ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الشيعة و التفسير الباطني
الشيعة و التفسير الباطني
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد، نستكمل ما بدأناه بالأمس من الكلام على مصادر الإسلام عند الرافضة أو عند الشيعة، وكنا بدأنا الكلام على موقفهم من القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول من مصادر الإسلام.
وناقشنا مسألتين: الأولى قولهم إن للقرآن معاني باطنة تخالف ظاهره، فظاهر القرآن في التوحيد والنبوة والرسالة والمعاد إلى آخره، أما باطن هذه الأشياء فإنها تتمحور وتدور حول قضيتين فقط، هما الكلام في الأئمة وولاية الأئمة، ثم البراءة من أعدائهم. فكل القرآن الكريم، والحلال والحرام، والأخبار، وكل هذه الأشياء، حتى أحيانًا بعض الآيات التي هي في حق الله سبحانه وتعالى وصفاته، يؤولونها هذا التأويل الباطني.
فهم يقولون إن معظم القرآن الكريم إنما نزل فيهم وفي أعدائهم، طبعًا بناء على زعمهم أن هذا هو التفسير الباطني للقرآن الكريم، الذي بنوه على زعمهم أن للقرآن معاني ظاهرة ومعاني باطنة. وهم يعتبرون أن هذا هو الأصل، وهذا هو القاعدة، حتى قال بعض شيوخهم: إن الأصل في تنزيل آيات القرآن إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة صلوات الله عليهم، بحيث لا خير خُبر به إلا وهو فيهم وفي أتباعهم وعارفيهم، ولا سوء ذُكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وعلى مخالفيهم. لذلك رأينا شيوخهم يتسابقون في تحريف آيات القرآن الكريم وتطبيق هذا المفهوم.
الدكتور القفاري حفظه الله تعالى ينتقل بعد ذلك إلى سرد أمثلة واقعية من تأويلات الرافضة لآيات القرآن الكريم. فشيخ الشيعة في زمنه، والذي إذا أطلق لفظ العلامة عندهم انصرف إليه، وهو ابن المطهر الحلي، احتج على استحقاق علي للإمامة – في الكتاب الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية – ففي هذا الكتاب يذكر الأدلة على استحقاق علي رضي الله تعالى عنه للإمامة دون الخلفاء الثلاثة الراشدين، فيقول: البرهان الثلاثون.
والدليل الثلاثون – لأن كلمة البرهان الثلاثون قد تبهر السامع – ما البرهان على أن عليًا رضي الله عنه أحق بالإمامة؟ قال: قوله تعالى: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان. قال: البحران علي وفاطمة، ومرج البحرين يلتقيان يعني عليًا وفاطمة، بينهما برزخ لا يبغيان هو النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين. فهذا عنده دليل على ما يدعيه.
فلما احتج ابن المطهر بذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منها، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة، بل هو من أعظم القدح في القرآن والطعن فيه. انتهى كلام شيخ الإسلام.
يقول القفاري: كيف لو رأى شيخ الإسلام ما أودع في الكافي والبحار وتفسير العياشي والقمي والصافي وغيرها من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيرًا؟ يقول: وبين يدي مجموعة كبيرة من هذا اللون يستغرق عرضها المجلدات، ركام هائل من الروايات حجبت الشيعة عن نور القرآن وهديه.
فالتوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل وجوهر رسالتهم هو عندهم ولاية الإمام. فيروون عن أبي جعفر أنه قال: ما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا، وذلك قول الله في كتابه: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. فحتى هذه الآية التي تشير إلى معنى لا إله إلا الله، يقولون: المقصود بها أن الله ما بعث نبيًا قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا.
والإله في كتاب الله هو الإمام، فقوله تعالى: لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد، قال أبو عبد الله كما يزعمون: يعني بذلك لا تتخذوا إمامين، إنما هو إمام واحد. فانظر إلى الإلحاد في تفسير كتاب الله تعالى.
والرب هو الإمام عندهم، ويمكن أن يلتمس لهم بعضهم عذرًا في هذا التأويل، لأن الرب في اللغة له استعمالات أخرى، كرب البيت ورب المال بمعنى صاحبه، ولكن يمنع من ذلك أن تأويل الرب بالإمام جرى في آيات هي نص في الله سبحانه وتعالى ولا تحتمل وجهًا آخر.
ففي قوله سبحانه وتعالى عن المشركين: ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرًا، قال القمي في تفسيره: الكافر الثاني، يعني عمر رضي الله تعالى عنه، والعياذ بالله. يقولون: الكافر هو الثاني، الخليفة رقم اثنين، عمر رضي الله عنه، وكان الكافر على ربه ظهيرًا، أي كان على أمير المؤمنين علي عليه السلام ظهيرًا. ففسر ربه هنا بأن المراد به علي رضي الله عنه.
وقال الكاشاني في البصائر عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن تفسيرها فقال – كما يفترون عليه – إن تفسيرها في بطن القرآن: علي هو ربه في الولاية، والرب هو الخالق الذي لا يوصف. فهذا قد يفهم منه أن عليًا هو الرب الذي لا يوصف كما يفترون، مع أن الآية أصلًا في حق الله سبحانه وتعالى.
حاول صاحب تفسير الصافي تفادي هذا الأمر فقال في توضيح النص: إن الرب على الإطلاق غير المقيد بالولاية هو الخالق جل شأنه. فهو يريد أن يخرج من هذه الورطة، فيقول إن قصده أن الرب المقيد بالولاية هو علي، لكن الرب غير المقيد بالولاية هو الله سبحانه وتعالى. لكن في الآية لم يقيد بالولاية، فقوله تعالى: وكان الكافر على ربه ظهيرًا لم يقيد بالولاية، فلن ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى، ولا توجد قرينة تصرف الآية عن معناها. ولهذا قال طائفة من السلف في تفسيرها: وكان الكافر للشيطان على ربه مظاهرًا له على معصيته.
وفي قول الله سبحانه وتعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها، قال المفسرون: أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء. أما شيخ المفسرين عند الشيعة إبراهيم القمي فإنه يروي بسنده عن المفضل بن عمر أنه سمع أبا عبد الله رضي الله عنه يقول في قوله: وأشرقت الأرض بنور ربها، قال: رب الأرض يعني إمام الأرض. فقلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذا استغنى الناس عن ضوء الشمس ونور القمر، ويجتزون بنور الإمام.
