المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902667
يتصفح الموقع حاليا : 332

البحث

البحث

عرض المادة

تطور فكرة الإمامة عند الرافضة

تطور فكرة الإمامة عند الرافضة

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد:

فكنا استعرضنا فيما مضى موقف الشيعة من قضايا الإيمان، أو أركان الإيمان الستة، وبينا البعد الشاسع بين ما يعتقدون في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وبين اعتقاد أهل السنة والجماعة أهل الحق. وما مضى من الكلام هو في اعتقادات مشتركة بيننا وبينهم من ناحية الاسم فقط، أما من حيث المحتوى فقد ذكرنا التباين الشديد بين الطرفين.

في الباب الثالث يتعرض الدكتور القفاري لأصولهم ومعتقداتهم الأخرى، لكن التي تفردوا بها، التي تميزوا بها دون أهل الإسلام. وهذا الباب فيه ثمانية فصول: الفصل الأول في الإمامة، والثاني في عصمة الإمام، والثالث في التقية، والرابع في المهدية والغيبة، والخامس في الرجعة، والسادس في الظهور، والسابع في البداء، والثامن في الطينة. هذه أبواب ثمانية من أبواب العقائد التي انفرد بها الشيعة.

وأخطر هذه القضايا على الإطلاق هي قضية الإمامة. يعني هذه أشد الاختلافات بيننا وبينهم في أصول الدين. فالإمامة عند الشيعة هي الأصل الذي تدور عليه أحاديثهم، وترجع إليه عقائدهم، وتلمس أثره في فقههم وأصولهم وتفاسيرهم وسائر علومهم. ولقد اهتم الشيعة بأمر الإمامة في القديم والحديث.

ففيما يلي نعرض لأهم جوانب عقيدتهم في الإمامة: مفهومها ومنشأها ومنزلتها في مذهبهم، وكتمانهم لها في بادئ الأمر، ثم بدء شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها، وعرض لما يعدونه أقوى أدلتهم فيها ومناقشته، ثم حديث عن تكفيرهم لمنكرها، حتى كفروا الصحابة وأهل البيت، وحكام المسلمين، وقضاتهم، والأمصار الإسلامية، وشعوبها، والفرق الإسلامية بكل اتجاهاتها، والأمة جميعًا. كل ذلك لا على سبيل كفر النوع، لكن على سبيل كفر العين، يعني على التعيين والتخصيص. فنحن جميعًا في نظرهم كفار. وهذا شيء منطقي من هان كان عليه، ومن طابت نفسه أن يكفر أبا بكر وعمر، والعشرة المبشرين بالجنة، والمهاجرين والأنصار، ويطلق لسانه بالتطاول على مقاماتهم الشريفة، وسوء الظن بهم رضي الله تعالى عنهم، فقطعيٌّ من الأمر المقطوع به أنه يهون عليه تكفير البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، والأئمة الأربعة، والسلف والخلف، والعرب والعجم، وكل من لم يدخل في ملتهم. فلا شك إذا كان كفر المهاجرين والأنصار، فلا شك أنه من الأسهل عليه أن يكفر سائر أهل الإسلام.

فيذكر أولًا مفهوم الإمامة. والإمامة في اللغة هي التقدم، تقول: أمَّ القوم، وأمَّ بهم، يعني تقدمهم. ومنها الإمامة والإمام: كل من ائتم به قوم، سواء كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار، فهي في الخير وفي الشر. ويطلق الإمام على الخليفة، وعلى العالم المقتدى به، وعلى من يؤتم به في الصلاة.

يقول: لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو عبد الله بن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي صلى الله عليه وسلم، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه وجب البراءة منه وتكفيره.

فقد اعترفت كتب الشيعة بأن ابن سبأ اليهودي المعروف كان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم، لأنه ادعى الدخول في الإسلام، وأفسد الدين من الداخل. وهو الذي يعتبر مؤسس دين الشيعة، هذا هو مؤسس هذا الدين، لأنه بحكم أصله اليهودي كان يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى عليه السلام، فلما أسلم طبق هذه النظرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعى أن وصيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وهذا ما تواضع عليه شيوخ الشيعة، فإن ابن بابويه القمي يسجل عقائد الشيعة في القرن الرابع، ويقول بأنهم يعتقدون بأن لكل نبي وصيًا أوصى إليه بأمر الله تعالى.

يعني نريد أن ننتبه جيدًا لقضية الإمامة. دي أخطر قضية تقريبًا على الإطلاق في الخلاف بيننا وبين الرافضة، لأن عندهم هي أصل الدين، وركن الدين الأعظم كما سنرى. فهذه القضية بالذات لا بد أن نتقنها، ونتقن الأدلة التي يستدل بها الشيعة، وكيف يجاب عنها.

يذكر ابن بابويه القمي أن عدد الأوصياء مئة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي، يعني مئة وأربعة وعشرون ألف وصي. طبعًا هيكون بعدد الأنبياء، لأن كل نبي له وصي. كما يذكر المجلسي بأخبار عن أن عليًا هو آخر الأوصياء. علي هو آخر الأوصياء. وجاء في بعض عناوين الأبواب في الكافي: باب أن الإمامة عهد من الله. طبعًا هنا لما يقول إن عليًا هو آخر الأوصياء، هذا معناه أنه لا وصية بعد علي، ويفهم منه أيضًا أن إمامة من بعد علي تكون باطلة، لأنهم ليسوا بأوصياء. وهذا ينقض مذهب الاثني عشرية من أصله، وهو دين حافل بالتناقض كما رأينا الأمثلة مرارًا.

جاء في بعض عناوين الأبواب في الكافي: باب أن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود من واحد إلى واحد، وباب ما نص الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على الأئمة واحدًا فواحدًا. وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك. ولهذا قال شيخهم مقداد الحلي، المتوفى سنة 821، بأن مستحق الإمامة عنده لا بد أن يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله. لا أي شخص اتفق، لا يصلح أبدًا أن يلي الحكم أو الإمامة إلا من له عهد من الله، عهد من الله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى الوصي، وهكذا، كل وصي يوصي بمن بعده.

ولذلك هم يقولون إن الإمامة باعتبارها لطفًا من الله تعالى، وهم يقولون عبارة سيئة الأدب كعادة المعتزلة، وهم ينحون منح المعتزلة في هذا، فيقولون: إن الإمامة واجب على الله. فرض الإمام واجب على الله. هل العباد يوجبون على الله شيئًا؟ الله يوجب على نفسه: كتب ربكم على نفسه الرحمة، لكن حد يوجب على الله؟ فهم هؤلاء الضالون يوجبون على الله نصب الإمامة. أما أهل السنة فيرون أن الإمامة واجب على الأمة، واجب على الأمة، يعني تنصيب الإمام.

يقرر محمد حسين آل كاشف الغطاء، أحد مراجع الشيعة في هذا العصر، أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة. الإمامة منصب إلهي كالنبوة. فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده. إذًا الإمامة مش مجرد أن الأمة تختار خليفة يحكمها، لكن الإمامة لا بد أن تكون بالنص من الله سبحانه وتعالى إلى الرسول، ومن الرسول إلى الأوصياء، كل يوصي من بعده.

