المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1916887
يتصفح الموقع حاليا : 1229

البحث

البحث

عرض المادة

أهمية ابتلاء المنافقين بالعمل العام لإعادة تأهيلهم

أهمية ابتلاء المنافقين بالعمل العام لإعادة تأهيلهم

 

د أحمد نصير

 

قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

 

  • امتحان المنافقين بالعمل الطوعي 75-78
  • سخرية المنافقين الخلص من العمل الطوعي 79
  • استبعاد الفاسقين منهم الذي لا يجدي الاستغفار لهم حتى لا يستشري العطن في الثمار 80

 

أولا : امتحان المنافقين بالعمل الطوعي

 

قوله (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (التوبة/75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (التوبة/76) المنافقون يعطلون صدقاتهم بحجة أن وعاءهم هو العفو أي ما زاد عن الحاجة ، وهذا صحيح من ناحية الواجب الشرعي ، بيد أن أهل الإيمان لا يعطلون صدقاتهم على تحقق مقدار العفو أي الفضل ، بل إنهم يؤثرون أهل الحاجات على حظوظ أنفسهم رغبة فيما عند الله .

 

 كما أن مفهوم الصدقة - عندهم - أوسع من القدر الواجب شرعا ، والذي هو بمعنى الزكاة ، فهم يعلمون أن الصدقة واجبة على العبد في كل نعمة من نعم الله تعالى عليه ، وأن إجزاء شكرها الصدقة ، فعن النبي r يقول (فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ قَالُوا وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ)[1].

 

فالعطاء والبذل لا يتوقفان على الغنى والسعة ، فالذي يرغب في الصدقة يتقي النار ولو بشق تمرة ، ولو بالزهيد من الطعام ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَقُولُ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ[2])[3].

 

الفرسن  : عظم ما بين الظلف والخف والمفصل فوقهما.

 

كما أنه لا يتوقف على القدرة ، فالعطاء بالنية ، فمن نوى أن يعطي أو يفعل خيرا يسره الله لفعل ذلك ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ)[4]، والحديث وإن كان في سداد الدين ، إلا أنه يستفاد منه أن من نوى العطاء أعانه الله على ذلك ، بأن يسر الله له أسباب العطاء ليعطي ، وكذلك من نوى الجهاد فإن الله ييسر له أسبابه  .

 

أما من يوقف صدقته على أن يزيده الله من فضله ، فإن النصيحة المسداة إليه (قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) ، أما من توقف عن الصدقة حتى يغنيه الله فذلك حاله كحال الأعمى والأبرص والأقرع كما روي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا فَقَالَ أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)[5].

 

قوله (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ) (التوبة/77) حرمهم الله التوبة ، (فماتوا على النِّفاق جزاءً لإخلافهم الوعد ، وكذبهم في العهد)[6]، والذين أخلفوا الله ما وعدوه هم الذين قالوا (لنصدقن) وذلك في قوله (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (التوبة/75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) .

 

أي إنهم حينما قالوا هذا القول لم يكونوا صادقين في قولهم ، ولم تكن نيتهم خالصة لوجه الله فيما وعدوا به من البذل والعطاء ، ولعلهم كانوا يقولون ذلك بمعنى أنهم إذا ما أغناهم الله فسوف يتصدقون من باب الرياء وحب السمعة ، أما وقد عجزوا فإنهم لا يتصدقون ، ويعلقون هذه الصدقات على حصول الغنى ، فإن حصل فإنهم لا ينفقون إلا رياء الناس ، أي يتصدقون في موطن العلانية لا السر .

 

قوله (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) (التوبة/78) فالله يعلم الصادق نيته ، والكاذب في نيته ، فأعمال الخير لا تتوقف على الاستطاعة بل تتحقق بمجرد النية مع قدر بسيط من الاستطاعة ، فبدائل الصدقات حال العجز كثيرة ، ولا يعدم المسلم أن يتصدق ، فالصدقة واجبة على كل مسلم وإن لم يجد .

 

يقول النبي r (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالَ قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالَ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)[7] .

 

بل إن الله تعالى ليبارك في الصدقة من الصادق في نيته ، والذي في نيته جبر خاطر الناس ، وإن لم يكونوا أهلا لاستحقاق الصدقة ، فهو يضعها في يد الله ولا يبالي بمن وقعت في يده ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ ، فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ) [8]، فلو علم المتصدق حقّ العلم وتصور أن صدقته تقع في ( يد الله ) قبل يد الفقير ، لكانت فرحة المعطي أكبر من فرحة الأخذ..

 

 

 

 

ثانيا : سخرية المنافقين الخلص من العمل الطوعي

 

قوله (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة/79) فهؤلاء المنافقون لا يعطلون صدقاتهم وحسب ، بل إنهم يقعدون أمام المتصدقين ليعيبوا عليهم صدقاتهم ، ويسخرون من قلتها ، ويقللون من جهدهم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: وَاللَّهِ مَا جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَا جَاءَ بِهِ إِلا رِيَاءً، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذَا الصَّاعِ"[9]، وهكذا لا يسلم الفقير والغني من ألسنتهم وإيذائهم القولي إذا ما قدموا ما في أيديهما لله ولرسوله .