ويؤولون الآيات المتعلقة بصفات الله سبحانه بالأئمة. مثال ذلك قالوا: إن الأخبار المستفيضة تدل على تأويل وجه الله بالأئمة عليهم السلام. ذكر المجلسي جملة من هذه الأخبار في باب عقده بعنوان: باب أنهم عليهم السلام جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها.
فما أدري ماذا يقولون في قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه، وقوله عز وجل: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فهل معنى ذلك أن الأئمة لهم البقاء الدائم وأنهم لا يموتون؟ يقول: ما كنت أظن أن الأمر يصل بهم إلى هذا حتى وقعت عيني على رواياته في كتبهم المعتمدة. ففي الآية الأولى كل شيء هالك إلا وجهه يقول الصادق كما يزعمون: نحن وجه الله. وفي الآية الثانية يقول: نحن الوجه الذي يؤتى الله منه.
ولكن الأئمة ماتوا كغيرهم، لأن الله تعالى قال: كل من عليها فان. وهم حاولوا في موضوع موت الأئمة أيضًا أن يجعلوا لهم ميزة يختصون بها دون سائر البشر، فنرى صاحب الكافي الكليني يقول: إن الأئمة يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم. يقول إن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم.
لكن على كل الأحوال الأئمة ماتوا، فلا ينفع أن يقال: كل من عليها فان إلا هم! وكيف يفسر كل شيء هالك إلا وجهه بالأئمة؟ ولو كان الموت – كما يزعمون – حسب اختيارهم، فما مسوغ وجود التقية؟ هم كانوا يقولون إن الأئمة كانوا يعملون تقية في تصريحاتهم ومواقفهم لأجل الحفاظ على أنفسهم، لكن لو كان الإمام يختار متى يموت ويحدد أجله بإرادته، فما الذي يدعو إلى التقية؟ إذًا ما معنى بقاء التقية وأنتم تعتقدون أنهم لا يموتون إلا باختيارهم؟
ويقولون إن الأسماء الحسنى الواردة في قوله سبحانه وتعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، هي الأئمة الاثنا عشر. ويروون عن أبي عبد الله أنه قال: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: فادعوه بها.
هذه التأويلات التي تفسر الإله والرب والله وصفاته بالإمام هي من آثار السبئية التي تذهب إلى القول بألوهية علي، وهذا الأثر السام لا يزال ينخر في كيان الاثني عشرية. ولهذا لا يزال إلى اليوم بعض شيوخ هذه الطائفة يصرح ويجاهر بهذه المقالة.
وقد جاء في رجال الكشي بعض الروايات التي تفيد استنكار جعفر الصادق لهذه التأويلات الباطنية التي تؤله الأئمة. فقد ذكر – وعند جعفر كما يروي الكشي – أن بعض الشيعة قال في قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، قال: هو الإمام. فحكي له أن بعض الشيعة يقولون إن وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله يعني الإمام، فقال أبو عبد الله: لا والله، لا يآويني وإياه سقف بيت أبدًا. الذي يقول هذا الكلام والإلحاد لا أجتمع معه تحت سقف واحد. لا والله، لا يآويني وإياه سقف بيت أبدًا. هم الذين يقولون هذا شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا. والله ما صغر عظمة الله تصغير شيء قط، والله لو أقررت بما يقول أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء ضرًا ولا نفعًا.
وكما يسمى الإمام بالرب والإله عندهم، فهو أيضًا يعبر عنه بالرسول. قال صاحب مرآة الأنوار: وقد ورد تأويل الرسول بالإمام والرسل بالأئمة في بعض الآيات، بحيث يمكن سحبه إلى غيرها. ففي بعض الآيات إذا جاء لفظ الرسول يكون المقصود به الإمام، وفي بعضها الرسل هم الأئمة.
ويقولون أيضًا إن عمدة بعثة الرسل، والغاية التي بعث بها الرسل، هي لأجل الولاية، ولاية الأئمة والبراءة ممن خالفهم. يقول بعضهم في مرآة الأنوار: إن عمدة بعثة الرسل لأجل الولاية، فيصح تأويل رسالة الرسل بما يتعلق بها، لأنهم استدلوا قبل ذلك على نفس المعنى بقوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وزعموا أن ذلك في الإمامة. فيبنون على هذا أن عمدة بعثة الرسل إنما هي من أجل الولاية.
وطبعًا هذا لا يصلح أن يكون دليلًا؛ لأن هذا مبني على تأويل باطني لا يسلم لهم، لأن كل عاقل يعلم أن عمدة بعثة الرسل هي التوحيد، والدعوة إلى لا إله إلا الله، لأن الله يقول: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وقال عز وجل: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون.
ومن أمثلة تأويل الرسول بالإمام ما يروونه عن الصادق في تفسير قوله تعالى: ولكل أمة رسول، قال: أي في كل قرن إمام يدعوهم إلى طريق الحق. والأئمة أيضًا يعبر عنهم بالملائكة في القرآن. جاء في أخبارهم – كما يقولون – ما يدل على أن المراد بالملائكة بحسب البطن في القرآن الكريم الأئمة، سواء كان المذكور بلفظ الملائكة أو غيرها مما يفيد معناها، كالذين يحملون العرش وأمثالهم.
بل الأئمة هم القرآن، وهم الكتاب. ففي تفسير القمي عن الصادق في قوله سبحانه: الم ذلك الكتاب لا ريب فيه، قال: الكتاب علي، ولا شك فيه. ذلك الكتاب يعني علي، وإمامة علي، وولاية علي لا ريب فيها، ولا ينبغي أن يشك أحد في إمامة علي. تخيلوا الإلحاد يصل إلى أي حد! ذلك الكتاب لا ريب فيه من أول سورة البقرة، من أول القرآن الكريم، يعني يتفوهون بمثل هذا الدجل.
والأئمة هم الكلمة، في قوله سبحانه وتعالى: ولولا كلمة فصل لقضي بينهم، قالوا: الكلمة الإمام. وفي قوله سبحانه: لا تبديل لكلمات الله، قالوا: لا تغيير للإمامة، ولا يملك أحد أن يخرج عن الأئمة المنصوص عليهم الاثني عشر. وفي قوله سبحانه: سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، قال إمامهم أبو الحسن علي بن محمد: نحن الكلمات التي لا تدرك فضائلها ولا تستقصى. وأخبارهم في هذا كثير، أورد منها المجلسي في البحار روايات كثيرة.
وإطلاق الكلمة على الإمام قد يوضح مدى التأثر بالنصرانية في إطلاق الكلمة على المسيح عليه السلام. لكن تسمية المسيح كلمة الله لأن مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة. أما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس.
