المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1900999
يتصفح الموقع حاليا : 418

البحث

البحث

عرض المادة

المحور الأول ظروف غزوة بدر

د / احمد نصير

المحور  الأول

ظروف غزوة بدر

 

لم يكن لدي الصحابة قبل غزوة بدر سابق معرفة بأن الجهاد في سبيل الله هو فريضة دينية ، ولم يكن في حسبانهم أنهم سوف يواجهون قريشا بكامل قوتها لو أنهم أسلموا ، أو أنهم قادرون على مجابهتها عسكريا لو انتصروا لرسولهم ، ورغم يقينهم بأنهم على الحق ، إلا أن طريق الجهاد جد مختلف عن الطريق إلى المسجد للصلاة والذكر وتلاوة القرآن .

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ

من كان يخضِبُ جيدَهُ –خده- بدموعه .. فنحورنا بدمائنا تتخضَّبُ

أوْ كان يُتعِبُ خيلَهُ في باطلٍ .. فخيولنا يومَ الصبيحةِ تتعبُ

ريحُ العبير لكم ونحنُ عبيرُنا رهَجُ السنابكِ والغُبارُ الأطيبُ

ولقد أتانا من مقالِ نبينا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ

لا يستوي وغُبار خيل الله في أنف امرئٍ ودُخانُ نارٍ تلهَبُ

هذا كتابُ الله ينطق بيننا … ليس الشهيدُ بميتٍ لا يُكذَبُ

 

 وإن كان كلاهما صراط الله المستقيم ، لكن من تعود على الصبر وأذى المشركين ثلاث عشرة سنة قد يندهش إذا ما قيل له خذ حقك –الآن- ، واقتص ممن ظلمك وجهاد في سبيل الله ، كما في قوله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج/39) .

 

وقد يزيد الاستغراب أن كثير من المهاجرين كانوا أرقاء لدي سادتهم من المشركين ، وكانوا يعذبونهم كبلال بن رباح كان يعذبه خلف ابن أمية ، وكذلك المسلمون من أهل المدينة فلم يمض على إسلامهم أكثر من سنتين أو أكثر بقليل ، فكيف بهم يقاتلون قريشا ، ولم يكن بينهم وبينها إلا التجارة ، فكيف يخاصمونهم ومن حولهم من أهل القرى لأجل نبي ليس معه غير ثلاثمائة مسلم أو يزيد قليلا ، فهم في أعين الكفار (شرذمة قليلون) ، فهل يجلب أهل المدينة على أنفسهم الويلات بتلك المساندة التي يطلبها منهم هذا النبي الكريم أم يختاروا جانب الأمان فيكفوا عن نصرته ، ويظلون في مأمن من أي هجوم خارجي ، لاسيما ولم يصب المدينة المنورة أي اعتداء خارجي من قبل.

 

إذن الظروف التي أحاطت بغزوة (بدر) كانت تدور حول ثلاثة أمور :-

الأول عزوف بعض الصحابة عن القتال ابتداء بعدما تبين لهم أن عير أبي سفيان قد أفلتت ، فليس ثمة شيء بعد يدعوهم للخروج وقد أفلتت العير .

 والثاني الظروف النفسية المحيطة بالغزوة عند مقارنة المسلمين أنفسهم بأعدائهم ، وعلمهم بقلة عددهم وعدتهم وقوة عدوهم إزاءهم ، ومن ثم كان لابد من التثبيت الإلهي لتلك الفئة المؤمنة .

 والثالث يتمثل في التأييد الرباني بالقوة المادية والإمداد بالملائكة لمساندة هؤلاء الصحابة إضعافا لقوة المشركين وكسرا لشوكتهم وكبريائهم .

 

 

المطلب الأول

تصحيح نية الجهاد بطلب معالي الأمور لا سفسافها

 

قال تعالى (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)

 

تتحدث هذه الآيات عن أسباب غزوة بدر الكبرى ، وتبين أن الصحابة لم يكونوا مستعدين للقتال ، وأن كل همهم هو تعويض المهاجرين ما خسروه في مكة من أموالهم أثناء الهجرة من خلال عير أبي سفيان ،وهو قادم بقافلته من مكة إلى شام مرورا بالمدينة المنورة ، ولكن العير أفلتت ، فلما علمت قريش بذلك تأهبت للقتال وأعدت جيشا لقتال محمد r في المدينة ، وهو أمر قد فزع منه الصحابة أول الأمر ، ولكنه قدر قدره الله ليمضي أول جهاد في الإسلام ، وإن كرهه الناس ، لما فيه من مشقة ، وفيه أكثر من جولة ، بل جولات وصولات ، فهذا الطريق متى سار فيه المسلمون فلا رجوع عنه إلا بالنصر أو الشهادة .

 

فكان لابد من تصحيح النية ، بأن لا يكون هدف المسلمين قطع الطريق لكسب الأموال أو تعويض الخسائر وما سلب منهم ، فهذا العمل وإن كان مشروعا باعتباره قصاصا ، لكن مفهوم الجهاد في سبيل الله أعمق من ذلك ، فهو لأجل إحقاق الحق ، وقطع دابر الكافرين ، فهو ماض إلى يوم القيامة ولو كرهه المجرمون .

 

قوله (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) (5) أي أخرجك للقتال في بدر[1]، والمعنى أنهم أرادوا عير أبي سفيان –أي قافلته- المارة بجوار المدينة ليعوضوا خسارتهم في مكة ، بسبب أنهم هاجروا منها قسرا وتركوا أموالهم وديارهم للكفار ، لكن الله أراد أن يصيبوا "النفير" ، أي جيش أبي سفيان ، لأنه لما علم بذلك بعث رسولا إلى مكة يستقوي بأهلها على النبي وأصحابه ، فأرسلوا له دعما عسكريا ، فما كان من أصحاب النبي r إلا أن فاجأهم الأمر ولم يكن في حسبانهم تطور الأمر لنشوب حرب وقتال ، قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة/216) ، قال ابن عجيبة (وتلك الكراهية من قِبل النفس وطبع البشرية ، لا من قِبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله ، فإنهم راضون مستسلمون ، غير أن الطبع ينزع لِحَظَّة ، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده)[2].

 

 

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا قَالَ فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا)[3]، أي أنه أعرض عن عمر وأبي بكر لأنهما كانا من المهاجرين ، وقد سبق أن ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله ، وبايعوه على ذلك ، أما الأنصار فإنه يريد أن يرى عزمهم على نصرته .

ففي رواية (فقالت الأنصار يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله r قالوا إذا لا نقول ما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون والذي بعثك بالحق لو ضربت أكباد الإبل [4]إلى برك الغماد [5]لاتبعناك) [6].

قال النووي (قال العلماء إنما قصد r اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقون على ذلك فأجابوه أحسن جواب بالموافقة التامة)[7].

 

قوله (يجادلونك في الحق بعد ما تبين..) (5) قال مجاهد أي (القتال)[8] ، أي (يجادلونك في أمر القتال بعدما اتضح لهم أن العير قد نجت ، وأنه لم يبق إلا النفير ولا بد من القتال)[9] ، أي أصبح أمر القتال لا خيار فيه ولا اختيار ، أضحى أمرا واقعا ،ولابد من التفكير وفقا لهذه المعطيات المستجدة ، وليس التفكير وفقا لما يأملونه ويحلمون به من استتباب الأمن في المدينة .

 

قال ابن عجيبة أي (يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق ، حيث أرادوا الرجوع للمدينة ، وقالوا : إنا لم نخرج لقتال ، قالوا ذلك "بعد ما تَبَيّن" لهم أنهم منصرون أينما توجهوا ، بإعلام الرسول لهم ، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة)[10] .

ظلوا يجادلون مخافة وقوع القتال ، وإيثارا للسلامة ، رغم أن النبي r أخبرهم بأماكن مصارع صناديد الكفر ، فعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَدَبَ النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا.... قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ قَالَ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَاهُنَا هَاهُنَا قَالَ فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ r)[11] ، (فأخذ يعدد مصارع صناديد قريش الذين سيصرعون غداً في يوم بدر)[12] ، قال النووي (هذا من معجزاته r الظاهرة)[13].

 

وقوله (..كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) (6) أي : يكرهون القتال كراهة من يُساق إلى الموت ، وهو يشاهد أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم)[14] ، (وذلك من شدة كراهيتهم للقتال ولم يستعدوا له ولم يوطنوا أنفسهم لخوض معاركه)[15]، بل ظلوا سنوات وسنوات ممنوعين من القتال في مرحلة كف اليد ليلجموا غضبهم ،وليتجرد قتالهم من حظوظ أنفسهم وفورة الغضب والثأر والانتقام كما كانوا في الجاهلية ، ثم هم في لحظة يواجهون جيش قريش القادم نحوهم ، بلا جيش منظم ولا إعداد سابق ولا سلاح كاف وعدة المحاربين ، يحكى أن عدد فرسان المسلمين في غزوة بدر كان اثنان فقط ، فرس للمقداد بن عمرو (المقداد بن الأسود) ، وفرس للزبير بن العوام ، قال مقاتل (كانت باعة المؤمنين رجال لم يكن معهم إلا فارسان : المقداد بن الأسود ، وأبو مرثد الغنوى ، وكان معهم ستة أدرع)[16] ، وكان عدد المقاتلين 314 فقط ، بينهما كانت قريش 1070 مقاتل وعدد الفرسان ما يربو من 70 إلى 100كما حرز رسول الله r بعدما أقر الفتيان اللذين قُبض عليهما من قريش بعدد الإبل التي كانوا ينحرون كل يوم .

 

قال البقاعي (لأنها كانت أول غزوة غزاها النبي r وكان فيها لقاء ، وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب ، إنما خرجوا للقاء العير ، هذا مع أنهم عدد يسير ، وعدد أهل النفير كثير ، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم ، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم ، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم ، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال)[17].

 

قال تعالى (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ..) (7) قال الشعراوي (هما طائفة العير أو النفير الضخم الذي جمعته قريش لملاقاتهم ، وما دام الحق قد وعدكم إحدى الطائفتين ، فلماذا لا تأخذون الوعد في أقوى الطوائف؟ لماذا تريدون الوعد في أضعف الطوائف؟!

 

                         هذا هو العير                                   وهذا هو النفير

فعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " " إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ " ، فَالطَّائِفَتَانِ: أَحَدُهُمَا أَبُو سُفْيَانَ أَقْبَلَ بِالْعِيرِ مِنَ الشَّامِ، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَهُ نُفَيْرُ قُرَيْشٍ"[18].

يقول الشعراوي (فالمنطق والعقل يؤكدان أنه ما دام قد وعدنا الله عز وجل إحدى الطائفتين ، فلنتقدم إلى الأنفع للإسلام والحق الذي نحارب من أجله ، وأن نواجه الطائفة ذات القوة والشوكة والمنعة؛ لأنه قد يكون من الصحيح أن النصر مؤكد على طائفة "العير" ، لكن هذا النصر سيبقى من بعد ذلك مجرد نصر يقال عنه! إنه نصر لقطاع طريق ، لا أهل قضية إيمان ودين ، فالمنطق إذن يفرض إقبال المؤمنين على مواجهة الطائفة القوية ؛ لأن النصر على "النفير" هو أشرف من النصر على "طائفة العير")[19].

 

قوله (.. وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ..) (7) فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ" أَيْ الْغَنِيمَةَ دُونَ الْحَرْبِ"[20] ، قال أبو حيان (هي العير لأنها ليست ذات قتال وإنما هي غنيمة باردة)[21]

قال الزمخشري (يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف الأمور وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأحوالكم والله عز وجل يريد معالي الأمور ، وما يرجع إلى عمارة الدين ، ونصرة الحق ، وعلوّ الكلمة ، والفوز في الدارين . وشتان ما بين المرادين . ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوّتهم بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزّكم وأذلهم ، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها)[22]

 

فالخيارات السهلة قد لا تكون مثل الخيارات الصعبة أحيانا في تحصيل المصلحة العامة للمسلمين ، فقد يبدو الخيار سهل المنال هو الأنسب ، ولكنه قد يكون في قدر الله ليس كذلك ، وقد يكون خيار القتال والمعركة مكلف وشديد التعقيد ، ولكنه هو الخيار الذي يتوافق مع طبيعة هذا الدين ، الذي يأبى أن يظهر الكافر بكفره ، يقول سبحانه (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء 141) ، ولذلك فإن الذي يفهم رسالة الإسلام ، لا يختار قراراته بناء على الخيار الأيسر أو الأنسب أو الذي يحقق مصلحة حالية ، ويتجاهل الخيار الذي يضع حلولا ناجعة ويكسر شوكة الكافرين ، فذلك هو الخيار الإستيراتيجي الذي يجب أن يختاره المسلم .

 

وعند التأمل في حال الطائفة المؤمنة قبل معركة بدر إزاء حال الطائفة الكافرة ، ومقارنة حالهما بحال المسلمين اليوم في كثير من بقاع الأرض ، لوجدنا أن خيار القتال ردا على كافة صور الإضطهاد للمسلمين في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم ، ولوجدناه في تقييم العقلاء بمثابة انتحار فعلي لتلك الطائفة المؤمنة ، لأنها تختار الخيار العسكري رغم أنها لم تستعد بعد لهذا الخيار ، لمجرد أن أصبحت لهم قوة وشوكة وإن كانت لا تضاهي أو تقارن شوكة الكافرين ، ولكن الله سبحانه تقبل شوكتهم وأيدهم بنصره ،وهكذا لابد وأن نفهم ، أن الشوكة هي مجرد الأخذ بالأسباب الشرعية ، أما التأييد الإلهي فهو النصر الحقيقي للمسلمين ، ولن يحصل هذا التأييد إلا بعد تحصيل المسلمين لتلك الأسباب التي لا تتعدى في مجملها أن يتمسك المسلمون بعُشر أسباب القوة التي يملكها الكافرون ، كما في قوله سبحانه (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الأنفال 65) شريطة أن تكون الفئة المؤمنة صابرة محتسبة ، أما إذا ظهر فيها الضعف ، أي ضعف التوكل على الله ، فهنا لابد وأن يزيد مقدار التمسك بأسباب النصر ،ولذلك يقول سبحانه (الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال 66)

 

قوله (..وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ..) (7) وهكذا سمى الجهاد حقا ، وقد جعله الله أمرا كونيا قبل أن يكون تكليفا شرعيا ، فهم مساقون لهذا الأمر كونا وقدرا ، فهم أي المسلمون إذا لم يبادروا بقتال ، فإن أهل الكفر سوف يبادرونهم بقتال ، قال تعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)(البقرة 217) .

 

قال ابن كثير أي: (هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال، ليُظَفِّرَكم بهم ويظهركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي دبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم)[23]، كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ * وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: 216]

 

قال الشعراوي (والمراد بالحق الأول نصر القلة الضعيفة على الكثرة القوية ، هذا هو الحق الأول الذي وعد به الحق بكلماته ، ليحق منهج الإسلام كله ، ولو كره المجرمون)[24].

قال الماوردي فيه قولان[25] :-

أحدهما : إظهار الحق بإعزاز الدين في وقته على ما تقدم من وعده .

والثاني : أن الحق في أمره لكم أن تجاهدوا عدوكم .