فأنت ترى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النبوة. فكما يصطفي الله سبحانه من خلقه أنبياء، يختار سبحانه أئمة، وينص عليهم، ويعلم الخلق بهم، ويقيم بهم الحجة، ويؤيدهم بالمعجزات، وينزل عليهم الكتب، ويوحي إليهم، ولا يقولون ولا يفعلون إلا بأمر الله ووحيه. انظروا إلى الضلال المبين. يعني مفهوم الإمامة عندهم، أو الإمام، مثل النبي: يصطفيه الله، يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، كذلك أيضًا الله يصطفي من آل البيت أئمة، وينص عليهم، ويعلم الخلق بهم، ويقيم بهم الحجة، ومش كده وبس، يؤيدهم أيضًا بالمعجزات المفتراة، كما تكلمنا الأسبوع الماضي، اختلاق الأكاذيب التي يسمونها معجزات، ويؤيدهم بالمعجزات، ليس هذا فقط، وينزل عليهم الكتب ويوحي إليهم، ولا يقولون أو يفعلون إلا بأمر الله ووحيه. أي أن الإمامة هي النبوة. يعني إيه الفرق بين الإمام والنبي على هذا الأساس؟ ما يكاد يكون فيه فرق، والإمام كأنه هو النبي، والتغيير إنما هو في الاسم، اسمه فقط.

ولذلك قال المجلسي، عالمهم، في بحار الأنوار: إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال. يعني صعب أن نحاول أن ندرك الفرق بين الإمام وبين النبي. ده واحد من علمائهم الكبار، صاحب البحار، بحار الظلمات الذي يسميه بحار الأنوار، يقول المجلسي: إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال. قضية صعبة أن نحاول أن ندرك الفرق بين الإمام وبين النبي. ثم قال أيضًا: ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء. يعني بيقول كأنه كان المفروض أن الأئمة دول يبقوا أنبياء، فمش لاقيين حاجة معقولة، حاجة منطقية، نفسر بها أن الأئمة لا يتصفون بالنبوة، فربنا بس ما وصفهمش بالأنبياء ليه؟ عشان مراعاة خصوصية رسولنا عليه الصلاة والسلام، وهو أنه خاتم الأنبياء. لكن لولا أنه خاتم الأنبياء لاستحقوا أيضًا أن يوصفوا بأنهم أنبياء. يقول المجلسي: ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل إلى عقولنا فرق بين النبوة والإمامة. هذا قولهم في مفهوم الإمامة.

يكفي في نقد مفهوم الإمامة عندهم أنه لا سند لهم فيه إلا عبد الله بن سبأ اليهودي، ويهوديته التي نصت على أن لكل نبي وصيًا، وأن عليًا هو وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتتخيل دينًا يقوم على فكرة أنشأها ذلك اليهودي الخبيث الملقب بابن السوداء: عبد الله بن سبأ.

أما منزلة الإمامة عندهم، فمسألة الإمامة عند أهل السنة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها، كما قرره جمع من أهل العلم. يعني الإمامة ونصب خليفة، هذا من الواجبات الكفائية التي تخاطب بها مجموع الأمة. فنصب الإمام، الخليفة، واجب على الأمة جميعًا. لكن هل مسألة النص على الاعتراف بأن فلانًا هو الإمام أو هو الخليفة، هل دي تدخل في أصول الدين، في أركان الدين؟ ولذلك نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وما بنقولش بقى: وأن فلانًا مثلًا هو الإمام، أو كذا أو كذا. في حين هم عندهم في الأذان يضيفون الشهادة بأن عليًا ولي الله، وأيضًا أحيانًا يزيدون أسماء الأئمة، وينصون على إمام الزمان، اللي هو المهدي الخرافة الذي لم يولد ولم يوجد أصلًا. لماذا؟ لأن هذه من أصول الدين. ونحن أيضًا عندهم كفار لأننا لا نؤمن بإمام الزمان. فهم رفعوا قضية الإمامة إلى مرتبة أنها ركن من أركان الدين، بل أخطر من ذلك كما سنرى إن شاء الله.

يقول: مسألة الإمامة عند أهل السنة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها، كما قرره جمع من أهل العلم، ولكنها عند الشيعة بمفهومها السبئي لها شأن آخر. فالنوبختي يذكر بأن من فرق الشيعة من يذهب إلى أن الإمامة من أجل الأمور بعد النبوة. ده يعني مؤدب شوية، خلى الإمامة أعظم الأشياء بعد مرتبة النبوة. يقول: من فرق الشيعة من يذهب إلى أن الإمامة من أجل الأمور بعد النبوة. لكن عند آل كاشف الغطاء الإمامة منصب إلهي كالنبوة، مساويين لبعض: منصب إلهي كالنبوة. وفي أحاديث الكليني في الكافي تعلو الإمامة على مرتبة النبوة، هي فوق مرتبة النبوة. وهذا ما يجاهر به جملة من شيوخهم. قال شيخهم نعمة الله الجزائري: الإمامة العامة التي هي فوق درجة النبوة والرسالة. وهذا قاله في زهر الربيع. وقال هادي الطهراني، أحد مراجعهم وهامتهم في هذا العصر: الإمامة - والعياذ بالله - أجل من النبوة. الإمامة أجل من النبوة، فإنها مرتبة ثالثة شرف الله تعالى بها إبراهيم بعد النبوة والخلة.

وفي الكافي روايات تجعل الإمامة أعظم أركان الإسلام. روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية. شالوا إيه؟ الشهادتين عشان يسيبوا مكانًا للإمامة أو للولاية. بني الإسلام على خمس، حاجة تضحك الحقيقة. يعني هان عليهم يشيلوا أهم أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، التي يحفظها أطفال الحضانة! بني الإسلام على خمس، فطابت نفوسهم أن تحذف الشهادتان عشان برضه يبقوا خمسة. الإيمان بُني برضه على خمسة، بس شالوا منهم الشهادتين ووضعوا الولاية. يعني يقول أبو جعفر كما يزعمون: بني الإسلام على خمس، على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه. يعني الولاية. يقصد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اهتموا بالأركان الأربعة، وأسقطوا الركن الخامس، الذي هو الولاية.

فأنت ترى أنهم أسقطوا الشهادتين من أركان الإسلام، ووضعوا مكانهما الولاية، وعدوها من أعظم الأركان، كما يدل عليه قولهم: ولم يناد بشيء كما ينادى بالولاية، وكما يدل عليه حديثهم الآخر، وقد ذكر فيه نص الرواية السابقة، وزاد: قلت - أي الراوي - وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل. الولاية أفضل من كل أركان الإسلام الأخرى. ورواية ثالثة بنحو الرواية الأولى، مع زيادة تقول: فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربع. يعني إيه؟ في الصلاة مثلًا، قصر الصلاة في السفر، ترك الصيام في السفر والمرض، الحج والزكاة مع عدم الاستطاعة تسقط مثلًا، أو فيها رخص. يقول: فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربع، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا، لا والله، ما فيها رخصة.

حتى قالوا في أخبارهم أيضًا بأنه عرج بالنبي صلى الله عليه وآله السماء مئة وعشرين مرة. فمش المعراج كان ليلة المعراج؟ لا، ده مئة وعشرين مرة حصل فيها المعراج! هو فيه هدف من العدد الضخم كده. يقول: جاء في أخبارهم أيضًا بأنه عرج بالنبي صلى الله عليه وآله السماء مئة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها إلى النبي بالولاية لعلي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض. أكثر مما أوصاه بالصيام والزكاة والحج. وما نادى العباد في شيء ما ناداهم بالإقرار بالإمامة، وما جحد العباد شيئًا ما جحدوه. يعني ومع هذا التأكيد الناس ما جحدت شيئًا كما جحدت قضية الإمامة، لأنها دجل وكذب.

