المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1900999
يتصفح الموقع حاليا : 421

البحث

البحث

عرض المادة

المحور الثاني أسباب وأغراض الجهاد

د / احمد نصير

المحور  الثاني

أسباب وأغراض الجهاد

 

الفرق بين السبب والغرض ، هو أن السبب هو الموجب للفعل ، وبدونه لا يجب الحكم ، فالقتال في سبيل الله له أسباب توجبه ، وبدونها لا يجب ، وقد يتغير حكمه لكف اليد عن الغير ، لكن إذا تحقق الموجب تعين القتال ، أما الغرض فهو النتيجة المبنية على السبب ، بمعنى أنه إذا كان السبب هو الموجب فإن الغرض هو الهدف الواجب تحققه من الفعل عندما يتحقق سببه ، أي أنه إذا وجب القتال في سبيل الله ، فهناك أغراض يتعين على المجاهدين في سبيل الله تحقيقها عندئذ ، ومن ثم لا يكفون عن القتال في سبيل الله إلا بعد تحقق هذه الاغراض ، إما جميعا أو بحسب ما يتطلبه الموقف عندئذ .

 

 

المطلب الأول

أسباب جهاد في سبيل الله

ويمكن حصر هذه الأسباب في خمسة :-

السبب الأول : مكر الظالمين بأهل الحق  

السبب الثاني : تضليل الظالمين لشعوبهم ونشر شائعات عن الإسلام

السبب الثالث : إعلان تحديهم الله تعالى

السبب الرابع : الصد عن سبيل الله بالقوة

السبب الخامس : عدم احترام شعائر الله

السبب السادس : إنفاق الكافرين أموالهم لمعاونة الصادين عن سبيل الله

 

السبب الأول : مكر الظالمين بأهل الحق 

 

قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ[1] أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال/30) هناك ثلاثة أغراض للذين كفروا في مكرهم بالذين آمنوا ، فإما أنهم يكيدون ويمكرون لأجل أن يقوضوا حركة الدعوة الإسلامية أو يقتلوا زعمائها أو ينفوهم عن البلاد ، فالتثبيت إما أن يكون بالحبس أو الحصار ، والقتل إما اغتيالا أو عدوانا ، والإخراج إما بالنفي (الحبس) أو بالتضييق حتى يضطروا للهجرة ، وقد حاولوا فعل ذلك كله حتى اضطر رسول الله r إلى الهجرة ، قال تعالى (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء/76) ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ r وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ اقْتُلُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ أَخْرِجُوهُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ r عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ r تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَخَرَجَ النَّبِيُّ r حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ r فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ ، فَقَالُوا أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا ؟ قَالَ لَا أَدْرِي فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ ..)[2] .

 

ومن هنا شرع الجهاد لأجل رد مكرهم عليهم ، ولولا الجهاد لما كان للمسلمين شوكة تدفع مكرهم ، قال تعالى (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة/13) ، فإنهم وإن كانوا يملكون من المعلومات الاستخبراتية ما يعينهم على اتخاذ أيا من القرارات المتقدم ذكرها ، فإن الله تعالى يمكر مكرا ، ليحيق المكر السيء بأهله ، قال سبحانه (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (النمل/50-51) ، ذلك أنهم لما نجحوا في طرده من مكة وهاجر إلى المدينة كان ذلك خيرا للمسلمين ، حيث زاد عددهم وقويت شوكتهم ، وأضحت المدينة عاصمة الدولة الإسلامية والتي منها توسعت الدعوة ، وكانت مركزا لانطلاق أغلب غزوات الرسول r .

 

 

السبب الثاني : تضليل الظالمين لشعوبهم ونشر شائعات عن الإسلام

 

قوله (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (الأنفال/31) قيل (إنهم قالوا هذا توهماً منهم أنهم يقدرون على ذلك ، فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه ، ثم قالوا عناداً وتمرّداً " إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين ، أي : " ما يستطره الوراقون من أخبار الأوّلين)[3] ، وغالبا ما يخلطون في هذه القصص معاني العنف والقتل وسيطرة المسلمين على النساء كملك يمين ..الخ ، وتصور المسلمين على أنهم مجموعة من بدو الصحراء أميين .