 

قوله (..وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) (7) قال الثعالبي (والدابر الذي يدبر القَوْمَ ، أي يأتي آخرهم ، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم) [26]، وفي ذلك بشارة بأن آخر الكفر هو "الاستئصال" ، والمقصود أن غزوة بدر ورغم أنها أول غزوة إلا أنها وضعت حدا لقريش تقف عنده دون أن تقدر بعد ذلك على النيل من المسلمين ، فقريش بعد "بدر" ليست هي هي كما كانت قبله ، فهذه الغزوة قوضت محاولتها –بعد ذلك - للصد عن سبيل الله ، وسعيها للانتقام من المسلمين ، فقد ظلت تهابهم ، وتتجنب بأسهم ، وتحذر من شدتهم ، مما ساعد على امتداد الدعوة الإسلامية وانتشارها خارج المدينة المنورة حتى فتح الله "مكة" ذاتها سنة 8 هـ ، وأسلمت قريش على بكرة أبيها ، ولا ينال من ذلك المعنى ما وقع من قريش في غزوتي "أحد" و"الأحزاب" من عدوان على المسلمين ، ذلك أنها وإن تجرأت على مهاجمة النبي r والتحزب ضده إلا أن الضربة القاصمة التي لحقتهم ببدر جعلت سعيهم في أحد والأحزاب خائبا فلم يتحصلوا على نتيجة عسكرية تذكر ، بل عاد جيش الرسول بعد هذين القتالين أقوى مما كان .

 

وهكذا يهزم المسلمون الكافرين في أول غزوة هزيمة استيراتيجية لأمد بعيد ، فالقرآن يعلمنا أن الكفر يهزم من أول جولة ، أما الجولات التالية فما هي إلا سجال ، ونتيجة الجولة الأولى هي التي تحدد الجولة الأخيرة ، وهكذا جاء فتح مكة بعد غزوة أحد ببعض سنين .

 

قوله (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (8) هذه هي إرادته سبحانه الشرعية والكونية ، فإذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ، وكلا الإرادتين تلاقتا على استعمال أهل الإيمان لأداء هذه المهمة ، قال رسول r (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها)[27]،  ومعنى إحقاق الحق ، أي (يظهره بنصر أوليائه وهزيمة أعدائه)[28].

 

وقال الماوردي (في صفة ذلك وجهان لأصحاب الخواطر[29] :-

أحدهما : يحق الحق بالإقبال عليه ، ويبطل الباطل بالإعراض عنه .

الثاني : يحق الحق بالقبول ، ويبطل الباطل بالرد .

 

 قال الشعراوي أي (أن الله تعالى يريد أن ينصر الإسلام بقوة ضئيلة ضعيفة بغير عتاد على جيش قوى فيعرفون أن ربنا مؤيدهم ، وبذلك يحق الحق بكلماته أي بوعده ، وهناك الكلمة من الله التي قال فيها (وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها التي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى) [ الأعراف : 137 ].

 

وفي قوله (ليُحق الحق..) (8) معناه ليظهر الحق يعني الإسلام [30] ، قال ابن عجيبة ومعنى الآية : (أنكم تُريدون أن تُصيبوا مالاً ولا تلقوا مكروهاً ، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق ، وما يحصل لكم من فوز الدارين ، وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال ليُظهر الدين ويبطل الكفر) [31]، قَالَ تَعَالَى (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

 

فتكرار "الحق" هنا لفائدة ، حيث أصبح للمسلمين بعد هذه الغزوة جيش يدافع عن الحق ، بل وقد أثبت وجوده بهزيمة قريش ، ودحض باطلهم وغرورهم ، فبعد أن كان المسلمون مجرد أناس مسالمون معذبون ومضطهدون ، وليس معهم من أسباب القوة المادية شيء ، أضحوا بعد هذه الغزوة أصحاب قوة ومنعة مؤيدة من الله تعالى ، لمجرد لما التمسوا أسباب الجهاد في سبيل الله ، ولو بتلك الأسباب المادية الضعيفة التي لا يمكن أن تحقق نصرا إلا بقدرة الله سبحانه وتأييده .

 

  قوله (..ويُبطل الباطل ..) (8) أي يذهب بالباطل يعني الشرك [32] ، فالجهاد هو السبيل لإبطال الباطل ،ولولاه لظل الباطل في صورة الحق أمام الناس ، فالمقصود من إبطال الباطل إظهاره على هيئته أنه باطل أمام الناس ، وأمام الشعوب المغرر بها ، ليعلموا باطل قياداتهم المزعومة وأنها تريد أن تهوي بهم في الجحيم ، فأئمة الكفر يظهرون أمام شعوبهم بأنهم على الحق وإن كانوا حقا على الباطل ، لكن الجهاد في سبيل الله يكشف زيفهم وخداعهم ويبطل باطلهم ، ومهما حاول أئمة الكفر أن يطمسوا حقيقة الإسلام ، ومهما كرهوا أن يصبح للإسلام قوة تدافع عنه وأن يمتد نفوذه ويذيع صيت المسلمين إلى كافة أرجاء الأرض ، فإن الله أوجب على نفسه أن يحق الحق لأهله ويبطل الباطل على أهله .

 

قوله (..وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (8) قال ابن عاشور (والكراهية هنا كناية عن لوازمها ، وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك الإرادة، فإن المشركين- بكثرة عددهم-يريدون إحقاق الباطل ، وإرادة الله تنفذ بالرغم على كراهية المجرمين)[33].

 

 

 

 

المطلب الثاني

التهيؤ للغزوة بتثبيت المؤمنين معنويا

 

قال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)

 

هنا شرعت الاستغاثة بالله تعالى ، لا لقلة الأسباب والحيل ، ولكن لعلم المسلمين أنهم لا يدركون شيئا بغير قدر الله ، فأن الله لا يعبأ بعباده لولا الدعاء ، فتبين الآيات صور العناية الإلهية بالمسلمين وهم على هذا الحال ، حيث يسوق لهم البشرى ، ويطمئن قلوبهم بالنصر ، ويغشي النعاس أعينهم أمنة منه ، وهذا أمر عجيب أن ينام المقاتلون أثناء المعركة ، وذلك دليل على الاسترخاء الشديد والاطمئنان ، وينزل عليهم ماء المطر ليطهرهم حسيا ومعنويا أي من الهم والخوف ، وما يبثه الشيطان في القلوب من أمور تقلل العزم وتضعف الإيمان وبه تخور القوى ، ولكن الله ربط على قلوبهم بالصبر ، وثبت أقدام الجند في أرض القتال فلا يفرون من عدوهم عند ملاقاته ، فهو تثبيت مادي بتهيئة الأرض للقتال ، وامدادهم بالملائكة ، ومعنوي بالطمأنينة وقوة العزم واليقين في الله وشدة البأس  .

 

قال ابن عاشور (لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله تعالى برسوله r وبالمؤمنين، فقرنها، في قرن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة "إذ" الزمانية، وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب)[34].

 

قوله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال/9) (لما علموا أنه لا بدّ من القتال شرعوا في طلب الغوث من الله تعالى والدعاء بالنصرة)[35] ، فقال رسول الله r "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ، فعن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ r الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ)[36]

 

والاستغاثة أشد من الاستعانة ، ذلك أنهم لم يكن معهم عتاد ولا عدة ، مع قلة عددهم وضعف قوتهم ، فعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ (اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ وَالْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ)[37]، فالاستغاثة تكون حين تعجز الأسباب المادية عن أن تؤتي النتائج المرجوة ، فاستعانة العبد بالله لا تنقطع ، وهو يأخذ بالأسباب المادية ويتوكل على الله ، ولا يعطي اهتماما للنتائج لأنه توكل على الله ، لكن إذا قصرت الأسباب المادية عن تحقيق النتائج ، هنا يظل قلب المؤمن مرتبطا بالله متوكلا عليه ، وعندئذ يلوذ إلى الله مستغيثا به ، وقد انقطع عنه الأسباب أو ضعفت ، لاسيما عند الشدائد ، إيمانا بأن الله صادق في وعده ، فإنه لابد وأن يستجيب لدعاء أهل الحق متى حققوا شرائط الإيمان المنوه عنها في مقدمة السورة .

 

قوله (..فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) (9) ونظير ذلك قوله سبحانه (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/60) ، قال عمر بن الخطاب (فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ) [38]، فجاءت الاستجابة بهذا المدد من الملائكة أي الألف ، وهذا العدد من الملائكة كفيل بأن يبيد قريش بكاملها بل يكفي لإبادة الجزيرة العربية ،ولكن الله سبحانه شاءت إرادته أن يجعل قريش هي من تتولى نشر الدعوة الإسلامية بعد وفاة رسول الله r ، ولذلك كان حضور الملائكة للتأييد والبشرى ولتزف الشهداء أكثر من حضورها لقتال ، إذ لم يقتل من الكفار في غزوة بدر أكثر من سبعين ، فعن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ[39] فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ[40] أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ (صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ)[41]، فكانت تلك الاستجابة والتمديد بمثابة تثبيت للمؤمنين في ميدان القتال ، وهم بحاجة لذلك .

 

وهكذا يخلق الله لدينه خلقا يدافعون عنه إذا عجز البشر عن القيام بأداء هذا الواجب بقدراتهم البشرية ، فالحق منتصر بهم أو بغيرهم ، وطالما نحن في الحياة الدنيا فإن الله يجري المقادير بأسبابها ولو كانت ملائكة ، وكل من يستعمله الله لنصرة دينه له الأجر والمثوبة ، فمن جاهد فإنما يجاهد لنفسه .

 

قوله (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ..) (الأنفال/10) قال ابن عاشور (فائدة التبشير بإمداد الملائكة أن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم)[42].

 

 وتلك كرامة جعلها الله لأهل بدر ، قال العلماء (جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات لتطمين القلوب وزيادة الإيمان ، وهي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله قد أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته ، فيدخل فيه الثناء الحسن والرؤيا الصالحة ، ويدخل فيه ما يشاهدونه من اللطف والتوفيق، والتيسير لليسرى ،وتجنيبهم العسرى)[43].

 

وقد جاءت البشرى للنبي r عن طريق الرؤيا وقبل المعركة رأي النبي r رؤيا ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَرَأَيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً فَأَوَّلْتُ – يعني فسرت- أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ "الْمَدِينَةُ" وَأَنَّ الْبَقَرَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ – يقصد شهداء بدر- قَالَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ ، فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُمْ ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَكَيْفَ يُدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ شَأْنَكُمْ إِذًا قَالَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ قَالَ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r رَأْيَهُ فَجَاءُوا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ شَأْنَكَ إِذًا فَقَالَ (إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ)[44].

 

وكذلك لن تنقطع البشريات من خلال الرؤيا الصالحة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ)[45]، قال المناوي (مجازا لا حقيقة لأن النبوة انقطعت بموته وجزء النبوة لا يكون نبوة)[46]

وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ :-

  • فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ
  • وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ
  • وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ) [47]

 

 قال المناوي تفسيرا لحصول الرؤيا : (الرؤيا الصالحة إعلام وتنبيه من الله تعالى بتوسط الملك فلذلك عدها من أجزاء النبوة ، وتحقيقه أن النفوس البشرية خلقت بحيث لها بالذات تعلق واتصال بالملك الموكل على عالمنا ، هذا الموكول إليه تدبير أمره ، وهو المسمى في هذا الباب بملك الرؤيا [48]، لكنها ما دامت مستغرقة في أمر البدن وتدبير معاشها وتدبر أحوالها معوقة عن ذلك ، فإذا نام وحصل لها أدنى فراغ اتصلت بطباعها ، فينطبع فيها من المعاني والعلوم الحاصلة من مطالعة اللوح المحفوظ والإلهامات الفائضة عليه من جناب القدس ما هو أليق بها من أحوالها وأحوال ما يقرب من الأهل والولد والمال والتلد وغير ذلك ، فتحاكيه المتخيلة بصورة جزئية مناسبة إلى الحس المشترك فتنطبع فيه ، فتصير محسوسة مشاهدة ثم إن كانت تلك المناسبة ظاهرة كانت غنية عن التعبير وإلا افتقرت إليه ، وهو تحليل تلك المناسبة بالرجوع قهقرى إلى المعنى المتلقى من الملك)[49] .

 

قوله تعالى (..وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال/10) قال الثعالبي (تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني ، إذا لم يساعده القَدَرُ ، وإن كان مَطْلُوباً بالجِدِّ)[50] ، أي لابد من (توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه) ، قال الخازن (لا تحيلوا النصر على الملائكة والجند وكثرة العدد ، فإن النصر من عند الله لا من عند غيره ، والغرض أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أمدوا بهم) ، (وفيه تنبيه على الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب الأسباب)[51] ، قال العلماء (لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة لفعل)[52] ، أي (لا يتوقف على سبب)[53] ، (ليكون الاعتماد على الله وحده) [54]، قال طنطاوي (المؤثر الحقيقي هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به ، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه)[55].

 

قال ابن القيم (هب أن الملائكة حضروا ، فمن الذي يخلق القدرة فيهم وفي المؤمنين ؟ والقدرة التي بها يكون الفعل أكثر لا يكون إلا مع الفعل ، وهب أن القدرة حصلت ، فمن يخلق الأسباب الخارجة ؟كقبول الجلود للجرح وحصول الزهوق بعد الجرح والهزيمة المستمرة، إذ يمكن أن الكفار يقرون ويكرون ويمكن أنهم يقاتلون حتى يقتلوا فلا يقتل منهم واحد حتى يقتل غيره ،  فالنصر الذي قال الله تعالى فيه "وما النصر إلا من عند الله " لا يقدر عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى، ليس في الموجودات سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله تعالى ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب آخر ، ومن رفع موانع ثم خلق الأسباب ورفع الموانع لا بد أن يحدث هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه) [56].

 

ففي الآية درس هام للمجاهدين في سبيل الله تعالى ، وهو أن يجعلوا اعتمادهم وتكلانهم على الله ، آخذين بالأسباب المشروعة ، غير متواكلين أو منتظرين للمدد من الله ، وإنما يأتي المدد من الله عندما لا يقصر المسلمون في الأخذ بالأسباب المقدورة ، مع تعلق قلوبهم بالله ، وقد أشار القرطبي إلى هذا المعنى فقال (أي لولا نصره لما انتفع  -المسلمون - بكثرة العدد بالملائكة ، والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة)[57] أي التماس الأسباب مع التوكل على الله .

 

 وقال الرازي (والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ، إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك ، بل يجب أن يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره وهدايته وكفايته لأجل أن الله هو العزيز الغالب الذي لا يغلب ، والقاهر الذي لا يقهر ، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها)[58] .

 

يعني يجب ألا يتقاعس المسلمون عن الأخذ بالأسباب انتظارا للمدد الإلهي والتأييد بالملائكة ، فهذا لا يجوز ، كذلك سؤال الله تعالى المدد هو سؤال المسبب بزيادة الأسباب ، والأسباب جميع تقديرها لله ، فالأولى على العبد أن يسأل ربه ما يرضيه ، فالنصر غير لازم بنزول الملائكة ، فالملائكة لم تغب عن رسول الله r وأصحابه في غزوة "أحد" ورغم ذلك لم تنكسر شوكة المشركين في "أحد" واستشهد من الصحابة 70 ، ودليل نزولهم بأحد ما روي عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ r وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَام)[59].

وفي رواية عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ r وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ) [60].

كما شوهدت الملائكة وهي تغسل الشهداء ، فعن ابن عباس قال : لما أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنبان فقال رسول الله r  : (رأيت الملائكة تغسلهما)[61].

وعن عبد الله بن الزبير (قد كان حنظلة بن أبي عامر التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود، فعلاه شداد بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان، فقال رسول الله r "إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة، فسلوا صاحبته" ، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال رسول الله r "فذاك قد غسلته الملائكة"[62].

كما جاءت الملائكة في "أحد" لتزف الشهداء ، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ r لَا يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي فَقَالَ النَّبِيُّ r تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ)[63].

