المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1919920
يتصفح الموقع حاليا : 978

البحث

البحث

عرض المادة

خاتمة سورة التوبة

د / احمد نصير

خاتمة سورة التوبة

 

 قال تعالى (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)

 

انقسمت الخاتمة إلى جزئين ، وتحدثت عن أمرين :-

الأول خصت به المنافقين لتلفت انتباههم إلى بذل جهدهم لزيادة إيمانهم بالتدبر في أحكام الله ، فبعضهم لا يدرك أنه بتكرار سقوطه في الفتن يكاد يصير قلبه المريض إلى قلب ختم عليه بالكفر ، فيصرفه الله عن الحق صرفا لا رجوع إلى الحق مرة أخرى  .

والثاني الرسول r  مخاطبة المؤمنين بتعداد صفاته التي يجعلهم يتبعوه فلا يتخلفوا عنه ، ومخاطبة النبي أن يحتسب أجره وجهاده ودعوته في سبيل الله .

 

 من هنا نلحظ أن الخاتمة تحدثت عن المنافقين بأسلوب يختلف عما تحدثت به عنهم في السورة كلها ، ذلك أنها تحدثت عنهم فيما سبق من آيات في إطار حديثها عن السياسة الشرعية ودور الأمة والإمام في مواجتهم والحذر منهم ، بينما تحدثت خاتمة السورة عن المنافقين باعتبارهم عباد الله ، أي من حيث أنهم مخاطبون بالكتاب ، ومطالبون بالإسراع بالتوبة .

 

 أي أن السورة وقفت معهم وقفة كاشفة لأنفسهم ، فشرعت في مقارنة حال المؤمنين بحالهم ليدركوا الفارق بينهم ، لاسيما إزاء كتاب الله عز وجل والتعامل معه ، ونبهتهم إلى ضرورة تطهير قلوبهم ، والعمل على زيادة الإيمان بالله ، ونوهت إلى خطورة ترك القلوب دون العمل على زيادة إيمانها ، فإن القلب إذا لم يزداد إيمانا قل ، وإذا قل إيمان المرء ولم يجتهد في زيادته ضعف إيمانه أكثر وأكثر حتى يصير من بين مرضى القلوب ، فإن لم ينتبه لذلك ازاد مرضه وأضاف إلى مرضه مرض آخر ، وهكذا تزداد عليه الأمراض حتى ينقلب إلى أهل النفاق ، فإذا لم يتب من ذلك مات منافقا خالصا ، أي مات كافرا والعياذ بالله ، وعلاج الأمر في مبتدئه ، وهو جلاء هذه القلوب بالذكر أولا بأول ، ولذلك يقول النبي r محذرا (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)[1]، (أى ينقلب الانسان من الإيمان للكفر وعكسه في اليوم الواحد)[2] .

 

والأمر الثاني  الرسول r حيث خاطبت الأمة بشأنه وعددت من صفاته خمسا يجلبن للأمة كل مصلحة ، وخاطبته هو وحده ليظل محتسبا لله تعالى في دعوته صابرا على قومه متوكلا على ربه ، موقنا بنصره ، مسبحا له في ملكه . 

 

المسألة الأول : وقفة مع المنافقين ليحاسبوا أنفسهم

 

قوله تعالى (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا..) (124) قال ابن عاشور (ضمير "فَمِنْهُمْ" عائد إلى المنافقين ... وقولهم " أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً " خطاب بعضهم لبعض على سبيل التهكم بالمؤمنين وبالقرآن ، والاستفهام في قولهم "أَيُّكُمْ" للاستهزاء ، متضمنا معنى إنكار أن يكون نزول سور القرآن يزيد سامعيها إيمانا ، توهما منهم بأن ما لا يزيدهم إيمانا لا يزيد غيرهم إيمانا ، يقيسون على أحوال قلوبهم) [3].

 

ومسألة زيادة إيمان السامعين للقرآن بمجرد سماعه فيها تفاوت بحسب نقاء قلوب السامعين ، قال ابن عجيبة (زيادة الإيمان عند سماع القرآن يكون على حسب التصفية والتطهير من الأغيار ، فبقدر ما يصفوا القلب من الأغيار يكشف له عن أسرار القرآن)[4] ، إذن لابد من الاجتهاد علي تصفية القلب من الانشغال بغير الله حتى يستفيد من هذه التلاوة ، وتطهيره من الشرك والرياء والسمعة والنفاق حتى يصير قلبًا طاهرًا مطمئنًا بذكر الله .