أيضًا في تفسير قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم قالوا: هو أمير المؤمنين، يعني علي رضي الله عنه. وأيضًا قوله تعالى: والشمس وضحاها، يروون عن الصادق أنه قال: الشمس أمير المؤمنين، أما ضحاها فهو قيام القائم، خروج المهدي من السرداب. فهل يعني هذا أنه لما مات أمير المؤمنين اختفت الشمس من الوجود؟ كانت الشمس هي علي، وعلي مات رضي الله عنه وولي التراب، فمعنى ذلك أن الشمس غير موجودة، فالناس سوف يبقون في ظلمة حتى يشرق ضحى القائم المنتظر!
أيضًا من ضلالهم تفسير المسجد والمساجد والكعبة والقبلة بأن هذا كله يراد به الإمام والأئمة. يروون عن الصادق في قوله تعالى: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، قال: يعني الأئمة، عند كل إمام. وفي رواية أخرى عنه في قوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد، قال: يعني الأئمة. وفي قوله تعالى: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا، قال: إن الإمام من آل محمد، فلا تتخذوا من غيره إمامًا.
هل يعقل أن هذا هو دين الإسلام؟ هل في عاقل يقول إن مثل هذا الدين هو دين الإسلام الذي ابتعث الله به رسله وأنزل به كتبه؟ هذا دين مختلف تمامًا عن دين الإسلام، وليس في أي افتراء عليه، لأن هذا بالجزء والصفحة موجود في كتبهم المقدسة عندهم.
أيضًا في زعمهم يقول الصادق: نحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله. أما السجود فهو ولاية الأئمة. ولذلك يفسرون قوله تعالى: وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، قالوا: يدعون إلى ولاية علي في الدنيا.
ولعل مثل هذه الروايات هي السبب في شيوع عبادة الأئمة وأضرحتهم، وعمارة المشاهد، وتعطيل المساجد؛ لأن المشاهد عندهم هي المساجد، والإمام هو كعبة الله وقبلته. ولهذا صنفوا كتبًا سموها مناسك المشاهد؛ لأن ولع الرافضة بالقبور والأضرحة ولع جنوني. عندهم السجود أمام العتبات المقدسة، عتبات الأئمة وآل البيت، وهذا الشؤم ما زال قائمًا حتى الآن في مصر، ومصر ربما أخص بلد تلوثت بهذه الخرافات، وكذلك العراق، بسبب الدولة الفاطمية العبيدية – ولا يصح أن تسمى فاطمية لأن فاطمة رضي الله عنها بريئة من ضلالها، ولكنهم عبيديون.
فما يحصل عندنا في مصر من عبادة الأضرحة، والطواف حولها، والغلو الزائد في هذا، ليس من الإسلام في شيء قطعًا، لا يمكن أن يكون هذا هو دين الإسلام ودين التوحيد. فمصر اختصت بهذه اللوثة، وهذا من شؤم وجود الأعياد والموالد التي ما بتنتهيش، والحلوى، والمواسم، وكل هذه الأشياء، كان العبيديون يلهون بها المصريين، ويتقربون إليهم بإظهار حب آل البيت عليهم السلام.
فعندهم كتب في مناسك زيارة الأئمة وزيارة القبور، بالذات في العراق وإيران، لها مناسك، وألفت فيها كتب مثل مناسك الزيارات للمفيد، وكتب المزار لمحمد بن علي بن الفضل، والمزار لمحمد المشهدي، والمزار لمحمد بن همام، والمزار لمحمد بن أحمد، وهكذا. فهذا معروف عندهم، أن هناك مناسك لعبادة الأئمة أو لزيارة مشاهدهم. لذلك قال شيخ الإسلام عبارة صادقة جدًا: يعظمون المشاهد ويهجرون المساجد.
حتى التوبة – ومعناها معروف، الرجوع من المعاصي إلى طاعة الله تعالى – فإن الشيعة تفسر التوبة بالرجوع من ولاية أبي بكر وعمر وبني أمية إلى ولاية علي. هي دي التوبة عندهم. ففي تفسير قوله تعالى: فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، جاء تأويلها عندهم في ثلاث روايات:
الرواية الأولى تقول: فاغفر للذين تابوا من ولاية فلان وفلان، وطبعًا فلان وفلان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبني أمية.
أما الرواية الثانية فتقول: فاغفر للذين تابوا من ولاية الطواغيت الثلاثة، يعنون – قاتلهم الله – أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن بني أمية، واتبعوا سبيلك يعني ولاية علي.
وتقول الثالثة: فاغفر للذين تابوا من ولاية هؤلاء وبني أمية واتبعوا سبيلك، هو أمير المؤمنين.
كل هذه الروايات منسوبة لأبي جعفر محمد الباقر، ومحمد الباقر علمه ودينه ينفيان صحة ذلك عنه. وهذه الأخبار تقدم لنا مفهومًا جديدًا للتوبة، إذ هي في حقيقتها موالاة رجل ومعاداة آخر، وليس هناك بعد آخر غير هذا. فالتوبة – ولو بلغت ذنوبه قراب الأرض – إذا كانت موالاة رجل ومعاداة غيره، وتجعل موالاة أفضل الخلق بعد النبيين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين هو الكفر الذي لا ينفع معه عمل، فهل هذا هو الإسلام؟ وهل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم جاهدوا إلا لإقرار هذا الأمر؟ الصحابة ضحوا بالأموال والأنفس في آفاق الأرض لنشر الإسلام، فهل كانت الرسالة كلها تتمحور حول أن تتولى رجلًا وتعادي آخر؟
ثم ما تأثير مثل هذه الروايات على من يؤمن بها ويعتقد أنها صادرة من محمد الباقر؟ ألا تهون في نفسه المعصية، وتدفعه إلى ارتكاب كل موبقة، وتثبطه عن عمل الخير واصطناع المعروف؟ بلى، هذا وارد، بل قد يكون حاصلًا.
هنا رواية عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله رضي الله عنه: إني أخالط الناس، فيكثر عجبي من أقوام لا يتولون – يعني الأئمة – ويتولون فلانًا وفلانًا، يعني أبا بكر وعمر، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولون – يعني من الشيعة – ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. فهو كأنه يشتكي لأبي عبد الله من حسن أخلاق أهل السنة الذين يتعامل معهم، يجد عندهم التقوى والورع وحسن الخلق، مع أنهم لا يتولون الأئمة في زعمه، في حين يجد من شيعته من أخلاقهم سيئة ولا أمانة ولا ورع ولا تدين.