 

قال ابن عجيب (فالله قادر على أن ينصركم بلا واسطة ، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم ، حيث قتلهم على أيديكم)[64]، ذلك أنه في حديث حيزوم باشر الصحابي سبب القتل ، وكان الملك هو الذي قتل بعد تلك المباشرة بتأييد من الله وفضل[65]، بذلك نفهم أن نزول الملائكة لا يخلو من فائدة تصبير الصحابة وتبشيرهم بأنهم على الحق ، قال الألوسي (النصر بالصبر والصبر بالله) [66]، قال تعالى : (وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله) [ النحل : 127 ]

 

قال صاحب الظلال (حرص القرآن الكريم على تقرير قاعدة أن النصر من عند الله ، وعلى تنقيتها من كل شائبة ، وعلى تنحية الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة . . لتبقى الصلة مباشرة بين العبد والرب ، بين قلب المؤمن وقدر الله ، بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط ،كما هي في عالم الحقيقة)[67].

 

 قال تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ..) (الأنفال/11) النعاس في تلك اللحظة هو قمة التوكل على الله تعالى سبحانه ، ذلك أنهم ليس بأيديهم شيء يقدمونه لله ، وليس بأيديهم شيء يتقووا به على الجهاد في سبيل الله تعالى غير أن يخرجوا بأنفسهم وعدتهم القليلة حتى يلاقوا عدوهم ، ولا يجوز لهم –شرعا- أن ينحرفوا عن القتال أو يولوا الأدبار ، فلم يبق لهم غير التوكل على الله ، من هنا لم يكن من المناسب أن يصاحبهم قلق أو فزع أو خوف ، وإنما هو الأمن والامان والطمأنينة ، مع يقظة القلب والترقب للعدو ، والرضا بالقضاء ، والتسليم للقدر .

 

 قال الشعراوي (النعاس نزل بهم لكي لا تضيع منهم الطاقة اللازمة للمواجهة ، ولا تتبدد في الفكر؛ فجُعِل النعاسُ مخصوصاً ليغلبهم وهو « نعاس أمنة »[68]، و(الفائدة في كون النعاس أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم ، فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلاً على الأمن وإزالة الخوف ، وقيل إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عدوهم وعددهم وقلة المسلمين وقلة عددهم وعدتهم وعطشوا عطشاً شديداً ألقى عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلل والعطش وتمكنوا من قتال عدوهم وكان ذاك النوم نعمة في حقهم لأنه كان خفيفاً بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على دفعه عنهم) [69] ، قال الإمام التستري (النعاس ينزل من الدماغ والقلب حي)[70].

 

 قال الرازي (واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن ، وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة ، أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار ، وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين ، وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر)[71] ، وهو الأمر الذي يعني أن الله سبحانه يعدهم نفسيا بيده لهذه المعركة .

 

 

قال تعالى (..وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال/11) هذه الآية تبين لنا الظروف العسكرية التي سبقت غزوة بدر ، وكيف أن الصحابة رضوان الله عليهم قد عُزلوا عن الماء قبل الغزوة ، لأن مشركي مكة سبقوهم لبئر بدر ، وعَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : (لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَأَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا اجْتَوَيْنَاهَا[72] وَأَصَابَنَا وَعْكٌ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ r يَتَخَبَّرُ عَنْ بَدْرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَقْبَلُوا ، سَارَ رَسُولُ اللهِ r إِلَى بَدْرٍ ، وَبَدْرُ بِئْرٌ ، فَسَبَقْنَا الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا)[73] .

 

 الأمر الذي أزعج المؤمنين ، لاسيما وأن المؤمن على طهارة دائما يقول رسول الله r (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)[74] ، فانقطاع الماء يجلب الهم والغم ، حيث يتعذر رفع الحدث الأكبر (الجنابة) بالغسل ، والحدث الأصغر (البول أو الغائط) بالوضوء .

 

كما أن عزل الصحابة عن الماء له تأثير ولا شك على الحالة النفسية والبدنية ، لأن الظمأ بوجه عام يؤدي إلى الجفاف ، (والجفاف يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم مؤقتا وتضييق الأوعية الدموية وحبس الصوديوم كإجراء وقائي يفعله الجسد لتستمر مقاومة الجسد أطول فترة ، وهو ما يؤدي إلى إرهاق الجسد ثم الشعور بالتوتر والقلق  ، كما أن نقص الماء في الدماغ يسبب صعوبة في التركيز، الدوار، والصداع).[75]

 

وهو الأمر الذي له دلالة مهمة على أن المؤمنين حينما يشرعون في قتال فإن أول أولوياتهم هو تأمين مصدر الماء ، فلا يمكن لقتال أن يبدأ دون حصول ذلك ، وإلا خسروا المعركة قبل أن تبدأ ، ويكون ذلك تقصير منهم في الأخذ بالأسباب .

 

 في قوله (..لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ..) فأنزل الله ماء المطر هو طاهر في نفسه ومطهر لغيره ،ليزيلوا به الخبث والحدث ، فيتطهروا طهارتين مادية ومعنوية ، يقول النبي r (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ)[76]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ )[77].

وقَالَ رسول الله r (مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)[78].

 

 قال الشعراوي (وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يظل نظيفاً ، رغم الوجود في المعركة التي لو استمر فيها الواحد منهم يوماً أو اثنين دون استحمام ، لما لامه أحد ، وجاء هذا القول ليدل على حرص المؤمن على النظافة إن خرج شيء من الإفرازات والعرق أو كان التطهر من رجز الشيطان ؛ لأن الشيطان أخذ يوسوس  .. فأغاظ الله الشيطان وأنزل عليهم الماء ليشربوا ويتطهروا)[79] .

 

 قال مقاتل (وذلك أن كفار مكة سبقوا النبى r إلى ماء بدر ، فخلفوا الماء وراء ظهورهم ، ونزل المسلمون حيالهم على غير ماء ، وبينهم وبين عدوهم بطن واد فيه رمل ، فمكث المسلمون يوماً وليلة يصلون محدثين مُجنبين ، فأتاهم إبليس ، لعنه الله ، فقال لهم : أليس قد زعمتم أنكم أولياء الله على دينه ، وقد غُلِبتم على الماء تصلون على غير طهور ، وما يمنع القوم من قتالكم إلا ما أنتم فيه من العطش والبلاء ، حتى إذا انقطعت رقابكم من العطش قاموا إليكم فلا يبصر بعضكم بعضاً ، فيقرنونكم بالحبال ، فيقتلون منكم من شاءوا ، ثم ينطلقون بكم إلى مكة ، فحزن المسلمون وخافوا ، وامتنع منهم النوم ، فعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن ، فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم ، وأرسل السماء عليهم ليلاً ، فأمطرت مطراً جواداً حتى سالت الأودية ، وملؤوا الأسقية ، وسقوا الإبل ، واتخذوا الحياض ، واشتدت الرملة ، وكانت تأخذ إلى كعبى الرجال)[80].

 

والعلم الحديث أثبت التأثير العجيب للماء على الحالة النفسية والمعنوية للناس ، فقد توصل  العلماء إلى أن (سقوط أشعة الضوء على الماء أثناء الوضوء يؤدي إلى انطلاق أيونات سالبة ويقلل الايونات الموجبة مما يؤدي الى استرخاء الاعصاب والعضلات ويتخلص الجسم من ارتفاع ضغط الدم والآلام العضلية وحالات القلق والأرق ..ويؤكد ذلك أحد العلماء الأمريكيين في قوله : إن للماء قوة سحرية بل إن رذاذ الماء على الوجه واليدين - يقصد الوضوء - هو أفضل وسيلة للاسترخاء وإزالة التوتر ...)[81]

 

قوله (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ) فالتطهر من الحدث الأكبر والأصغر والتزام الوضوء وتجديده على كل حال يذهب الشيطان ، فالوضوء حلية المؤمن ، يقول النبي r (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) [82] ، وبه يتحصن من الشيطان الرجيم ، يقول النبي r (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن([83].

 عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " رِجْزَ الشَّيْطَانِ " ، وَسْوَسَتَهُ، فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ"[84].

وعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " رِجْزَ الشَّيْطَانِ " ، مَا أَوْقَعَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ بِغَيْرِ طَهُورٍ"[85].

وقال عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنُ زَيْدٍ"الَّذِي أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ لَيْسَ لَكُمْ بِهَؤُلاءِ طَاقَةٌ"[86].

وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ،أَيْ " لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ شَكَّ الشَّيْطَانِ، لِتَخْوِيفِهِ إِيَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ، وَاسْتِجْلادَ الأَرْضِ لَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِهِمُ الَّذِي سَبَقُوا إِلَيْهِ عَدُوَّهُمْ"[87].

 

وقد ثبت أن الوضوء يحل عقد الشيطان ، قال رسول الله r "رجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليكم عقد، فإذا وضأ يديه، انحلت عقدة، فإذا وضأ وجهه، انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه، انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه، انحلت عقدة، فيقول الله جل وعلا للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ليسألني، ما سألني عبدي هذا، فهو له، ما سألني عبدي هذا، فهو له"[88] ، قوله (يعالج نفسه إلى الطهور) يُجاهدها، ويُكرهها، ويُحاول حملها على الوضوء، رغم ما يجد من مشقة، وكسل، وثقل النوم، وربما وساوس الشيطان الذي يعقد عليه.

ولذلك اشتهر القول بأن الوضوء سلاح المؤمن ، ويعضد هذا المعنى ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ  r يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)[89].

 

قوله (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) قال قتادة أي (بالصبر) [90] وذلك مثلما ربط الله على  قلب أم موسى ، قال تعالى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص/10) ، وكذلك ربط الله على قلوب أصحاب الكهف ، قال سبحانه (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (الكهف/14) .

قال ابن القيم (والربط على القلب عكس الخذلان ، فالخذلان حله من رباط التوفيق ، فيغفل عن ذكر ربه ويتبع هواه ويصير أمره فرطا ، والربط على القلب شده برباط التوفيق ، فيتصل بذكر ربه ويتبع مرضاته ويجتمع عليه شمله)[91].

 

و(الربط مجاز - استعارة - بمعنى "الشد المعروف" لأن القلق والخوف ينزعج به القلب من محله)[92] ، وهو بهذا المعنى كناية عن التثبيت على الحق ، والرضا بخيار رسول الله r مقاتلة قريش خارج المدينة .

قال القرطبي (ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب "الانحلال" ، حَسُن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه "الربط" ؛ ومنه يقال: فلان رابط الجأش، إذا كان لا تفْرُق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها)[93]

 

 فهذا كله من التثبيت المعنوي المحقق لطمأنينة القلوب والوثوق في الله ، بحيث لا ينهزم المجاهد للمخاوف والتهديدات ، وإن بلغت في شدتها مبلغا لا تتحمله الجبال ، فإن قلب المؤمن الواثق بالله لا يأبه لها بل يطمئن ، من هنا نعي ونفهم أهمية ودور الشئون المعنوية قبل الشروع في الجهاد في سبيل الله لترتبط قلوب الجند بالثقة في الله لا في الأسباب .

 

وقوله (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: "اقْتَتَلُوا عَلَى كَثِيبٍ أَعْفَرَ، فَلَبَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَاءِ"[94]، وهو (التل الرملي الذي تعفره الرياح) يعني أن أرض المعركة كانت رملية تنغرس فيها الأقدام ، فتسوخ ولا تثبت ، فلبدها الله بماء المطر لما نزل عليهم .

 

قال ابن الجزي (ضمير " به " عائد على الماء ، وذلك أنهم كانوا في رمله دعصة لا يثبت فيها قدم ، فلما نزل المطر تلبدت وتدقت الطريق ، وسهل المشي عليها والوقوف ، والمعنى أي يثبتها بزوال ما وسوس لها الشيطان وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها).

فقد كان النبي r حينما ينزل المطر يستبشر ويدعو ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا)[95]

 

    

                               أقدام المؤمنين ثابتة          وأقدام المشركين زلقة

 

وروي أن (ذلك المطر بعينه صعّب الطريق على المشركين فتبين أن ذلك من لطف الله) [96] ، فتلك العوامل المادية أثرت ولا شك في الناحية المعنوية ، وأمدت المؤمنين بالثبات في ميدان القتال، وهو المطلوب ، أي الثبات المادي حصل بعد الثبات المعنوي .

 

فعن النبي r قال (اثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا ـوعن النبي r قال وتحت المطر)[97] ، فدعاء المجاهدين إذا رفع للسماء أمدهم الله بالملائكة ثبت الله أقدام في أرض القتال .

 

 

المطلب الثالث

تأييد الله المؤمنين أثناء القتال وخزي المتولين عنه

 

قال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)

 

قوله (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال/12) وحي الله للملائكة هو أمر تكليفي ، أي أمرهم بتثبيت الذين آمنوا ، وهو أمر مسبوق بعلته وسببه ، تأكيدا لعظم المهمة ، فالأصل أن الله ينصر من ينصره ، لكن العلة أفصحت عن أن سبب هذا الأمر هو أن الله تعالى بعظمته وجبروته وقوته مع الذين آمنوا ، أي أن الله تعالى في صفهم احتفاء منه بما تقربوا به إليه ، فهم يتقربون لله بأموالهم وأنفسهم وقد هاجروا وهاجدوا في سبيله رغم قلة عددهم ، وضعف قدرتهم على القتال ، وحداثة خبرتهم في ذلك الميدان ، لكنهم امتثلوا لأمر الله وجاءوا إليه سبحانه سعيا واصطفوا صفا ، فأتاهم الله سبحانه هرولة ،كما في الحديث  عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا أَوْ بُوعًا وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[98].

 

والخطاب للملائكة والمقصود إخبارهم بأن الله مع الذين آمنوا ، قال الألوسي (يمد الملكوت بالجبروت)[99]، فدخل الملائكة في مفهوم الخطاب ، لعلة تبيين أن المؤمنين والملائكة هم صف واحد يقاتلون في سبيل الله ، ولا فرق.

 فعَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ (إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي)[100] ، وهكذا يتضح أن المؤمنين هم علة فاعلة لهذه الدعوة وإن كانوا غير قادرين على ذلك ، فجعل الله هذه القدرة بيد الملائكة تعاونهم وتآزرهم .

وروي أنه (جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرا ، فقال العباس يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني،  لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم ، فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله فقال اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم) [101].

 

 وهنا جاء النصر المؤيد من الله ، لينقلب فخر المشركين إلى ذل ، وقد تحولت شجاعتهم في قتال المسلمين إلى رعب من مواجهتهم ، فلم يبق إلا أن يذوقوا بطش جنود الله بهم ، وهكذا يأدب الله الذين كفروا بجنود من عنده ، وقبل ذلك –وقبل غزوة بدر-كانوا يُهلكهون بالطاعون والأمراض والرياح والغرق والطير الأبابيل .... آيات شتى ، واليوم يهزمهم بجنود من عنده ، وهم عباده المؤمنين الذين اصطفاهم في بدر ، والمؤيدون بملائكة هي خلق من خلق الله ، ويخلق ما لا تعلمون.

 

قوله (..فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ..) (12) هنا حصل التثبيت أثناء المعركة وقد سبقه تثبيت قبل اللقاء، لأنه وأثناء وقوع القتال فعلا لابد من أن يظل تثبيت الطائفة المؤمنة التي تتصدى للذين كفروا مستمرا ، قال ابن القيم (قيل في تفسيرها قووا قلوبهم وبشروهم بالنصر ،وقيل احضروا معهم القتال،والقولان حق فإنهم حضروا معهم القتال وثبتوا قلوبهم)[102].

 

قال العلماء (وتثبيتهم أن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه وتقول له أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة)[103] ، فإذا حصل التثبيت حصل الثبات ، من هنا يُفهم أن التكليف الشرعي بالثبات الذي في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (45) ، هو ذاته لا يقدر عليه العبد إلا بمعونة الله له ، ولذلك قال الله لعبده ونبيه محمد r (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (الإسراء 74) ، فكما أن النصر من عند الله ، فالثبات كذلك من عند الله ، (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ)(إبراهيم 27).