 

قوله (.. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (124) قال ابن كثير (وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد)[5]، ونظير ذلك قوله تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً"[الأنفال: 2]

 

ولزيادة الإيمان لابد من عمل ، قال السعدي (ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود)[6] ، ذلك أن (الإيمان يخْلَق أي يبْلَى كما يخْلَق الثوب الجديد بعد الاستعمال الطويل) [7]، قال بعض العارفين (إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره ، غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه)[8]

 

وقد انتبه الصحابة رضوان الله لهذا الأمر وعلموا تأثير القرآن الإيجابي على حالتهم الإيمانية ، فكلما أرادوا أن يزدادوا إيمانا اجتمعوا علي كتاب الله ، قال رسول الله r (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)[9]

وكان مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يقول (اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً)[10] بمعنى نذكر الله أو نذكر العلم أو الخير أو نحو ذلك ، وتسمية مثله إيماناً يدل على إطلاق الإيمان على بعض الأفعال) [11] ، و(المراد أن نجدد الإيمان ونقوي الصلة بالله ونجدد الرغبة بأن نتذاكر فيما بيننا سواء آية أو حديثاً أو مسألةً أو نتذكر اليوم الآخر إلى غير ذلك)[12] ، أي أن تلك الساعات – التي يستقطعونها من الدنيا ويجلسون للذكر وتدبر كتاب الله – هي التي تغذي الروح ، وترطب القلوب وتحيل قسوتها إلى لين ، فالذكر دواءها .

 

والإيمان درجات ، وأعلاها مرحلة اليقين ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ)[13]  ، وللوصول إلى هذه المرحلة يستحب أن يقترن الذكر بالتفكر ، ليؤتي ثمرته في زيادة الإيمان والوصول به إلى مرحلة اليقين ، قال تعالى (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:191] ، ولذلك قيل أنه (بالذكر والتفكر تُزاد - القلوب - إيمانا حتى تصل إلى مرتبة اليقين)[14].

 

قوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (125) والمقصود بمرضى القلوب من لم تسلم قلوبهم من أن يتعلق بها خصلة من خلص النفاق التي ذكرها النبي r ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[15] .

 

وقد روي أنه (إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين ، خطبهم رسول الله r وعرَّض في خطبته بهم)[16]، وهو شأن سورة التوبة كلها ، حيث فضحت المنافقين ، وكشفتهم للمسلمين ، لاسيما من اعتذر منهم للنبي r عن التخلف في غزوة العسرة ، فالثابت من السنة أن النبي r قد اهتم بشأن الذين في قلوبهم مرض وبما يفعلون ، فلم يفضحهم وسترهم ، أملا في أن يتوبوا ، وحفظا لحقوقهم ، لكنه عرَّض بهم وبما يفعلون ، ليحذر منهم الناس ومن أفعالهم ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا)[17]، (إشارة إلى ما أنكره ، وكان يُكَنِّى عما اضطره للكلام مما يكره استقباحاً للتصريح به)[18](ولم يقصر النبي r الكلام بينه وبين من يقصده ، وإنما أراد التعميم ليبين للناس  الحكم الشرعي وتعم الفائدة ، دون أن يعرفوا الشخص الذي حصل منه ذلك تعيينا ، فاكتفى بالتعريض دون حاجة للتصريح باسم الشخص نفسه)[19].

 

وقوله (..فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ..) أي (كفراً إلى كفرهم؛ لأنَّهم كلَّما كفروا بسورةٍ ازداد كفرهم)[20]، وكلما أنكروا حكما من أحكام الله زاد رجسهم ، وكلما عصوا الله وعصوا رسوله كلما مالت قلوبهم للرجس أكثر وأكثر ، قال سبحانه (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) (البقرة/26) ، وقال سبحانه (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) (الإسراء/82) .

 

فكتاب الله يكشف النفاق ، ويرفع الله به المؤمنين ، قَالَ رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)[21]، قال الطيبي (أطلق الكتاب على القرآن ليثبت له الكمال)[22]، قال ابن الجوزي (أراد يرفع حافظيه والعاملين به ، ويضع المضيعين لحقه المفرطين في أمره)[23] .

