنة أنصار بني أمية، وبالتالي يتعاملون معهم على هذا الأساس. وهذه النظرة الحاقدة تختزل التاريخ كله في أخطاء معينة، وتتجاهل كل ما فيه من خير وجهاد وفتح وتمكين للإسلام.
ومن شدة الجهل عند كثير من عوام الشيعة، يحكى أن بعضهم كان يظن أن أهل السنة لا يصلون على آل البيت، فلما سمع رجلًا من أهل السنة يقول: صلى الله عليه وآله وسلم، تعجب وقال: أنتم تصلون على آل البيت؟! وكذلك بعضهم لم يكن يعلم أن قوله تعالى: وأزواجه أمهاتهم جزء من القرآن الكريم، فلما علم ذلك أخذ يقول مذهولًا: عائشة أمي، عائشة أمي! لأن الجهل الشديد عند العامة يجعلهم يصدقون كل ما يلقنونه، ولا يعرفون حقيقة دينهم ولا حقيقة ما عند غيرهم.
يقول الدكتور القفاري: هذه التأويلات التي ينقلها ابن تيمية وينسبها للباطنية موجودة بعينها عند الاثني عشرية. فالتأويل المذكور للآية الأولى: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين، جاء عندهم في خمس روايات أو أكثر أن الإمام المبين هو علي رضي الله عنه. وسجل في طائفة من كتبهم المعتمدة، وليس في الآية أي دلالة على هذا التأويل.
كذلك في الآية الثانية: فقاتلوا أئمة الكفر، ورد تأويلها بذلك في طائفة من كتبهم المعتمدة، وبلغت الروايات عندهم في هذا أكثر من ثمان روايات، ومنها الآية الثالثة أيضًا مثلها: والشجرة الملعونة في القرآن، جاء تأويلها عند الاثني عشرية بما قاله شيخ الإسلام في أكثر من اثنتي عشرة رواية عندهم في كتبهم، أن الشجرة الملعونة هي بنو أمية.
فهؤلاء لم يورثوا فقط أصل الفكر الباطني، بل زادوا عليه ووسعوه، حتى صار منهجًا مستقراً في كتبهم. وكان علماء الإسلام يستنكرون هذا اللون من التأويل؛ لأن من فسر القرآن وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفترٍ على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد.
ثم يقول الدكتور القفاري: وما وصل إلى علماء الإسلام السابقين من تأويلات باطنية هو قليل من كثير مما كشفته اليوم مطابع النجف وطهران، وما استجد بعدهم من مقالات صنعتها يد التلبيس والتزوير، والتي لم تتوقف إلى اليوم؛ حيث فسروا كثيرًا من آيات القرآن على هذا النحو من التأويل الباطني، وزعموا أن جل آيات القرآن العظيم نزل فيهم وفي أعدائهم، كما سنبين في المسألة التالية.
أما المسألة الثانية، فهي قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم. يقول الشيعة بأن جل القرآن إنما نزل فيهم، يعني في الأئمة الاثني عشر، وفي أوليائهم وأعدائهم. مع أنك لو فتشت في كتاب الله، وأخذت معك قواميس اللغة العربية كلها، وبحثت عن اسم من أسماء هؤلاء الاثني عشر، فلن تجد لهم ذكرًا. ومع ذلك، فانظروا إلى الكذب ذي القرنين! شيخهم البحراني يزعم أن عليًا وحده ذُكر في القرآن الكريم ألفًا ومئة وأربعًا وخمسين مرة! شيء غريب جدًا، جرأة على الكذب عجيبة.
ويؤلف في هذا الشأن كتابًا سماه اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية، يحطم فيه كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، ويفضح من خلاله قومه على رؤوس الأشهاد بتحريفاتهم التي سطرها في هذا الكتاب وجمعها، وقد كانت متفرقة لا تعرف، لكنه جمعها من طائفة من مصادرهم المعتبرة عندهم.
وتأتي بعض رواياتهم لتقول إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم. فإذا قيل هذا، يفهم منه أنه ليس للأئمة ذكر صريح في القرآن الكريم. فتأتي رواية أخرى تقسم القرآن تقسيمًا آخر، تجعل فيه نصيب الأئمة وأعدائهم ثلث القرآن، كأنها تحاول أن تتلافى ما وقع في الرواية السابقة من نسيان ذكر الأئمة، إلا أنها لم تجعل للأئمة وأعدائهم إلا ثلث القرآن. فتقول الرواية: نزل القرآن أثلاثًا: ثلث فينا، وثلث في عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.