 

كذلك يأتي تثبيت الملائكة للشهداء لحظة خروج الروح ، فيثبتونهم بالقول الثابت ، يقول ابن القيم (يقول الملك عند الموت لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذى يسرك ) ، ولعله يتأول حديث النبي r (وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ) [104].

ثم قال (ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون اليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المسألة ، فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له ، وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره ومؤنسه في وحشته وصاحبه في خلوته ومحدثه في سره ويحارب عنه عدوه ويدافع عنه ويعينه عليه ويعده بالخير ويبشره به ويحثه على التصديق بالحق) [105].

ودليل ذلك قول رسول الله r (إن للشيطان لمة وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد من ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن وجد من الآخر فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) [106]

والأصل أن المسلم لا يتمنى لقاء العدو في ساحات القتال ، لعله يجده في المسجد مقبلا على الله ، كما حض على ذلك القرآن فقال (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة 7) ، وكذلك قول النبي r (أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)[107]، ولكن إذا جاء القدر على أمر قد قدر ،وكان لابد من قتال ،فالمسلم لا يجزع ولا يفر ، بل يثبت عند اللقاء.

 

ونحن في زمننا هذا لا نهاب عدو صغر أم كبر ، لأنه أصغر من أن يفعل شيئا لم يقدره الله سبحانه ، فمن أول البرص نثبت ولا نفر لقول النبي r (مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الْأُولَى وَإِنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ)[108] ، ومن الكلب العقور والحية لا نفر لقول النبي r (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا)[109] ، وعلى هذا يجب أن نربي أبناءنا.

 

ومن الجهاد لا نفر فقد عد النبي r من جملة الكبائر (الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ)[110]، ومن الدجال لا نفر بإذن الله ، ونسأل الله أن يثبتنا عند ذلك ، قال رسول الله r في شـأن "الدَّجَّالِ" إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا)[111].

فقوله (والله خليفتي على كل مسلم ) يعني والله سبحانه وتعالى ولي كل مسلم وحافظه فيعينه عليه ويدفع شره

وقول (يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا) [112] أي اثبتوا من الطائفة التي على الحق ظاهرة بأمر هذا الدين على من ناوأهم فإن الله سوف يستعملها لقتال الدجال ، قال رسول الله r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ)[113]

 

قوله (..سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ..) (12)  أي أن مجرد ثبات المؤمنين عند ملاقاة العدو من الأسباب الظاهرة لأن يقذف الله في قلوبهم الرعب ، فينخزلوا ويذوبوا رهبة منهم ، فينتهي القتال قبل أن يبدأ ، قال ابن عاشور (كان إلقاء الرعب في قلوب المشركين خارق عادة لأن أسباب ضده قائمة، وهي وفرة عددهم وعدتهم، وأقدامهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير)[114]، أي أن تلك المعجزة أية لجيش المشركين حتى ينسل منه من يؤمن بها فيلحق بجيش المؤمنين إذا يفقهها.

 

ولذلك كان الكفار يهابون جيش النبي r إذا كانت المسافة بينه وبينهم مسيرة شهر ، يقول النبي r (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) [115]، قال المناوي أي (نصرني الله بالقاء الخوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر يعني بيني وبينهم من سائر نواحي المدينة وجميع جهاتها)[116]، يعزى ذلك أنه لم يتخل يوما عن الجهاد ولا عن السلاح ، وقد علم أعداءه أنه قال عن الجهاد أنه ماض إلى يوم القيامة ، وقد علموا كذلك منه صبره على الدنيا وعدم المبالاة بها ، كما علموا أن العلاقة بين الجنود المسلمين هي علاقة إيخاء في الله ، من هنا حق عليهم أن يهابوهم .

 

قوله (..فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (12) قال الرازي (تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب)[117] ، قال القشيري (إما قتلا أو تعجيزا ، فإن أصابوا الرأس قتلوا ، أما الأطراف فقد أعجزوهم عن القتال)[118]، وأسروهم .

 

فالتعبير عن ذلك بالضرب في مواضع القتل والتعجيز : كناية عن شدة التقتيل وعدم الشفقة فيمن شاق الله ورسوله ، وذلك كله بقصد إرهاب الباقين منهم ، فيرتدعوا فلا تدوم الحرب زمنا .

 

  ففي الآية دلالة على أنه ورغم أنهم مؤيدون من الله وفي معيته ، والله ممدهم بالملائكة ، والرسول وعدهم بالنصر ،إلا أنهم مكلفون بالقتال ، ومكلفون بالثبات ، والأخذ بالأسباب ، والانتصار للحق ، وأن يكونوا أداة لإزهاق الباطل.

 

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ[119] اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (13) تعليل لسبب الشراسة في قتالهم والغلظة في مواجهتهم ، واستعمال الله للعصبة المؤمنة في  تعذيب الفئة الشاقة .

 

 قال صاحب الظلال (قاعدة وسنة أنه حيثما انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقرير ألوهية الله وحده ، وإقامة منهج الله وحده ، ثم وقف منها عدوّ لها موقف المشاقة لله ورسوله ، فكان التثبيت والنصر للعصبة المسلمة ، وكان الرعب والهزيمة للذين يشاقون الله ورسوله ، ما استقامت العصبة المسلمة على الطريق ، واطمأنت إلى ربها ، وتوكلت عليه وحده ، وهي تقطع الطريق)[120] .

 

قال تعالى (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) (الأنفال/14) قال ابن كثير (هذا خطاب للكفار) أي (ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة)[121] ، والمعنى تضمن تبكيت بأن يذوقوا مرارة الهزيمة في بدر ، فمن لم يُقتل من الكفار في بدر ، فإنه يذوق مرارة الهزيمة وقتل أصحابه ، ومن كان يستند عليهم ويستنصر بهم ويعتز بعزهم ، ليعلم أن من ماتوا من الكفار في بدر فإنهم في النار .

 

 أما من ماتوا حقا فقد خاطبهم النبي r مبينا لهم ذلك ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا ، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا ، قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ)[122]

 

 وعليه فقد كان وقع هزيمة قريش في بدر على الكفار مكة شديدًا لما علموا بالخبر ، فلم يتمكن بنو أمية على وجه الخصوص من تحمل هذه الصدمة وقد وقع في قتلى بدر منهم أحد عشر سيدًا من ساداتهم ، حنظلة ‏بن أبى سفيان، زوج هند بنت عتبة ، وقد قُتِل ابنها وأبيها وأخيها وابن أخيها وسادات عمومتها [123] .

وهذه هند بنت عتبة ، لما مشى نساء قريش إليها فقلن لها : ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك؟ فقالت: حلقي، أنا أبكيهم فيبلغ محمداً وأصحابه فيشمتوا بنا، ونساء بني الخزرج! لا والله، حتى أثأر محمداً وأصحابه، والدهن على حرامٌ إن دخل رأسي حتى نغزو محمداً ، والله لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي بكيت، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة ، فمكثت على حالها لا تقرب الدهن، وما قربت فراش أبي سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة أحد)[124] .

 

 قال موسى بن عقبة: ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن وعقرت خيول كثيرة ورواحل)[125].

وعندما عاد أبو سفيان إلى مكة قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث فقال أبو لهب : (هلم إلي يا ابن أخي ، فجاء أبو سفيان حتى جلس ، فجاء الناس فقاموا عليهما فقال : يا ابن أخي كيف كان أمر الناس ؟ فقال : لا شيء فو الله إن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم الله ما لمت الناس ، قال ولم ؟ قال : رأيت رجالا بيضا على خيل بلق لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء ، قال : فرفعت طنب الحجرة فقلت : والله تلك الملائكة ، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض حتى برك على صدري ، فقامت أم الفضل فاحتجزت ورفعت عمودا من عمد الحجرة فضربته به ، فعلقت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : يا عدو الله استضعفته إن رأيت سيده غائبا عنه فقام ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة[126]) [127].

 

وقال ابن إسحاق (ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء)[128]

 قال ابن كثير (وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت ، وهو تركهم النوح على قتلاهم، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين)[129]

 

 ولم تقتصر الحسرة على قتلى بدر من المشركين على قريش فحسب ،وإنما أصاب بعض المسلمين حسرة لما رأوا أقربائهم من الكفار وقد وقعوا ضمن القتلى فماتوا على الكفر ، وكانوا يتمنون أن يسلموا قبل أن يصلوا إلى هذا الحال ، فعن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله r أمر بالقليب فطرحوا فيه فوقف عليهم رسول الله r فقال : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فقال أصحابه : يا رسول الله تكلم أقواما موتى فقال : لقد علموا أن ما وعدكم ربكم حق ، فلما أمر بهم فسحبوا عُرف في وجه أبي حذيفة بن عتبة الكراهية وأبوه يسحب إلى القليب فقال له رسول الله r يا أبا حذيفة والله لكأنه ساءك ما كان في أبيك فقال : والله يا رسول الله ما شككت في الله وفي رسول الله ولكن إن كان حليما سديدا ذا رأي فكنت أرجو أن لا يموت حتى يهديه الله عز وجل إلى الإسلام ، فلما رأيت أن قد فات ذلك ، ووقع حيث وقع أحزنني ذلك قال : فدعا له رسول الله r بخير)[130].

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ)(الأنفال/15) فالتولي يوم الزحف كبيرة من كبائر الذنوب ، أي الفرار يوم الزحف على الكفار للجهاد ، وسمى بيوم الزحف ، كناية عن البطئ في السير للعدو مثل الصبي الذي يزحف ، لأن الجيش ينتقل بالعدة والعتاد وأعداد غفيرة وبحذر وتأدة ، قال السيوطي (أَيْ الْجِهَاد وَلِقَاء الْعَدُوّ فِي الْحَرْب وَأَصْل الزَّحْف الْجَيْش يَزْحَفُونَ إِلَى الْعَدُوِّ أَيْ يَمْشُونَ)[131].

 

قال تعالى (مَا كَانَ لأَهلِ المَدينَة وَمَنْ حَوْلَهم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلّفُوا عَن رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأنفُسِهِمْ عَنْ نَفسِهِ) (التوبة/120) ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ [132]، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)[133] ، وأورد أبو داود باباً في التولي يوم الزحف (يعني التولي عند التقاء جيوش المسلمين وجيوش الكفار وبدء المعركة، والفرار والتولي يوم الزحف من الكبائر؛ لأن هذا يسبب الوهن والضعف، ومن أسباب الهزيمة للمسلمين كونه يوجد فيهم من يفر وينهزم، فيكون ذلك سبباً في هزيمة المسلمين، وهذا من الكبائر)[134]

 

قوله (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال/16) استثناء من النهي عن التولي عند لقاء العدو في حالتين ، ولكن يسبق ذلك بيان مفترضات المسألة ، وهي أن العدو أشد من المسلمين من حيث القوة والعدد بما يزيد عن الضعف ، ففي هذه الحالة وحالما يكون العدو لم تبلغ قوته بأكثر من ضعف قوة المسلمين فلا يجوز الفرار مطلقا ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : (مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ , وَمَنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ ، يَعْنِي مِنَ الزَّحْفِ)[135]، وذلك لقوله تعالى (فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال/66) ، قال العلماء ("التولي" الإعراض عن الحرب والفرار من الكفار إذا كان بإزاء كل مسلم كافران ، وإن كان بإزاء كل مسلم أكثر من كافرين يجوز الفرار)[136] .

 

فإذا كانت قوة المسلمين لا تقل عن قوة الكافرين عن النصف ، هنا لابد أن يكون القصد من الفرار أحد أمرين حتى يكون مشروعا :-

 الأول : التحرف لقتال : أي بقصد المراوغة والخدعة لأجل استكمال الجهاد في سبيل الله، كأن ينحرف قائد جيش المسلمين عن مواجهة العدو ليوقع به في كمين ، أو ليعيد تعبأة الذخيرة أو لإصلاح السلاح أو معالجة المصابين من الجند أو لتأمين المؤمن من طعام وعلاج وسلاح وذخيرة... إلى غير ذلك من الأمور التي تقتضيها ضرورة الحرب .

 

وهذا ما فعله خالد بن الوليد في غزوة (أحد) وكان لا يزال مشركا

 

والثاني : التحيز إلي فئة ، فإن جاز التولي فإنه لا يكون إلا لينحاز إلى فئة أشد بأسا من الطائفة المواجهة للعدو فيستقوي بهم على الأعداء ، قَالَ النَّبِيُّ r (الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)[137] ، قال ابن عجيبة (أن يكرّ راجعاً أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه ، وهو من مكائد الحرب)[138]، قال الألوسي (أي تاركاً موقفه إلى موقف أصلح للقتال منه  أو متوجهاً إلى قتال طائفة أخرى أهم من هؤلاء ، أو مستطرداً يريد الكر ، ومن كلامهم : نفر ثم نكر ... والحرب كر وفر)[139].

فالانسحاب التكتيكي أو الإجراء الدفاعي التراجعي هو نوع من العمليات العسكرية ، ما يعني عادةً تراجع القوات مع إبقاء الاتصال مع العدو ، وقد يُتخذ الانسحاب باعتباره جزءً من تراجع عام  أو لتعزيز القوات أو احتلال أرض يسهل الدفاع عنها أو إجبار العدو على التقدم لضمان نصر حاسم  أو استدراجه إلى كمين ، وتعتبر عملية محفوفة بالمخاطر نسبيًا، إذ تتطلب انضباطًا لتفادي تحولها إلى هزيمة غير منظمة أو على أقل تقدير إلحاق أضرار بالغة بالروح المعنوية للجيش ، وقد يكون الانسحاب مرتقبًا ، كأن تكون قوة الدفاع مهزومة أو على أرض غير مواتية، ولكن يجب أن تتسبب في أكبر قدر ممكن من الضرر للعدو وهي تنفذ الانسحاب التكتيكي بما يسمي بسياسة الأرض المحروقة[140] .

 

ومن أشهر الانسحابات العسكرية ما فعله القائد خالدُ بنُ الوليد بعد أن تولى القيادةَ قيادة جيش المسلمين في معركة "مؤتة" بعد مقتل القائدين جعفر بن عبد المطلب وعبد الله بن رواحة ، ففي الليل أمر مجموعة من المسلمين بأن يخرجوا إلى خلف الجبال ليعودوا فجرا مثيرين للغبار رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل، فيظن الروم بأن مددا قد أتى للمسلمين ، وفي القتال قام بحيلة عسكرية فريدة من نوعها؛ إذ غير الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة والمقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، لتختلف الوجوه على الروم ، ويدب الرعب في قلوبهم ظنا منهم أن مددا عظيما قد أتى للمسلمين ، ثم فاجأهم خالد بالهجوم على قلب جيشهم وكاد يصل إلى قائدهم ، وهنا شعر الروم أن جيش المسلمين ينتصر بالمدد الذي وصل إليهم، ثم فوجئوا بخالد بن الوليد ينسحب ، فظنوا أنها خدعة منه ، فلا يوجد جيش منتصر يقوم بالانسحاب، لذلك لم يتقدموا والتزموا مواقعهم ، فيما انسحب خالد انسحابا تكتيكيا منظما وعاد بجيشه سالما غانما إلى المدينة المنورة مخلفا 13 شهيدا فقط، بعد معركة دارت على أرض الأعداء استمرت 7 أيام [141].

 

قال ابن كثير (فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة، كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله ، .. فلما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله r والمسلمون معه  .. ولقيهم الصبيان ... ، ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله ، فقال رسول الله r : (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عزوجل) [142].

وعَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، قَالَ : انْدَقَّتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ , فَمَا صَبَرَتْ فِي يَدِي إِلاَّ صَفِيحَةً يَمَانِيَّةً)[143] قال ابن كثير (ذلك يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم،وهذا وحده دليل مستقل) [144].

 

قوله (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأنفال/17) ورد النفي لإثبات أن التوفيق لا يكون إلا بالله ، فالنبي r وأصحابه وإن كانوا قد باشروا آلة القتل ، لكن الله تعالى هو الذي أعطى لهذه المباشرة فاعليتها في الإصابة ،  ومن ثم تحققت النتيجة ، وهي القتل.

 

قال ابن تيمية (فَإِنَّ قَتْلَهُمْ حَصَلَ بِأُمُورِ خَارِجَةٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ مِثْلَ إنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنَّ التُّرَابَ يُصِيبُ أَعْيُنَهُمْ كُلَّهُمْ وَيُرْعِبُ قُلُوبَهُمْ ، فَالرَّمْيُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ الْعَبْدِ الْمُعْتَادِ هُوَ الرَّمْيُ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَا ظَفِرْت أَنْتَ وَلَا أَصَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ ظَفَرَك وَأَيَّدَك ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَا بَلَغَ رَمْيُك كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَوْ حَصًى أَنْ يَمْلَأَ عُيُونَ ذَلِكَ الْجَيْشِ الْكَثِيرِ إنَّمَا اللَّهُ تَوَلَّى ذَلِكَ)[145]..

قوله (..وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى..)(الأنفال/17) والمعنى أنه r أمرهم بأن يرموا الكفار بالنبال والله سبحانه هو الذي يوصل نصل النبل ليدخل في صدور الكافرين ، فعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ بَدْرٍ إِذَا أَكْثَبُوكُمْ يَعْنِي كَثَرُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ)[146] .

 

وأظهر مثال أن النبي r لما رمى "الحصى" في وجوه الكفار في غزوتي "بدر" و"حنين" أصابهم ، وليس بمقدوره تحقيق ذلك ، فذلك خارج عن قدرات البشر  ، ولكن الله أصابهم بقدرته سبحانه ، فجعل الحصى يدخل في عيونهم ، وقد باشر النبي r الفعل وحسب ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي r قال لعلي : ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به وجوه القوم فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"[147] .

وقد حدثت مثل هذه القصة في غزوة حنين ، فعن سَلَمَةَ ابْنُ الْأَكْوَعِ  قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r حُنَيْنًا فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ ... فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ r نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)[148].

 

والحديث عن الرمي بوجه خاص بصدد الحديث عن القتال يبين أهمية الاستعانة بتلك الطريقة في قتال العدو ، يقول النبي r (أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)[149]، فهذا من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها ، وهو التدرب على الرمي للقتال ، وصناعة آلات الرمي والعناية بها ثم يأتي بعد ذلك النصر من عند الله .

   

 (ويدخل فيه الرمي بالرصاص المعروف، والرمي بالمدافع ونحوها، والرمي بالقاذفات وما أشبهها، ولا شك أن ذلك كله يعتبر من الرمي)[150] ، وفي مسند أحمد (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ الثَّلَاثَةَ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالْمُمِدَّ بِهِ وَالرَّامِيَ بِهِ ، وَقَالَ (ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَةَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ ، وَمَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عُلِّمَهُ فَقَدْ كَفَرَ الَّذِي عُلِّمَهُ)[151] ، قال العلماء (وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة ، وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة)[152]، والمقصود بالكفر هنا كفر النعمة ، فهذه النعمة يجب مراعاتها وراعيتها لا إهمالها حتى تنسى .

 

قوله (..وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأنفال/17)يقول صاحب الظلال (وذلك ليقر في قلوبهم حقيقة أن المعركة معركته هو سبحانه ، وأن الحرب حربه هو سبحانه ، وأن القضية قضيته هو سبحانه ، وأنه حين يجعل لهم فيها دوراً فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسناً ، وليكتب لهم بهذا البلاء أجراً ، أما حقيقة الحرب فهو الذي يتولاها ، وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبها . . وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم . وهم حين يخوضونها أداة لقدرته ليست هي الأداة الوحيدة في يده!)[153].

 

قوله (..ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) (الأنفال/18) إذ في إضعافهم تأمين المسلمين وإتاحة الفرصة لنشر الدعوة ، فعن الْبَرَاء بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً ، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا)[154].

 

والمقصود إضعافهم ، وليس استئصالهم ، ولعل الله يهدي من لم يؤمن منهم للإيمان ، وقد أمن بعد ذلك خالد بن الوليد وغيره ، كذلك من الحكمة أن يظل الخير والشر في صراع إلى يوم القيامة ، قال تعالى (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة/251) .

 

والقصد من إضعاف الكافرين اليوم – من الناحية الاستيراتيجية - هو الإجهاز على الكفر كله بعد غد ، بعدما تتقلص دائرته ويدخل الناس في دين الله أفواجا ، فلا يحصل الحرب ويكون الدخول في الإسلام بالفتح ، ويظهر دين الله على الدين كله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدُ وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ)[155] ، قال ابن حجر (المراد بما بعد بدر فتح خيبر ثم مكة)[156] أي أن بدر أضعفت الكافرين ، فكانت بمثابة البوابة لانتصارات المسلمين عليهم بعد ذلك .

 

قوله (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ .. )(19) روي أن المستفتح كان أبو جهل فإنه قال حين التقى القوم "اللَّهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَأَتَانَا بِمَا لا يُعْرَفُ، فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ "[157]، فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" إلى قوله "وأن الله مع المؤمنين"[158] .

 

فهذا نوع من المباهلة ، يعني أن يسأل الله أن ينتصر أهل الحق وينهزم أهل الباطل ، قال السُّدِّي: (كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بَدْر، أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين ، فقال الله (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) [159].

 

وهذا يعني أن هناك نوع من الكفار يعتقدون الباطل دينهم الحق ، ولا يعتقدون في الإسلام أنه حق ، بل يظنوه باطلا ، أي أن من الكافرين من يؤمنون بالباطل أنه حق ، ويكفرون بالحق علي أنه باطل .

 

وهؤلاء تقيم عليهم الأحداث الحجة على ما هو باطل وما هو حق ، فإذا ما تأملوها ميزوا بين الحق والباطل ، وهؤلاء الذين التبست عليهم الأمور لديهم شبهة ، إذ يظنون أن النبي r يقطع الأرحام ، وأنه جاء بدين لا يعرف ، فلذلك جاء دعاؤهم بإقصاء الأظلم منهما للرحم ، ذلك أنه قيموا الأمور بحسب ظاهرها ، فوجدوا أن الابن يخرج على طوع أبيه لمجرد أنه أطاع محمد r ، فيكفر بأصنامه ، ويعبد إلها لا يعرفونه بل لا تدركه أبصارهم ، ولو أنهم نظروا للمسألة من وجهة نظر أخرى لوجدوا أن الإسلام يحض الابن على أن يبر أبواه ولو كانا مشركين ، وأنه يدعو لعبادة الله الواحد الأحد ، الذي له صفات الكمال والجلال ، فمعرفته بهذه الأوصاف وأسمائه الحسنى تغني عن تشبيهه بغيره أو محاولة إدراكه بالمحسوسات ، فالمخلوق لا يدرك خالقه إذ لم يدرك خلق السماوات والأرض ، قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 103).

 

قوله (..فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ) (19) أي أنه قد استبان لهم من واقع التجربة والمشاهدة وما جرت به الأحداث من هو على حق ، ومن هو الذي على باطل ، لأنهم طلبوا أن يبين الله لهم ذلك بتلك المعركة ، فأيد الله المؤمنين وهزم المشركين ، قال ابن كثير أي: (ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له ، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي، والجناب المصطفوي)[160]

 

ولا يغير مما تقدم القول بأن المسلمين قد هُزموا في غزوة "أحد" ، لأن شرط الإيمان الكامل بطاعة الله ورسوله قد تخلف لما نزلوا للغنيمة ولم ينتبهوا لنهي رسول الله لهم ، قال ابن عاشور (إن الله قضى للمسلمين بالنصر يوم أحد ونصرهم ، وعلم المشركون أنهم قد غلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول الله r فبرحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلبا للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة)[161].

 

قوله (..وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..)[162]( 19) وعليه فإن مقتضى هذا السؤال وحصول تلك الإجابة أن ينتهوا عن محاربة المسلمين ، فعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: "إِنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتَالِ مُحَمَّدٍ r"[163] ، قال أبو السعود أي الانتهاء خَيْرٌ لَّكُمْ  من الحِراب الذي ذُقتم غائلته لِما فيه من السلامة من القتل والأسرِ ، ومبنى اعتبارِ أصلِ الخيرية في المفضل عليه هو التهكم)[164].

وهو ما يعني أن الإسلام يدعو أعداءه لأن يعيدوا النظر في موقفهم من الدعوة الإسلامية ، فلا يقفوا منها موقف العداء ، فلن ينفعهم العداء للإسلام شيئا ، بل إن مصالحهم لسوف تتحقق من مجرد أن ينتهوا عن معاداته ، بصرف النظر عن اقتناعهم بهذا الدين أو كفرهم به ، فمجرد وقوفهم من الدعوة موقف على الحياد هو خير له من استمرارهم في القتال والعداء للمسلمين ، فليقفوا مع أنفسهم وليعيدوا تقييم موقفهم لتحقيق ما هو خير لهم .

 

قوله (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)( 19) أما إذا لم ينتهوا عن معاداة المسلمين ، فإن المسلمين سوف يأخذون على عاتقهم واجب نصرة المظلومين ومحاربة الظالمين ، ولسوف يجاهدونهم في سبيل الله تعالى ، دون اعتبار لقوتهم ولا لكثرتهم ، لأن المسلمين مؤيدون من الله تعالى ، ولأن هذه الحرب هي حربه هو سبحانه ، وإنما هم أداة يستعملها الله تعالى لدحر الباطل .

 

وهكذا يعلن الله تعالى للكافرين أن المجاهدين في سبيل الله تعالى مسلطون عليهم من لدنه سبحانه ، وذلك إذا ما ظلوا في شقاق لدين الله تعالى ، وصد عن سبيله ، أما لو أنهم هادنوا المسلمين ، وسمحوا لدعوة الله تعالى أن تنتشر في إطار من الحرية الإنسانية ، فإن الخير لسوف يصلهم حتما ولابد ـ

 

 قوله (..وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال/19) وهكذا يستحيل على أعداء الله أن ينالوا من أولياء الله شيئا ، كما في قوله (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (آل عمران 111) ، وذلك كقول موسى لأصحابه لما فزعوا من فرعون فقالوا (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (62) ففي أحلك صور حصار الكفار للمسلمين لن يترك الله عباده دون نصر أو تأييد على أعدائهم ، ولكنهم يستمرون في العداء رغم كل ذلك لحماقتهم (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) (الفرقان 55).

 

المطلب الرابع

أخلاق الفئة المنتصرة

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

 

توجهت السورة بالنداء المباشر للفئة المؤمنة لترشدها إلى الأخلاق التي يجب أن تتحلى بها إذا ما أرادت النصر ، كما بصرتها بالأخلاق التي يجب أن تتخلى عنها حتى تظل محتفظة بمعية الله لها ، تلك الأخلاق تتمثل فيما يلي :-

 

أولا : الاستماع المتواصل لأوامر القيادة بقصد إطاعتها في إطار تكريث مفهوم الطاعة لله

ثانيا : سرعة الاستجابة للتكليف (الطاعة) قبل الحيلولة دون ذلك 

ثالثا : درء الفتن أولا بأول وقبل أن يكثر سوادها

رابعا : تذكير المهاجرين باستنقاذهم لاستنهاضهم على استنقاذ غيرهم من باقي المستضعفين

خامسا : النهوض بفروض الكفاية نيابة عن الأمة مع (الاحتراز في أمور السياسة والتثبت في أمور القضاء)

سادسا : الاحتراز من معوقات الجهاد

سابعا : الجهاد في سبيل الله سبب التحول لمرحلة الفرقان

 

أولا : الاستماع المتواصل لأوامر القيادة النبوية ومن يخلفه بقصد إطاعتها في إطار تكريث مفهوم الطاعة لله

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) (الأنفال/20) خاطب القرآن المؤمنين بوجوب أن يكونوا على اتصال دائم لمن يجب عليهم طاعته ، فطاعته من طاعة الله ورسوله ، ولا يحول بينهم وبين الاتصال به شيء أو شغل ، ولذلك جاء الخطاب بوصف حالهم (وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) ، قال الزمخشري أي (نهاهم عز وجل أن يسلكوا مسلك الكافرين المشركين في التصامم عن سماع الآيات الحاملة للحق والداعية إليه ، والتعامي عن رؤية آيات الله الدالة على توحيده الذين قالوا إنا عما يقوله محمد في صمم)[165].

 

والنهي عن التولي يقصد منه النهي عن التغافل عن النبي r ابتداء وقطع الاتصال به ، قال أبو حيان جملة (وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) جملة حالية أي (لا يناسب سماعكم التولي ولا يجامعه) [166].

 

وقال أبو حيان وفي متعلق جملة الحال أقوال : أحدها وعظ الله لكم ، الثاني : الأمر والنهي ، الثالث : التعبير بالسماع عن العقل والفهم ، الرابع : التعبير عن التصديق وهو الإيمان)[167].قال الرازي (ولم يبين ماذا يسمعون إلاَّ أنَّ الكلام من أول السورة إلى ههنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد)[168]، ونحن نرى أن السياق عن غنيمة الجهاد وليس عن الجهاد خصوصا ، فإنهم أقبلوا على الجهاد طاعة لله ولرسوله في "بدر" ،لكنهم اختلفوا في أمر الأنفال ، ولذلك انشغلوا بالغنائم عن مواصلة الجهاد كما حصل في "أحد" ،وقد سبق تحذيرهم من ذلك في "بدر" لكنهم لم ينتبهوا ، فكأنهم سمعوا ولم يسمعوا ، لم يعوا الوعي الكامل الذي حذرهم الله منه .

 

قوله (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)(الأنفال/21) يعني ذلك أن السماع الذي هو محل التكليف هو السماع الذي له ثمرة ، والذي يأتي بعده العمل والطاعة ، لا مجرد السماع الذي لا يثمر ، ويكون بعده الإعراض والتولي ، كما قال الألوسي (ثمرة السماع الفهم والتصديق وثمرتهما الإرادة ، وثمرتها الطاعة فلا تصح دعوى السماع مع الإعراض)[169]، وقال ابن تيمية (أَصْلُ السَّمَاعِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ سَمَاعُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ r سَمَاعُ فِقْهٍ وَقَبُولٍ)[170].

 

قال ابن تيمية (السماع وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ ، بِخِلَافِ إسْمَاعِ الْفِقْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ)[171].

 

وَقال انْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ :-

 الصِنْفٌ الْأَوَّلُ : مُعْرِضٌ مُمْتَنِعٌ عَنْ سَمَاعِهِ ، كَاَلَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) .

 

" الصِّنْفُ الثَّانِي " سَمِعَ الصَّوْتَ وَلَمْ يَفْقَهْ الْمَعْنَى ، قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )

وَقَالَ (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا )

وَقَالَ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أَبَدًا ) .

فَقَوْلُهُ : ( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) يَتَنَاوَلُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ كَمَا يَفْهَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَنْ فَهِمَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ نَفْسَ الْمُرَادِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ : " الْأَعْيَانُ " و " الْأَفْعَالُ " و " الصِّفَاتُ " الْمَقْصُودَةُ بِالْأَمْرِ وَالْخَبَرِ ؛ بِحَيْثُ يَرَاهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مَدْلُولُ الْخِطَابِ : مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ وَصْفًا مَذْمُومًا وَيَكُونُ هُوَ مُتَّصِفًا بِهِ أَوْ بَعْضًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ .

 

الصِّنْفُ الثَّالِثُ " فَقِهَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ ، فلَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ ؛ بَلْ قَدْ يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا ، وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ .

 وهذا " الصِّنْفُ" مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَهُ ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَهُ : كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا )

 وَقَالَ تَعَالَى ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

 

وَالرَّابِعُ الَّذِي سَمِعَهُ سَمَاعَ فِقْهٍ وَقَبُولٍ ، فَهَذَا هُوَ السَّمَاعُ الْمَأْمُورُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ )

 وَقَال (قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) ( يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)

وَقَالَ (وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)

وَقَالَ (إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ) ( وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا)

 وَقَالَ ( إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا )

وَقَالَ ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا )

كَذَلِكَ قَوْلُهُ (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى )

 وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) فَالْبَيَانُ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ فَقِهَهُ وَالْهُدَى وَالْمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ .

 

قوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) (الأنفال/22) ، قال أبو حيان (ولفظ «الدَّوَابَّ » يشمل الناس فيما يشمل ، فهم يدبون على الأرض ، ولكن استعماله يكثر في الدواب من الأنعام) ، (ومعنى (الصُّمُّ) عن ما يلقى إليهم من (القرآن) ، ومعنى (البُكم) أي عن الإقرار بالإيمان وما فيه نجاتهم)[172]

قال صاحب الظلال ( .. فالبهائم لها آذان ولكنها لا تسمع إلا كلمات مبهمة؛ ولها لسان ولكنها لا تنطق أصواتا مفهومة)[173].

 

  

فعلى سبيل المثال : الثعبان لا يمتلك أذن خارجية ،وإنما له أذن داخلية يسمع خلالها أصوات الموجات الأرضية ،فيستطيع عند التصاق بطنه بالأرض الإحساس بالاهتزازات التي تحدث على الأرض ، وفي الهواء ومن خلالها يستطيع معرفة اقتراب حيوان ما[174] ، وهذه المخلوقات لا تستخدم النطق للتواصل مع بعضهم [175].

قال الأزهري عن الثعبان (وهي من شرّ الدوابّ) [176]، قال ابن منظور (تَلْدَغُ فلا يَكادُ يَبْرَأُ سَلِيمُها) [177]

 

قال صاحب الإشارة (اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي ، وفضل غيره هو معرفة خالقه ، واستعمال العقل فيما يقربه إليه ، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه ، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضل) [178]، قال ابن تيمية (العلم يكتسب ، فالمرء يولد جاهلاً ثم يكون عالماً)[179]، (والإنسان لا يأتيه العلم فجأة ، وإنما يأتيه بالتدرج)[180].

 

قوله (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنفال/23) أي: (لأسمعهم سماع التفهم والقبول)[181]، وقد علم قدرًا أنهم لا يسمعون ، قال الواحدي (لو علم أنَّهم يصلحون بما يُورده عليهم من حججه وآياته "لأسمعهم" إيَّاها سماع تفهمٍ "ولو أسمعهم " بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك [182] .

 

 فإن قيل هكذا خلقهم الله صم وبكم فعلام يعاتبون ، كان الرد أن هذا إلغاء للتكليف ، ولكن عند التأمل نجد أن (كل نص يذكر فيه فعل العبد أولا ثم تذكر النتيجة من فعل الله الكوني الذي أحدثه ليحقق ما اختاره العبد) ، (فهؤلاء لو أرادوا خيرا لأسمعهم لكن الله عليم في قدره إرادتهم مسبقا وعلم أنهم لم يريدوا خيرا ، ولذلك أفقدهم السمع أصلا) [183]، وذلك حتى لا يصدر عنهم مزيد من الإعراض والكفر .

 

مثال ذلك حالة الهيجان التي تصيب المجنون عندما يسمع كلاما لا يعجبه ، فالمشكلة ليست في الكلام ، لأن غيره من العاقلين يمر عليهم مثل هذا الكلام وقد يسروا به ولا يهتاجون ، إذن يفضل عدم إمرار مثل هذا الكلام على هذا المجنون حتى لا يزداد هيجانا ، فيشوشر على غيره ، فإذا كثر المهتاجون بطل البلاغ .

 

فقَوْلُهُ : (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ..) فبَيَّنَ الله أَنَّ الخير شَرْطٌ للسماع ، أي لو كان الخير موجودا فيهم لأسمعهم ، قال ابن تيمية ( فهو شَرْط نَحْوِيّ ، وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ ، فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ ، فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا ) .

أي (لأسمع قلوبهم وشرحها لما تسمعه آذانهم . . ولكنه - سبحانه - لم يعلم فيهم خيرا ولا رغبة في الهدى فقد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقي والاستجابة ; فلم يفتح الله عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم , وما أفسدوا هم من فطرتهم ، ولو جعلهم الله يدركون بعقولهم حقيقة ما يدعون إليه , ما فتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا ) [184]

 

فعن عروة بن الزبير قال أَيْ: لأَنْفَذَ لَهُمْ قَوْلَهُمُ الَّذِي قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ خَالَفَتْ ذَلِكَ مِنْهُمْ"[185]،وقد أشار ابن تيمية إلى أنه (لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ) وإنما قصد به (إسْمَاعِ الْفِقْهِ) ، واستدل بحديث رسول الله r قال (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)[186] ، وفي رواية (والفقه بالتفقه)[187] ،وقال (وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا ، وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ وَيُفَقِّهَهُ ؛ إذْ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ : فَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّانِي ، وَالصِّيغَةُ عَامَّةٌ (فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ ، فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا ، وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ)[188].

 

 وَأَمَّا قَوْلُهُ : (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) . .لأن العقل قد يدرك , ولكن القلب المطموس لا يستجيب . فحتى لو أسمعهم الله سماع الفهم لتولوا هم عن الاستجابة . والاستجابة هي السماع الصحيح . وكم من ناس تفهم عقولهم ولكن قلوبهم مطموسة لا تستجيب ![189] ، فحالهم أشبه ، "بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " .

 

إذن منعهم من السماع والفقه والفهم لمنعهم من إظهار مزيد من الإعراض والمشاقاة والمحاربة لله ولرسوله ، فيكفي ما هم فيه من العناد والكفر ، فلو أسمعناهم الآيات التي تسب آلهتهم لسبوا الله عيانا جهارا ، كما في قوله سبحانه (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام 108) .

 

إذن امتناعهم عن السماع جاء منهم أولا ، فعطل الله لهم آلة السماع ، ولم يتقدم فعل الله على فعلهم ، بل جاء تاليا ، كما في قوله (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(الصف5) ، ويوم القيامة يعترفون بذلك كما في قوله ( وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10، 11].

 

ثانيا : سرعة الاستجابة للطاعة (التكليف) قبل الحيلولة دون ذلك 

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/24) قال ابن عاشور (المعنى المسوقة فيه الآية هو الاستجابة بمعنى الامتثال)[190]، كقوله تعالى "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ" [آل عمران: 172] ، قال السُّدِّيّ: قوله"لِمَا يُحْيِيكُمْ" (ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر)[191] ، وقال قتادة : (هو القرآن لأنه حياة القلوب وفيه النجاة والعصمة في الدارين) ، وقال مجاهد : (هو الحق)[192].

 

ما تقدم كله على وجه العموم ، أما المعنى المقصود من السياق هو الاستجابة (للتكليف بالجهاد) ، قال محمد بن إسحاق (هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل)[193] ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قال ، أَيْ: "الْحَرْبُ الَّتِي أَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِهَا بَعْدَ الذُّلِّ، وَقَوَّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضَّعْفِ، وَمَنَعَكُمْ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ"[194].

قال الواحدى يعني : "الجهاد" لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى - فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عدوهم[195] - ولأنَّه سبب الشَّهادة ، والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم ، ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنَّة)[196].

 

قوله (..إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..) (وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه ، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام)[197]

 قال رسول الله r (ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه) [198]

وقال r (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم) [199].

وقال r (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ)[200]

 

قال ابن القيم (أخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان ، فعُلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك ، وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور ، وهذا من أحسن التشبيه فإن أبدانهم قبور لقلوبهم ، فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم ، فقال الله تعالى (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور)[201] .

قال ابن القيم (تضمنت الآية أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله ، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له ، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات ، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا وباطنا ، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا وغيرهم أموات ، وإن كانوا أحياء الأبدان ، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ، فإن كان ما دعا إليه ففيه الحياة ، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة ، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول)[202].

 

قال ابن القيم (قال ابن اسحق وعروة بن الزبير واللفظ له "لما يحيكم" يعنى للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل وقواكم بعد الضعف ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم وهذه كل عبارات عن حقيقة واحدة وهى القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا

قال الواحدى والأكثرون على ان معنى قوله لما يحيكم هو الجهاد وهو قول ابن اسحق واختيار أكثر أهل المعاني

قال الفراء إذا دعاكم الي إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد ، فلو تركوا لجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم

قلت الجهاد من أعظم ما يحيهم به فى الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة : أما في الدنيا فان قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد، وأما في البرزخ فقد قال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وأما في الآخرة فان حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم ، ولهذا قال ابن قتيبة لما يحيكم يعني الشهادة ، وقال بعض المفسرين لما يحيكم يعني الجنة فإنها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة الطيبة حكاة أبو علي الجرجاني، والآية تتناول هذا كله فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحي القلوب الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة)[203]

 

قوله (..وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/24) قال الدكتور فاضل السامرائي : "يحول" يعني " يحجز "[204]( فهو مجاز عن قرب الله من الإنسان ، فيفصل بين الإنسان وقلبه ، فيتمكن من قلوب العباد ويصرفها كيف يشاء ، يمنحها الإرادة أو يمنعها ذلك)[205]

قال الأصفهاني أي (يقلب القلوب ، وهو أن يلقى في قلب الانسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك)[206]

وقيل أى (يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه ، فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا .. ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه .. فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت) [207].

 

فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ"[208]، فقوله "على طاعتك" أبلغ من "إلى طاعتك" يعني قلب القلب على الطاعة فلا يتقلب على معصية الله ، لأن القلب إذا تقلب على الطاعة صار ينتقل من طاعة إلى أخرى من صلاة إلى ذكر إلى صدقة إلى صيام إلى علم إلى غير ذلك من طاعة الله)[209].

 

قال ابن القيم الجوزية (الرجلَ إذا حضرت له فُرصةُ القُربة والطاعة، فالحزمُ كُلُّ الحزم فى انتهازها والمبادرة إليها، والعجزُ فى تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعةُ الانتقاض قلَّما ثبتت ، والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه ، بأن يحول بين قلبه وإرادته ، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له، فمن لم يَستَجِبْ للهِ ورسوله إذا دعاه حالَ بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابةُ)[210] ، فهذا أشبه بمن يريد أن يصلي ركعتي النافلة بعد الفريضة فيُسَوِّف ويُؤخر فينشغل بالدنيا عنها فتفوته ...وهكذا .

 

وقيل في معانى الحيلولة بين المرء وقلبه ، أنها عقوبة من الله لمن لم يستجب وأعرض وتولى ، كما في قوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (الصف/5) ، ففي رواية عن النبي r قال (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ)[211]، قال العلماء (ومخرج هذه الأحاديث يفيدها قول الله عز وجل "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا" الآية)[212]

 قال المناوي (هذا تعليم لأمته أن يكونوا ملازمين لمقام الخوف ، مشفقين من سلب التوفيق ، غير آمنين من تضييع الطاعات وتتبع الشهوات)[213] .

قال ابن القيم (حذرهم من التخلف والتأخر عن الاستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم)[214]، أي (إياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم)[215].

 

من جماع ما تقدم نفهم أن القلب إذا انشغل عن الطاعة أو تكاسل عنها ، فإنه يقبل على غيرها من الملهيات ، فيزداد تعلقه بغير الطاعة حتى ينصرف عن الإقبال على الطاعة بتلك الملهيات بالكلية ، ولذلك كان الخلاص من ذلك هو المسارعة للاستجابة لعمل الطاعات قبل أن ينشغل القلب عنها .

 

قوله (..وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/24) قال أبو بكر الجزائري (فالذي يعلم أنه سيحشر رغم أنفه إلى الله تعالى كيف يسوغ له عقله أن يسمع نداءه بأمره فيه أو ينهاه فيعرض عنه)[216]

قال الرازي (المقصود الحث على المبادرة بالطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها ، فإن الأجل يحول دون الأمل)[217]

قال رسول الله r (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا الدَّجَّالَ وَالدُّخَانَ وَدَابَّةَ الْأَرْضِ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَأَمْرَ الْعَامَّةِ وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ)[218]، فمدار هذه الأعمال على أن النفس لا ينفع عندئذ إيمانها وقد طلعت علامات القيامة الكبرى

قال المناوي أي (سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة واهتموا بها قبل حلولها)[219] ، أي قبل الانشغال بهذه الفتن التي لا تجدون بعدها شغلا غيرها ، فتشغلكم عن أمور الطاعات التي كنتم تسوفون

قال السيوطي (معناه الحث على المبادرة إلى الاعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف صلى الله عليه وسلم نوعا من شدائد تلك الفتن وهو أن يمسي مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه .. وهذا لعظم الفتن يتقلب الانسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب)[220]

 

ثالثا : درء الفتن أولا بأول وقبل أن يكثر سوادها

 

قوله (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(الأنفال/25) قال ابن تيمية أَيْ (هَذِهِ الْفِتْنَةُ لَا تُصِيبُ الظَّالِمَ فَقَطْ ؛ بَلْ تُصِيبُ الظَّالِمَ وَالسَّاكِتَ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ الظُّلْمِ)[221] ، و(المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم)[222] ، قال تعالى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار" (هود:113) ، أي تصيبكم عامة الناس بسبب مداهنتهم ، فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)[223]، (وفيه أن من كَثَّر سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا)[224] .

 

 والفرق بين المداهنة المنهي عنها ، والمداراة المأمور بها في باب السياسة الشرعية أن : (المداهنة في الشريعة أن يرى منكرا ويقدر على دفعه ولم يدفعه حفظا لجانب مرتكبه أو جانب غيره لخوف أو طمع أو لاستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين ، والمداراة موافقته بترك حظ نفسه وحق يتعلق بماله وعرضه فيسكت عنه دفعا للشر ووقوع الضرر )[225]، أي دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر .

 

 وعن الزبير بن العوام قال : لما نزلت هذه الآية (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) الآية قال(ونحن يومئذ متوافرون) ، قال (فجعلت أتعجب من هذه الآية أي فتنة تصيبنا -ما هذه الفتنة؟- حتى رأيناها)[226]،وفي رواية (فجعلنا نقول ما هذه الفتنة ؟وما نشعر أنها تقع حيث وقعت آخر) [227] ، أي لم يتصوروا في البداية كيف يمكن أن يقع بينهم - وهم جيل الصحابة - مثل هذا الفساد والقتال ، ولكن القتال وقع بين علي ومعاوية ، أي أن الفتنة دبت بينهم وهم لا يدرون ، وذلك بسبب تعودهم وإلفهم على مستصغر الشرر حتى تطاير ، فأحرق الكثير ليس بالقليل .