وبهذا الضلال يهذي شيوخهم. قال أحد مراجعهم في هذا العصر: إن أعظم ما بعث الله تعالى به نبيه من الدين إنما هو أمر الإمامة. أعظم شيء بعث به النبي هو الإمامة! طيب وفين التوحيد؟ أين لا إله إلا الله؟ هذه منزلة إمامة الاثني عشر عندهم، وما أدري أين سند هذه المنزلة المزعومة، وكتاب الإسلام العظيم، كتاب الله، تذكر فيه مرارًا وتؤكد كرات أركان الإسلام: الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ولا ذكر فيه لولاية أئمتهم. فلما هي الإمامة أهم أركان الدين، أين هي في القرآن الكريم؟ أطول آية نزلت في إيه؟ في دين واحد يقترض مبلغًا يسيرًا من شخص نزلت فيه أطول آية. فتكون الإيمان والكفر على أساس قضية الولاية، وتكون هي أهم ما بعث الله به النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها قطب رحى الدين الذي يدور حوله الدين، وركنه الأعظم، إلى آخر هذه الخزعبلات، ومع ذلك لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تنص على قضية الإمامة.

يقول: وكانت مسألة الإمامة بمفهوم الشيعة تعني أن هناك خلية سرية وضعت لأتباعها هذا المبدأ لتعمل على تقويض أركان الخلافة الإسلامية، ولذلك فإنها ما إن كشفت هذا الوجه في عهد الخلافة الراشدة حتى وقف منها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه موقفًا حازمًا وصارمًا.

فنفس الإمام، أمير المؤمنين، تعقب عبد الله بن سبأ ونفاه إلى المدائن، ونفى ما حاول إشاعته من أفكار في المجتمع الإسلامي، كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها. بل جاء في رجال الكشي أن عليًا قتل عبد الله بن سبأ.

هذه الخلية لتدعو لهذا المبدأ في سرية تامة، وكانت تقول في عصر علي رضا - كما يظهر من إسناد النص إليه - تقول: ولاية الله أسرها إلى جبريل، يعني ربنا أسرها إلى جبريل، وأسرها جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأسرها محمد إلى علي، وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك! من الذي أمسك حرفًا سمعه؟ مين فيكم التزم وحفظ السر؟ يعني ما منكم إلا وقد أفشى هذا السر.

فهذه إشارة إلى أن الموضوع كان في البداية عقيدة سرية، لا يجرؤون على الجهر بها في مجتمع الخلافة الراشدة. وتلاحظون طبعًا أنه جاء عند إيه: وأسرها محمد إلى علي، وأسرها علي إلى من شاء الله، سايبينها مبهمة، لأنهم مش عارفين بقى الموضوع هيبقى كم واحد بعد كده، أو مين بالضبط. في حين لو هي عقيدة، لو هي من عند الله، وركن الدين الأعظم، يبقى لازم يقول: أسرها علي إلى فلان مثلًا، الحسن، أو الحسين، والحسين إلى فلان، إلى فلان، وهكذا لحد الاثني عشر، لأن دي معروفة عند الله في علمه السابق لو كانت حقًا. لكن هم تركوها للظروف بقى. فلذلك ترى قال لك: وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك، من الذي أمسك حرفًا سمعه.

قال أبو جعفر رضي الله عنه في حكمة آل داود: ينبغي للمسلم أن يكون مالكًا لنفسه، مقبلًا على شأنه، عارفًا بأهل زمانه، فاتقوا الله ولا تذيعوا حديثنا. طبعًا هذه كلها روايات مكذوبة على آل البيت، لكن هم يستعملون أسماءهم لترويج باطلهم. فهذا النص يشير إلى أن الولاية من الأسرار في أصل التنزيل الإلهي، ويحذر من إظهار الحديث عنها، أي أنه في العهد الإسلامي الزاهر المتقدم لا صوت مسموعًا للولاية وشأنها. ويعلِّق شارح الكافي ذلك بقوله: لما كانت التقية شديدة في عصرهم عليهم السلام، أمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة بمذهبهم.

وعند حديث الكليني الذي يقول: ولا تبثوا سرنا ولا تضيعوا أمرنا، قال شارح الكافي: وهو أمر الإمامة والخلافة. ومنذ متى كان في الإسلام أسرار؟ من ذا الذي يدعي أن الإسلام فيه أسرار، فيه عقائد سرية؟ هذا يتنافى تمامًا مع دين الإسلام.

وقال عند حديث آخر يسندونه لجعفر ويقول: المذيع حديثنا كالجاحد له، قال: واعلم أنه عليه السلام كان خائفًا من أعداء الدين على نفسه المقدسة وعلى شيعته، وكان في تقية شديدة منهم، فلذلك نهى عن إذاعة خبر دال على إمامته أو إمامة آبائه.

وكان هنا ميثاق دائم بينهم على الكتمان. قالوا: إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق، يعني بالعهد الذي أخذه الله ورسوله على الأئمة أن يكتموه عن غير أهله. إن أمر ربنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا أذله الله.

وتحدد بعض نصوصهم بدء إذاعة أمر الولاية بأنه كان على يد طائفة الكيسانية. فتقول: ما زال سرنا مكتومًا حتى صار في يد ولد كيسان، وهو لقب المختار بن أبي عبيد، المنسوب إلى فرقة الكيسانية، يقول: فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد.

هذه الخلية التي وضعت الخطوط الأساسية لأمر الولاية على وفق المنهج السبئي لا تنسى أن توصي أتباعها بأن يتستروا بالاتجاه الشيعي المعتدل لنشر فكرتهم بين الناس. فقد جاء في أصول الكافي: كفوا ألسنتكم، والزموا بيوتكم، فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدًا، ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدًا. لأن الزيدية من مذهبهم طلب الولاية، إظهار طلب الولاية، والخروج على الحكام، كما يحصل الآن في اليمن من الحوثيين، ده طبقًا للمذهب الزيدي. طبعًا المجاهرة بالخروج بهذه الصورة. فهو هنا يقول: أنتم أظهروا الاعتدال، الاتجاه الشيعي المعتدل، ولا تجهروا بمسألة الإمامة والخروج وكذا. لأن في هذه الحالة لن يصيبكم أمر تخصون به، يعني أنتم لن يصيبكم بلاء ما دمتم متسترين. ومين هيكفيكم موضوع البلاء؟ الزيدية، لأنهم الذين يظهرون هذا، فسوف يقتصر الضرر عليهم هم، أما أنتم فلن تصابوا بشيء. يقول في أصول الكافي: كفوا ألسنتكم، والزموا بيوتكم، فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدًا، ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدًا. ويحتمل أن المراد أن الزيدية لإظهارها طلب الولاية هي التي يوقع بها، وتسلمون أنتم لالتزامكم بالتقية، كما أشار إليه شارح الكافي.

وإذا كانت الولاية صنو النبوة أو أعظم من النبوة، فلماذا تكون سرية محاطة بالكتمان، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أمره الله أن يبلغ ما أنزل إليه، يخفي أمرها ويسرها إلى علي، ثم يسرها علي إلى من شاء؟ كيف؟ والله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. لا يمكن أن الرسول عليه السلام - كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها -: من حدثكم أن محمدًا كتم شيئًا مما أوحاه الله إليه فقد أعظم على الله الفرية. يستحيل أن يكتم النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا من الوحي. ولا تحدد هذه الرواية الأشخاص الذين أسرها علي إليهم، وتترك الأمر لمشيئته يختار ما يريد، أما غير علي فلا خيرة له في الاختيار. فكيف تكون الولاية، التي هي أصل النجاة عندهم، وأساس قبول الأعمال، والفيصل بين الإيمان والكفر، كيف تظل سرية حتى يتولى نشرها ولد كيسان، ويعدون ذلك خروجًا عن الأصل المأمور به؟ إن هذه النصوص تدل على أن واضعي هذه الفكرة هم من أعداء الأمة، واستغلوا هذه المسألة لتنفيذ أغراضهم، ولذلك أحاطوها بجو من السرية والكتمان، ونسبوها لآل البيت لتجد طريقها إلى قلوب الناس، الذين همَّهم ما جرى من أحداث على بعض علماء أهل البيت، والتي كانت هذه الزمر الحاقدة المدعية للتشيع أحد أسبابها الرئيسة.