ثم تأتي رواية ثالثة تزيد فيها نصيب الأئمة ومخالفيهم من الثلث إلى النصف، فتقول الرواية: نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع في فرائض وأحكام. ويلاحظ أنه ليس للأئمة ميزة ينفردون بها في القرآن عن مخالفيهم بالنسبة للتقسيم المذكور، وقد تفطن بعضهم لهذا فوضع رواية رابعة بنفس النص السابق، إلا أنه زاد فيها: ولنا كرائم القرآن، بحيث يفتح الباب لعدد أكثر من الآيات، أكثر من الربع أو الثلث، حتى يظل الباب مفتوحًا يضيفون إليه ما شاؤوا. فانتهوا بهذا إلى القول بأن أكثر القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
ويقول شيخهم الفيض الكاشاني، مؤلف الوافي، وهو أحد مصادرهم المعتمدة في الحديث عندهم: وردت أخبار جمة عن أهل البيت في تأويل كثير من آيات القرآن بهم وبأوليائهم وبأعدائهم، حتى إن جماعة من أصحابنا صنفوا كتبًا في تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن بهم أو بشيعتهم أو بعدوهم، على ترتيب القرآن. ثم يقول: وقد رأيت منها كتابًا كاد يقرب من عشرين ألف بيت، وقد روي في الكافي وفي تفسير العياشي وعلي بن إبراهيم القمي والتفسير المسمى من أبي محمد الزكي أخبار كثيرة من هذا القبيل.
ثم يعلق الدكتور القفاري فيقول: هذه شهادة أو اعتراف من أحد أساطينهم تؤكد شيوع هذه المقالة بينهم، وأنها أصبحت هي القاعدة المتبعة في كتب التفسير المعتمدة عندهم، وفي أصح كتب الحديث لديهم. فهم بهذا صرفوا كتاب الله عن معانيه، وحرفوه عن تنزيله، وجعلوا منه كتابًا غير ما في أيدي الناس، وهم يعتبرون هذا هو الأصل والقاعدة، حتى قال بعض شيوخهم: إن الأصل في تنزيل آيات القرآن إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة صلوات الله عليهم، بحيث لا خير خُبر به إلا وهو فيهم وفي أتباعهم ومواليهم، ولا سوء ذكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وعلى مخالفيهم. ولهذا نرى شيوخ الرافضة يتسابقون في تحريف آيات القرآن العظيم وتطبيق هذه العقيدة.
ويعقد شيخهم الحر العاملي في كتابه الفصول المهمة في أصول الأئمة بابًا في هذا الشأن عنوانه: باب أن كل ما في القرآن من آيات التحليل والتحريم فالمراد بها ظاهرها، والمراد بباطنها أئمة العدل والجور. فهو يعتبر آيات الأحكام والحلال المقصود بها أئمتهم، وآيات الحرام المقصود بها خلفاء المسلمين باستثناء علي رضي الله عنه وبقية الأئمة الاثني عشر. وهذا بلا شك باب من أبواب الإباحية، وهو ما عليه طوائف الباطنية، ولكنه يعد هذه المقالة أصلًا من أصول الأئمة.
وفي كتاب الكافي – أصح كتاب عندهم – روايات كثيرة في هذا، مثل: باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، فتفاجأ في هذا الباب بإحدى وتسعين رواية حشدها في هذا الباب وحرف بها آيات القرآن عن معانيها. وهذا باب من مجموعة أبواب على هذا النحو، كلها تضمنت عشرات الروايات التي تجعل من كتاب الله كتابًا شيعيًا لا موضوع له سوى أئمة الشيعة وأتباعهم وأعدائهم.
ومن أبوابهم أيضًا: باب أن الأئمة رضي الله عنهم العلامات التي ذكر الله عز وجل في كتابه، وعلامات وبالنجم هم يهتدون، فالعلامات هي الأئمة! باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة.
وفي كتاب البحار، أحد مصادرهم المعتمدة في الحديث، أبواب كثيرة هي بمثابة قواعد وأصول في تفسير القرآن عندهم، حشر في هذه الأبواب روايات كثيرة كلها تذهب هذا المذهب في كتاب الله سبحانه. ولعله يكفي أن تقرأ عناوين بعض هذه الأبواب لتدرك مدى مجافاتها للغة العرب، ومناقضتها للعقل، ومنافرتها لأصول الإسلام، وأنها من أعظم الإلحاد في كتاب الله والتحريف لمعانيه.