 

 

رابعا : تذكير المهاجرين (نواة الدعوة) باستنقاذهم لاستنهاضهم على استنقاذ غيرهم من باقي المستضعفين

 

 قوله (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال/26) قال ابن عاشور (عطف على الأمر بالاستجابة لله .. تذكيرهم بنعمة الله عليهم بالعزة والنصر، بعد الضعف والقلة والخوف، .. فكيف لا يستجيبون لله فيما بعد ذلك، وفي ذلك إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساق لهم هذه الخيرات ، وسيكون هذا أثره فيهم كلما احتفظوا به ..، فكيف لا يكونون بعد ترفه حالهم أشد استجابة وأثبت قلوبا)[228].

 

فقد ذكرهم الله بأنه يسر لهم أسباب النصر وكان يستبعدون حصوله وهم قلة وليس معهم زاد وعدوهم أشد ، بل كانوا يتخطفون ويؤسرون من قريش وسادة القبائل ، ولكن الله تفضل عليهم بنعمة النصر وآواهم بالمدينة المنورة بعد أن طردهم أهل مكة منها ، بل ونصرهم عليهم ، ورزقهم رزق وفير بالمدينة المنورة .

قال أبو حيان (نزلت عقب بدر ، قيل أنها خطاب للمهاجرين خاصة كانوا بمكة قليلي العدد مقهورين فيها يخافون أن يسلبهم المشركون ، قال ابن عباس فآتوا هم بالمدينة وأيدهم بالنصر يوم بدر)[229]

 

 فعن قتادة رضي الله عنه في قوله "واذكروا إذ أنتم قليل" قال : كان هذا الحي أذل الناس ذلا وأشقاه عيشا وأجوعه بطونا وأعراه جلودا وأبينه ضلالة معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم ،  لا والله ما في بلادهم يحسدون عليه من عاش منهم عاش شقيا ومن مات منهم ردى في النار يؤكلون ولا يأكلون ، لا والله ما نعلم قبيلا من حاضر الأرض يومئذ كان أشر منزلا منهم حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن به في البلاد ووسع به في الرزق وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا لله نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل)[230].

 

وفي ذلك تعريض بما يجب أن يجعلوه في أهدافهم القادمة ، فلا يكتفوا بالإيواء في المدينة ويسكنوا للراحة والدعة ، بل عليهم منذ هذه اللحظة استكمال ما بدأوه ، وسداد الدين الذي في رقابهم ، بشكر الله على هذه النعمة ، وأداء واجب الشكر يكون بتخليص العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، كما قالها ربيعي بن عامر إلى رستم ملك الفرس ، إبان خلافة عمر بن الخطاب في معركة القادسية ، لما سأله (ما جاء بكم؟) ، فقال له (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله)[231] .

 

قوله (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)  قال العلماء  (يشكر النعمة من عاشها ولابسها)[232] ، يعني يكون أكثر شكرا لمن شعر بفقدانها ثم من الله عليه بها ، فهذا يستوجب منه الشكر الكثير ، قال صاحب الظلال (فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة ، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية . . صوت الرسول الأمين الكريم . . ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه)[233].

 

فشكر نعمة الإيواء هي إيواء كل مستضعف ، وشكر نعمة الأمن هي تأمين كل خائف ، وشكر نعمة شبع البطن وصحة الجسد بإطعام الطعام ومداواة المرضى والمحتاجين ،وشكر نعمة النصرة بالاستنصار لكل مظلوم..وهكذا يكون الجهاد في سبيل الله .

 

خامسا : النهوض بفروض الكفاية نيابة عن الأمة مع (الاحتراز في أمور السياسة ، والتثبت في أمور القضاء)

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال/27) أي أن فروض الكفاية أمانات في أعناق الأمة كلها يقوم بما من يكلف بها منهم فيتعين عليه أداؤها ، ولا يخون الأمانة بالتخلي عن واجب كلف به ،

 

قال ابن عاشور (وإنما رتب نبذ العهد على خوف الخيانة دون وقوعها لأن شؤون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ، ولا ينتظر تحقق وقوع الأمر المظنون لأنه إذا تريث ولاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة للخطر أو للتورط في غفلة وضياع مصلحة ، ولا تدار سياسة الأمة بما يدار به القضاء في الحقوق)[234] .

 

وقد ذكر في سبب نزولها عن الزهري قوله: "لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"، قال: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله r ، فأشار إلى حلقه: إنه الذَّبح ، ..ثم تاب وندم ، وتاب الله عليه )[235].

ذلك أن بني قريظة تآمرت مع الأحزاب ، فحاصرهم النبي r ، وأرادوا أن يستسلموا للنبي r ولكنهم أرادوا أن يتكلموا مع أحد من المسلمين، لعلهم يعرفون ماذا سيحل بهم إذا استسلموا.

فبعثوا إلى النبي r أن أرسِل إلينا أبا لُبَابة نستشيره، وكان حليفًا لهم، وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجَهَشَ النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد؟، قال : نعم، وأشار بيده إلى حلقه، يقول: إنه الذبح (أي ستذبحون)، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله، قال أبو لبابة: فو الله، ما زالت قدماي ترجفان، حين عرفت أني قد خنت الله ورسوله[236]

 

وناهيك عن سبب نزولها [237] فالعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب ، فالركون إلى الدنيا في موضع الجهاد بعد الظفر بالنصر هو نوع من الخيانة للأمانة ، أية ذلك الآية التي تليها وتحذيرهم بفتنة الأموال والأولاد ، قال صاحب الظلال (إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله والرسول)[238]

 

 واستطرد قائلا (إن القضية الأساسية لهذا الدين هي إفراد الله سبحانه بالألوهية ، فالبشرية لم تكن تجحد الله بقدر ما كانت تشرك معه آلهة أخرى في الاعتقاد والعبادة - أحيانا قليلة – وفي الحاكمية والسلطان – في غالب أمرهم – كذلك فإنهم بإفراد الله بالحاكمية في نظام الكون كما في قوله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) لكن لابد من حملهم كذلك على الالتزام بمنهج رسول الله r باعتباره هو وحده المبلغ عن الله ،.. من هنا كان التخلي عن هذه القضية بمثابة خيانة لله والرسول ، وقد حذر الله منها (العصبة التي آمنت به ؛ فأصبح متعينا عليها أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي بالنهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال والأولاد)[239] .

 

كذلك يقع ضمن فروض الكفاية اختيار الأكفأ للمنصب والولايات بما يتناسب معها  ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله r : (من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله و خان المؤمنين)[240] ، ويشهد لصحتهما قوله r (يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ – الراوي- وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)[241].

 

وكذلك الصورة العكسية للفرض المتقدم ، حيث تحصل الخيانة عندما لا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ، ويسعى الناس لإرضاء الظالمين وعدم إنكار المنكر عليهم ، يقول النبي r (من أعان ظالما بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله)[242].

 

سادسا : الاحتراز من معوقات الجهاد

 

قوله (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال/28) ذلك أن الأمم التي تتغافل عن الجهاد في سبيل الله ، وتنشغل بمتاع الدنيا وفتنتها لن تبقى ساعة بعدئذ ، أما التي تحترز من تلك الفتنة فهي التي تبقى بإذن الله ، ويتوسع ملكها ، وتطول عمارتها أزمنة بعيدة ما دامت على العهد والجهاد ماض فيها ، وقد صرح المولى سبحانه بهذا المعنى في سورة التوبة قال تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/24) .

 

يقول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)[243].

 

كذلك لابد من الفصل بين حب الأولاد وبين العمل لدين الله تعالى وتحديد الأمانات وإسناد الولايات ، فعن عمر قال (من استعمل رجلا لمودة أو لقرابة لا يستعمله إلا لذلك ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)[244] ،قال ابن تيمية (فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته)[245] .

 

 وفي ذلك قصة مشهورة أن عمر بن عبد العزيز ; قيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم - وكان في مرض موته - فقال : أدخلوهم علي ; فأدخلوهم ; وهم بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ ، فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال لهم : يا بني والله ما منعتكم حقا هو لكم ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم ; وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح فالله يتولى الصالحين ; وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله قوموا عني ، قال : فلقد رأيت بعض بنيه حمل على مائة فرس في سبيل الله ; يعني أعطاها لمن يغزو عليها)[246] .

 

سابعا : الجهاد في سبيل الله سبب الانتقال لمرحلة الفرقان     

 

 قوله (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الأنفال/29) وذلك بإطاعة الله ورسوله ، والرباط في سبيله ، فتكون العاقبة عندئذ الخروج من مرحلة "الاستضعاف والغربة" إلى مرحلة "الفرقان" ، كما حصل في يوم بدر سمي بيوم "الفرقان" ، (لأن فيه أظهر الله تعالى الفئة المؤمنة القليلة المستضعفة على الفئة الكافرة الكثيرة الظالمة)[247]

 قال ابن إسحاق : « فصلاً بين الحق والباطل ، يُظهر الله به حقكم ويطفىء باطل من خالفكم »[248]، والمقصود أن يتميز الفريقين والفئتين ، فيكون لكل منهما أتباع وأولياء عيانا بيانا ، ويبدأ التدافع بينهما وفقا لسنن الله ، فلا يلتبس بعد هذا اليوم أمر النبي r على أحد ، فمن شاء أن يؤمن به فقد ظهر الحق ، ومن أراد أن يخالفه فقد قامت عليه الحجة بعد هذه المعجزة التي لم تكن في الحسبان .

 

 قال الشعراوي (الفرق ليس هو الفصل بين متلاحمين فقط ، بل هو فصل يؤدي إلى أن يكون لكل فرقة منهج ، ومذهب ، ورأي)[249] ، فمن أمن من أهل بدر قد ازداد إيمانا بهذا النصر ، وتشرف بأن أضحى في صف المدافعين عن الحق بعد أن كان كثير منهم في حوزة المشركين يكتمون إيمانهم ويسرون صلاتهم ، (ولا يتسلط المشركون بعد هذا اليوم على المؤمنين ويفتنونهم في دينهم ، وإنما يتقون بأسهم وشدتهم ويرهبون منهم)[250] .

 

 

 

[1] ) الدر المنثور عن السدي ومجاهد ج4 ص 414

قال القطان (وملخص القصة : ان رسول الله r سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم اموال قريش وتجارتها . فأخبر أصحابه ونَدَبَهم الى الخروج ليصادروا هذه القافلة لكن البعض تثاقل وكره الخروج وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف ، ولم يعلموا انهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ ، وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث الى قريش يطلب النجدة ، ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج . اما ابو سفيان فحوّل طريقه الى ساحل البحر ونجا ، وبعث الى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا . فأبى أبو جهل وسار بالقوم الى بدر . فشاور النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه وقال لهم : ان الله وعَدَني إحدى الطائفتين ، فوافقوه على القتال ، وكره ذلك بعضهم وقالوا : لم نستعدَّ له ، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصراً عظيما ، فقتلوا من قريش سبعين رجلا ، وأسروا سبعين ، وفر الباقون ، واستُشهد من المسلمين اربعة عشر رجلا فقط . وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين ، فبدأ ينحاز كثير من العرب الى جانبهم بعد ذلك ) تفسير القطان ج2 ص 98

[2] ) البحر المديد ج2 ص 333

[3] ) رواه مسلم ج9 ص 247 رقم 3330

[4] )  قال الطيبي : (ضرب أكباد الإبل ، كناية عن السير السريع ؛ لأن من أراد ذلك يركب الإبل ، ويضرب على أكبادها بالرجل) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح للمباركفوري ج1 ص 778

[5] ) قيل هو موضع وراء مكة بِخِمْس ليال

ابن الأثير : النهاية في غريب الأثر ج1 ص 306 – فتح الباري لابن حجر ج7 ص 232

[6] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 170 رقم 8580 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج13 ص143 رقم 3340

[7] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 124

[8] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 19

[9] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 30

[10] ) البحر المديد لابن عجيبة ج2 ص 333

[11] ) رواه مسلم ج9 ص 247 رقم 3330

[12] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم ج168 ص 7

[13] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 206

[14] ) البحر المديد ج2 ص 333

[15] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 30

[16] ) تفسير مقاتل ج2 ص 27

[17] ) نظم الدرر ج3 ص 336

[18] ) تفسير بن أبي حاتم ج7 ص 22

[19] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3204

[20] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 24

[21] ) البحر المحيط ج6 ص 46

[22] ) الكشاف ج2 ص 340

[23] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 17

[24] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3206

[25] ) النكت والعيون ج2 ص 50

[26] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 98

[27] ) المعجم الكبير ج3 ص 131 رقم 2895 السلسلة الصحيح المجلدات ج2 ص 371 رقم 1627 ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج1ص112 رقم 153

[28] ) أيسر التفاسير ج2ص 30

[29] ) النكت والعيون ج2 ص 50

[30] ) النكت والعيون ج2 ص 50

[31] البحر المديد ج2 ص 336

[32] ) النكت والعيون ج2 ص 50

[33] ) التحرير والتنوير ج9 ص 31

[34] ) التحرير والتنوير ج9 ص 35

[35] ) البحر المحيط ج6 ص 47

[36] ) رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309

[37] ) رواه البخاري ج12 ص 352 رقم 3661

[38] ) رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309

[39] ) وهو اسم فرس الملك (شرح النووي على مسلم ج12 ص 85 )

[40] ) خطم بالخاء المعجمة من الخطم وهو الأثر على الأنف (الديباج على مسلم ج4 ص 368 )

[41] ) رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309

[42] ) التحرير والتنوير ج9 ص 34

[43] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 43

[44] ) رواه أحمد في مسنده ج29 ص 309 رقم 14260 السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 174 رقم 1100 – السلسلة الصحيحة 3/90

[45] ) رواه مسلم ج11 ص 358 رقم 4205

[46] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 76

[47] ) رواه مسلم ج11 ص 353 رقم 4200

[48] ) ذكر ابن قتيبة في مقدّمة كتابه "تعبير الرؤيا" مَلَكاً للمنام دون تعيين اسم له، فيقول إن الرؤيا الصحيحة هي التي يأتي بها المَلَك من نسخة أمّ الكتاب، أي اللوح المحفوظ. ويرد في مسند الإمام أحمد حديثٌ يجمع بين رؤيا رآها النبي ومَلَك من الملائكة أخبره بتأويلها، فيقول في آخر الحديث: "كذلك قال المَلَك". ولكنه لا يذكر بصريح العبارة أن المَلَك الذي أخبره بالتأويل هو المَلَك الموكل بالرؤيا، ولا قرينة في كلامه تشير إلى ذلك.

وتأتي كتب شروح الحديث على ذكر ملك المنام، ومنها "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" لأبي العبّاس أحمد بن إبراهيم القرطبي، حيث يقول في كتاب الرؤيا: "إنّ لله تعالى ملكاً موكلاً يعرض المرئيّات على المحلّ المدرك من النائم، فيمثّل له صوراً محسوسة". ويقول ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري": "وأما المنام فإنه لمّا كان جزءاً من الوحي كان المُخبِر عنه بما لم يقع كالمُخبِر عن الله بما لم يُلقِه إليه، أو لأن الله يرسل مَلَك الرؤيا فيُري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذباً على الله وعلى المَلَك".

