المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1903467
يتصفح الموقع حاليا : 399

البحث

البحث

عرض المادة

وجوب درء الفتنة قبل أن تستفحل

د / احمد نصير

وجوب درء الفتنة قبل أن تستفحل

تحديد من يجب جهادهم بعد "بدر" والاجراءات الواجب اتباعها معهم

 

قال تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) (59)

 

قوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) ذم الله تعالى الكفر المجرد وجعله هو والشر قرينان ، فإذا حصل الكفر فلابد وأن يقترن به الشر ، وإذا وجد الشر فلابد وأن يسبقه نوع من الكفر وعدم الإيمان بالله ، روي عن أبي الدرداء أنه قال (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)[1]، وفي رواية (لا إيمان لمن لا أمان له ولا دين لمن لا عهد له)[2].

 

وقد بدا الشر من إيذائهم رسول الله r وهو رسول الله وزعيم المسلمين ، وتحريض القبائل عليه ، حتى أنه اشتكى من أذى المحرض الأكبر لهم ، فقال (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، فقد كان من يهود بني نضير ، وكان يتحصن في حصنه بالمدينة ، وقد عاينت حصنه على الخريطة فوجدته يبعد عن المسجد النبوي مسافة 6 كيلومتر ، وبينه وبين مسجد قباء مسافة ثلاثة كيلو متر وخمسمائة متر .

 

 

 وقد بدا شره وآذاه في أربعة أمور أساسية :-

 

أولا : التحريض على قتال المسلمين بعد بدر ونعي قتل المشركين ، وذلك من خلال قصائده ، قال بن كثير لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر .. قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها ، فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج إلى مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت أسيد بن  أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على قتال رسول الله r ينشد الأشعار ، ويندب من قتل من المشركين يوم بدر)[3]

 

فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها:-

طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع * قتلت سراة الناس حول حياضهم

لا تبعدوا إن الملوك تصرع     كم قد أصيب به من أبيض ماجد
ذي بهجة يأوي إليه الضيع     طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت
حمال أثقال يسود ويربع     ويقول أقوام أسر بسخطهم
إن ابن الأشرف ظل كعبا يجزع     صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا
ظلت تسوخ بأهلها وتصدع     صار الذي أثر الحديث بطعنه
أو عاش أعمى مرعشا لا يسمع     نبئت أن بني المغيرة كلهم
خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا     وابنا ربيعة عنده ومنبه
ما نال مثل المهلكين وتبع     نبئت أن الحارث بن هشامهم
في الناس يبني الصالحات ويجمع     ليزور يثرب بالجموع وإنما
يحمى على الحسب الكريم الأروع

 

ثانيا : مخابرته مع قريش خلافا للعهد الذي أبرمه مع النبي r ألا يقاتل ولا يظاهر عليه أحدا ، فقد أثبت أهل السير أنه ارتحل إلى مكة في سبعين راكباً من يهود، ونزلوا على أبي سفيان بن حرب فرحب بهم وأكرمهم، ورأى بمقدمهم فرصة مواتية ليثبت قريشاً على عدائها لمحمد ودين محمد، فعقد لليهود مجلساً في ملأ من قريش وأحلافهم، وقال لهم أبو سفيان : والناس تسمع: يا معشر يهود، إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردتم أن نحالفكم ونقاتل محمداً معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما! ففعلوا.. وحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين)[4] ، ولعل هؤلاء الذي نزل فيهم قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) (النساء 51)[5]

 

ثالثا : سعيه لتوحيد اليهود لمحاربة النبي r واستمالتهم بالمال

سعى كعب إلى توحيد صفوف يهود المدينة (بني النضير وبني قينقاع) مع مشركي مكة كجبهة واحدة، وكان التمويل المالي عاملاً رئيساً في هذه الاستمالة ، وقد وبدأت حملته بإقناع يهود بني قينقاع  على الخيانة ، وكان اختيار كعب لهم لأنهم كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود)[6].

وذكر ابن إسحق عن عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله r لما قدم المدينة وادعته اليهود وكتب عنه وعنهم كتاباً، وألحق كل قوم بحلفائهم، وشرط عليهم فيما شرط أن لا يظاهروا عليه أحداً. فلما قدم رسول الله r من بدر أتاه بنو قينقاع، فقالوا له: يا محمد لا يغرك من نفسك أن نلت من قومك ما نلت، فإنه لا علم لهم بالحرب، أما والله لو حاربتنا لعلمت أن حربنا ليس كحربهم وأنا لنحن الناس)[7].

 

يروي أهل السير أن كعب كان طويلا جسيما ذا بطن وهامة وكان شاعرا مجيدا وقد كان ساد يهود الحجاز بكثرة ماله ، وكان يعطى أحبار اليهود ويصلهم .. فجاءه أحبار يهود من بني قينقاع وبني قريظة لأخد صلته على عادتهم –أي لأخذ الأموال منه - فقال لهم ما عندكم من أمر هذا الرجل؟ يعني النبي r قالوا هو الذي كنا ننتظر ما أنكرنا من نعوته شيئا –يعني أوصافه كما في التوراة عندهم أنه هو نبي آخر الزمان - فقال لهم (قد حرمتم كثيرا من الخير) أي لم يعطهم مالا ، (فارجعوا إلى أهليكم فإن الحقوق في مالي كثيرة) أي غضب من مقالتهم وأمرهم بالرجوع دون أن يأخذوا عطية ليعيدوا التفكير في شأن النبي محمد r فيكذبوه