ثم يناقش قضية مهمة جدًا. بعدما يوضح لنا مفهوم الإمامة عند الرافضة ومنزلتها عندهم، يتكلم عن مسألة حصر الأئمة بعدد معين. منين جاء عدد الاثني عشر ده؟ إيه السر في هذا العدد؟ يقول: كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند علي. مؤسس دين الشيعة، وهو عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل، وقف بالوصية عند علي، اقتصر على القول بأن عليًا هو وصي النبي عليه الصلاة والسلام، كما كان هارون وصي موسى. لكن جاء فيما بعد من عممها في مجموعة من أولاد علي رضي الله عنه.

وكانت الخلايا الشيعية تعمل بصمت وسرية، ومع ذلك فقد كانت تصل بعض هذه الدعاوى إلى بعض أهل البيت، فكان يترامى إلى أسماع أهل البيت الأطهار شيء من هذه العقائد، فكانوا يجاهرون بإنكارها والتبري منها، فينفون ذلك نفيًا قاطعًا، كما فعل جدهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت عقيدة التقية، علشان لما يثبت عن أحد من أئمة أهل البيت التبري من كفرهم وضلالهم وافتراءاتهم، وأكذبهم، يقولون: إنما قال ذلك لأجل التقية.

يقول: ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت عقيدة التقية حتى يسهل نشر أفكارهم، وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس.

تورد رواية في رجال الكشي، أهم كتاب عندهم في الرجال، تكشف بأن شيطان الطاق - وهذا رجل الشيعة تلقبه بمؤمن الطاق - تكشف بأن شيطان الطاق هو الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين من آل البيت، وأنه حينما علم بذلك زيد بن علي بعث إليه ليقف على حقيقة الإشاعة، فقال له زيد: بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة. قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم. ده أنت أبوك واحد من هؤلاء الأئمة.

فقال - انظر إلى الكلام الرائع هنا في الرد -: فقال له: بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة، يعني غير الخليفة المعلن. قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم. فقال: وكيف؟ وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها؟ يخاف عليه من أنه يأكل لقمة ساخنة حارة فتؤذيه بحرارتها في فمه، فكان يبرد له اللقمة، الطعام الساخن، ثم بعد ذلك يضعها في فمه شفقة عليه من حرارة الطعام الذي في اللقمة. فبيقول له: كيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها؟ أفترى أنه كان يشفق علي من حر اللقمة ولا يشفق علي من حر النار؟ كيف يعني يدعي أنه إمام ومفترض الطاعة، ويخرج على الخليفة القائم، ويرتكب هذا الجرم العظيم الذي يستوجب نار جهنم؟ فكيف يخاف علي من حر اللقمة ولا يخاف علي من حر النار؟

قال شيطان الطاق - بيُفلسف الأمور بطريقة عجيبة جدًا -: كره أن يخبرك فتكفر. كره أن يخبرك بحقيقة موضوع الإمامة دي فتكفر، فلو كفرت مش هينفعك شفاعته يوم القيامة. لكن قال لي أنا، عشان أنا لو كفرت أروح في جهنم، يلا مش مشكلة! لكن هو خاف عليك أنت، أنه يعرض عليك هذه العقيدة فتكذب بها فتدخل جهنم، وبالتالي لن تنفعك شفاعته لأنك هتكون كافرًا يوم القيامة، وهو مسلم، فلن تنفعك شفاعته. فخاف عليك من هذا. فشوف الطريقة، غريبة جدًا في التملص. قال: كره أن يخبرك فتكفر، فلا يكون له فيك الشفاعة، لا والله، فيك المشيئة، كذا.

وفي رواية الكليني في الكافي قال زيد بن علي لأبي جعفر: يا أبا جعفر، أجلس مع أبي على الخوان، السفرة يعني، فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي، ولم يشفق علي من حر النار إذا أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فأجابه شيطان الطاق: جعلت فداك، من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك ألا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار.

وينقل الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى هذا النص من تنقيح المقال للمامقاني، ويأخذ منه أن شيطان الطاق هو أول من اخترع هذه العقيدة الضالة، وحصر الإمامة والتشريع، وادعى العصمة لأناس مخصوصين من أهل البيت. كما نقل الأستاذ محب هذا النص أيضًا من تنقيح المقال في تعليقه على مختصر التحفة، وعقب على ذلك بقوله: وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه، الذي هو من صفوة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما اتهم الإمام زيدًا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه. والشيعة هم الذين يروون هذا الخبر في أوثق المصادر عندهم، ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده، مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم. وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذي روى عنه الجاحظ في كتابه عن الإمامة أن الله لم يقل: ثاني اثنين إذ هما في الغار.

وتذكر كتب الشيعة أنه بلغ جعفرًا ما يقوله شيطان الطاق، وما يجادل به في أمر الإمامة، فقال: لو شاء ظريف من مخاصميه أن يخصمه فعل. يعني سهل جدًا أن واحدًا من اللي قاعدين معاه عنده شوية ظرافة في النقاش يخصمه ويغلبه. قال له: كيف؟ قال: يقول: أخبرني عن كلامك هذا، من كلام إمامك؟ فإن قال: نعم، كذب علينا. والمتكلم هو جعفر الصادق، من أئمة أهل البيت، أو من أعظم أئمة أهل البيت، بيرد على الكلام اللي بيطيره شيطان الطاق. بيقول: ده لو واحد بس من اللي قاعدين معاه عنده شوية ظرافة في النقاش يخصمه ويغلبه. قال له: كيف؟ قال: يقول: أخبرني عن كلامك هذا، أن فينا إمامًا، والاثني عشر، والتخصيص، وإلى آخره، أخبرني عن كلامك هذا: من كلام إمامك، ولا أنت بتكذب عليه؟ فإن قال نعم كذب علينا، لأنه ليس من كلامنا ونحن موجودون، ولا نعتقد مثل هذا. وإن قال لا، قال له: كيف تتكلم بكلام لم يتكلم به إمامك؟ يعني إن كان إمامك يعلمه وسعه السكوت، فكيف لا يسعك أنت أيضًا السكوت؟ ثم قال، أي جعفر الصادق رحمه الله: إنهم يتكلمون بكلام، إن أنا أقررت به ورضيت به أقمت على الضلالة، وإن برئت منه شق علي، نحن قليل وعدونا كثير. قلت - أي الراوي -: جعلت فداك، فأبلغه عنك ذلك؟ قال: أما إنهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه إلا الحمية، الكبر أنه يتراجع عن هذا الضلال. قال: فأبلغت أبا جعفر الأحول ذاك، فقال: صدق، بأبي وأمي، ما يمنعني من الرجوع عنه إلا الحمية.

ولقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم، المتوفى سنة 179. بل يرى القاضي عبد الجبار الهمداني أن الذي ادعى النص، وجرأ الناس على شتم أبي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار، هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص أحد قبله. فهنا بقى الكلام: هل شيطان الطاق هو أول واحد ادعى مسألة تسلسل النص في أولاد علي، أم إن هشام بن الحكم هو أول من فعل ذلك، أم كلاهما تعاون على إظهار هذه الفرية؟

وفي رجال الكشي ما يفيد أن مؤامرة هشام بن الحكم في مسألة الإمامة وصل خبرها إلى هارون الرشيد، حيث قال له يحيى بن خالد البرمكي: يا أمير المؤمنين، إني قد استنبطت أمر هشام. استنبطت هنا يعني إيه؟ العيون والجواسيس أخبروني بما يقول. إني قد استنبطت أمر هشام، فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إمامًا غيرك مفروض الطاعة. قال: سبحان الله! فهارون الرشيد تعجب. قال: نعم، ويزعم أنه لو أمره بالخروج لخرج. فيظهر أن هارون الرشيد، كما يدل عليه هذا النص، فوجئ بهذه المقالة، قال مما يدل على جدتها، أنها جديدة ومحدثة، ما كانتش عريقة يعني، فإنها ظهرت في عهد مين؟ على لسان هشام بن الحكم.

وقد أشاع هشام بن الحكم أن ما يقول به في الإمامة إنما هو عن أمر موسى الكاظم، فأساء إليه أبلغ الإساءة. موسى الكاظم طبعًا، إمام من أئمة أهل البيت، بريء من هذا الكذب. فلما أشاع أن موسى الكاظم يقول بنفس القول في الإمامة، وهو أحد هؤلاء الأئمة، أساء إليه أبلغ الإساءة، حتى سجنه المهدي العباسي، ثم أخرجه، وأخذ عليه العهد ألا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأني، ولا حدثت فيه نفسي. دي مين اللي آذاه؟ هشام بن الحكم.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن موسى الكاظم رحمه الله متهم بالتطلع للملك، ولذلك سجنه المهدي ثم الرشيد. ويبدو أن الذي يعمل على ترويج هذه الإشاعة في الخفاء ضده هو هشام بن الحكم ومن لف لفه. ولذلك أقرت روايات الشيعة بأن سبب سجن موسى هو هشام بسبب ما ينسبه له من أقوال، وما يشيعه عنه من افتراءات تدور حول الإمامة وأحقيته بها. ولذلك لما بلغ هارون شيء من ذلك عن هشام قال لعامله: شد يدك بهذا وأصحابه، يعني حاصرهم، وبعث إلى أبي الحسن موسى عليه السلام فحبسه، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب.

واتهمت نصوص الشيعة هشامًا بأنه هو الذي شارك في قتل موسى الكاظم، فقالت: هشام بن الحكم ضال مضل، شرك في دم أبي الحسن. هذا في رجال الكشي. وقد طلب منه أبو الحسن، كما تقول روايتهم، أن يكف عن الكلام، ولكنه أمسك عن الكلام شهرًا ثم عاد، فقال له أبو الحسن: أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ أنت هتتسبب في قتلي بسبب هذه الأكاذيب التي تروجها. أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ تشارك في إثم قتل مسلم؟ قال: لا. قال: وكيف تشرك في دمي؟ فإن سكت وإلا فهو الذبح. فما سكت حتى كان من أمره ما كان. صلى الله عليه، ده في رجال الكشي، هم لما بيذكروا أئمتهم بيقول لك: صلى الله عليه.

ولذلك قال أبو الحسن الرضا، كما تروي كتب الشيعة: هشام بن الحكم، فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع، اللي هو موسى الكاظم. وقال لهم وأخبرهم: أترى الله يغفر له ما ركب منا؟ إنه تسبب في قتل... طبعًا كتب الشيعة مش بتدين هشام بن الحكم في أنه كان يعتقد هذه العقائد، بتدينه في أنه لم يكتمها، بل أذاعها، فبالتالي تسبب في قتله.

وكشفت كتب الشيعة بأن هشامًا قد تربى في أحضان بعض الزنادقة، ففي رجال الكشي: وهشام من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق. ومع ذلك فإن أحد آيات الشيعة في هذا العصر يقول عن هشام، صاحب كل هذه البلايا التي تنقلها أوثق كتب الشيعة في الرجال، يقول عنه: لم يعثر أحد من سلفنا على شيء مما نسبه الخصم إليه. وما أدري، هل يخفى عليه الأمر؟ مش عارف التاريخ بتاعهم بيتكلم على هشام بن الحكم بأي كلام؟ نوعية الكلام أنه تلميذ هذا الزنديق، أو أنه كان زنديقًا، وكيف أنه تسبب في قتل موسى الكاظم. كل هذا يعني جاهل، خفي عليه هذا الكلام؟ يقول: ما أدري، هل خفي عليه هذا الأمر، أو أنه ينكر تقية لأنه يظن أن الناس لا علم لهم بما في كتبهم؟

فإذا هشام بن الحكم، وشيطان الطاق، وأتباعهما، هم الذين أحيوا نظرية ابن سبأ في أمير المؤمنين علي، ثم عمموها على آخرين من سلالة أهل البيت، واستغلوا بعض ما جرى على أهل البيت، كمقتل علي والحسين، في إثارة مشاعر الناس وعواطفهم، والدخول إلى قلوبهم، لتحقيق أغراضهم ضد الدولة الإسلامية في ظل هذا الستار.

ويبدو أن عقيدة حصر الإمامة بأناس معينين نشرت في الكوفة بسعي مجموعة من أتباع هشام والشيطان. وكان بعض من تعرض عليه هذه الدعوة في المجتمع الإسلامي يذهب إلى جعفر يسأله عن حقيقة الأمر. فيروي الكشي بسنده عن سعيد الأعرج قال: كنا عند أبي عبد الله رضي الله عنه، اللي هو جعفر الصادق، فاستأذن له رجلان، فأذن لهما، فقال أحدهما: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ فرد جعفر الصادق قال: ما أعرف ذلك فينا. قال: بالكوفة قوم يزعمون أن فيكم إمامًا مفترض الطاعة، وهم لا يكذبون، أصحاب ورع واجتهاد، منهم عبد الله بن يعفور وفلان وفلان. فقال أبو عبد الله رضي الله عنه: ما أمرتهم بذلك، ولا قلت لهم أن يقولوه. قال: فما ذنبي؟ جعفر الصادق تأذى من هذا الكلام، وقال: فما ذنبي؟ لا أنا أمرتهم، ولا أنا راض عن ما يقولون. فما ذنبي؟ واحمر وجهه وغضب غضبًا شديدًا. قال: فلما رأى الغضب في وجهه قام فخرج. قال: أتعرفون الرجلين؟ قلنا: نعم، هما رجلان من الزيدية.

إذًا فكرة حصر الأئمة بعدد معين قد وضع جذورها في القرن الثاني زمرة ممن يدعي الصلة بأهل البيت، أمثال شيطان الطاق وهشام بن الحكم.

ولقد اختلفت اتجاهات الشيعة وتباينت مذاهبهم في عدد الأئمة. قال في مختصر التحفة: اعلم أن الإمامية قالوا بانحصار الأئمة، لكنهم مختلفون في مقدارهم، فقال بعضهم: خمسة، وبعضهم: سبعة، وبعضهم: ثمانية، وبعضهم: اثنا عشر، وبعضهم: ثلاثة عشر، وأقوالهم في هذا كثيرة. وأظن أنني لو قمت بنقل اتجاهاتهم في ذلك من خلال كتب الفرق، لقطع القارئ القراءة من الملل، لكثرة خلافهم الذي يمضي على وتيرة واحدة، إذ بعد وفاة كل إمام من أهل البيت تنشأ بعده فرق: منهم من يتوقف عليه، يقول: ده آخر إمام، ويجعل عدد الأئمة ينتهي به. فإذا كان هو الخامس يبقى الأئمة خمسة، الثامن يبقى الأئمة ثمانية، وهكذا. ومنهم من يذهب يلتمس رجلًا آخر من أهل البيت يتخذه إمامًا، ويتكسب من خلال ذلك، ويحقق ما في نفسه من موروثات دينية سابقة، أو تطلعات عرقية وشعوبية، وينفذ من وراء ذلك أحقاده ومطامعه.