قال المجلسي:
- باب تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولاتهم عليهم السلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم، وذكر تحت هذا الباب مئة حديث، مئة رواية، تثبت أن هذا هو المقصود بهذه الألفاظ في القرآن الكريم.
- باب أنهم عليهم السلام الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال، وذكر فيه خمسًا وعشرين رواية.
- باب أنهم عليهم السلام وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداؤهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي، وأورد فيه أربع عشرة رواية.
وأبواب أخرى على هذا النمط، تكشف عن محاولة لتغيير دين الإسلام؛ حيث حصرت كل معاني الإسلام في بيعة رجل، وغيرت مفهوم الشرك في عبادة الله، والكفر به، والطواغيت، والأصنام إلى مفاهيم غريبة تكشف هوية واضع هذه المفتريات. فعدا الأئمة، كل خليفة من خلفاء المسلمين – باستثناء الاثني عشر – من أبي بكر رضي الله عنه إلى أن تقوم الساعة، وكل من بايع هؤلاء الخلفاء من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى نهاية الدنيا، هؤلاء هم الأعداء الذين تؤول بهم ألفاظ الكفر والشرك، كما سيأتي في مبحث الإمامة.
فأين أركان الإيمان وأصول الإسلام وشرائعه وأحكامه؟ كلها انحصرت في الإمامة، وأصبح الشرك والكفر والأصنام من المعروف، إذ لا شرك ولا كفر إلا الشرك مع الإمام أو الكفر بولايته، كما تدل عليه هذه الرواية. أليس هذا من أعظم الكفر والزندقة؟ وهل يبلغ كيد عدو حاقد أبلغ من هذا؟ وهو – وإن كان كيد جاهل لوضوح فساده وظهور بطلانه – لكن لا ينقضي عجب المسلم العاقل كيف تعيش أمة تعد بالملايين أسيرة لهذه الترهات والأباطيل؟
ثم يستأنف أبوابه الموجودة في كتاب المجلسي، فيقول:
- باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي، وتضمن هذا الباب سبع عشرة رواية.
- باب أنهم آيات الله وبيناته وكتابه، وفيه عشرون رواية.
- باب أنهم السبع المثاني، وفيه عشر روايات.
- باب أنهم عليهم السلام هم الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفر الكرام البررة، وفيه إحدى عشرة رواية.
- باب أنهم كلمات الله، وفيه خمس وعشرون رواية.
- باب أنهم حرمات الله ومن يعظم حرمات الله، وفيه ست روايات.
- باب أنهم الذكر وأهل الذكر، وفيه خمس وستون رواية.
- باب أنهم أنوار الله، وفيه أربع روايات.
- باب أنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس، وفيه أربع وعشرون رواية.
- باب أنهم المظلومون، وفيه سبع وثلاثون رواية.
- باب أنهم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في القرآن، وفيه عشرون رواية.
- باب تأويل الوالدين والولد والأرحام وذوي القربى بهم عليهم السلام، وفيه ثلاث وعشرون رواية.
فالأئمة – كما ترى في هذه الأبواب – يكونون أحيانًا ملائكة، وأحيانًا كتبًا سماوية، أو أنوارًا إلهية، إلى آخره، ومع ذلك فهم المظلومون المستضعفون! وهذه دعوى لا تحتاج إلى نقد، فهي مرفوضة لغة وعقلًا، فضلًا عن الشرع وأصول الإسلام. وهي عناوين يناقض بعضها بعضًا، ولكنه يمضي في هذا النهج حتى يفسر الجمادات ويوهم بها الأئمة، فيقول:
- باب أنهم الماء المعين والبئر المعطلة والقصر المشيد، وتأويل السحاب والمطر والظل والفواكه وسائر المنافع بأنها علم الأئمة وبركاتهم، وقد أورد في هذا الباب إحدى وعشرين رواية.
ويغلو ويشطح ويتجاوز الحد ليصل إلى أوصاف الرب جل جلاله، فيقول:
- باب أنهم جنب الله وروح الله ويد الله، ويذكر فيه ستًا وثلاثين رواية.
ثم يجعلهم هم الكعبة والقبلة، فيعقد بابًا بعنوان:
- باب أنهم رضي الله عنهم حزب الله وبقيته وكعبته وقبلته، فيقدم في هذا الباب سبع روايات.