(فرجعوا عنه خائبين ثم رجعوا إليه قالوا له أنا أعجلناك فيما أخبرناك به ، ولما استثبتنا علمنا أنا غلطنا وليس هو المنتظر) أي أنهم غيروا قولهم في شأن النبي محمد r لأجل المال الذي يأخذونه من كعب بن الأشرف ، (فرضي عنهم ووصلهم وجعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئا من ماله)[8]

 

رابعا : التعرض بالغزل الفاحش لنساء المؤمنين ، لاسيما أشعاره بحق أم الفضل بن الحارث

أَراحِلٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ  ..وَتارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ

صَفْراءَ رادِعَةً لَوْ تُعْصَرُ اعْتُصِرَتْ ..مِنْ ذِي الْقَوارِيرِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ

يَرْتَجُّ ما بَيْنَ كَعْبَيْها وَمَرْفِقِها..إِذا تَأَنَّتْ قِياماً ثُمَّ لَمْ تَقُمِ

أَشْباهُ أُمِّ حَكِيمٍ إِذْ تُواصِلُنا ..وَالْحَبْلُ مِنْها مَتِينٌ غَيْرُ مُنْجَذِمِ

إِحْدَى بَنِي عامِرٍ جُنَّ الْفُؤادُ بِها ..وَلَوْ تَشاءُ شَفَتْ كَعْباً مِنَ السَّقَمِ

فَرْعُ النِّساءِ وَفَرْعُ الْقَوْمِ والِدُها ..أَهْلُ التِّحِلَّةِ وَالْإِيفاءِ بِالذِّمَمِ

لَمْ أَرَ شَمْساً بِلَيْلٍ قَبْلَها طَلَعَتْ ..حَتَّى تَجَلَّتْ لَنا فِي لَيْلَةِ الظُّلَمِ

 

قوله (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) أي (أصروا على الكفر ولجوا فيه ، فلا يتوقع منهم إيمان)[9]، ويستتبع ذلك أن ينتفي عنهم الوفاء بالعهد مستقبلا ، لأن الكافر لا عهد له إلا مؤقتا ، فإذا استمكن من المسلم لم يوف بعهده .

 

وقد دعا النبي r يهود المدينة للإسلام بعدما أظهرت القرائن غضبهم من انتصاره في بدر ، واستعدادهم لخيانته ،والتآمر عليه ، فكانت دعوته لهم للإسلام باعتباره الخيار الأخير لحقن دمائهم بعدما بدت خيانتهم ، ونقضهم للعهد ، روي أهل السير (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ r إلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا، فَوَاَللّهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللّهُ بِكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ . فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ لَا يَغُرّنّكَ مَنْ لَقِيت، إنّك قَهَرْت قَوْمًا أَغْمَارًا . وَإِنّا وَاَللّهِ أَصْحَابُ الْحَرْبِ وَلَئِنْ قَاتَلْتنَا لَتَعْلَمَنّ أَنّك لَمْ تُقَاتِلْ مِثْلَنَا) [10].

قوله (الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) (55-56) الآية وإن كانت عامة في الذين كفروا بالله ، فإنها كذلك مخصصة بمن ينقض عهده منهم مع المسلمين ، حيث لا يراعون عهدا ولا ذمة ، فهي تومئ بالإشارة إلى فعل أهل الكتاب من يهود المدينة ، وهذا شأنهم قبل الإسلام وبعده ، قال تعالى (أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) (البقرة/100) ، قال الواحدي (وذلك أنَّهم نقضوا عهد رسول الله r ، وأعانوا عليه مشركي مكَّة بالسِّلاح-أي بين بدر وأحد- ، ثمَّ اعتذروا وقالوا : أخطأنا ، فعاهدهم ثانيةً ، فنقضوا العهد يوم الخندق)[11].

فهؤلاء الكفار وإن أرادوا سلما وعهدا مع المسلمين ، فإنهم ليس لديهم مقدرة علي أن يفرضوا هذا العهد على كل فرقهم وشيعهم ، فتجد بعض فرقهم يخرقون العهد ، فلا أمان لهم ولا عهد ، وهم الذين التفت إليهم النبي r بعد غزوة "أحد" ، وقد رأى من خيانتهم ما رأى.

 

فالآية تحذر النبي r من الفرق اليهود التي كانت تعيش معه في المدينة ، قال ابن القيم (لما قَدِمَ النبُّى r المدينَة.. صالح يهودَ المدينةِ ..، وكانوا ثلاثَ طوائفَ حولَ المدينة: بنى قَيْنُقَاع، وبنى النَّضير، وبنى قُريظة) لكنهم نقضوا عهده جميعا ، فكان أولهم نقضا يهود بني قينقاع ثم يهود بني النضير بعد بدر بستة أشهر ، ثم يهود بني قريظة بعد غزوة الأحزاب ، وحاربوه فاحربهم[12] .

 

إذن بدرت منهم الخيانة الواحد تلو الآخر :- ويمكن تقسيمها على مرحلتين الأولى بعد بدر وقبل أحد ، فهي تتحدث عن ظاهرة عامة ، وهي ظاهرة نقض الميثاق ، وعدم احترام العهود والاتفاقيات الدولية أو الأممية .

وقد حصل ذلك من كعب بن الأشرف كما تقدم ، كفرد من قبيلة ، وحصل ذلك كذلك من بني قينقاع كقبيلة وليس كفرد ، فجاء العقاب من النبي r بقتل كعب بن الأشرف دون مساس بقبيلته ، وإجلاء بني قينقاع من المدينة بعدما ثبتت خيانتها كقبيلة

 

والثانية بعد أحد حتى غزوة الأحزاب : ونخص بالذكر خيانة بني قريظة للنبي r ، لكن أحداث هذه السورة تدور حول غزوة بدر ، ولا غرو أن تتناول أحداثا سوف تقع في المستقبل من ذات الأشخاص ، فهم خانوا من قبل وسوف يخونون بعد دون حاجة إلى تفصيل سبب الخيانة ومقدارها .