 

ذلك أن الأصل أن العبد المؤمن إذا ما علم الحق اتبعه وندم على تقصيره وتأخره عن اتباعه ، وإذا علم الباطل اجتنبه وندم على إتيانه ، ولذلك قال النَّبِيِّ r: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) "[24]، وعنه r قال (فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار)[25] ، لكن هؤلاء الذين لا يفقهون إذا ما أنزلت سورة تدعوهم للتوبة ، لم يتوبوا ، ولم يندموا ولم يستغفروا ، فازدادوا بذلك رجسا على رجسهم.

 

وقوله (..وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (هذا التذييل قُصد به بيان سوء عقابتهم فى الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم فى الدنيا)[26] ، بمعنى أنهم يخرجون بتخاذلتهم عن نصرة دين الله من دائرة استعمال الله لهم حتى يموتوا على ذلك ، فلا يوفقون للتوبة والجهاد في سبيل الله حتى الممات ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ)[27].

 

أى أنهم وإذ لم يتوبوا عما كانوا يفعلون ، فازدادوا نفاقا على  نفاقهم ، فبعد أن كانت فيهم بعض خصال النفاق ، صاروا - بعدم التوبة- منافقين خالصين حتى خرجوا من دائرة الإسلام بالكلية ، فماتوا على الكفر ، قال رسول الله r "إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"[28]، وهؤلاء ظلوا على نفاقهم ، ولم يستعملهم الله تعالى حتى ماتوا على ذلك ،(كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) {التوبة/46} ، فظلوا على هذا الحرمان حتى جاءهم الموت قبل أن يبادروا بالتوبة .

 

قال تعالى (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (126) قال ابن كثير "يُفْتَنُونَ" أي: (يختبرون) [29]بأوامر الشرع ، ولكنهم لا ينتبهون .، قَالَ قَتَادَةَ في هذه الآية "يُبْتَلَوْنَ بِالْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَتَّبِعُونَ بِهِ، ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ"[30]، وقال حُذَيْفَةَ "كَانَ لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ كِذْبَةٌ أَوْ كِذْبَتَانِ"[31] ، ولعله يقصد أنهم كلما تخلفوا كذبوا .

 

والمقصود بالفتنة هنا مطلق الذنب صُغر أم كُبر ، ما لم يصادف توبة ، فلا صغيرة ما استمرار ولا كبيرة مع استغفار ، وإن كان السياق يدل على أن المقصود هو الذنب الكبير لاسيما التولي يوم الزحف فهو من كبائر الذنوب والسبع الموبقات ، لكن لا يخفى اجتماع الصغائر على القلب حتى يهلكنه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)[32] ،قال القرطبي (الفتن إذا تراكمت أفسدت القلب وأورثته القسوة والغفلة التي هي سبب الشقاء) [33].

 

فمرضى القلوب إذا استخفوا بالمعصية ، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة ، وتغافلوا عنها ، أضحى حالهم أنهم لا يعترفون بذنب ، ولا يندمون علي ما يقترفون ، ولا يعزمون الإقلاع عن المعصية ، فيحول إصرارهم على المعصية بينهم وبين التوبة ويتراكم على قلوبهم الران ، قال رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ فَإِنْ زَادَ زَادَتْ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ")[34]، وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r مِنْ الْمُوبِقَاتِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ)[35].

 

ولا سبيل للخلاص من تراكم الران إلا باتباع سنة النبي r في الاستغفار أولا بأول ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)[36]، و("الغين" شيء يغشى القلب ، فيغطيه بعض التغطية ، ولا يحجبه عما يشاهده ، وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء ، فلا يكاد يحجب عين الشيء ، ولا يمنع ضوءها ، والنبي r ذكر أنه يغشى قلبه ما هذه صفته ، وذكر أنه يستغفر الله تعالى في كل يوم مائة مرة) [37] ، قال ابن الأثير (أراد ما يَغْشَاه من السَّهْو الذي لا يَخْلو منه البَشَر لأنّ قلبه أبدا كان مَشْغولا باللّه تعالى فإنْ عَرَض له وَقْتاً مّا عارِضٌ بَشَرِيّ يَشْغله من أمور الأمّة والمِلَّة ومصالحهما عَدَّ ذلك ذَنْبا وتقصيراً فَيَفْزَعُ إلى الاسْتغفار )[38]، قال المباركفوري (المراد من الغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه فإذا فتر عنه لأمر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه)[39].