وبحسب القارئ أن يطلع على كتب الفرق ليجد ذلك. بل إن كتب الفرق عند الشيعة نقلت صورة هذا التباين والتناقض، سواء كانت من كتب الإسماعيلية كـمسائل الإمامة للناشئ الأكبر، أو الزينة لأبي حاتم الرازي، أو من كتب الاثني عشرية مثل المقالات والفرق للأشعري القمي، وفرق الشيعة للنوبختي، أو من كتب الزيدية كـالمنية والأمل للمرتضى.

وقضية الإمامة عندهم ليست بالأمر الفرعي الذي يكون فيه الخلاف أمرًا عاديًا، بل هي أساس الدين وأصله المتين، ولا دين لمن لم يؤمن بإمامهم، ولذلك يكفر بعضهم بعضًا، بل إن أتباع الإمام الواحد يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا.

أما الاثنا عشرية فقد استقر قولها فيما بعد بحصر الإمامة في اثني عشر إمامًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولم يكن في العترة النبوية، بني هاشم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، من يقول بإمامة الاثني عشر. ما كانتش أصلًا طلعت هذه الضلالة في عهد الخلفاء الراشدين، وإنما عرف الاعتقاد باثني عشر إمامًا بعد وفاة الحسن العسكري.

وتجد في بعض الروايات عند الاثني عشرية ملامح من الحيرة والتردد في عدد الأئمة، مما يدل على أن تلك الروايات موضوعة قبل وفاة الحسن العسكري، وأنه قبل ذلك لم تعرف عقيدة الإيمان بالاثني عشر الذين تنتسب إليهم الاثنا عشرية، أو أنها موضوعة قبل تحدد هذه العقيدة عند الجعفرية. ولا شك أن تلك الروايات نقد واضح للاتجاه الاثني عشري. فقد جاء في رواية الكافي أن عليًا أسر بالولاية إلى من شاء، يعني أن الله أسرها إلى جبريل، وجبريل أسرها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسرها إلى علي، ثم علي يسرها إلى من شاء. سابوها كده بدون تحديد. وقال شارح الكافي: أي إلى من شاء من الأئمة المعصومين. ولا تحدد هذه الرواية العدد، ولا تعين الشخص. فكان الأمر غير مستقر في تلك الفترة التي وضع فيها الخبر.

بينما تجد روايات عندهم تجعل الأئمة سبعة، وتقول: سابعنا قائمنا، يعني الإمام السابع هو ده القائم أو المهدي. وهذا ما استقر عليه الأمر عند الإسماعيلية: إن الأئمة كم؟ سبعة، وده آخر واحد السابع. لكن لما زاد عدد الأئمة أكثر عند الموسوية أو القطعية، والتي سميت بالاثني عشرية، صار هذا النص الآنف الذكر مبعث شك في عقيدة الإمامة لدى أتباع هذه الطائفة، وحاول مؤسس المذهب التخلص منه. الرواية اللي بتقول: سابعنا قائمنا، فقالوا: نتخلص من الرواية دي إزاي؟ لكي ينفوا الشك، فخرجوا الرواية التالية عن داود الرقي قال: قلت لأبي الحسن الرضا رضي الله عنه: جعلت فداك، إنه والله ما يلج في صدري من أمرك شيء إلا حديثًا سمعته من ذريح، يرويه عن أبي جعفر رضي الله عنه، قال لي: وما هو؟ قال: سمعته يقول: سابعنا قائمنا إن شاء الله. فزوده كلمة إن شاء الله، لعل الرواية الأصلية ما فيهاش إن شاء الله. سابعنا قائمنا، هو جابه في الحديث ده أن السؤال جاي: سابعنا قائمنا إن شاء الله. قال: صدقت، وصدق ذريح، وصدق أبو جعفر، كل صادق رضي الله عنه، فازددت والله شكًا. ثم قال: يا داود بن أبي خالد، أما والله لو أن موسى قال للعالم: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ما سأله عن شيء، وكذلك أبو جعفر عليه السلام، لولا أن قال إن شاء الله لكان كما قال. قال: فقطعت عليه، أو فقطعت عليَّ، يعني إيه؟ خلاص كده ارتاح، واقتنع.

فهو تشبث بكلمة إن شاء الله، إشارة إلى عقيدة البداء، يعني كان في الأول كانوا سبعة، ثم بدا لله - والعياذ بالله - كما يزعمون، فغير حكمه بأنهم سبعة، فزاد العدد. يقول: فكانهم يجعلون هذا من باب البداء. وتعليقه على المشيئة، إن شاء الله، من باب البداء وتغير المشيئة، والذي هو من عقائدهم كما سيأتي، لأنهم يجدون به وسيلة للتخلص من أمثال هذه الأقوال.

ولقد كان أول كتاب ظهر للشيعة، وهو كتاب سليم بن قيس، قرر أن عدد الأئمة ثلاثة عشر، وكان هذا من أسباب القدح فيه عند طائفة من شيوخ الاثني عشرية. كما أنك ترى الكافي، أصح كتبهم الأربعة، قد احتوى على جملة من أحاديثهم تقول بأن الأئمة ثلاثة عشر. فقد روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني واثنا عشر إمامًا من ولدي، وأنت يا علي زر الأرض، يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا. فهذا النص أفاد أن أئمتهم بدون علي اثنا عشر، ومع علي يصبحون ثلاثة عشر، وهذا ينسف بنيان الاثني عشرية. ولهذا يظهر أن شيخهم الطوسي في الغيبة تصرف في النص وغير فيه، فأورده بهذا اللفظ: إني وأحد عشر من ولدي. دي راح سرق واحدًا من الاثني عشر، خلاهم لأن مع علي هتبقى مشكلة. تحرجهم جدًا دي، الرواية بتقول ثلاثة عشر.

فهنا انتبهوا لهذا. بيقول: إن الكليني روى هذا: إني واثنا عشر إمامًا من ولدي، وأنت يا علي زر الأرض. واضح أن الطوسي في كتاب الغيبة تصرف في النص، أو يبدو أنه تصرف في النص، وقال إيه؟ حولها إلى: إني وأحد عشر من ولدي.

كذلك روت كتب الشيعة الاثني عشرية عن أبي جعفر، عن جابر، قال: دخلت على فاطمة وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم المهدي، ثلاثة منهم محمد، وثلاثة منهم علي. طيب، ما دام يكونوا اثني عشر من ولد فاطمة، يبقى علي داخل فيهم؟ لا، لأن علي زوج فاطمة وليس ولدها، يبقى كده الأئمة برضه هيكونوا كام؟ ثلاثة عشر. فانظر كيف اعتبروا أئمتهم اثني عشر كلهم من أولاد فاطمة. فإذا علي ليس من أئمتهم، لأنه زوج فاطمة لا ولدها، أو يكون مجموع أئمتهم ثلاثة عشر.