 

فأما في المرحلة الأولى بعد بدر وقبل (أحد) : فإنه يتراءى لي من قراءة سيرة النبي r أنها نزلت بشأن كعب بن الأشرف وخيانة بني قينقاع وبني نضير ، حيث أمر النبي r باغتيال كعب بن الأشرف الذي حرض قبائل اليهود على النبي r ، فتم قتله في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة (3 هـ)، وذلك بعد غزوة بدر العظمى، وتحديداً بعد نحو 14 ليلة من الشهر وفقاً لرواية الواقدي.

 

فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ قُلْ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ (إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً) يعني أن محمد بن مسلمة اشتكى إلى كعب بن الأشرف – من باب الخداع – أن محمد رسول الله r يطلب منهم صدقة أي زكاة أمالهم يدفعوها للفقراء ، قال (وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ) أي أنهم ليس لديهم مال فسألوا كعب بن الأشرف أن يسلفهم مالا يؤدونه لمحمد حتى يتمكنوا من سداد دين الصدقة إلى حين تنضج زراعتهم ويبيعون ويحصدون ويسددون دينه .

قَالَ (وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ) أي قال لهم كعب لتتركونه ولا تدفعوا له شيئا

قَالَ (إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ ) أي لا نريد نقض العهد معه لعله ينتصر فننتصر معه ، ويعز شأنه فنعتز بعزه

قال (وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ.. فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ) أي أرادوا أن يستلفوا من كعب بهذا المقدار

فَقَالَ (نَعَمِ ارْهَنُونِي) أي وافق على القرض بضمان الرهن

 قَالُوا (أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟) قَالَ (ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ) قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ، قَالَ (فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ) ، قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ ، (فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ) أي اتفقا على القرض بضمان السلاح .

فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ

 فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ قَالَ إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ (ما يعني ثقة كعب بن الأشرف فيهما)

قَالَ الراوي (وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ .. فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ ) أي وضعوا معا خطة قتله بعد الاقتراب منه لشم رائحة رأسه

( ثُمَّ أُشِمُّكُمْ) ، يعني ثم يدعوهم لأن يشموا رائحة رأسه –هم كذلك - فيقتربون منه فيكونون كثرة عليه فيقتلوه

(فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ) أي نزل إليهم كعب الأشرف في زينته متبخترا يعطر ريحا طيبا

 فَقَالَ (مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ) وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَ (عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ)

 قَالَ عَمْرٌو فَقَالَ (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ) قَالَ (نَعَمْ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ) ثُمَّ قَالَ (أَتَأْذَنُ لِي) قَالَ (نَعَمْ) ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ (دُونَكُمْ) ، فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ r فَأَخْبَرُوهُ)[13]

 

وكذلك مثله قتل أبي حقيق ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ)[14]

 

وأما حادثة إجلاء بني قينقاع ، فقد حصلت خيانة يهود بني قينقاع ونقضهم للعهد مع النبي r في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة، أي بعد وقت قصير من غزوة بدر. تُعد هذه الحادثة أول خيانة يهودية للمسلمين في المدينة، حيث اعتدوا على امرأة مسلمة في سوقهم وقتلوا رجلاً مسلماً انتصر لها، مما أدى إلى حصارهم 15 يوماً وإجلائهم.

فعَنْ ابْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ قَالَ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ r الْمَدِينَةَ ، وَادَعَتْهُ يَهُودُ كُلّهَا، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كِتَابًا. وَأَلْحَقَ رَسُولُ اللّهِ r كُلّ قَوْمٍ بِحُلَفَائِهِمْ وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانًا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا، فَكَانَ فِيمَا شَرَطَ أَلّا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوّا. فَلَمّا أَصَابَ رَسُولُ اللّهِ r أَصْحَابَ بَدْرٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ ، بَغَتْ يَهُودُ وَقَطَعَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ r الْعَهْدِ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ r إلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا، فَوَاَللّهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللّهُ بِكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ . فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ لَا يَغُرّنّكَ مَنْ لَقِيت، إنّك قَهَرْت قَوْمًا أَغْمَارًا . وَإِنّا وَاَللّهِ أَصْحَابُ الْحَرْبِ وَلَئِنْ قَاتَلْتنَا لَتَعْلَمَنّ أَنّك لَمْ تُقَاتِلْ مِثْلَنَا. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ وَنَبْذِ الْعَهْدِ جَاءَتْ امْرَأَةٌ نَزِيعَةٌ  مِنْ الْعَرَبِ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَتْ عِنْدَ صَائِغٍ فِي حُلِيّ لَهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ مِنْ وَرَائِهَا وَلَا تَشْعُرُ فَخَلّ  دِرْعَهَا إلَى ظَهْرِهَا بِشَوْكَةٍ فَلَمّا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بَدَتْ عَوْرَتُهَا فَضَحِكُوا منها. فقام إليه رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاتّبَعَهُ فَقَتَلَهُ فَاجْتَمَعَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَتَحَايَشُوا فَقَتَلُوا الرّجُلَ وَنَبَذُوا الْعَهْدَ إلَى النّبِيّ r وَحَارَبُوا، وَتَحَصّنُوا فِي حِصْنِهِمْ. فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ r فَحَاصَرَهُمْ فَكَانُوا أَوّلَ مَنْ سَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ r وَأَجْلَى يَهُودَ قَيْنُقَاعَ وَكَانُوا أَوّلَ يَهُودَ حَارَبَتْ)[15].