 

 فإذا كان هذا هو شأن النبي r فما بالنا نحن إذا أردنا أن نسلم من أمراض القلوب ، فكم يجب علينا أن نستغفر ؟ ذلك أن" القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها كثرة تلاوة كتاب الله تعالى وكثرة الذكر لله عز وجل" [40]، وإجلاؤها على الدوام عاصم لها من الفتن .

 

قوله تعالى (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون) (127) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في هذه الآية  قَالَ:"هُمُ الْمُنَافِقُونَ"[41] ، حيث فاجأت السورة المنافقين فكشفت سترهم وفضحت أمرهم وما حاك في صدورهم ، وذلك في موطن تحزبهم واجتماعهم على التآمر على الإسلام والمسلمين ، فكانت المفاجأة أن علموا بنزول آيات كشفت سترهم ، ورفعت عنهم غطاءهم ، ووسمتهم وسما ، حتى كادت أن تسميهم بأسمائهم ، فأضحوا كالعراة مفضوحين يتنازعون الأغطية ليستروا سوءاتهم ، ولشدة اندهاشهم نظر بعضهم إلى بعض مستعجبين أي (مما ينزل في القرآن من كشف أسرارهم ثم قال بعضهم لبعض "هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ " أي : هل رأى أحوالكم فنقلها عنكم أو علمت من غير نقل)[42] ، فظنوا من شدة تعجبهم بفضح أمرهم أن بينهم من ينقل هذه الأخبار إلى رسول الله r والمؤمنون ، لكنهم لما لم يجدوا دليلا على ذلك انصرفوا عن التعمق في هذه المسألة ، والتفكر والاعتبار بالآيات ، (وانصرفوا عن مجلس رسول الله r غيظا لما لم يعجبهم كلامه) [43] إلى الدنيا ومتاعها ، وكأن شيئا لم يحصل .

 

فالمنافقون يتحدثون فيما بينهم بلغة العيون (نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ) تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به ، وهذه اللغة لا يتحدث بها المؤمنون ، لأنهم صادقون تتحدث ألسنتم بما في قلوبهم ، والنبي r لم يستعمل هذه اللغة ولو اضطرارا ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اخْتَبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ فَقَالُوا مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ)[44]

 

ومضمون حديث المنافقين بتلك اللغة – أي العيون- أنهم قالوا (هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ) أي من المسلمين لننصرف ، فقد ملوا من حديث رسول الله r ، وأحسوا بالضجر من كثرة تهديد القرآن للمنافقين وكشف أخبارهم ، فلا صبر للمنافقين علي مجالسة المؤمنين [45]، ولذلك قال الله في شأنهم (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور 63)

 

قوله (..صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم..) (127)دعا الله عليهم بالخذلان [46] أي عن الطاعة والتوبة ، أي فلا يعتبرون بحادث ولا يتعظون بموعظة ، ولا يفقهون آية ، كما قال سبحانه (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) {الأعراف/146}

 

 قوله (..بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون) (127) تعليل لما تقدم [47] ، فهم لا يستوعبون ما يقال لهم من الذكر ، قال الجزائري أي (لا يفقهون أسرار الآيات وما تهدي إليه ، فعلتهم سوء فهمهم وعلة سوء فهمهم ظلمة قلوبهم وعلة تلك الظلمة الشك والشرك والنفاق والعياذ بالله تعالى) [48]، قال أبو حيان (بسبب أنهم لا يتدبرون القرآن فيفقهون ما احتوى عليه مما يوجب إيمانهم والوقوف عنده)[49].

 

يعزى ذلك لشدة تعلقهم بالدنيا ، ولذلك شبههم في موضع آخر بالأنعام ، فقال سبحانه ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) {الفرقان/44}.