ويمضي في هذا الشطط في طائفة من الأبواب، عرضها يمثل في الحقيقة أبلغ رد وأعظم نقد لمذهب الشيعة، وهو ينسف بنيانه من القواعد. وأنا أعتقد في قرار نفسي أن الدكتور القفاري كان يمكن أن يسمي رسالته: أصول دين الشيعة، لأن هذا ليس مذهبًا، بل هو دين آخر. ولذلك وفق الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى حينما استعمل لفظ: الأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية. فهذا ليس مجرد مذهب، بل دين آخر مختلف تمامًا عن دين الإسلام.
يقول الدكتور القفاري: فلولا المر ما عرف طعم الحلو. فهذه التأويلات أشبه ما تكون بمحاولات مسيلمة الكذاب، وهي تعطي الدليل القاطع على أنها ليست من عند الله سبحانه. يعرف هذا من له أدنى صلة بلغة العرب فضلًا عن دين الإسلام وقواعده وأصوله؛ لأن الله سبحانه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين. وكتاب البحار المعتمد عند الشيعة يكاد يجعل الأئمة هم كل شيء ورد به القرآن، فيمضي في هذه الأبواب ليقرر ما شاء له هواه وتعصبه، ويصل به الأمر ليلقي كل ما في نفسه وما يخطر بباله، فلا خوف من انكشاف فضيحته، ولا حياء من زيادة وقاحته.
فيقول:
- باب أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان، ويضع في هذا الباب سبع روايات.
فهل البحر واللؤلؤ والمرجان هم الأئمة؟ هل جعلهم جمادات؟ أم هذا رمز باطني وإشارة سرية عندهم؟
ثم يعقد بابًا بعنوان:
- باب أنهم الناس، ولا يذكر فيه سوى ثلاث روايات، ويقرر في هذا الباب أن غير الأئمة ليسوا من الناس.
ثم يعود ليتابع بطلان مذهبه الغريب الشاذ، والذي لم يكن معروفًا عن الاثني عشرية عند علماء المسلمين السابقين، بل هذا المذهب كان مشهورًا عند الباطنية، فيعقد بابًا بعنوان:
- باب نادر في تأويل النحل بهم، واستشهد بقوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل.
وذكر في هذا سبع روايات. - ثم باب في تأويل الأيام والشهور بالأئمة، ويتضمن هذا الباب أربع روايات.
ولو ذهبنا ننقل أحاديث تلك الأبواب ونتعب بالتحليل والنقد لاستوعب ذلك مجلدات، وقد اخترنا هنا ذكر هذه الأبواب حتى لا يقال بأننا نعمد إلى الروايات الشاذة عندهم، كما أننا سنذكر بعد هذا أمثلة من روايات هذه الأبواب، ونختار منها في الغالب ما يشترك في ذكره مجموعة من كتبهم المعتمدة. وهذه الأبواب التي أوردناها هي قليل من كثير، وقد جاءت في أكبر موسوعة حديثية عند الشيعة، وهي كتاب البحار، والذي قال شيوخهم المعاصرون في وصفه: هو أجمع كتاب في فنون الحديث، وبعضهم قال: لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، وبعضهم يقول أيضًا: وقد صار مصدرًا لكل من طلب بابًا من أبواب علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: هو المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب.
أما مؤلفه عندهم فهو: شيخ الإسلام والمسلمين، رئيس الفقهاء والمحدثين، آية الله في العالمين، ملاذ المحدثين في كل الأعصار، ومعاذ المجتهدين في جميع الأمصار، إلى آخر الألقاب التي خلعوها عليه. وتلك الروايات مصدرها طائفة من كتبهم المعتمدة؛ لأنه يقول: اجتمع عندنا – بحمد الله – سوى الكتب الأربعة نحو مئتي كتاب، ولقد جمعتها في بحار الأنوار. ويقول صاحب الذريعة: وأكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة.
وإن من له أدنى صلة باللسان العربي – كما قلت – يدرك أن هذه الأبواب وتلك الروايات إلحاد في كتاب الله، وتحريف لكلامه سبحانه عن مواضعه، وأن مثل هذه التحريفات لا تلتبس إلا على أعجمي جاهل بالإسلام ولغة العرب. ولعلها برهان واقعي على أن من حاول المساس بكتاب الله سبحانه وتعالى سقط إلى هذا الدرك الهابط.