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : ( كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي قَيْنُقَاع َ أَنّ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ لَهَا ، فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِهَا ، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا ، فَأَبَتْ فَعَمِدَ الصّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا ، فَلَمّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ سَوْأَتُهَا ، فَضَحِكُوا بِهَا ، فَصَاحَتْ . فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصّائِغِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ يَهُودِيّا ، وَشَدّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ فَوَقَعَ الشّرّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ)[16] .

 

وكذلك حادثة إجلاء بني نضير : بوب البخاري بَابا بعنوان (حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ) وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ r إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ r قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا)[17] ، وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ .

وملخص القصة من بدايتها أن النبي r ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، فجلس النبي r إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك، فانصرف عنهم مسرعاً إلى المدينة ثم أمر بحصارهم فنزلوا على الصلح)

 

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ r إلَى بَنِي النّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ اللّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ ، لِلْجِوَارِ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ r عَقَدَ لَهُمَا ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ . فَلَمّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ r يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا : نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ نُعِينُك عَلَى مَا أَحْبَبْت ، مِمّا اسْتَعَنْت بِنَا عَلَيْهِ ، ثُمّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ فَقَالُوا : إنّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ - وَرَسُولُ اللّهِ r إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ - فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ عَمْرَو بْنَ جِحَاش بْنِ كَعْبٍ أَحَدُهُمْ فَقَالَ أَنَا لِذَلِكَ فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ وَرَسُولُ اللّهِ r  فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ ، رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ .

فَأَتَى رَسُولَ اللّهِ r الْخَبَرَ مِنْ السّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمّا اسْتَلْبَثَ النّبِيّ r أَصْحَابَهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ " رَأَيْته دَاخِلًا الْمَدِينَةَ " . فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ r حَتّى انْتَهَوْا إلَيْهِ r فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ r بِالتّهَيّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالسّيْرِ إلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ سَارَ النّاسُ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ فَحَاصَرَهُمْ سِتّ لَيَالٍ  [18] .

 

ويبدو أن قصة خيانتهم لم تقتصر على ذلك ، بل كادوا للنبي r مكيدة أخرى ، ولكن الله كشفها له ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ r فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r لَقِيَهُمْ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ الْمَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ r تَفَرَّقُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فَكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمْ النَّبِيَّ r أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ فَقَصَّ خَبَرَهُمْ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ r بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُونَ عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا عَلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا فَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ r خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا فَقَالَ (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) ، يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَأَعْطَى النَّبِيُّ r أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوِي حَاجَةٍ لَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْصَارِ غَيْرِهِمَا وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ r الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)[19]

 

  أما خيانة بني قريظة : فكانت في غزوة الأحزاب ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم) قال : (قريظة يوم الخندق مالأوا على محمد r أعداءه)[20] .

 وقد حصلت من سيد قريظة كعب بن أسد القريظي وأصحابه ، عاهدهم الرسول أن لا يمالئوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح في غزوة الأحزاب وحالفهم سرا)[21] ، وفيهم نزل قوله تعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) (الأحزاب26) قال بن كثير (لما قدمت جنود الأحزاب، ونزلوا على المدينة، نقض بنو قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله r من العهد، وكان ذلك بسفارة حُيَيّ بن أخطب النَّضَري -لعنه الله -دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك، قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه. فقال له كعب: بل والله أتيتني بذُلِّ الدهر. ويحك يا حيي، إنك مشؤوم، فدعنا منك. فلم يزل يفتل في الذِّروة والغَارب حتى أجابه، واشترط له حُيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم).

 

قوله (..وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ) (56) قال الزمخشري (شر الناس الكفار ، وشر الكفار المصرون منهم على الكفر فهم لا يؤمنون ، وشر المصرين الناكثون للعهود ، وشر الناكثين الذي يغدرون بجراءة ولا يبالون (وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) قال (لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون ما فيه من العار والنار)[22].

 

قوله (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (57) قال الشوكاني (ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة)[23]، أي افعل بهم الأفاعيل حتى يخاف من دونهم ، قال الواحدي أي (افعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم)[24] ، وذلك بقصد تحقيق الردع العام ، والزجر لغيرهم لأن الخائن لو رأى عقوبة الخائنين مثله لما وقع في الخيانة ، ولكنه استخف بالأمر فخان لما أمن العقاب واغتر بالعفو والسماحة ، قال أبو حيان أي (فإن تظفر بهم في الحرب وتتمكن منهم اقتلهم قتلاً ذريعاً حتى يفرّ عنك من خلفهم ويتفرّق)[25]، وقال الشعراوي (حتى لا يفكر في مساندتهم من جاءوا خلفهم لينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال ، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة)[26].

 

فهؤلاء تطبق عليهم أحكاما خاصة بالخائنين ، فلا يستفيدوا من أحكام الأسرى بشئ ، كما هو واردة في سورة الإنسان ، ولا يجوز العفو عنهم ، لأن من السياسة الشرعية أنه (إذا عجز الحاكم أن يتملأ قلوب الناس حياء ، فعليه أن يملأ ما فرغ منها خوفاً، وليس ذلك بأن يحمل العقوبة على من لا يستحقها ، ولكن بتعجيلها لمن يستحقها ) ، وفي هذا المعنى قال الله تعالى "فشرد بهم من خلفهم" (الأنفال:57) ، لأن العفو يكون - هنا – مفسدة)[27].