 

المسألة الثاني : وقفة مع النبي ليحتسب أجره على الله

 

قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (128) الخطاب في الآية للمؤمنين وقد تضمن تعداد صفات النبي r حتى ينظروا في شخص النبي الذي أرسل إليهم ويتأملوا صفاته ، وهي خمس صفات ذكرتها الآية ، على النحو التالي : - 

 

الأولى (المعرفة) أي أنه كان معروفا لدي قومه ، فهم يعرفون نسبه وشرفه فيهم ، أي (لَمْ يُصِبْهُ شَىْءٌ مِنْ وِلاَدَةِ الْجَاهِلِيَّةِ) ، قَالَ النَّبِىُّ r  :« خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ »[50]، ولا يخفى عنهم أخلاقه ، بل إنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ،و(فكان مشهورا بينهم بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة ، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم) [51] .

 

الصفة الثانية : أنه مشفق على قومه إشفاقا يبلغ الحسرة ، فيصعب عليه أن يراهم على ضلال ولا يهتدون ، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) فكان يتأسف على مخالفتهم له ، ويعز عليه عنادهم معه ، قال تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف/6)

 

الصفة الثالثة : أنه يبذل في دعوته لهم عناية الرجل الحريص ، فليس مكلف بتحقيق نتيجة ، ولا يبذل جهد المعتاد ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي)[52].

فمن حرصه r على ما فيه خير للناس أرشدهم إلى كل خير ، وحذرهم من كل شر ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ) [53].

 

الصفة الرابعة : أنه روؤف في دعوته بالمؤمنين ، فيغلب عليه الصبر في تعليمهم ، والحلم بهم ، والرأفة على حالهم ، فرأفته تدل على لينه الجانب معهم ، ولو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله .

 

وبالرغم من رأفته بهم وتدرجه معه في تعليمهم شرع الله ودينه ، فقد كان يكلفهم المشاق من التكاليف ، من ذلك غزوة تبوك ، ليختبر همتهم وصدق نيتهم ، فتلك التكاليف تكون المشقة فيها مقصودة ، تلك  التي لا يقدر على أن يتحملها إلا الموفق من عند الله تعالى .

 

الصفة الخامسة : أنه رحيم في تعامله بالمؤمنين ، يجبر خواطرهم ويواسيهم ، ويخفف عنهم همومهم وآلامهم ويعزيهم في مصابهم ، حتى أن الأعرابي الذي بال في المسجد فزمره الناس ، فنهاهم النبي r وقال (لا تزمروه ولا تقطعوا عليه بولته) ، فلما انتهى قال يا أهذا إن المساجد لا تصلح لذلك ، فقال الأعرابي لما رأى رحمة نبيه به ( اللهم ارحمني ومحمد ولا ترحم أحدا أبدا) ، فقال له له النبي r (لقد ضيقت واسعا) ،فعن أبي هريرة قال قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ r قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ (لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ)[54] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (فَلَمْ يَلْبَثْ –هذا الأعرابي - أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)[55]

 

فتكاليف الشرع مهما كانت شاقة على النفس إلا أنها لن تخرج عن إطار الرأفة والرحمة ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور وإن كان شاقا ، ولا تكليف إلا بما هو مستطاع وإن بلغ الجهد .

 

قال الرازي (وتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين , فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ولا رحمة)[56] .

 

 

قوله (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)(129) هو خير ختام لهذه السورة ، حيث يحتسب النبي r جهده ودعوته علي الله غير مبال بمن تخلف عنه ، وغير مكترث إلا بالله تعالى المتوكل عليه ، فالنبي r ماض في دعوته تخلف عنها من تخلف ، وتبعه فيها من اتبع ،  يقول النبي r (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) [57] ، فالنبي الذي لم يتبعه أحد لم يفشل في دعوته ، بل أداها على أكمل وجه ، وأجره على الله .

 

كما أن النبي r  ماض في جهاده لله ،والله حسبه ، والله كافيه ، فنعم المولى ونعم الوكليل ، تبعه في جهاده من اتبعه وتخلف عنه من تخلف ، قال تعالى (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) {النساء/84} ، فما نقص من المسلمين شئ من تخلف أحد عنهم ولا يضرهم ، وما زاد في ملك الله شيئا مما أفاء الله عليهم ومما غنموا.

 

 قوله (..هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي أنه هو الله مالك الملك كله ، والأمر بيده ، فحقيق أن يتوكل عليه العبد المؤمن ، قال أسعد حومد ( كُلُّ عَرْشٍ وَإِنْ عَظُمَ فَهو دُونَهُ ، فَأَفْرِدُوهُ بالطَّاعَةِ ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)[58] .