فقال أبو عبد الله – كما يزعمون – لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله. قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء؟ قال: نعم. ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة بولاية كل إمام عادل من الله. هذا معنى إخراجهم من الظلمات إلى النور عندهم.
وقد نقل الشوكاني رحمه الله ملاحظات قيمة سجلها أثناء خلطته مع الشيعة، فقال: جربنا وجرب غيرنا، فلم يجدوا رافضيًا يتنزه عن شيء من محرمات الدين كائنًا ما كان.
والصلاة والزكاة والحج والصيام – أركان الإسلام ومبانيه العظام – هي عند الشيعة بمعنى الأئمة في القرآن الكريم. أي آية فيها الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج يراد بها الأئمة. فيروون عن أبي عبد الله أنه قال: نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج.
بل إن الدين كله هو عندهم ولاية علي، ويروون عن جعفر الصادق في تفسير قوله تعالى: إن الله اصطفى لكم الدين، قال: ولاية علي رضي الله عنه، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون لولاية علي. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: أن أقيموا الدين، قال: الإمام، الدين هو الإمام، ولا تتفرقوا فيه كناية عن أمير المؤمنين رضي الله عنه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه من أمر ولاية علي، الله يجتبي إليه من يشاء كناية عن علي عليه السلام.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يسمى دين الإسلام عندهم دين المنتظر أو دين الولاية؟ وحقيقة الأمر أن هذا دين آخر غير دين الإسلام. هذا الدين معناه طاعة رجل. وقد ورثته الاثنا عشرية فيما يظهر عن الكيسانية، حيث إنهم – كما يقول الشهرستاني – يجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل. يعني هذا باختصار شديد: الدين طاعة رجل.
حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها على الرجال. ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل، ولا رجل له، فلا دين له. لأنهم يقولون لا بد من إمام زمان، والإمام أصلًا غير موجود، لأنه – في زعمهم – في السرداب. فإذا كان الدين طاعة رجل، وأنتم لا رجل لكم، لأنه مختبئ في السرداب من أكثر من ألف سنة، فبالتالي لا دين لكم على مقتضى كلامكم أنتم.
إذًا انحصر الدين عندهم بولاية علي، وأصبح ما يدل عليه الدين من طاعة الله ورسوله، واتباع المعروف، والانتهاء عن المنكر، خارجًا عن معنى الدين حسب رواياتهم.
لفظ الأمة أيضًا ورد في القرآن الكريم تسعًا وأربعين مرة، والشيعة تفسر الأمة بالأئمة أو بالشيعة. كنتم خير أمة أخرجت للناس، قال في مرآة الأنوار: إن الذي يستفاد من رواياتنا على اختلاف ألفاظها تأويل الأمة – فيما يناسب – بالأئمة عليهم السلام، وبأهل الحق والشيعة المحقين وإن قلوا. ثم ساق طائفة من رواياتهم في هذا التأويل، نقلها من مجموعة من كتبهم المعتمدة. وإذا كانت الأمة بمعنى الأئمة، فهذا يعني أن القرآن نزل للأئمة فقط، وأن الأمة غير مخاطبة بالقرآن ولا مكلفة به.
بل الجمادات أيضًا يفسرونها بالأئمة. فالبئر مثلًا – والبئر معروفة – عند الشيعة تفسر بأنها علي رضي الله عنه، وتفسر أيضًا بالإمام الصامت، يعني القرآن. ففي قوله تعالى: وكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، في تفسير البرهان لهم خمس روايات في هذا المعنى.
والبحر ورد في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثة وثلاثين موضعًا بالمعنى المعروف، لكن الشيعة تفسر البحر والبحار بالإمام والأئمة وأعدائهم. أورد صاحب مرآة الأنوار جملة من روايات طائفته في هذا التأويل، ثم قال: ولا يخفى أن المستفاد من ذلك جواز تأويل البحر والبحار العذبة المشتملة على المدح والنفع بالإمام والأئمة، بل بفاطمة، وتأويل البحر والبحار المالحة بأعدائهم. وقد جاء في تفسير القمي وغيره عن أبي عبد الله في قوله سبحانه: مرج البحرين يلتقيان، قال: علي وفاطمة، بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين.
كذلك المعاني والمثل العليا تفسر عندهم بالإمامة والأئمة. فالخير هو الولاية. يقول الكاظم – في زعمهم – في قوله تعالى: وافعلوا الخير، قال: الولاية. وفي قوله: فاستبقوا الخيرات، قال أبو جعفر: الخيرات الولاية.
والآيات الكونية تؤول بالأئمة، فالأئمة هم العلامات في قوله تعالى: وعلامات وبالنجم هم يهتدون، فالعلامات هم الأئمة. قال أبو عبد الله: النجم رسول الله، والعلامات هم الأئمة عليهم السلام. وعقد الكليني بابًا في هذا بعنوان: باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، وتبعه المجلسي وعنون لبابه بقوله: باب أنهم عليهم السلام النجم والعلامات. وسياق الآية وما ورد عن السلف ينفي ما ذهبوا إليه في تأويل الآية.
كذلك أحوال اليوم الآخر يفسرونها برجعة الأئمة أو الولاية. فالساعة، والقيامة، والنشور، وغيرها من الأسماء التي تتعلق باليوم الآخر، تفسر في الغالب عند هؤلاء برجعة الأئمة. يقول صاحب مرآة الأنوار: كل ما عبر به بيوم القيامة في ظاهر التنزيل فتأويله بالرجعة. ويقول المجلسي عن لفظ الساعة في القرآن: إن الساعة ظاهرها القيامة، وباطنها الرجعة.
ورووا عن الرضا في قوله سبحانه: بل كذبوا بالساعة، يعني كذبوا بولاية علي. والحياة الدنيا هي الرجعة. قال صاحب مرآة الأنوار: جاء ما يدل على تأويل الدنيا بالرجعة وبولاية أبي بكر وعمر. ففي قوله سبحانه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، قال: يعني في الرجعة. وقال جعفر: يعني في الرجعة، التي يبعث فيها من حكم ظلمًا دون الأئمة، ويبعث الصحابة أبو بكر وعمر وعائشة، والمهدي سوف يعذبهم – في خرافات عجيبة جدًا – فدي الرجعة عندهم، عقيدة من عقائدهم في بعث بعض الأموات قبل يوم القيامة.