 

فهؤلاء كانوا أصحاب عهود ولكنهم نقضوها ، فتكون عقوبتهم ردعا للباقين ، قال طنطاوي (والمراد بـ "من خلفهم" : أي كفار مكة وغيرهم من الضالين ، أى : افعل باليهود ما يخوف كفار مكة)[28] ، وقال الواحدي (فافعل بهم فعلاً من التَّنكيل والعقوبة يفرق به جمعُ كلِّ ناقضِ عهدٍ ، فيعتبروا بما فعلت بهؤلاء ، فلا ينقضوا العهد)[29] ، قال الهراسي (المقصود من التنكيل زجر من سواهم)[30].

 

وقد يتمهل الإمام في عقابهم – من باب السياسة - حتى يعترفوا بمن خلفهم ، فيجوز أن يمد أسرهم بقدر الوصول إلى من خلفهم ، وله أن يستدرك من وراءهم في فخه ، ثم يعقابهم عقابا ينزجز من وقع في مصيبتهم ممن لم يقعوا في الأسر مثلهم أو ممن خلفهم.

والسيرة النبوية شاهدة على أن النبي r فرق شمل يهود بني النضير ، وكذا بني قريظة وشردهم ، ومن بقي منهم ذهب إلى خيبر ، فغزاهم النبي r في خيبر ، فلم تقم لهم بعد ذلك قائمة :-

فأما تشريد بني النضير ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (حَرَّقَ النَّبِيُّ r نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ)[31] ، وفيهم نزل قول الله تعالى (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)(الحشر/5)

وانتهت الواقعة بإجلائهم (جلاء بني النضير) عن المدينة المنورة، وسمح لهم بحمل ما تنقله إبلهم من متاع باستثناء السلاح، فنزلوا خيبر وأذرعات[32].

وَأَجْلَى النّضِيرَ إلَى غُرْبَةٍ ... وَكَانُوا بِدَارٍ ذَوِي زُخْرُفِ

إلَى أَذْرِعَاتٍ رُدَافَى وَهُمْ ... عَلَى كُلّ ذِي دَبَرٍ أَعْجَفِ[33]

أجلى النضير: أي طرد وأخرج قبيلة بني النضير من ديارهم (إلى غربة: (أي إلى خارج ديارهم (المدينة) إلى أماكن نائية وبعيدة ، (وكانوا بدارٍ ذوي زخرف): يصف حالهم السابق، حيث كانوا يسكنون حصوناً ومنازل مزينة ومريحة في المدينة (بدار ذوي زخرف)، فبدلوا النعيم بالخروج. 

(إلى أذرعات): هي مدينة في الشام (حوران حالياً)، وهي المكان الذي نُفي إليه بنو النضير.

(ردافى): أي ركاباً (ركب كل اثنين على دابة واحدة) لقلة الدواب أو لسرعة الخروج.

(على كل ذي دبرٍ أعجف): يصف مشهد الرحيل بضعف وهوان، فالدواب التي يركبونها "أعجف" (هزيلة ونحيفة) ولها "دبر" جروح في ظهورها من شدة الحمل والركوب.

قال ابن إسحاق: (فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الأبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وحيى بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها)[34].

 

 وأما تشريد بني قريظة ، فقال ابن الجزي في قوله (فشرد بهم من خلفهم) (يريد بني قريظة)[35] ، ذلك أنه بعد غزوة الخندق علم النبي r بخيانة بني قريظة له ، وتحالفهم مع الأحزاب عليه ، فلم ينته من حربه للأحزاب بالخندق حتى توجه إليهم ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ r مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r إِلَيْهِمْ ) [36].

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ (أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ r إِلَيْهِ فَجَاءَ فَقَالَ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ خَيْرِكُمْ فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ r فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ فَقَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ)[37] .

 

وأعجبني في هذا الصدد تعليق الدكتور راغب السرجاني على موقف النبي r من يهود بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته (قريظة) أول الأمر ، فقال (هناك تعليقان على هذا الموقف: -

 

التعليق الأول: أن الرسول r قتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته، بينما أخرج قبيلة بني قينقاع بكاملها عندما خالفت، فالفرق بين الموقفين: أن قبيلة بني قينقاع أولاً كانت تجاهر بالعداء كقبيلة، والموقف بعد بدر كان واضحاً، وصراعها مع الرسول r كان معلناً، بينما قبيلة بني النضير لم تجاهر بهذا العداء إلى هذه اللحظة، بل بعد قتل كعب بن الأشرف جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تقر العهد وتطيل المدة.

التعليق الثاني على موقف بني قينقاع وموقف كعب بن الأشرف: هو وضوح مدى الانحراف الجنسي عند اليهود، ومدى إثارة الغرائز واستخدام ذلك للإفساد في الأرض، ففي قصة المرأة المسلمة حاولوا أولاً كشف وجهها، ثم بعد ذلك كشفوا عورتها، وفي قصة كعب بن الأشرف أخذ يتحدث عن نساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين بالفاحشة[38]

فموقف اليهود قديما وحديثا أشبه بموقف الشيطان لما هبط آدم إلى الأرض ، قال تعالى (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا ) (الأعراف 27) .

 

ثم أجلاهم النبي r جميعا بعد ذلك لما ثبتت خيانتهم ، الواحد تلو الآخر ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ حَارَبَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ r فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ)[39].