 

 فشعوب العالم عندما تسمع من قيادتها أن الإسلام ليس إلا مجرد قصص أسطورية يحكيها المتقدمون زمنا وقد مضت حقبتهم الغابرة ، ثم من جهة أخرى تجذبون انتباههم إلى العلوم الحديثة ، والصناعات المتقدمة ، والوظائف المرموقة ، وفي ذات الوقت تُثَبِّت وتُوَقِّف وتعْتقل كل من يحاول أن يدعو في سبيل الله ويظهر حقيقة الإسلام للناس ، فلا يبقى إلا أن يقر في أذهانهم أنه ليس إلا أساطير تاريخية مضت حقبتها تُدولت لدي مجموعة من البدو وانتهى الأمر ، عندئذ لن يلتفتوا إلى الإسلام ، وهكذا يضللون شعوبهم ، ولهذا شرع الجهاد في سبيل الله لإزالة ذلك العائق المادي الذي يعمل على تشويه صورة الإسلام بأسلوب المكر والخديعة ، فهم لا يسمحون بمجابهة الفكر بالفكر والرأي بمثله ، بل يشنون مثل هذه الحملات الإعلامية للإساءة للإسلام والمسلمين .

 

وتتعدد الوسائل التي تُستخدم في الغرب للترويج لظاهرة "الإسلاموفوبيا" (الخوف من الإسلام)، وتتنوع بين أدوات إعلامية، سياسية، وثقافية تهدف إلى ترسيخ صور نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، ومن أبرز هذه الوسائل :-

وسائل الإعلام الكبرى: تلعب الدور المحوري عبر تضخيم الأحداث الإرهابية التي يرتكبها أفراد مسلمون مقارنة بتغطية هجمات اليمين المتطرف. كما تعمد إلى "شيطنة" المسلمين وتصويرهم كخطر على القيم الحضارية الغربية وغير قادرين على الاندماج.

صناعة السينما والترفيه: تُستخدم الأفلام (خاصة الهوليوودية) لتصوير المسلم كإرهابي عنصري أو شخص متخلف، مع ربط الإسلام بالعنف والغلو[4].

الخطاب السياسي لليمين المتطرف: توظيف قضايا الهجرة وتآكل الحدود الوطنية لإثارة "الإكسنوفوبيا" (كراهية الأجانب)، حيث يحمّل السياسيون المسلمين مسؤولية المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.[5]

المناهج الدراسية والإنتاج الفكري: استمرار وجود معلومات مغلوطة ومضللة في بعض المناهج الغربية، مع الاعتماد على مراجع استشراقية قديمة ترسم صورة مشوهة للإسلام.

شبكات التضليل المنظمة: وجود مراكز أبحاث وخبراء (يُشار إليهم أحياناً بـ "صناعة الخوف") يعملون بنشاط لنشر التضليل الإعلامي لخلق تحيز وتمييز ضد المجتمعات المسلمة[6].

توظيف الرموز الدينية: تصوير الممارسات الدينية الإسلامية (مثل الحجاب أو الصلاة) كعقبات أمام الحداثة أو كرموز للتطرف في النقاشات العامة[7].

 

وعندما يتم مناقشة المسلمين والإسلام أو العرب على وسائل الإعلام، فإنه غالباً ما يتعلق «بالحرب على الإرهاب[8].