وفي تفسير قوله سبحانه: بل تؤثرون الحياة الدنيا، قال: يعني ولاية أبي بكر وعمر وعثمان. فيكون تأويل الحياة الدنيا هنا أبو بكر وعمر وعثمان.
والتأويلات الباطنية لا ضابط لها، فأنت ترى أن الآخرة تؤول بالرجعة، والحياة الدنيا تؤول بها أيضًا، أو بولاية أبي بكر وعمر وعثمان، مع ما بين هذه المعاني من الاختلاف. فهي أقوال عشوائية لا تستند إلى أصل ولا فرع ولا عقل.
وتأويل كثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم. لقد تجاوزوا في هذه الدعاوى كل معقول، وأسرفوا في التأويلات إلى ما يشبه هذيان المعتوهين. حتى قالوا إن النحل في قوله سبحانه وتعالى: وأوحى ربك إلى النحل، أي الأئمة. روى القمي بإسناده إلى أبي عبد الله قال: نحن النحل التي أوحى الله إليها أن اتخذي من الجبال بيوتًا، أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة، ومن الشجر – أي من العجم – ومما يعرشون من الموالي. وجمع المجلسي رواياتهم في هذا المعنى في باب بعنوان: باب نادر في تأويل النحل بهم عليهم السلام.
كما جاء بروايات تقول إن الأئمة هم الماء المعين، والقصر المشيد، والسحاب، والمطر، والفواكه، وسائر المنافع الظاهرة. وهناك باب عقده بعنوان: باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة، جاء فيه: نحن الأيام. فالأئمة هم الأيام، فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحد كناية عن أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين.
ومع أنهم يكرهون كلمة اثنين جدًا، لأن فيها منقبة عظيمة جدًا لأبي بكر رضي الله عنه في قوله تعالى: ثاني اثنين إذ هما في الغار، فهم يتشاءمون من كلمة اثنين بسبب أنها – غصبًا عنهم – تفيد الثناء على أبي بكر. وقد حاولوا تحويل هذه المنقبة إلى مثلبة، فقالوا إن قوله: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، معناه أن أبا بكر كان في حالة جزع وخوف على نفسه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدئه! مع أن العكس هو الصحيح، فقد كان أبو بكر يخشى على رسول الله وعلى الدعوة. وحتى إذا قلت لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أبا بكر ليصحبه في الهجرة، وهذه منقبة عظيمة، يقولون: لا، أخذه معه لأنه لو تركه في مكة لدل المشركين عليه! قلوب منكوسة والعياذ بالله.
ويقولون أيضًا في تفسير قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، قال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن تأويلها، فقال: أما السنة فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهورها اثنا عشر شهرًا، فهو أمير المؤمنين إلى آخر الأئمة الاثني عشر. منها أربعة حرم، قال: أربعة منهم يخرجون باسم واحد: علي أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد. ذلك الدين القيم، قال: هؤلاء هو الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم أي قولوا بهم جميعًا تهتدوا.
كذلك البعوضة في قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، قالوا: هي علي رضي الله عنه. بل والعياذ بالله، فسروا لفظة الذباب في قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، فيقولون إن الذباب هو علي رضي الله تعالى عنه. وكلمة الذباب كلمة كريهة، لذلك بعضهم حاول أن يخفف فقال: المقصود ذباب العسل! يقول: وما أدري ما السر في إطلاق أسماء أحط الحشرات على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه من طائفة تزعم محبته والتشيع له، ولكن قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
أيضًا قبور الأئمة لها نصيب من تأويلاتهم، فالبقعة في قول الله سبحانه وتعالى: فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، قالوا: البقعة المباركة كربلاء! مع أن القرآن نص على أنها في طور سيناء.
وفي تفسير قوله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء، يقولون: الشيعة هي الشيء، فـ كل شيء هنا الشيعة، شعب الله المختار. ويقصرون بغير ما يعرفه المسلمون من هذه الألفاظ، فيفسرونها بترك بيعة الاثني عشر، على الرغم من أنهم لم يتولوا الحكم – إلا علي رضي الله عنه – وبقية الأئمة لم يحكموا. والروايات في هذا كثيرة جدًا، بلغت عشرات الروايات.
شيخهم المجلسي عقد أبوابًا في بحاره تحمل عناوين في التأويل الباطني، تضمن بعضها مئة رواية. فنذكر فقط أمثلة عابرة:
مثلًا في قوله سبحانه وتعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، قالت الشيعة: لئن أشركت في إمامة علي ولاية غيره ليحبطن عملك.
قال صاحب مرآة الأنوار: فعلى هذا جميع المخالفين مشركون.
وده مش مفاجأة أصلًا، لأن جميع أهل السنة عندهم كفار، دي حقيقة قاطعة عندهم لا خلاف فيها. ومن العجيب أن تجد بعض الناس ما زالوا في مرحلة الإنكار، كأنها حيلة دفاع نفسي، يقول: لا، الشيعة لا يقولون هذا، أو لا تفرقوا المسلمين، أو الخلاف بيننا وبينهم في الفقه وقضايا فرعية بسيطة. إلى متى يستمر الإنكار؟ الأمور طبقت الآفاق، وكتبهم نشرت ضلالًا مبينًا واضحًا جدًا.
فالناس دي كلها – عند الشيعة – نحن عندهم كفار، بل لو لم يكفروك هم لكانوا عند أنفسهم على غير دين؛ لأن من أساسيات دينهم البراءة ممن لم يقر بولاية الأئمة الاثني عشر. وهم مكفرية من النوع العتيق جدًا، يرون أهل السنة كلهم مشركين كفارًا وأسوأ من اليهود والنصارى، وهذا ليس كلامًا للاستهلاك المحلي، بل حقائق في كتبهم وعقائدهم.
يقول صاحب مرآة الأنوار بعد تفسيرهم لقوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك بلئن أشركت في إمامة علي وولاية غيره: فعلى هذا جميع المخالفين مشركون، وقال إن الأخبار – يعني أخبار الشيعة – متضافرة في تأويل الشرك بالله والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة. ولذلك حكموا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالردة لمبايعتهم أبا بكر دون علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
كذلك الكفر يؤول بذلك. جاء في الكافي عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، يقولون: آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حين مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم. فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء. فهذه الآية يستدلون بها على ردة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فإذا كان أفضل الخلق بعد النبيين – وهم الصحابة – قد كفروا في زعمهم، فماذا سيقولون فيمن بعدهم من أمة محمد؟ ومن يهُون عليه تكفير أبي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار، لن يهُون عليه تكفيرنا نحن.