 

أما يهود خيبر : فقد انتبه النبي r إليهم بعد غزوة الأحزاب ، وفيهم نزل قول الله تعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (27) فكانت الأرض التي أورثهم الله ولم يطئوها هي أرض خيبر

وسبب الغزوة  بسبب تآمر يهود خيبر -وخاصة يهود بني النضير الذين أجلاهم النبي من المدينة- المستمر ضد المسلمين، فقد كانوا هم العقل المدبر والمحرضين للقبائل العربية كي تتحزب ضد رسول الله r ، في غزوة الخندق، يشهد لذلك أن أبا هشام بوب بابا بعنوان [ النّفَرُ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ ] ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَبَنْي قُرَيْظَةَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَسِلَامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ أَبُو رَافِعٍ وَالرّبِيعُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَبُو عَمّارٍ وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ ، فَأَمّا وَحْوَحُ بَنِي وَائِلٍ وَكَانَ سَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النّضِيرِ ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا : هَؤُلَاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوّلِ فَسَلُوهُمْ دِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمّدٍ ؟ فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا : بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمِمّنْ اتّبَعَهُ ، فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ)[40].

 

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : (وَكَانَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ ، مِنْ أَشَدّ يَهُودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا ، إذْ خَصّهُمْ اللّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ r وَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدّ النّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَا)[41] ، قال ابن إسحاق : فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمَا : ( وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

 

فلما ثبتت الخيانة منهم ، وقد خلص النبي r من الأحزاب 5 هـ ، وصالح أهل مكة في صلح الحديبية 6 هـ ، جعل أول همه التخلص من مشكلة اليهود الذين تجمعوا في خيبر وأضحوا بؤرة لتصدير الفتن في أقطار الجزيرة العربية ، فانطلق إليهم 7 ه بمن شهد معه الأحزاب دون من تخلف فيها ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ "فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ" فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ فَصَارَتْ صَفِيَّةُ-بنت حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ - لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا)[42]

 

قوله (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) (58) ، فيهود  المدينة من دلت القرائن على خيانتهم وغدرهم ، وقد ذكرنا أن في أمور السياسة الشرعية يؤخذ بالقرائن ولا يشترط الأدلة ، بخلاف أمور القضاء ، حتى وإن لم يملك الإمام دليلا لإدانتهم ، فأمور السياسة تجري فيها أحكام لا تجري في القضاء ، ليظل من يحظى بعهد المسلمين ممن يحظون بالثقة وحدهم ، أما من لم تكف جدارته للوفاء بالعهد ،فذلك الواجب رد عهده ، ونبذه عليه حتى يقدموا من الضمانات ما يكفل سلمه هو وقومه وعدم غدرهم وخيانتهم ، قال القرطبي (جاز إسقاط اليقين هنا ضرورة)[43]  .

 

فيجب علي الإمام - في كل الأحوال - أن يعلن من فقدوا أهلية الائتمان بعهد المسلمين ، وذلك قبل أن يبدأهم بقتال ، ولا يكفي ظهور أمارات الخيانة منهم حتى يقوم الإمام بحربهم دون أن يعلنهم بنبذ عهدهم ، لأن القرائن الظنية وحدها لا تقوم مقام الدليل الواحد وإن تعددت ، وفي إعلامهم بنبذ عهدهم معه منح الفرصة لهم لأن يعتذروا أو يعلنوا عن الخائن بينهم أو يقدموا الأدلة التي تنفي خيانتهم ، وهو الأمر الذي يضع الإمام خطر وهو ينظر مجددا في أمرهم ، فإما أن يجدد العهد معهم ، وإن عجزوا عن دفع الشبهة عن أنفسهم ، فعليه أن يخبرهم أنه في حل من عهدهم الذي بينه وبينهم .

 

أما في الفرض العكسي بحيث ظهرت الأدلة القطعية على خيانتهم ، فهنا الإمام لا يلتزم بإخبارهم بنقض العهد ، وقد نقضوهم هم ومعه الأدلة القطعية على ذلك ، بل يجوز أن يبدأهم بقتال ، قال حقي (واعلم أن النبذ إنما يجب على الامام إذا ظهرت خيانة المعاهدين بأمارات ظنية ، وأما إذا ظهر أنهم نقضوا العهد ظهورا مقطوعا به ، فلا حاجة إلى نبذ العهد ، كما فعل رسول الله r بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم فى ذمة النبى r)[44].

 

فعن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعا قالا كان في صلح رسول الله r يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فتواثبت خزاعة فقالوا نحن ندخل في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله r وعهده ليلا بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة فقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله r وأن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة إلى رسول الله r يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله r أنشده إياها

( اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا )

( كنا والدا وكنت ولدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا )

( فانصر رسول الله نصرا عتدا ... وادعوا عباد الله يأتوا مددا )

( فيهم رسول الله قد تجردا ... ان سيم خسفا وجهه تربدا )

( في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا )

( ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا )

( فهم أذل وأقل عددا ... قد جعلوا لي بكداء مرصدا )

( هم بيتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا ركعا وسجدا )

فقال رسول الله r نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله r إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب ، وأمر رسول الله r الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي عليهم قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم)[45] .

 

قوله (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ) (59) قيل : (نزلت فيمن أفلت من الكفار في بدر)[46] ، وقال ابن عطية (كقريش في بدر وغيرهم)[47] ، فالمعنى غير خاص بأحد بل يعم من أفلت من يهود بني نضير وغيرهم وراحوا إلى خيبر ، فهؤلاء جميعا قد يظنون أنهم نجوا من القتل والمحاسبة على خيانتهم ؟ قال ابن كثير أي: أيحسب هؤلاء أنهم (فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا)[48]أي (فإنهم لا يعجزون طالبهم بل لا بد من أخذهم) [49].