وليس هذا النهج في كتب الروايات والأحاديث فحسب، فأنت إذا طالعت عمدة التفسير عند هذه الطائفة، وأصل أصول التفسير – الذي يسمونه تفسير القمي – ألفيته قد أخذ من تلك التفاسير الباطنية بنصيب وافر، ومثله تفسير العياشي، وهو من كتب التفسير القديمة المعتمدة عندهم، وعلى نفس الطريق تجد تفسير البرهان، وتفسير الصافي، وغيرها، وهي تعتمد على تفسير الآيات بما زعموا أنه المأثور عن جعفر الصادق أو بقية الاثني عشر.
ولو ذهبنا ندرس ونعرض كل كتاب تفسير على حدة لطال الموضوع وخرجنا عن المقام، وحسبنا أن نذكر أمثلة من رواياتهم في هذا الباب، ثم يناقش بعد ذلك أصل هذه التأويلات: ما هي جذور هذا الضلال؟
يقول: أصل هذه التأويلات، مضى القول بأن كتب الشيعة تزعم أن القرآن لا يحتج به إلا بقيم، وأن هذا القيم متمثل في الأئمة الاثني عشر، وأن عنده علم القرآن كله، ولا يشركه في ذلك أحد. فهذا أولًا: صاحب الحق الوحيد في تفسير القرآن الكريم. ثم جعلوا لهذا القيم وظيفة أخرى، هي وظيفة المشرع؛ بمعنى أن النص العام القيم يخصصه، والمطلق يقيده، والمجمل يبينه، وله أيضًا أن ينسخ ما شاء منه؛ لأنه مفوض في أمر الدين كله.
ثم بررت ضرورة وجود هذا القيم لتأويل القرآن بقولها بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، ثم كشفت عن علم هذا الباطن المدخر عند الأئمة بأنه يعني الأئمة الاثني عشر وأعداءهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان رضي الله عنهم، ومعظم موضوعات القرآن لا تتعدى عندهم هذا الشأن. ثم وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ، حيث قام شيوخ الشيعة بوضع مئات الروايات في تفسير معاني القرآن بالأئمة أو مخالفيهم، أو بعقيدة أخرى من عقائدهم التي شذوا بها عن جماعة المسلمين.
ويرى بعض الباحثين أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من تفسير الشيعة هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي، وهو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. قال ابن حبان: كان سبئيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول إن عليًا يرجع إلى الدنيا. وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحيى: لا يكتب حديثه ولا كرامة. وقال ابن حجر: ضعيف.
أما هذا الجعفي في كتب الشيعة، فأخبارهم في شأنه متناقضة؛ فأخبار تجعله ممن انتهى إليه علم أهل البيت، وتضفي عليه صفات أسطورية من علم الغيب ونحوه، وأخبار تطعن فيه، لكنهم يحملون أخبار الطعن فيه على التقية، ويقولون بتوثيقه كعادتهم في توثيق من كان على مذهبهم، وإن كان كذابًا.
وبعض الباحثين – وهو جولد تسيهر – يرى أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من التفسير الباطني هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي. وقد أشار إلى هذا التفسير طائفة من شيوخ الشيعة، وكان هذا التفسير – كما تشير بعض رواياتهم – موضع التداول السري، كان يتداول سرًا.
فيروي الكشي بسنده عن المفضل بن عمر الجعفي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تفسير جابر، فقال: لا تحدث به السفلة فيذيعوه. وهذا معناه أنه للناس الخاصة، ولا يصلح للتداول العام.
وتجد روايات كثيرة متفرقة في كتب الشيعة مروية عن هذا الجعفي، وينسبها لجعفر بن محمد أو أبيه. يقول المظفر في شأن جابر الجعفي: روى عن الباقر خاصة سبعين ألف حديث، وقيل إنه ممن انتهى إليه علم الأئمة. ولكن في رجال الكشي، حينما ترجم لجابر الجعفي، قال زرارة: سألت أبا عبد الله رضي الله عنه عن أحاديث جابر، فقال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط. وهذه شهادة منهم تثبت كذب جابر في مروياته عن الصادق وأبيه.
ويبدو أن الشيعة لا يمكن أن تثبت لها قدم أو تحتج بدليل من كتاب الله إلا بمثل هذه التأويلات الباطنية، ولهذا بدأ هذا النهج مبكرًا كما نلاحظ. بل يمكن أن يقال إن جذور هذه العقيدة قد نبتت في أروقة السبئية؛ لأن ابن سبأ هو الذي حاول أن يجد لقوله بالرجعة مستندًا من كتاب الله بالتأويل الباطل. لأن ابن سبأ قال: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال الله عز وجل: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد. فهذه أول محاولة باطنية أو منحرفة لتفسير عقيدة الاعتقاد بالرجعة بالقرآن الكريم.