[49] ) فيض القدير ج4 ص 64

فأما الرؤيا الكاذبة فسببها الأكثري تخيل فاسد تركبه المتخيلة بسبب أفكار فاسدة اتفقت لها حال اليقظة أو سوء مزاج أو امتلاء ونحو ذلك مما تلفته عن الحس المشترك وقد يكون بسبب استعراض الحس والتفاته إلى بعض المخزونات الخيالية المرتسمة في الخيال من مشاهدة المحسوسات حال اليقظة ولما كان للشيطان دخل في هذه الأقسام لتولدها من الاستغراق أمر البدن والانهماك في الشهوات والإعراض الكلي عن عالم الملكوت والاعتناء بأمره أضاف الحكم إلى الشيطان

[50] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 98

[51] ) تفسير الخازن ج1 ص 455

[52] ) أخرجه ابن جرير عن ابن زيد – انظر الدر المنثور للسيوطي ج2 ص 424 – تفسير الألوسي ج7 ص 27

[53] ) البحر المديد ج2 ص 337 – الكشاف ج2 ص 344

[54] ) سراج الدين الدمشقي : اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 121

[55] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1782

[56] ) الرد على البكري ج1 ص 432

[57] )  تفسير القرطبي ج7 ص 371

[58] تفسير الرازي ج7 ص 372

[59] ) رواه مسلم ج11 ص 432 رقم 4264

[60] ) رواه مسلم ج11 ص 433 رقم 4265

[61] ) رواه الطبراني : المعجم الكبير ج11 ص 391 رقم 12123 وصححه الألباني : أحكام الجنائز ج1 ص 56

ورواه الحاكم (3 / 195) دون ذكر حنظلة، وقال: " صحيح الاسناد " وتعقبه الذهبي فأصاب، لكن له شاهد مرسل قوي أخرجه ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 9) عن الحسن البصري مرفوعا مثله ، قلت: وسنده صحيح رجاله كلهم ثقات،

[62] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج15 ص 495 رقم 7025

[63] ) رواه البخاري ج4 ص 465 رقم 1167

[64] ) البحر المديد ج1 ص 332

[65] ) انظر الحديث الذي رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309  وهو مذكور في الشرح على تفسير الآية رقم 10 سورة الأنفال

[66] ) تفسير الألوسي ج19 ص 183

[67] ) في ظلال القرآن ج1 ص 441

[68] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3213

[69] ) تفسير الخازن ج3 ص 168

[70] ) تفسير التستري ج1 ص 188

[71] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2129

[72] ) فاجتويناها : أصابنا الجوى ، و هو المرض ، والتعب ، والوعك ، ذلك أن بعض الصحابة مرض من جو المدينة بعد الهجرة إليها

دلائل النبوة وعرف أحوال صاحب الشريعة  : للبيهقي ج 3 ص62

[73] ) مصنف ابن أبي شيبة ج14 ص 362 – تاريخ الطبري ج2 ص 22 – تاريخ الإسلام للإمام الذهبي ج2 ص 88

[74] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 326 رقم 273 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 51 رقم 224

[75] ) https://www.elconsolto.com/chronic/chronic-news/details/2019/1/22/1500458/.

https://health.clevelandclinic.org/dehydration-and-affect-on-mental-health

[76] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 330 رقم 276 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 52 رقم 226 

[77] ) رواه مسلم ج2ص3 رقم 328

[78] ) رواه مسلم ج4 ص 278 رقم 1374

[79] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3214

[80] ) تفسير مقاتل ج2 ص 27

[81] ) الدكتور أحمد شوقي إبراهيم عضو الجمعية الطبية الملكية بلندن واستشاري الأمراض الباطنية والقلب المصدر : مجلة الإصلاح العدد 296 سنة 1994 " من ندوات جمعية الإعجاز العلمي للقرآن في القاهرة

[82] (  رواه مسلم

[83] (رواه ابن حبان

[84] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 31 رقم 9613

[85] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 31 رقم 9614

[86] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 31 رقم 9615

[87] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 31 رقم 9616

[88] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج3 ص 330

[89] ) رواه مسلم ج4 ص 176 رقم 1295

[90] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 31

[91] ) مدارج السالكين ج3 ص 68

[92] ) محاسن التأويل (تفسير القاسمي) الآية 14 سورة الكهف

[93] ) تفسير القرطبي ج10 ص 365

[94] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 32

[95] ) صحيح البخاري ج4 ص 138 رقم 974

[96] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن الجزي ج1 ص 558

[97] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج3 ص 360 رقم 6251 وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ج1ص148 رقم 672

[98] ) رواه مسلم ج13 ص 190 رقم 4850

[99]) روح المعاني ج9 ص 184

[100] ) رواه أحمد ج48 رقم 295 رقم 22662

[101] ) رواه أحمد ج1 ص 117 رقم 948

تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير حارثة بن مضرب فمن رجال أصحاب السنن

[102] ) قال ابن القيم : مدارج السالكين ج1 ص 46

[103] ) الجواب الصحيح ج6 ص 268

[104] ) الجواب الكافي ج1 ص 74

[105] ) الجواب الكافي ج1 ص 74

[106] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج6 ص 305 رقم 11050 وصححه الألباني : صححه في هداية الرواة (70)، (النصيحة 34)، صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ج1ص40 رقم 40 ، انظر تراجعات الألباني ص 16

[107] ) رواه البخاري ج10 ص 124 رقم 2744

[108] ) رواه مسلم ج11 ص 295 رقم 4156

[109] ) رواه مسلم ج6ص 167 رقم 2069

[110] ) رواه النسائي ج12 ص 361 رقم 3944 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج9 ص 81 رقم 4009

[111] ) رواه مسلم ج14 ص 167 رقم 5228

[112] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 414

[113] ) رواه أبو داود ج6 ص 487 رقم 2125 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 7ص 247رقم 2245

[114] ) التحرير والتنوير ج9ص39

[115] ) رواه البخاري ج2 ص 218 رقم 419

[116] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 346

[117] ) تفسير الرازي ج7 ص 437 مفاتيح الغيب ج15 ص 159

[118] ) في هذا المعنى : تفسير القشيري ج3 ص 4

[119] ) خالفوا أوامرهما وعادوا أولياءهما ( انظر مختصر صحيح البخاري ج4 ص 1455) مع تعليقات د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة - جامعة دمشق

[120] ) في ظلال القرآن ج3 ص 375

[121] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 26

[122] ) رواه مسلم ج14 ص 37 رقم 5121 

[123] )  المغازى للواقدى 1/55.

[124] المغازي للواقدي ج1 ص 45

[125] ) البداية والنهاية ج3 ص 375

[126] ) العدسة: بثرة تشبه العدسة، تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون، تقتل صاحبها غالباً، انظر : النهاية في غريب الحديث ج3ص190

[127]) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 363 رقم 5403 – البداية النهاية لابن كثير ج3 ص 376

[128] ) تاريخ الطبري ج2 ص 41 – تاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص 68

[129] ) البداية والنهاية ج3 ص 377

[130] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 249 رقم 4995 وقال صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي في التلخيص على ذلك

[131] ) حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي ج5 ص 257 رقم 3611

[132] ) أي الإدبار يوم الازدحام للقتال ( المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 442)

[133] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560

[134] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج14 ص 169

[135] ) مصنف ابن أبي شيبة ج12 ص 537

[136] ) بدر الدين الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج21 ص 116

[137] ) رواه البخاري ج10 ص 229 رقم 2805

[138] ) البحر المديد ج2 ص 340 – ابن الجزي : التسههيل لعلوم التنزيل ج1 ص 560

[139] تفسير الألوسي ج7 ص 37

[140] )  Clark, Lloyd (2011). Kirks: the greatest battle, eastern front 1943. Headline. ص. 278.

^ Glantz, 1989. Page 6 and throughout.

[141] ) د طارق سويدان : https://www.alarabiya.net/articles/2008%2F09%2F23%2F57124

[142] ) السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 469

[143] ) رواه ابن أبي شيبة ج5 ص  323

[144] ) السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 472

[145] ) مجموع الفتاوى ج8 ص 18

[146] ) رواه البخاري ج12 ص 380 رقم 3686

[147] ) المعجم الكبير للطبراني ج11 ص 285 رقم 11776 – انظر مجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص 87 ، قال رجاله رجال الصحيح

[148] ) رواه مسلم ج9 ص 243 رقم 3328

[149] ) رواه مسلم ج10 ص 32 رقم 3541

[150] الشيخ عبد الله بن جبرين : شرح عمدة الأحكام ج79 ص 19 دروس مفرغة

[151] ) رواه أحمد ج35 ص 172 رقم 16662

[152] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 278

[153] ) في ظلال القرآن ج7 ص 305

[154] ) رواه البخاري ج12 ص 381 رقم 3687

[155] ) رواه البخاري ج12 ص 382 رقم 3688

[156] ) فتح الباري ج12 ص 422

[157] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 46

[158] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 357 رقم 3264 وقال الذهبي : على شرط البخاري ومسلم

[159] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 33

[160] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 33

[161] ) التحرير والتنوير ج9 ص 55

[162] ) هناك بعض المفسرين أوَّل الآية على غير ظاهرها ، وإن كان تأويله متفقا مع الحق ، بيد أن الخطاب ليس للمؤمنين بل هو للمشركين بدليل أنه بكتهم في آخر الآية بأنه لن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ، ولكننا نذكر قوله من باب العلم بالشيء

قال ابن عاشور (إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد نصرناكم يوم بدر.، والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد، لأن ذلك يستلزم طلب النصر ومعنى {وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو أي الامساك، خير لكم لتستجموا قوتكم وأعدادكم، فأنتم في حال الجهاد منتصرون، وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شؤونكم الصالحة، فيكون كقول النبي r (لا تمنوا لقاء العدوولكن إذا لقيتموه فاثبتوا). وقيل المراد وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو خير لكم من وقوعه. وأما قوله: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} على هذا التفسير فهو إن تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا ينقص ذلك من عطائنا

[163] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 47

[164] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 107

[165] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 36 الكشاف ج2 ص 36

[166] ) البحر المحيط ج6ص65

[167] ) البحر المحيط ج6ص65

[168] ) أبو حفص سراج الدين : اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 139 – تفسير الرازي ج7 ص 384

[169] ) تفسير الالوسي ج7 ص 83 روح المعاني ج9 ص 208

[170] ) مجموع الفتاوى ج16 ص 9

[171] ) مجموع الفتاوى ج16 ص 10

[172] ) البحر المحيط ج6 ص 66

[173] ) في ظلال القرآن

[174] ) دراسة نُشرت في دورية "جورنال أوف إكسبرمنتال بيولوجي" (Journal of Experimental Biology) عام 2012.

[175] ) مجلة ناشيونال جغرافيك العربية / هل تمتلك الثعابين آذان للسمع https://ngalarabiya.com/article/4186596/

[176] ) تهذيب اللغة ج1 ص 269

[177] ) لسان العرب ج1 ص 236 ـ تاج العروس من جواهر القاموس ج2 ص 87

[178] ) البحر المديد ج2 ص 344

[179] ) شرح صحيح البخاري لأبي اسحاق الحويني ج2 ص 13

[180] ) الشيخ عبد المحسن العباد :

[181] ) تفسر البغوي ج3 ص 343

[182] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 262

[183] ) د يوسف أبو عواد لغة الضاد : تفسير القرآن  بتاريخ 5/6/2023  : https://www.tiktok.com/@dr.yousuf_abuawwad/video/7241200183424421127

[184] ) علي بن نايف الشحود : يا أيها الذين آمنوا ج1 ص 335

[185] ) تفسير بن أبي حاتم ج7 ص 52

[186] ) رواه البخاري ج1 ص 119

[187] ) الطبراني : المعجم الكبير ج19 ص 395 رقم 16599 - جامع الأحاديث ج 38 رقم 109 رقم 41158 وقال الألباني حسن لغيره : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص16

[188] ) مجموع الفتاوى ج16 ص 10

[189] ) علي بن نايف الشحود : يا أيها الذين آمنوا ج1 ص 335

[190] ) التحرير والتنوير ج1 ص 93

[191] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 35

[192] ) تفسير الخازن ج3 ص 179

[193] ) تفسير الخازن ج3 ص 179

[194] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 53

[195] ) في هذا المعنى تفسير أبي السعود ج3 ص 109

[196] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 263

[197] ) هشام بن فهمي العارف المقدسي : نور على الدرب ج1 ص 86

[198] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 76 رقم 13221 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4ص416 رقم 1803

[199] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج2 ص 155 رقم 1648 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4ص302

[200] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 50 رقم 43 رواه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 13 رقم 41

[201] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 22

[202] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 448

[203] ) الفوائد ج1 ص 89

[204] ) الزبيدي : تاج العروس ج1 ص 7011 ، ج28 ص 373 عدد الأجزاء 40

[205] ) لمسات بيانية | الدكتور فاضل صالح السامرائي

 https://www.youtube.com/watch?v=0vcDnoqIjBY

[206] ) الأصفهاني : مفردات غريب القرآن ج1 ص 137

[207] ) تفسير الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1804

[208] ) رواه مسلم ج13 ص 119 رقم 4798

[209] ) العثيمين : شرح رياض الصالحين ج1 ص 1688

[210] ) زاد المعاد في هدى خير العباد ج3 ص 574

[211] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 231 رقم 195 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج1 ص 40 رقم 165

[212] ) يوسف بن عبد الله النمري القرطبي : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج24 ص 405

[213] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 490 ـ ج5 ص 177

[214] ) ابن القيم الجوزية : الفوائد ج1 ص 132

[215] ) علي بن نايف الشحود : موسوعة فقه الابتلاء ج1  ص 304

[216] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 37

[217] ) مفاتيح الغيب ج15 ص 119

[218] ) رواه مسلم ج14 ص 185 رقم 5241

[219] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 875

[220] ) الديباج على مسلم ج1 ص 134

[221] ) مجموع الفتاوى ج14 ص 158

[222] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج25 ص 193

[223] ) رواه البخاري ج11 ص 432 رقم 3331

[224] ) مشكاة المصابيح للتبريزي  مع شرحه مرعاة المفاتيح للمباركفوري  ج9 ص 1005

[225] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج6 ص 329

[226] ) رواه النسائي ج6 ص 351 رقم 11206

[227] ) رواه أحمد في مسنده ج1 ص 167 رقم 1438 ، تعليق شعيب الأرنؤوط : صحيح لغيره ورجاله ثقات رجال الشيخين

[228] ) التحرير والتنوير ج9 ص 73

[229] ) البحر المحيط ج6 ص 72

[230] ) الدر المنثور ج4 ص 47

[231] ) البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 47 ومثله رواه الطبري في التاريخ ج2 ص 401وابن خلدون ج2 ص 95

[232] ) أبو بكر الجزائري : أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ج2 ص 298

[233] ) في ظلال القرآن ج3 ص 387

[234] ) التحرير والتنوير ج9  ص 142

[235] ) انظر أصل القصة في تفسير الطبري ج13 ص 482 ورواه الواحدي في أسباب النزول : 175 ، وروى بعضه مالك في الموطأ : 481 . ذكرته مختصرا

[236] ) الدكتور راغب السرجاني : قصة الإسلام : https://www.islamstory.com/ar/artical/3409428

[237] ) قصة أبي لبابة وإشارته لحلقه لبني قريظة أو منافق أبي سفيان وإخبار قريش أسرار المسلمين ..الخ 

[238] ) في ظلال القرآن ج3 ص 388

[239] ) المرجع السابق مختصرا

[240] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج4 ص 104 رقم 7023

[241] ) رواه البخاري ج3 ص 414 رقم 844

[242] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 211 رقم 2944

[243] ) رواه النسائي ج10 ص 193 رقم 3083 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج6 ص 478 رق 2979

[244] ) كنز العمال ج5 ص 760 رقم 14305

[245] ) السياسة الشرعية ج1 ص 17

[246] ) ذكرها ابن تيمية ، وكذلك القاسمي في محاسن التفسير

[247] ) في هذا المعنى ، التحرير والتنوير ج1 ص 1766

[248] ) اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 147 وفي هذا المعنى ابن تيمية : مجموع الفتاوى ج4 ص 138 –محاسن التأويل للقاسمي

[249] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3257

[250] ) قريب من هذا المعنى ، تفسير النسفي ج1 ص 417

  • الاثنين PM 02:02
    2026-04-20
  • 6
Powered by: GateGold