المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1919920
يتصفح الموقع حاليا : 980

البحث

البحث

عرض المادة

تحقيق التوازن بين النفير العام والحفاظ على مكتسبات الدعوة

د / احمد نصير 

تحقيق التوازن بين النفير العام والحفاظ على مكتسبات الدعوة

 

قال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)

 

قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (122) لأن الجهاد من فروض الكفاية ، فلا حاجة للإمام أن ينفر معه جميع المسلمين ، بل الحاجة إلى أن يستبقي منهم أناس لبعض الأعمال ، فإذا تزاحمت فروض الكفاية تعين تقسيم العمل ، لتقوم فئة ببعضها وفئة أخرى بالبعض الآخر ، وهكذا في سائر الأعمال ، وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قال في هذه الآية (أُمِرُوا إِذَا بَعَثَ النَّبِيُّ r سَرِيَّةً أَنْ تَخْرُجَ طَائِفَةٌ وَتُقِيمَ طَائِفَةٌ فَيَحْفَظُ الْمُقِيمُونَ عَلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا يُسَنُّ مِنَ السُّنَنِ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى إِخْوَانِهِمْ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ، وَإِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ لا بِإِذْنٍ، أَوْ عُذْرٍ".[1].

 

كذلك لا حاجة لنفير جميع المسلمين ويتركوا أراضيهم وديارهم وأبنائهم ونسائهم ما دام اكتفى جند الإسلام ، فلا ينبغي أن تفرغ المدينة من الناس ، وتتعطل شئونها ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي"ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا جَمِيعًا، وَيَتْرُكُوا رَسُولَ اللَّهِ r فِي الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ"[2].

قال ابن القيم و(المعنى وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم بل ينبغي أن تنفر طائفة للجهاد ،  وفرقة تقعد تتفقه في الدين فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما أنزل من الدين والحلال والحرام ، وعلى هذا فيكون قوله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة التي نفرت منها طائفة وهذا قول الاكثرين) [3]

 وهو ما كان يفعله سائر الصحابة رضوان اله عليهم ، فعَنْ مَالِك بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ (أَتَيْنَا النَّبِيَّ r وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) [4].

 

ومن قبيل تزاحم فروض الكفاية التزاحم بين طلب العلم وتعليمه للناس وجهاد الطلب ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ  قَالَ عُمَرُ (كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ r فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ )[5]، وفي ذلك دليل على فقه التناوب في طلب العلم والجهاد في سبيل الله وقضاء حوائج المسلمين ، ودليل على وجوب تقسيم العمل بينهم ، وتحقيق التوازن بين الأعمال المشروعة والمتطلبة والتي تمثل فروض كفاية بين المسلمين ، كما أن فيه دليل على حجية قول هذه الطائفة .

 

 بل إن المسلمين في الجهاد ذاته يقسمون بينهم الأعمال فمنهم من يحرس ومنهم من يصلي إذا أقيمت الصلاة ، فلا يصلون جميعا خشية أن ينقلب عليهم العدو مرة واحدة ، يشهد لذلك قوله (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) {النساء/102}، وهذا الفقه المستنبط من الآية هو أساس أي عمل جماعي يقوم به المسلمون .

 

ولا يشترط  في الطائفة الجمع ، فقد يطلق على الواحد طائفة ، قال البخاري (وَيُسَمَّى الرَّجُلُ طَائِفَةً) ، فقد قبل عمر خبر جاره الأنصاري الذي هو من أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، ما يستفاد منه أن العدد الذي يعينه الإمام لدراسة الفقه وتعليمه للناس في كل مصر وقرية لا يشترط أن يقارب أعداد المجاهدين ، بل يكفي أن يعين في كل مسجد إمام واحد يقوم بهذه الوظيفة ويستنفر ما يراه مناسبا من أهل القرية للجهاد ، والباقي لأعمال العمارة في الدنيا .

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (123) والمعنى أن (الله تعالى أمر المؤمنين أن يقاتلوا الكفار الأقرب ثم الأبعد ، ليكون الأولى بقتاله الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله r بقتال المشركين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب)[6] ، فعَنْ قَتَادَةَ " "يُرِيدُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، أَحَبَّ أَنْ يُقَاتِلَ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: عَلَى مَكَانٍ يَخَافُ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ"[7] .

 

  وذلك هو (الطَّرِيقَ الأَمْثَلَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالِ الأَقْربِ فَالأَقْرَبِ مِنْهُمْ إِلى أَرْضِ الإِسْلاَمِ ، وَبِذلِكَ لاَ يَبْقَى مَجَالٌ لأنْ يُؤْخَذَ المُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ ، إِذَا تَرَكُوا مَنْ هُمْ قُرْبَهُمْ وَذَهَبُوا لِيُقَاتِلُوا مَنْ خَلْفَ أَعْدَائِهِمْ ، وَلِهَذَا بَدَأَ الرَّسُولُ r ِقِتَالِ المُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، وَلَمَّا انْتَهَى مِنَ العَرَبِ شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ ، وَهَكَذَا كَانَ المُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَعْدَهُمْ ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ العُتَاةِ الفُجَّارِ وَهَكَذَا) [8]

 ولذلك لما سُئِلَ الْحَسَنِ عَنِ الشَّامِ وَالرُّومِ وَالدَّيْلَمِ، قَالَ:  " قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ "  يَعْنِي:"الدَّيْلَمَ"[9].

 

والعلة من ذلك واضحة ، وذلك حتى لا يفقد المسلمون الاتصال بأهل البلاد المفتوحة إذا كانت بعيدة عنهم فتضيع هذه البلاد كما حصل في الأندلس وقرطبة ، أما إذا حافظ المسلمون على فتح البلاد القريبة وتقوية الجبهة الداخلية فيها قبل الشروع في فتح البلاد البعيدة ، هنا يظل الفتح مستمرا لأن أهل البلاد المفتوحة يعينون البلاد المجاورة على تعلم الإسلام  ، وهكذا تبقى أراضي الإسلام وحدة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى ، أما في فتح بلاد متناثرة بعيدة عن دار الإسلام ، فإنه يؤدي إلى تمزيقها ، ومن ثم تتناولها الضباع غنيمة سهلة المنال .

 

 

[1] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص467

[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص467

[3] ) مفتاح دار السعادة ج1 ص 56

[4] ) رواه البخاري ج22 ص 207 رقم 6705

[5] ) رواه البخاري ج16 ص 192 رقم 4792

[6] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 237

[7] ) رواه البخاري ج10 ص 188 رقم 2782

[8] ) (أيسر التفاسير أسعد حومد ج1 ص 1359 )

[9] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص474

  • الاثنين AM 10:47
    2026-06-01
  • 22
Powered by: GateGold