 

قال حقي (ولما أمر الله بنبذ العهد والتصريح به قبل المحاربة خطر بالبال أن يقال كيف نوقظ العدو ونعلمهم بطرح العهد إليهم قبل المحاربة مع أنهم إن علموا ذلك إما أن يتأهبوا للقتال ويستجمعوا أقصى ما يمكن لهم من أسباب القوة والغلبة أو يفروا ويتخلصوا ؟ وعلى التقديرين يفوت المقصود وهو الانتقام منهم ، فأزاح الله تعالى هذا المحذور بتلك الآية "إنهم لا يعجزون")[50] ، فالأمر من أوله لآخره مبني على التوكل على الله تعالى بالتماس الأسباب المشروعة ، لا بالتماس الأسباب التي يظنها الناس أنها فاعلية ، وهي في تقدير الشرع مهدورة ، بل الأسباب الفاعلة هي التي شرعها الله تعالى بوجوب إخبارهم عندما تتوافر القرائن على خيانتهم ، وعدم وجوب إخبارهم بنبذ العهد إذا قطعت الأدلة بخيانتهم وغدرهم ، وأنهم سبقوا إلى النقض والنبذ قبل المسلمين ، فالتزام الأخلاق الإسلامية في الحرب هو سبب النصر الحقيقي الذي هو من عند الله .

 

 

[1] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 423 وصححه الألباني موقوفا على أبي الدرداء ، صحيح الترغيب والترهيب  ج1 ص 139 رقم 575

[2] ) (أحمد ، وعبد بن حميد ، وأبو يعلى ، وابن حبان ، والطبرانى فى الأوسط ، والبيهقى ، والضياء عن أنس)

انظر تخريج السيوطي : جامع الأحاديث ج15 ص 487

[3] ) البداية والنهاية ج4 ص 7

[4] ) السيرة الحلبية ج3 ص 147

لكن الخبر لم يوثق تاريخيا ولا حديثيا ، لكن الدليل العلمي والموثق في السيرة هو "تحالفه" مع مشركي قريش و"تفضيله لدينهم" على دين الإسلام

[5] ) انظر تاريخ الإسلام للإمام الذهبي ج2 ص 284

[6] ) الرحيق المختوم ج1 ص 200

[7] ) ابن عبد البر : الدر في اختصار المغازي والسير ص 39

[8] ) علي بن برهان الدين الحلبي / السيرة الحلبية  في سيرة الأمين المأمون ج3 ص 137

[9] ) الكشاف ج2 ص 376

[10] ) مغازي الواقدي ج1 ص 177

[11] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 573

[12])  فحاربته بنو قَيْنُقَاع بعد ذلك بعدَ بدرٍ ، وكانوا حُلَفاءَ عبدِ الله بنِ أُبىّ بن سَلول رئيسِ المنافقين ، وهم أَوَّلُ مَنْ حارب مِن اليهود، وتحصَّنُوا فى حصونهم، فحاصرهم أشدَّ الحِصار، فحاصرهم خمسة عشر ليلةً إلى هلال ذى القَعْدَةِ، وقذفَ الله فى قلوبهم الرُّعبَ ، فنزلوا على حُكمِ رسولِ الله r فى رِقابهم وأموالِهم، ونِسائهم وذُرِّيَّتِهم، فأمر بهم فكُتِّفُوا، وكلَّمَ عبدُ الله بنُ أُبْىّ فيهِم رسولَ الله r وألحَّ عليه، فوهبَهم له، وأمرهم أن يَخرجوا مِن المدينة، ولا يُجاوِرُوه بها، فخرجوا إلى أَذْرِعَاتٍ من أرض الشام، فقلَّ أن لَبِثُوا فيها حتى هَلَكَ أكثرهُم .

ثم نقض العهد بنُو النضير، قال البخارى: وكان ذَلِكَ بعد بدرٍ بستَّةِ أشهر، قاله عروة: وسببُ ذلكَ أنه r خرج إليهم فى نَفَرٍ من أَصْحَابه، وكلَّمهم أن يُعينُوهُ فى دِية الكِلاَبِيَيْنِ اللَّذَيْنِ قتلَهُمَا عمرُو بنُ أُميَّة الضَّمْرِى، فقالوا: نفعلُ يا أبا القاسم، اجلِس ههنا حتى نَقْضِىَ حاجَتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسوَّلَ لهُم الشيطانُ الشقاء الَّذِى كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله r وقالوا: أيُّكُم يأخذ هذه الرَّحا ويصعَدُ، فيُلقيها على رأسه يَشْدَخُه بها ؟ فقال أشقاهم عمرو بْنُ جِحَاشٍ: أنا. فقال لهم سلامُ بْنُ مِشْكم: لا تفعلوا ؛ فواللهِ ليُخَبَّرَنَّ بما هممتُم به، وإنه لنقضُ العهدِ الذى بيننا وبينَه، وجاء الوحىُ على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما همُّوا به، فنهض مسرعاً، وتوجَّه إلى المدينة، ولَحِقَهُ أصحاُبه، فقالُوا: نهضْتَ ولم نَشْعُرْ بِكَ، فأخبرهم بما همَّتْ يهود به، وبعث إليهم رسولُ الله r أن اخرجُوا مِن المدِينةِ، ولا تساكِنُونى بها، وقد أجَّلتُكم عشراً، فمن وجدتُ بعد ذلك بها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فأقاموا أياماً يتجهَّزُونَ، وأرسل إليهم المنافِقُ عبدُ الله بن أُبَىّ: أن لا تَخْرُجُوا مِنْ دياركم، فإن معىَ ألفين يدخلُونَ معكم حِصنكم، فيموتون دُونكم، وتنصُرُكم قُريظةُ وحلفاؤكم مِن غَطَفَان، وطَمِعَ رئيسُهم حُيَىّ بنُ أخطَب فيما قال له، وبعثَ إلى رسول الله r يقول: إنَّا لا نَخْرُجُ مِن دِيَارِنَا، فاصْنَعْ ما بَدَا لك، فكبَّر رسولُ الله r وأصحابُه، ونهضُوا إليه، وعلىُّ بنُ أبى طالب يحمِل اللِّواء، فلما انتهى إليهم، قامُوا على حُصونهم يرمُون بالنَّبل والحِجارة، واعتزلتهم قُريظة، وخانهم ابنُ أُبىٍّ وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَان ، فحاصرَهُم رسولُ الله r وقطَعَ نخلهم، وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأَنزلَهم على أن يخرجوا عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلا السلاَح، وقبض النبىُّ r الأموالَ والحَلْقَةَ، وهى السلاح