ومما يدل أيضًا على أنهم لم يعتبروا عليًا من أئمتهم قوله: ثلاثة منهم علي، فإن المسمى بعلي من الأئمة عند الاثني عشرية أربعة: أمير المؤمنين علي، وعلي بن الحسين، وعلي الرضا، وعلي الهادي. ولذلك فإن ابن بابويه غير في هذا النص فيما يبدو في كتابه الخصال، حيث جاء النص عنده بدون لفظة من ولدها. شال كلمة من ولدها عشان ما حدش يعترض، يقول إن علي، زوجها، ليس من ولدها، ولازم يبقوا ثلاثة عشر. فخلاها شال كلمة من ولدها. لكن لم يفطن لباقي النص. ما هو الحرامي لازم ينكشف! اللي سرق الكلمة دي، هو لم يفطن لباقي النص، لأن في بقية النص إيه؟ فعددت اثني عشر، آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد، وثلاثة منهم علي، اللي هو علي بن الحسين، وعلي الرضا، وعلي الهادي. فمش هيكون فيهم مين؟ علي بن أبي طالب. هيبقوا برضه ثلاثة عشر، رغم أنه شال كلمة من ولدها. يقول: ولكنه في كتابه عيون أخبار الرضا غير النص في الموضعين بما يتفق وما ذهب إليه، أو غيره غيره.

ومن العجب أن بعض شيوخهم حكم بوضع كتاب سليم بن قيس، طعن في كتاب سليم بن قيس، ده كتاب موضوع. ليه؟ لأن كتاب سليم بن قيس يدل وينص على أن الأئمة ثلاثة عشر، مش اثنا عشر. طيب، ما كان يحق كمان أن يحكم على كتاب الكافي بأنه موضوع، لأنه فيه نصوص كثيرة، وفي مصادر أخرى أيضًا عندهم، فيها النص على أنهم ثلاثة عشر.

يقول: والقول بأن الأئمة ثلاثة عشر قامت فرقة من الشيعة تقول به، ولعل تلك النصوص من آثارها. وقد ذكر هذه الفرقة الطوسي في رده على من خالف الاتجاه الاثني عشري الذي ينتمي إليه، كذلك النجاشي في ترجمة هبة الله أحمد بن محمد. وكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها على الحق، وأن الخبر في تعيين أئمتها متواتر. اللي بيقولوا سبعة، واللي بيقولوا ثمانية، واللي بيقولوا عشرة، واثني عشر، وثلاثة عشر، كله بيقول: عندنا أخبار متواترة بأن عدد الأئمة كذا، وتبطل ما ذهبت إليه الفرق الشيعية الأخرى. وهذا دليل على أنهم ليسوا على شيء، إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم لم يقع الاختلاف قط بينهم. فإن هذه المزاعم افتروها على أهل البيت على وفق مصلحة الوقت، فكل طائفة تقرر إمامًا تدعو إليه لياخذوا بهذه الذريعة الخمس. هي أهمية الإمام إيه؟ عشان يجمعوا الخمس، والنذور، والتحف، والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم، ويتعيشوا بها. ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل، وسقطوا في ورطة الضلال: إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون.

ثم ينهي هذا الموضع بنقد حصرهم الأئمة بعدد معين. يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، ولم يقل: وأولي الأمر الاثني عشر منكم، وأولي الأمر منكم، ولم يحصر سبحانه أولي الأمر بعدد معين. وهذا واضح جلي، وأمر تعيين الأئمة من أعظم أمور الدين عندهم، وهو صنو النبوة أو أعظم، فكيف لا يبين الله ذلك في كتابه، ويذكر الأئمة بأسمائهم وأعيانهم؟

لا يوجد لأئمتهم ذكر في كتاب الله، وليس هناك نص صحيح متواتر في تعيين أئمتهم. ولو وجد ما تخبط الشيعة وتاهوا في أمر تعيين الإمام، كما حكت ذلك كتب المقالات. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الأحاديث الثابتة المستفيضة، لم يوقّت الأمور في عدد معين. ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف.

وهو ده مفتاح المسألة: وإن كان عبدًا حبشيًا. هو معروف أن الحاكم، الخليفة، يشترط فيه إيه؟ الحرية، يكون حرًا وليس عبدًا. ويشترط أيضًا أن يكون قرشيًا من قريش. فده عبد حبشي، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعته. بمعنى أنه ممكن يكون مثلًا ليس خليفة، زي محافظ مثلًا أو كده، حاجة أقل من الخلافة العظمى، أو يكون قد تغلب بالقوة. تغلب بالقوة، وبالتالي مع ذلك يجب طاعته، طاعة هذا المتغلب بالقوة، حتى لو كان عبدًا حبشيًا، مخالفًا للصفات الواردة في النصوص المعروفة، كالحرية وغيرها من الشروط المعروفة، كالقرشية. فإذا كان واحد عبدًا وحبشيًا وتغلب، فيسمع له ويطاع. واضح؟ فهذا يدل على جريان أحكامه، وأنه يعتبر عند الله أيضًا حاكمًا شرعيًا. الشاهد هنا أن هذا يتنافى مع التحديد بعدد معين.

أو اسمع وأطع وإن كان عبدًا حبشيًا. وفي هذا المعنى عدة أحاديث. أما كتب الشيعة الاثني عشرية فهي طافحة بالروايات التي تحدد الأئمة باثني عشر. والملاحظ أن هذه الروايات كانت موضع التداول السري، وكان الأئمة يكذبون روايتها، مما يثير الشكوك في صدقها، لا سيما وكتاب الله سبحانه، والذي أمر الأئمة بالرجوع إليه في الحكم على ما ينسب إليهم من أقوال، لا شاهد فيه لهذه الرواية إلا عن طريق التأويلات الباطنية والروايات الموضوعة، كما ناقشنا هذا من قبل بالتفصيل في موقفهم من تفسير القرآن الكريم.

ما هو حاجة من اثنين: الموضوع، حيلة الإمامة، اللي هي جعلوها بمرتبة النبوة أو أعلى من النبوة، وأنها ركن الدين الأعظم، وأن الذي لا يؤمن بالأئمة يبقى كافرًا وخارجًا من الإسلام، وكل ده، كل هذه الأحكام والتحديد قائم على إيه؟ أين في كتاب الله آية واحدة تدل على موضوع الإمامة التي تدعونها؟ فهو سؤال محرج جدًا، في غاية الإحراج. فكان الحل من اثنين: جم عند بعض الآيات وفسروها تفسيرات باطنية، مثلًا: كنتم خير أمة أخرجت للناس، يقولون: كنتم خير أئمة، إن دي في الأئمة، وهكذا يعني. وده إحنا ناقشناه بالتفصيل، وذكرنا أمثلة كثيرة جدًا في بداية البحث لو تذكرون. يعني فيجيبوا الآيات ويقولوا: تأويل باطل، تأويل فاسد، أبعد ما يكون عن الانضباط العلمي، تهريج وعبث وإلحاد في آيات الله. أو جرأة أكثر: ادعوا أن القرآن الكريم كان فيه آيات تنص على الإمامة، والصحابة حذفوها من كتاب الله، تحريف، ادعاء تحريف كتاب الله تبارك وتعالى.

يقول: لا سيما وكتاب الله سبحانه، والذي أمر الأئمة بالرجوع إليه في الحكم على ما ينسب إليهم من أقوال، لا شاهد فيه لهذه الروايات إلا عن طريق التأويلات الباطنية والروايات الموضوعة. فيصبح عمدتهم في النهاية هذه الروايات التي تؤكد الشواهد كذبها، كما أن الأوائل الذين جمعوا هذه الروايات، وهم الصفار، وإبراهيم القمي، والكليني، هم من الغلاة الذين يجب اعتبارهم خارج الصف الإسلامي، لنقلهم أساطير نقص القرآن وتحريفه، فهم بهذا غير مأمونين، وكتبهم غير موثوقة.