وقد أشار بعض شيوخهم إلى وجه هذا التخصيص فقال: ورد في بعض الروايات تأويل الكفر برؤساء المخالفين، لا سيما الثلاثة، يعنون الخلفاء الراشدين، مبالغة في زيادة كفرهم وجدهم فيه.
ولفظ الردة أيضًا عندهم يعني الردة عن بيعة أحد الأئمة الاثني عشر. جاء في أصول الكافي وغيره عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قال: فلان وفلان وفلان ارتدوا من الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين. والعياذ بالله.
أما الضلال فهو عدم معرفة الإمام. ففي قول الله عز وجل: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة، قال: يعني ضلوا في أمير المؤمنين. وفي قوله سبحانه: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: الضالين الذين لا يعرفون الإمام.
إن تفسير الكفر والشرك والردة والضلال بترك بيعة الاثني عشر، فضلًا عن أنه لا سند له من نقل أو عقل أو لغة أو شرع، فإنه ينتهي بالمؤمن إلى تفضيل الكفر والكافرين على سائر المسلمين من غير الشيعة؛ لأن رأس الكفر – عندهم – ترك الولاية، فتصير أنواع الكفر الأخرى أخف. يعني كفر اليهود والنصارى عندهم أخف من كفر أهل السنة؛ لأن رأس الكفر هو ترك الولاية. وهذا ما يصدقه تاريخ الشيعة مع المسلمين، كما أنه يهون أمر الشرك والإلحاد، وهذا هدم لأصول الإسلام ومحاربة لرسالة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، الذي بعث لمحاربة الشرك والكفر والضلال، وإرساء قواعد التوحيد وشريعة الإسلام.
والكبائر وسائر المحرمات هي عندهم أعداء الأئمة. يقول أبو عبد الله كما يزعمون: وعدونا في كتاب الله عز وجل الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير. فكل المحرمات في القرآن الكريم تفسر بأعداء أئمتهم.
جاء في بعض مصادرهم المعتمدة ما يكشف واضع هذه الأسطورة، ويبين أن أصل تأويل المحرمات بأعداء الأئمة، وتأويل الفرائض بالأئمة، هو أبو الخطاب، الذي تبرأ منه الأئمة ولعنوه. ففي رجال الكشي كتب أبو عبد الله إلى أبي الخطاب: بلغني أنك تزعم أن الزنا رجل، وأن الخمر رجل، وأن الصلاة رجل، وأن الصيام رجل، وأن الفواحش رجل، وليس هو كما تقول. وتذكر كتب المقالات عن بعض غلاة الشيعة القول بأن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وأن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم.
ويقول الشهرستاني: إنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء الرجال هو أن من ظفر بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عنه التكليف وارتفع الحرج. كل ذلك ورثته الاثنا عشرية، وأحيتْه وتولى كبر نشره القمي صاحب التفسير، والكليني، والعياشي، والكاشاني، والمجلسي، وغيرهم من شيوخ الدولة الصفوية، الذين أحيوا كل أساطير وغلاة الفرق الشيعية، وأدخلوها في المعتقد الاثني عشري كروايات عن الأئمة.
وهذا وتأويلاتهم في هذا الباب يستغرق ذكرها مجلدات، ولهم في كل عقيدة شذوا بها – كالرجعة والتقية وغيرها – تأويلات وافتراءات تربو على الحصر. وما ذكرناه هنا جزء قليل مما جمعناه، ولم نذكره خشية الإطالة. وما جمعناه هو كقطرة من بحر مظلم، عرضه ونقده يستوجب المجلدات، وكل مثال من هذه الأمثلة في الغالب يكشف لنا عن عقيدة من عقائد القوم في الألوهية، والنبوة، والأسماء والصفات، وأركان الإسلام، وغيرها.
ثم يختم هذا الفصل بقوله، بتسجيل بعض الملاحظات المهمة. فأولها يقول: ذكرنا ما يقوله الشيعة من أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم، ثم قدمنا بعد ذلك أمثلة لتحريف الشيعة لمعاني القرآن. كل ذلك يؤكد ما تذهب إليه الشيعة من القول بأن أكثر القرآن قد اشتمل على ذكر الأئمة الاثني عشر ومخالفيهم، فهذه المسألة حشد لها شيوخ الشيعة آلاف النصوص، كما أسلفنا الإشارة إلى شيء منها. وبعد ذلك كله نجد من نصوصهم نفسها ما ينقض هذه الدعوى كلها جملة واحدة.
فمثلًا يروون عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله جعفر عليه السلام: لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين. يعني هذا اعتراف منهم بأن القرآن ليس فيه ذكر لأئمتهم، وإلا لما قال: لو قرئ كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين. فهذا إقرار منهم بأنه ليس لأئمتهم ذكر في كتاب الله، ولم يرد لهم تسمية فيه، فكأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم.
ونقل لأبي عبد الله جعفر ما يقول أولئك الزنادقة من تأويل آيات الله، فقيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال، فقال: ما كان الله عز وجل ليخاطب خلقه بما لا يعلمون. وهذا في رجال الكشي، وهو ينقض إلحادهم في تفسير الآيات بالطريقة التي ذكرناها. والله سبحانه وتعالى يقول: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون، فمما يتصادم مع هذا أن يراد بآيات القرآن مثل هذه المعاني الضالة التي يزعمونها.
هل يعقل أحد أن اسم علي ذكر في القرآن الكريم – كما يزعمون – ألفًا ومئة وأربعًا وخمسين مرة، منهم البعوضة والذباب؟ وهل أحد يمكن أن يقبل أن المقصود بكل الآيات التي هي في اليوم الآخر أن المقصود بها رجعة الأئمة؟ أو أن آيات الإيمان والمؤمنين هي في الأئمة الاثني عشر، وآيات الكفر والكافرين والشرك والضلال هي في الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟
يقول: إنني هنا أذهب إلى القول بأن هذا المستوى الذي هبط إليه هؤلاء هو من معجزات هذا الدين العظيم، فما من أحد ادعى نبوة أو وحيًا، وأراد أن يضع في الدين ما ليس منه، إلا وفضحه الله على رؤوس الأشهاد. وتالله إن هذه المقالات التي لا يمكن بحال أن تتفق مع العقل، ولا النقل، ولا اللغة، ولا الدين، هي من أعظم فضائح القوم وعوراتهم، وبها يكشف الله سبحانه وتعالى كذبهم وبهتانهم.