 

قوله (..وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) فعن الشعبي في قوله ( والذين لا يجدون إلا جهدهم ) قال : (الجهد في القوت ، والجهد في العمل)[10] ، والصحابة أغلبهم فقراء ينفقون من جهدهم ، وليس معهم فضل مال لينفقوا بسخاء مثل الأغنياء ، ولكن صدقة الفقير أبرك عند الله من صدقة الغني متى كانت نيته أخلص منه ، لاسيما وأنه بذل جهده لينفق بينما الغني يتصدق من فضل ماله.

 

فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يجدون مالا يتصدقون به ، وكانوا يشتغلون ليكتسبوا المال فينفقونه في الصدقة ، فعن مجاهد " وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ "  صَاحِبُ الصَّاعِ[11] (وهو القليل الذي يتعيَّش به)[12] ،كانوا يحملون على ظهورهم الأحمال ويأخذون على ذلك أجرا لينفقوه في سبيل الله ، بذلك نالوا الأجر العظيم في صدقاتهم التي خرجت من عرق جبينهم ، ففِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ (كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا)[13]، (معناه نحمل على ظهورنا بالأجرة ، ونتصدق من تلك الأجرة أو نتصدق بها كلها)[14] .

 

قوله (..فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(79) كثرت الروايات التي تدل على سخرية المنافقين من صدقات المؤمنين سواء قلت أم كثرت ، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا مُرَائِي وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا ، فَنَزَلَتْ " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ " الْآيَةَ)[15] .

 

والسنة هو التصدق بالكثير والقليل وبحسب المتاح دون اعتبار لنظر الناس ، قال رسول الله r (يا نساء المؤمنات لا تحقرن امرأة منكن لجارتها ، ولو كراع شاة محرق)[16]- وقيل الكراع ما فوق الظلف للأنعام ونحت الساق[17] -

قال أبو وليد الباجي (أَمْرٌ بِحُسْنِ الْأَدَبِ وَكَرِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ :-

 أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهَا فَضْلٌ فَلَا تَحْقِرُ أَنْ تُهْدِيَهُ لِجَارَتِهَا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا

 وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَنْ أُهْدِيَ إلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا تَحْقِرْهُ وَلَا تُصَغِّرْهُ مِنْ مَعْرُوفِ جَارَتِهَا)[18].

 

 

 

قال رسول الله r (غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)[19].

 

ثالثا : استبعاد الفاسقين منهم الذي لا يجدي الاستغفار لهم حتى لا يستشري العطن في الثمار

 

قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة 80) سبق أن ذكرت الآيات أن المنافقين ملعونون ، واللعن يستتبع أن الله لا يغفر لهم ، وإن استغفر لهم أقربائهم من المؤمنين ، وإن ترأفت بهم قلوب المؤمنين ، ذلك أن الله غضب عليهم غضبا شديدا .

 

ورغم ذلك كان النبي r قلبه يترأف لحال المنافقين - رحمة بهم - حتى بعد موتهم ، حتى نهاه الله عن ذلك ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً " وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ " وَزَادَ قَالَ (فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) [20].

 

قوله (..ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة 80) تعليل لسبب اللعن ، وسبب عدم قبول توبة بعضهم ، ورد الدعاء لهم ، بأن كفرهم مغلظ ، لأنهم جمعوا مع الكفر النفاق ، وعملوا ضد الإسلام ، ففسقوا من هذا الوجه .

 

 

 

 

[1] ) رواه أبو داود ج13 ص 483 رقم 4563 وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن أبي داود ج11 ص 242

[2] ) الفِرْسن : عَظْمٌ قَليل اللَّحْم وهو خُفُّ البَعير كالحَافر للدّابة وقد يُسْتَعار للشاة (النهاية في غريب الأثر ج3/825)

وهو قطعة لحم بين ظفري عرقوب الشاة فإن التهادي يزيل الضغائن (التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي : 1/929)

[3] ) رواه البخاري ج18 ص 435 رقم 5558

[4] ) رواه البخاري ج8 ص 215 رقم 2212

[5] ) رواه البخاري ج11 ص 281 رقم 3205

[6] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 293

[7] ) رواه مسلم ج5 ص 179 رقم 1676

[8] ) رواه البخاري ج5 ص 238 رقم 1332

[9] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 352

[10] ) الدر المنثور ج5 ص 125

[11] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 352

[12] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 294

[13] ) رواه مسلم ج5 200 رقم 1692

[14] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج13 ص 288

[15] ) رواه البخاري ج5 ص 228 رقم 1326 - رواه ابن حبان في صحيحه ج8 ص 127 رقم 3338

[16] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 56 رقم 122 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص58 رقم 122/90

[17] ) القاضي أبو فضيل بن عياض : مشارق الأنواع على صحاح الآثار ج1 ص 339

[18] ) الباجي الاندلسي : المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 337 رقم 1457

[19] ) رواه البخاري ج11 ص 100 رقم 3074

[20] ) رواه مسلم ج13 ص 354 رقم 4978

  • الاثنين PM 12:56
    2026-05-25
  • 5
Powered by: GateGold