وقد نقلت لنا بعض كتب أهل السنة نماذج من تأويلات الشيعة لكتاب الله، ولكن من كشف لنا اليوم أمرًا لا يخطر على البال. وطبعا الآن في هذا العصر، عصر الاتصالات الذي نحن فيه، الأمر ما عادت التقية تصلح فيه. فقد كان بعض كبار العلماء – في أزمنة سابقة – يصدقون الشيعة حينما يقولون: نحن لا نسب الصحابة، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعائشة أمنا، والقرآن ما نعتقد فيه إلا الخير، إلى آخر هذا الكلام المعروف بالتقية. فالكتب كانت مغلقة عليهم، ولم تكن مراجعهم متوفرة، فكان بعض الناس يصدق هذا الخطاب. أما بعد انتشار الكتب والمطابع والإنترنت، وانكشاف ما في كتبهم، فلم يعد هذا ممكنًا.
حتى إن الشيخ شلتوت رحمه الله – حينما أفتى بجواز التعبد بالمذهب الجعفري – قد يكون فعل ذلك بناء على حسن ظنه، وأنه لم تكن قد وصلت إليه حقيقة هذا الدين على ما هي عليه في كتبهم، أو قيل: كانت فتوى مسيسة لأسباب سياسية تتعلق بصراع عبد الناصر مع شاه إيران، والله أعلم. لكن الثابت الآن أن الحقيقة قد انكشفت، ولم تعد التقية نافعة كما كانت.
يقول: يبدو أن نسبة بعض أئمة السنة لغلاة الشيعة من التأويلات قد ورثتها الاثنا عشرية. فالإمام الأشعري، وكذلك البغدادي، والشهرستاني وغيرهم، يحكون عن المغيرة بن سعيد – أحد الغلاة باتفاق السنة والشيعة – والذي تنسب إليه طائفة المغيرة، أنه ذهب في تأويل الشيطان في قول الله عز وجل: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والعياذ بالله. وهذا التأويل بعينه قد ورثته الاثنا عشرية، ودونته في مصادرها المعتمدة، حيث جاء في تفسير العياشي، والصافي، والقمي، والبرهان، وبحار الأنوار، عن أبي جعفر في قول الله: وقال الشيطان لما قضي الأمر، قال: هو الثاني، يعني عمر رضي الله عنه! ويقول: ما في القرآن شيء فيه وقال الشيطان إلا وهو الثاني!
وفي الكافي، عن أبي عبد الله قال: وكان فلان شيطانًا. قال المجلسي في شرحه على الكافي: المراد بفلان عمر. فهذه الروايات التي تسندها كتب الشيعة الاثنا عشرية إلى أبي جعفر الباقر هي من أكاذيب المغيرة بن سعيد وأمثاله. فقد ذكر الذهبي عن أثير النواء – وهو شيعي – أن أبا جعفر قال: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت. وروى الكشي في رجاله عن أبي عبد الله قال: لعن الله المغيرة بن سعيد، كان يكذب علينا. وساق الكشي روايات عديدة في هذا الباب، وأشارت روايات الكشي إلى أن المغيرة بن سعيد كان يأخذ ضلاله من مصدر يهودي، ففي رجال الكشي أن أبا عبد الله قال يومًا لأصحابه: لعن الله المغيرة بن سعيد، ولعن يهودية كان يختلف إليها، يتعلم منها السحر والشعبذة والمخارج.
والمغيرة هذا تنسب إليه فرقة من غلاة الشيعة، وقد عده أصحاب الفرق من غلاة الشيعة، ونسبوا إليه القول بألوهية علي، ودعوى النبوة، والتجسيم، وضلالات أخرى. وقد جاء في كتب الاثني عشرية ذمه ولعنه عن الأئمة، وقتله خالد بن عبد الله القسري سنة تسع عشرة ومئة.
ويلاحظ أنه اتفق كل من الأشعري والبغدادي وابن حزم ونشوان الحميري على أن جابر الجعفي، الذي وضع أول تفسير للشيعة على ذلك النهج الباطني، كان خليفة المغيرة بن سعيد، الذي قال بأن المراد بالشيطان في القرآن هو أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. فهي عناصر خطرة، يستقي بعضها من بعض، عملت على إفساد التشيع.
نكتفي بهذا القدر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله.
حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
الثلاثاء PM 02:42
2026-04-21 - 93