 

ودعاء الله بهذه الصفة أوجب للاستجابة ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [59] .

وعن بن عباس قال : كان النبي r إذا عاد المريض جلس عند رأسه ثم قال (سبع مرار أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ، فإن كان في أجله تأخير عوفى من وجعه)[60]

 

 

 

 

[1] ) رواه مسلم ج1 ص 297 رقم 169

[2] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 874

[3] ) التحرير والتنوير 10/232

[4] ) ابن عجيبة : البحر المديد ج2 ص 463

[5] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 239

[6] ) تفسير السعدي ج1 ص 356

[7] ) ابن عجيبة : إيقاظ الهمم شرح متن الحكم ج1 ص 25

[8] ) ابن القيم الجوزية : روضة المحبين ج1 ص 167

[9] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867

[10] ) رواه البخاري ج1 ص 10

[11] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج1 ص 12

[12] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم ج 81 ص 2

[13] ) رواه البخاري ج1 ص 10

[14] شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم ج81 ص 2

[15] ) رواه البخاري ج1 ص  59  رقم 33

[16] ) البحر المحيط ج6 ص 259 – تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ج1 ص 209 جمعه الفيروزآبادي

[17] ) رواه أبو داود ج12 ص 409 رقم 4156 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 883

[18] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 474

[19] ) شرح سنن أبي داود : عبد المحسن العباد ج27 ص 404 مع بعض التصرف

[20] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 305

[21] ) رواه مسلم ج4 ص 252 رقم 1353

[22] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 553

[23] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 104

[24] ) شرح السنة للبغوي ج2 ص 429

[25] ) رواه أحمد في مسنده ج53 ص 235 رقم 25077 ـ و رواه البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص381 رقم7027: تخريج السيوطي : جمع الجوامع أو الجامع الكبير ج1 ص 5901 رقم119 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المختصرة ج3 ص209 رقم 1208

[26] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2066

[27] ) رواه الترمذي ج8 ص 32 رقم 2068  وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 143

[28] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج2 ص 395 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 279 رقم 2784 ( حم ت هـ حب ك هب )

[29] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 240

[30] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص478

[31] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص478

[32] ) رواه أحمد ج8 ص 162 رقم 3627 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحةج1ص744 رقم389 – المجلدات ج9ص30رقم3102

[33] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج1 ص 360

[34] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 294 رقم 4234 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص417 رقم 3422

[35] ) رواه البخاري ج20 ص 142 رقم 6011

[36] ) رواه مسلم ج13 ص 216 رقم 4870

[37] ) بحر الفوائد بمعاني الأخيار للكلاباذي ج1 ص 258 رقم 170

[38] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 759

[39] ) تحفة الأحوذي ج9 ص 103

[40] ) كنز العمال ج2 ص 241 رقم 3923

[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص478

[42] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن الجزي ج1 ص 638

[43] ) تفسير الألوسي ج7ص 409

[44] ) رواه أبو داود ج11 ص 434 رقم 3793 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 6 ص 183

[45] ) في هذا المعنى الزمخشري : الكشاف ج2 ص 490 ، تفسير أبي السعود ج3 ص 225

[46] ) الكشاف للزمخشري ج ص رقم

[47] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 638

[48] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 114

[49] ) البحر المحيط ج6 ص 262

[50] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 190 رقم 14457 وغيره - وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 554 رقم 5536

[51]) مفاتيح الغيب ج16 ص 187 مع شيء من التصرف والتفصيل

[52] ) رواه مسلم ج11 ص 400 رقم 4236

[53] ) رواه مسلم ج11 ص 397 رقم 4233

[54] ) رواه البخاري ج18 ص 425 رقم 5551

[55] ) رواه الترمذي ج1 ص 251 رقم 137 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج1 ص 147

[56]) مفاتيح الغيب ج16 ص 187 مع تصرف وإضافة

[57] ) رواه مسلم ج1 ص 494 رقم 323

[58] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 3067

[59] ) رواه البخاري ج19 ص 426 رقم 5870

[60] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 189 رقم 536

  • الاثنين AM 10:54
    2026-06-01
  • 35
Powered by: GateGold