إن مطابع النجف وطهران وقم وبومباي قد أخرجت لنا تراثًا شيعيًا ضخمًا يمثل دينًا بأكمله، لعل أقرب تسمية له هو دين الولاية أو دين الإمامة. ولم تتوفر هذه الكتب للمسلم كما توفرت اليوم. دين وضعه المجلسي والكليني وغيرهما من أساطين التشيع، وسنكشف من خلاله أمورًا كثيرة لم تكن معروفة من قبل. ويبدو من الاطلاع عليه عظمة هذا الدين الإلهي وسر خلوده، إذ بضدها تتميز الأشياء، فلولا المر ما عرف طعم الحلو. ولعلي أقول إن هذا الإحياء لهذا التراث الشيعي الضخم دليل على قرب نهايته؛ فقد عاشوا يبشرون بمعتقداتهم بتقية ومصانعة انخدع بها الكثير، وها هي كتبهم اليوم المعتمدة تظهر بشكل وفير في وقت تطلع الناس لمعرفة ما عندهم، لتسهم في كشف عوارهم.
أما التنبيه الثاني فيقول: هذه التأويلات الباطنية المستفيضة في كتب الاثني عشرية مجهولة للكثير ممن يكتب عن هذه الطائفة. وحسبك أن تجد ممن كتب عن الاثني عشرية من يعتبرها بعيدة كل البعد عن الاتجاه الباطني، ويظن أن التأويل الباطني مقصور أمره على طائفة الإسماعيلية. يقول بعض من كتب عن الفرق – وهو الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه إسلام بلا مذاهب – وهذه التعبيرات العاطفية نخاف منها، مثل التعبير الشيعي الآخر لا سنة ولا شيعة، وهو مطب يهلك من يقبله، لأن لا سنة ولا شيعة معناها لا إسلام ولا شيعة؛ لأن السنة ليست فرقة ولا طائفة، بل السنة هي أهل الإسلام في أنقى صورها، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأهل السنة هم نقاوة الإسلام، يعني قمة أهل الإسلام، أبرا الناس من البدع، وأتبعهم للكتاب والسنة.
فهو ينسب هذه الأمور الباطنية فقط إلى الإسماعيلية، لكنه يقول مثلًا: إن الإسماعيلية جعلوا للأئمة صفات لم تعرفها فرق الشيعة الأخرى، ذلك أنهم يقولون ظاهرًا إن الأئمة بشر كسائر الناس يأكلون وينامون ويموتون، ولكنهم في تأويلاتهم الباطنية يقولون إن الإمام هو وجه الله ويد الله وجنب الله. فطبعًا هنا ينسب هذا فقط إلى الإسماعيلية الباطنية، لكن الشيعة يقولون نفس الكلام كما ذكرنا.
ويلاحظ أن هذا هو عين ما تذهب إليه طائفة الاثني عشرية، وجاءت أخبار كثيرة عندهم في إقرار هذا الغلو، وخصص المجلسي لذلك بابًا من أبواب بحاره، وهو باب أنهم عليهم السلام جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها.
إن السر في هذا الجهل المتفشي بين طبقة من الكتاب هو أن كتب الاثني عشرية نوعان: كتب للدعاية المذهبية وضعت بأسلوب التقية، والنوع الثاني وهو المعتبر عندهم: كتب الحديث الثمانية المعتمدة عندهم، وكتب الرجال الأربعة، وما في درجة هذه الكتب من كتب شيوخهم. فمن يعتمد على الأول وحده يفوته الكثير من أمورهم، والتي قد تشير إليها كتب الدعاية إشارة لا يفهمها إلا شيوخهم أو من هو على صلة وفهم بكتبهم المعتمدة.
ثالثًا: يلاحظ أن هذه التأويلات ليست عندهم آراء اجتهادية في تأويل القرآن، وليست قابلة للأخذ والرد والمناقشة والتعديل، بل هي في مقاييسهم نصوص شرعية لها سمة الوحي وأهميته وقدسية النص النبوي وشرعيته؛ لأنهم عندهم الأئمة معصومون، فبالتالي ما دام الأئمة قالوا هذا النوع من التفسير فهي ليست قضية اجتهاد، بل يجب أن تقبلها كما هي.
وقد جاءت عندهم نصوص كثيرة تحذر وتنذر من رد أمثال هذه النصوص، التي لا تتفق مع العقل والفطرة ولا مع المنطق واللغة، وأن الواجب التسليم وعدم الاعتراض. يعني باختصار: أطفئ مصباح عقلك واعتقد، كما يفعل النصارى. وقد حاولوا توطين أتباعهم على قبول أمثال هذه النصوص فقالوا: إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوه، ومن أنكر فذروه. يعني لما الناس تستبشع كلامنا هذا – الخرافات والضلالات المبينة، بالذات في تفسير القرآن بهذه المعاني – فيقول: من قبل هذا الكلام زيدوه، زودوا الجرعة، ومن أنكر فاسكتوا، ما تخبروه بهذه الأشياء.
وعن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن رجلًا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب، فيحدثنا بالحديث فنستبشعه. قال أبو عبد الله: فيقول لك إني قلت لليل إنه نهار، أو للنهار إنه ليل؟ قال: فإن قال لك هذا، إني قلته، فلا تكذب به، فإنك إنما تكذبني. مع أنه من البداية قال له: هذا رجل معروف بالكذب! فانظر كيف يربيهم على قبول كل شيء.
وفي رواية أخرى: من توقف في رواية من هذه الروايات، وقال: كيف جاء هذا؟ وكيف كان؟ وكيف هو؟ فإن هذا والله الشرك بالله العظيم. يعني اللي يسأل كيف جاء هذا، أو يستشكل هذه الخرافات، يكون مشركًا بالله!
اهتم بهذه القضية صاحب البحار، وذكر لها مئة وستة عشر حديثًا من أحاديثهم في باب عقده بعنوان: باب أن حديثهم عليهم السلام صعب مستصعب، وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم عليهم السلام، والتسليم لهم، والنهي عن رد أخبارهم. وصاحب الكافي أيضًا عمل بابًا: باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب، ذكر فيه خمس روايات.
ولعل هذا الأسلوب هو الذي ساعد على تفشي تلك المقالات الأسطورية، وغياب الصوت العاقل الذي يجهر بالحق ويعري الباطل ويفضحه. وهذا نوع من الاستهواء الذي يطالب فيه الأتباع بالإيمان بأقوال للأئمة، وإن خالفت العقل والنقل. وهو قريب من موقف الصوفية الذين يطالب فيه الشيوخ المريدين بالتسليم لهم، حتى قالوا إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله. وهذا الاستهواء هو الذي لجأ إليه فرعون مع قومه، وأشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: فاستخف قومه فأطاعوه.