وكتاب النهج، نهج البلاغة، الذي هو أصح كتاب عند الشيعة، لا ذكر فيه للأئمة الاثني عشر بأسمائهم وأعيانهم، بل جاء فيه ما ينقض مبدأ حصر الأئمة، حيث قال صاحب نهج البلاغة، وهم يدعون أنه علي: إنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يقاتل به العدو، وتأمن السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر. فلم يحدد الأئمة بعدد معين. فأين تذهب الشيعة، وهي تزعم أنها تصدق بكل حرف في النهج، في نهج البلاغة؟ كما أن اختلاف أقوال فرق الشيعة في هذا الأمر، وتباين مذاهبهم في تحديد عدد الأئمة وأعيانهم، يكشف حقيقة هذه الدعوى، إذ كل طائفة تضحك من مزاعم الأخرى وتكذبها، وكفى الله المؤمنين القتال. يعني الرد عليهم في موضوع الاثني عشر دي، هم يكفون شرهم. لماذا؟ لأنهم كما يقولون:
حجج تهافت كالزجاج تخالها
حقًا وكل كاسر مكسور

ومسألة حصر الأئمة بعدد معين لا يقبلها العقل ومنطق الواقع، إذ بعد انتهاء العدد المعين هل تظل الأمة بدون إمام؟ لذلك فإن عصر الأئمة الظاهرين عند الاثني عشرية لا يتعدى قرنين ونصفًا إلا قليلًا، الأئمة الظاهرين اللي هم كانوا مرئيين يعني في زعمهم. لكن بعد كده حصلت الغيبة الصغرى أولًا، ثم الغيبة الكبرى، كما سيناقش ذلك بالتفصيل. دين مكعبل قوي، دين عامل زي دين النصارى، كله عقد وكلاكيع، معلش أنا آسف للتعبيرات دي، بس يعني التوحيد والإسلام والاتباع والسنة أسهل، أسهل من هذا بكثير، دي كلها عقد.

وقد اضطر الشيعة للخروج عن حصر الأئمة بمسألة نيابة المجتهد عن الإمام، لأنه دين غير واقعي. إمام مختبئ، والناس محتاجة لتشريع، وما ينفعش حد تاني يشرع، ده لازم هو الإمام اللي يشرف على كل شيء. فادعوا أن في واحد يبقى نائبًا عن الإمام، وادعوا أن في مراسلات سرية بتحصل بين الإمام وبين مندوبين معينين هم اللي يقدروا يتعاملوا معاه، ويجيبوا لهم الفتاوى والأحكام إلى آخره، واختلف قولهم في حدود النيابة.

وفي هذا العصر اضطروا للخروج - طبعًا دي مبدأ بقى بتاع الخميني، اللي هو ولاية الفقيه - يعني كناحية واقعية، طبعًا أنتم عارفين أن الخميني يعتبر خارجًا عن المذهب الشيعي. الخميني أحدث انقلابًا داخل المفاهيم الشيعية. يعني ما ينفعش حد أصلًا يلي أي حكم، يلي حكومة، حكم دولة، ولا جهاد أو نحو ذلك، كل شيء ممنوع عندهم. فهو كواقع مش قادرين يواجهوا الواقع بهذه الصورة، ولذلك خرج الخميني بثورته على الشاه، وبرر مذهبه باختراع فكرة ولاية الفقيه. ولذلك ستجدون أناسًا من كبار غلاة الرافضة يهاجمون الخميني، ويعتبرونه خرج على الدين، يعني بتاعهم، أن الخميني أحدث بدعة ولاية الفقيه، أن لازم حد يدير أمور الناس طبقًا للشريعة في زعمهم. فحطوا مبدأ ولاية الفقيه كنوع من التكيف مع الواقع، اللي هو الدين مش ماشي مع الواقع، واضطروا خرجوا على الشاه، وأقاموا هم دولة. واضح؟ حتى يقول لك: المرشد الروحي، ما بيسموش منصبًا معينًا، المرشد الروحي.

بيقول هنا: اضطر الشيعة للخروج عن حصر الأئمة بمسألة نيابة المجتهد عن الإمام. ما هو لأن حكم أمر واقع، مثل هذه الطائفة وهذا العدد الكبير وهذه الأمة محتاجين حد يحكمهم، فعملوا إيه؟ أحدثوا فكرة ولاية الفقيه، وده في الحقيقة هو خروج عن المذهب الشيعي التقليدي، ده نوع من التطور في المذهب. ولذلك من كبار الشيعة، الراجل الخبيث ده اسمه إيه؟ الشيرازي، اللي هو كان يطالب بتدويل مكة والمدينة، مجتبى الشيرازي، أرجو في يوم من الأيام أن نحاول نجيب لكم - أنا سمعتها بنفسي يعني - هو نفسه كان بيشتم الخميني، هو بيتكلم على المطالبة بتدويل مكة والمدينة، وبيقول: هؤلاء الناس من أشياع الخميني، وبيهاجم. فتفهم من الكلام أنه ضد الخميني، مع أنه شيعي محترق هو كمان، لكن هو موجود داخل المذهب الشيعي من يعادي الخميني، ويعتبر الخميني أحدث شيئًا في دينهم هو باطل. إن ما ينفعش حد يلي حكم، ولا ينفع جهاد، ولا ينفع أي شيء من الحاجات العملية تحت مظلة نيابة الفقيه عن الإمام المختبئ في السرداب.

يقول: وفي هذا العصر اضطروا للخروج نهائيًا عن هذا الأصل الذي هو قاعدة دينهم، فجعلوا رئاسة الدولة تتم عن طريق الانتخاب. مع أنها المفروض بالنص. يعني شالوا الكلام بتاع زمان، اللي هو أن ربنا أسرها إلى جبريل، وجبريل أسرها إلى محمد، ومحمد أسرها إلى علي، وعلي يسر من يشاء، وبعد كده بقى جابوا العدد المختلف فيه ده. فهو المفروض عدد محصور، وبيتم بإيه؟ ده أنتم الخلاف الرئيسي بينا وبينكم أنها لازم تكون نصًا إلهيًا، بنص إلهي، وأنها حاجة مساوية للنبوة أو فوق النبوة. طيب ما باله صناديق الاقتراع بقى هنا؟ فدي صناديق اقتراع اخترعوها في دينهم، ما يخرج بهم تمامًا، ينسيهم أصل موضوع الإمامة، لأن رئيس الدولة عندهم يتم تعيينه عن طريق الانتخاب، ما فيش نص بقى ولا حاجة. فهو يلي الحكم مع أنه مش إمام. فالجماعة اللي إحنا قلنا عليهم، يعني الشيعة التقليديون، يرون أن ما فعله هؤلاء هو خروج عن الدين الشيعي. واضح؟

المهم، يقول: وفي هذا العصر اضطروا للخروج نهائيًا عن هذا الأصل الذي هو قاعدة دينهم، فجعلوا رئاسة الدولة تتم عن طريق الانتخاب، ولكنهم خرجوا عن حصر العدد إلى حصر النوع، فقصروا رئاسة الدولة على الفقيه الشيعي. لازم يكون فقيهًا شيعيًا.

هذا، ويحتج الاثنا عشرية في أمر تحديد عدد الأئمة بما جاء في كتب السنة عن جابر بن سمرة.

  • السبت PM 04:31
    2026-04-25
  • 11
Powered by: GateGold