وأما قُريظة، فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله r وأغلظَهم كُفراً، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم ، وكان سببُ غزوهم أنَّ رسول الله r لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صُلْحٌ، جاء حُيَىّ بن أخطَب إلى بنى قُريظة فى ديارهم، يستنصر به على محمد ، حتى أجابه رئيسهم بشرط أن يدخل معه فى حِصنه، يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله r وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله r الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: "أبْشِرُوا يا مَعْشرَ المسلمين" ، فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله r إلى المدينة، لم يكن إلا أن وضع سِلاحه، فجاءه جبريلُ، فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بنى قُريظة ، فإنى سائرٌ أمامك أُزلزل بهم حصونَهم، وأقذِف فى قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ فى موكبه من الملائكة، ورسولُ الله r على أثره فى موكبه مِن المهاجرِين والأنصار ، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بنى قُريظة، وحصرهم خمساً وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد عليهم الحِصَارُ، عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد فى دينه، وإما أن يقتلوا ذراريَهم، ويخرجوا إليه بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بِه، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا على رسول الله r وأصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت، لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم فيه ، فأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن، ... ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسول الله r ..، فجعل حكمهم لسعد بن معاذ ، فقال: فإنى أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبىَ الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله r : "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات".

يراجع ( زاد المعاد في هدي خير العباد ج3 ص 127 -135)

[13] رواه البخاري ج12 ص 429 رقم 3731

[14] ) رواه البخاري ج12 ص 431 رقم 3732

[15] ) مغازي الواقدي ج1 ص 177

[16] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 47

[17] ) رواه البخاري ج12 ص 420

[18] ) الروض الآنف ج3 ص386- 387 السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 145 ، سيرة ابن هشام ج2 ص 189

[19] ) رواه أبو داود ج8 ص 238 رقم 2610 وصحح الألباني إسناده : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص4رقم 3004

[20] ) الدر المنثور ج4 ص 469 تفسير الطبري ج14 ص 22 رقم 16210

[21] ) البحر المحيط ج6 ص100 – تفسير الثعالبي ج2 ص 117 – ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 198 –تفسير البغوي ج6 ص 325،

[22] ) الكشاف ج2 ص 376

[23] ) فتح القدير ج3 ص 198

[24] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 271

[25] ) تفسير البحر المحيط ج6 ص  91

[26] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3313

[27] ) الطرطوشي : سراج الملوك ج1 ص 62

[28] ) الوسيط لطنطاوي 1 ص 1852

[29] الوجيز للواحدي ج1 ص 271

[30] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 33

[31] ) رواه البخاري ج10 ص 219 رقم 2798

[32] ) السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 153

[33] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 196

[34] ) السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 147 سيرة ابن هشام ج2 ص 191 تاريخ الطبري ج2 ص 85

[35] ) التسهيل في علوم التنزيل ج1 ص 573

[36] ) رواه البخاري ج13 ص 22 رقم 3808

[37] ) رواه البخاري ج19 ص 293 رقم 5791

[38] ) السيرة النبوية للدكتور راغب السرجاني : المكتبة الشاملة

[39] ) رواه البخاري ج12 ص 421 رقم 3724

[40] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 561

[41] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 548

[42] ) رواه البخاري ج4 ص 1 رقم 895

[43] ) تفسير القرطبي ج8 ص 32

[44] ) تفسير حقي ج4 ص 455

[45] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 233 رقم 18638

انظير تخريج وتصحيح محمد حمد عبد الله الصوياني : السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة ج2 ص 765 ط7 العبيكان

سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي في الكبرى 9 - 233 حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا قالا .. وهذا السند صحيح تم الحديث عنه عند صلح الحديبية وهو سند البخاري في روايته لصلح الحديبية. والزهري وعروة تابعيان إمامان ثقتان ثبتان من أشهر الأئمة.

[46] ) البحر المحيط ج6 ص 102، الوجيز للواحدي ج1 ص 272 ، الثعالبي ج2 ص 117 ،

[47] ) المحرر الوجيز ج3 ص 201

[48] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 80

[49] ) البحر المحيط ج6 ص 102

[50] ) تفسير حقي ج4 ص 455

  • الاثنين PM 05:14
    2026-04-27
  • 27
Powered by: GateGold