أيضًا التفسير عندهم له وجوه ظاهرة وباطنة، والجميع معتبر. قال أبو عبد الله كما يزعمون: إن قومًا آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئًا، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا باطن إلا بظاهر.
ولهذا يلاحظ أن بعض تفاسير الشيعة لم تذكر هذا التأويل أو ذاك، وإنما ذكرت ما ظهر من الآية الذي قد يوافق اللغة أو ما جاء عن السلف. وليس معنى ذلك أنهم رافضون للتأويل الباطني، لكن بعضهم قد يكتفي بالظاهر أو بالباطن، أو يذكر الوجهين جميعًا؛ لأن رواياتهم جاءت على هذا المنهج.
مثلًا في تفسير قوله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم، في تفسيره الظاهر المعروف عندهم: حلق الشعر، وقص الأظفار، وأشباه ذلك. لكن في تفسير آخر باطني: ثم ليقضوا تفثهم لقاء الإمام، وليوفوا نذورهم تلك المناسك. قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك، قول الله عز وجل: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم؟ قال: أخذ الشارب، وقص الأظفار، وما أشبه ذلك. قلت: جعلت فداك، إن ذريحًا المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: ثم ليقضوا تفثهم لقاء الإمام، وليوفوا نذورهم تلك المناسك. فقال: صدق ذريح، وصدقت أنا. يعني هو يثبت التفسيرين جميعًا. وقال: إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح.
ففيه كلام يقال للعامة، وهناك كلام يقال للخاص ممن يحتمل هذا – في زعمهم. وإذا كان الأئمة يضنون بهذا العلم الباطني، ويتحاشون ذكره عند شيعتهم إلا من كان على مستوى ذريح، فلماذا خالفت كتب الاثني عشرية نهج أئمتهم وأشاعت هذا العلم المضنون به على غير أهله، للخاص والعام؟ فتفسير القرآن ليس فيه تفسير سري للخواص، وتفسير ظاهري يضحك به على العوام. فهذا من الضلال المبين.
ولا شك أن هذه التأويلات الباطنية هي من الإلحاد في آيات الله سبحانه وتعالى وفي كتابه، كما قال عز وجل: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا. قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام في غير موضعه، وذلك بالانحراف في تأويله. قال في الإكليل: ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه ظاهر اللفظ، كما يفعله الباطنية والاتحادية والملاحدة. فهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها، وإن كتموا كفرهم وتستروا بالباطل، فإنهم لا يخفون على الله.
وأيضًا هذه التأويلات الكاذبة التي اخترعها الرافضة والتحريفات ربطوها بآل البيت، وآل البيت قطعًا براء من هذا الضلال، لكي تحظى بالقبول عند الناس. ولأنها تأويلات غير معقولة قالوا إن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي. نسب هذا القول لجعفر الصادق، كما يروي ذلك جابر الجعفي، أنه قال له: يا جابر، إن للقرآن بطنًا ولبطنه بطن، ثم قال: وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه، إن الآية لينزل أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه.
وكما ذكرنا، قامت مصادرهم في التفسير غالبًا على هذا المنهج الباطني في التأويل، الذي تلقته من أبي الخطاب وجابر الجعفي والمغيرة بن سعيد وغيرهم من الغلاة. وبعض علمائهم كَالطوسي ألَّف كتابًا في التفسير، كان يذكر فيه أساسًا أقوال أهل السنة، إما أن هذا نوع من المداراة والتقية، وإما أنه استسخر فئته وشيعته في تحريف آيات القرآن ونزه نفسه عنها، فاعتمد على تفسيرات أهل السنة في التبيان. ويقول بعضهم في شأنه إن التقية حملته على الاقتصار على كلام أهل السنة، فهي التي جعلته لا يذكر التأويلات الباطنية.
فإذا يتبين أن كتاب التبيان للطوسي وضع على أسلوب التقية، أو يكون صدر عن اقتناع عقلي بسخف ما عليه القوم من تحريف لمعاني القرآن، وربما كان قد تأثر بنزعة معتدلة لاختلاطه مع بعض علماء السنة في بغداد. ولذلك يعتبرون تفسير الطوسي ومن سار على منهاجه أنه إنما أُلِّف للخصوم، أي لأهل السنة، كنوع من التقية.
إذًا التقية أسهمت في تكريس الغلو عند هذه الطائفة، وأسهمت في وأد كل صوت عاقل ورأي معتدل، بحمله على التقية؛ لأنه يوافق ما عند أهل السنة. فبقيت هذه الطائفة في دائرة مغلقة، جعلت من التقية حصنًا تلجأ إليه كلما هبت عليها نسمات الإصلاح. تقول لهم: واحد من علمائكم كتب كذا، يقول لك: دي التقية. أئمتكم في رواياتهم قالوا كلامًا يوافق الحق، يقول: كان بيقوله تقية! فبالتالي يصعب جدًا أن يحصل تأثر برياح التغيير أو الاعتدال.
ونفس الشيء طبعًا حصل في مجمع البيان للطبرسي. وعلى أي حال، أنا أعلم أن الكلام ممل؛ لأنه يؤذي القلب أن نسمع مثل هذا الإلحاد، وأن نمضي جلسة كاملة في ذكر هذا، لكن نضطر إلى ذكر الأدلة المفصلة بحيث لا نحتاج إلى تكرار ذلك فيما بعد؛ لأن هذا كله – بلا استثناء – منسوب وموثق بأمانة من مصادرهم المعتبرة والمقدسة عندهم.
فهذا فيما يتعلق بموقف الشيعة من تأويل القرآن الكريم وتحريف ألفاظه ومعانيه، مما يوضح أن هذا دين آخر غير دين الإسلام. والموضوع الذي يأتي فيما بعد أخطر الموضوعات على الإطلاق، وهو: هل الشيعة تقول بأن في كتاب الله نقصًا أو تغييرًا؟ هل هم يعتقدون بحفظ القرآن الكريم كما تعهد الله بحفظ هذا الكتاب، أم أنه طرأ عليه نقص أو تغيير أو تحريف كما يزعم أناس منهم؟ هذا هو الموضوع القادم إن شاء الله تعالى، نتناوله يوم السبت إن شاء الله في مسجد أبي حنيفة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
الثلاثاء PM 02:35
2026-04-21 - 208



