المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1903013
يتصفح الموقع حاليا : 406

البحث

البحث

عرض المادة

بم يذكرنا الرسل ؟

بم يذكرنا الرسل ؟

 

الشيخ محمد إسماعيل المقدم

بما يذكرنا الرسل، لقد جعل الله تعالى من وظيفة الرسل أنهم يذكرون الناس، ومن معاني هذا التذكير: تذكيرهم بالعهد القديم، الميثاق الذي أخذه عليهم، والفطرة التي فطرهم عليها.

قال الله تعالى: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، وقال عز وجل: فذكر إنما أنت مذكر، وقال سبحانه: فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى، وأمر تعالى موسى وهارون عليهما السلام فقال: فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى.

وفي أحد وجوه تفسير قوله تعالى: بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون، روى ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: كل له قانتون مقرون بالعبودية.

وقد علق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: قلت: هذا إخبار عما فطروا عليه من الإقرار بأن الله ربهم، كما قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى، فإن هذه الآية بينة في إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها أن الله ربهم.

وقال صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة.

إلى أن قال شيخ الإسلام: وأيضًا فإن أكثر الناس غافلون عما فطروا عليه من العلم، فيذكرون بالعلم الذي فطروا عليه، وأصل الإقرار من هذا الباب، ولهذا توصف الرسل بأنهم يذكرون، ويصف الله تعالى آياته بأنها تذكرة وتبصرة، كما في قوله: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.

وقال أيضًا رحمه الله: والمقصود هنا أنه ليس في الرسل من قال أول ما دعا قومه: إنكم مأمورون بطلب معرفة الخالق، فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه، فلم يكلفوا أولًا بنفس المعرفة ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة، إذ كانت قلوبهم تعرفه وتقر به، وكل مولود يولد على الفطرة، لكن عرض للفطرة ما غيرها، والإنسان إذا ذكر ذكر ما في فطرته.

ولهذا قال الله تعالى في خطابه لموسى: فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر، ما في فطرته من العلم الذي به يعرف ربه، ويعرف إنعامه عليه وإحسانه إليه وافتقاره إليه، فذلك يدعوه إلى الإيمان، لعله يتذكر أو يخشى ما ينذره به من العذاب، فذلك أيضًا يدعوه إلى الإيمان.

كما قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فالحكمة تعريف الحق فيقبلها من قبل الحق بلا منازعة، ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب والترهيب، فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى اتباعه، فإن الحق محبوب في الفطرة، وهو أحب إليها وأجل فيها وألذ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له، فإن الفطرة لا تحب ذاك.

فإن لم يدعه الحق والعلم به، خوّف عاقبة الجحود والعصيان، وما في ذلك من العذاب، فالنفس تخاف العذاب بالضرورة، فكل حي يهرب مما يؤذيه بخلاف النافع.

وقال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: فالفطر مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له، والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره، فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملًا، ومفصلًا بعض التفصيل، فجاءت الرسل تذكرها بذلك، وتنبهها عليه، وتفصله لها، وتبينه، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة، المانعة من اقتفاء أثرها.

وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل، فإنها أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم، وهذا كله مركوز في الفطرة، وكمال تفاصيله وتبيينه موقوف على الرسل.

وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات، فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه، ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل، فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه عن العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها.

فالرسل تذكر بما في الفطر، وتفصله وتبينه، ولهذا كان العقل الصريح موافقًا للنقل الصحيح، والشرع مقابلًا للفطرة، يتصادقان ولا يتعارضان.

وقال أيضًا رحمه الله: ثم بعث الرسل مذكرين به، ولهذا يقول تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقال عز وجل: فذكر إن نفعت الذكرى، وقال سبحانه: فذكر إنما أنت مذكر، وقال تبارك وتعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين، وهو كثير في القرآن.

ومفصل لما في الفطرة والعقل من العلم به جملة، فانظر كيف وجد الإقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في خلقه وأمره، المقتضي إثبات رسالة رسله ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كل هذا تراه مودعًا في الفطرة، مركوزًا فيها، فلو خليت على ما خلقت عليه، ولم يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه، لأقرت بوحدانيته ووجوب شكره وطاعته، وبصفاته وحكمته في أفعاله، وبالثواب والعقاب.

ولكنها لما فسدت وانحرفت عن المنهج الذي خلقت عليه أنكرت ما أنكرت، وجحدت ما جحدت، فبعث الله رسله مذكرين لأصحاب الفطر الصحيحة السليمة، فانقادوا طوعًا واختيارًا ومحبة وإذعانًا، بما وجدوا من شواهد ذلك في قلوبهم، حتى إن منهم من لم يسأل عن المعجزة والخارق، بل علم صحة الدعوة من ذاتها، وعلم أنها دعوة حق، برهانها فيها.

وبعث الله رسله معرّفين ومقيمين البينة على أصحاب الفطر الفاسدة، لئلا تحتج على الله بأنه ما أرشدها ولا هداها، فيحق القول عليها بإقامة الحجة، فلا يكون سبحانه ظالمًا لها بتعذيبها وإشقائها.

وقد بين ذلك سبحانه في قوله: إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين.

فتأمل كيف ظهرت معرفة الله والشهادة له بالتوحيد، وإثبات أسمائه وصفاته ورسالة رسله والبعث للجزاء، تأمل كيف ظهرت مستورة مثبتة في الفطرة، ولم يكن ليعرف بها أنها ثابتة في فطرته، فلما ذكرته الرسل ونبهت عليه، رأى ما أخبروه به مستقرًا في فطرته، شاهدًا به عقله، بل وجوارحه ولسان حاله، وهذا أعظم ما يكون من الإيمان، وهو الذي كتبه سبحانه في قلوب أوليائه وخاصته، فقال: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان.

ومن رحمة الله تعالى بعباده ألا يؤاخذهم بمقتضى معرفة الفطرة وحدها، بل أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا.

فجاءت الرسل تذكر الناس بميثاقهم الأول مع ربهم وخالقهم، وشهادتهم على أنفسهم بربوبية الله وتوحيده وإخلاص العبادة له، فانقطعت بهذا أعذارهم التي يمكن أن يحاجوا بها عند الله يوم القيامة، كما قال تعالى: رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

  • الاحد PM 03:25
    2026-04-26
  • 10
Powered by: GateGold