تصوير العرب على قنوات أخبار أمريكية

القضايا

فوكس نيوز

Special Report

لاري كينغ لايف

Late Edition

مجموع

الفن والثقافة

0

0

0

0

0

أزمة (اجتماعية-إيكولوجية)

4

19

3

4

30

تطوير

0

0

0

0

0

حقوق الإنسان

0

1

0

0

1

علاقات دولية

0

1

0

0

1

دين

0

3

2

0

5

سياسة

6

9

5

12

32

الحرب على الإرهاب

13

10

14

13

50

مجموع

23

43

24

29

119

 

السبب الثالث : إعلان تحديهم الله تعالى

 

قوله (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال/32) هذا إن دل فإنه يدل على شدة المعارضة ، ووصولها إلى مرحلة العناد المستحكم ، ليس ذلك المسلمين ودينهم وحسب ، بل إن هذا التحدي إنما يعلنونه ضد الله سبحانه ما يدل على شدة عنادهم في الباطل ، وإعلان تمردهم على الله حتى وإن كان دين الإسلام هو الحق ، فإنهم يعلنون في بجاحة وتكبر أنهم إما أن يموتوا بلعنة هذا الدين أو أن يموت هذا الدين على أيديهم (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) (الفرقان 55)

 فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَنَزَلَتْ "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " الْآيَةَ )[9]

 فلا سبيل للمسلمين لفرض احترام دينهم وشعائرهم إزاء تلك الحملات التي يقودها رؤوس الكفر إلا بالجهاد في سبيل الله لأجل قطع رؤوس المتحدين الله سبحانه ، الذين لا يأبهون لمشاعر المسلمين ولا يحترمون عباداتهم وممارستهم شعائرهم ، فلا يبقى ممن لا يدين بالإسلام إلا من يحترم هذا الدين ، ولا يستهزئ به ، ومن ثم يسهل عليه بعد ذلك أن يحترم عهده مع المسلمين في إطار الذمة أو الاستئمان .

 

وأصحاب هذا الفكر السقيم يعلنون ألا دين ، فيحاولون بشتى الطرق صرف الناس عن فكرة الدين برمتها ، أو أن يجعلونهم يحصرون الدين في مجرد المعتقدات الشخصية بحيث تتجرد سلوكياتهم عن هذا الدين أيا كان اسمه ،ليصطبغ العالم كله بصبغة واحدة وهي صبغة العلمانية بدعوى التطور والانفتاح على الآخر في ضوء التقدم التكنولوجي وبخاصة في وسائل الاتصالات والمواصلات ، وإلغاء قيود التجارة الدولية ، وهو ما يستتبع استيراد كل شيء وتصدير أي شيء ، حتى الأفكار والممارسات الضارة أضحت لها مجالا لتلك التجارة العالمية التي تسمح بترويج كل شيء مثل الإلحاد ، الشذوذ[10] الجنسي ، الإباحية ، المخدرات ، الخمور ، المافيا ، العصابات المرتزقة .....الخ 

 

إذ تشير الدراسات والتقارير الاجتماعية والتحليلية إلى تزايد ظاهرة التحلل الأخلاقي والإباحية في العصر الحالي، مع ارتباط وثيق بين انتشار هذه الظواهر وتراجع دور الأديان، وصولاً إلى دعوات صريحة لإلغائها أو تهميشها، خاصة في المجتمعات الغربية وانعكاساتها على المجتمعات الأخرى عبر العولمة، حتى أضحت المجتمعات العربية ذاتها تعاني من الآثار السلبية للعولمة [11].

 

فعلى سبيل المثال تميزت المصايف في أوروبا قبل عصر العولمة، وتحديداً في أوائل القرن العشرين وما قبله، بمستوى عالٍ من الاحتشام والمحافظة، حيث كان يُنظر إلى ظهور المرأة بملابس فاضحة في الأماكن العامة كأمر غير مقبول اجتماعيًا ، بل كانت عادة النساء الملابس الفضفاضة الطويلة ، وكن يرتدين ملابس تغطي أجسادهن بالكامل تقريباً، وتصل إلى الكعبين، مع تغطية منطقة الصدر والرقبة بشكل كامل ، وكن يرتدين القبعات ، فهي جزء أساسي من الزي الأوروبي ، ليس فقط للوقاية من البرد، ولكن كجزء من الأناقة والاحتشم ،وكانت هذه المظاهر في الزي شائعة في الطبقات الأرستقراطية ، فكلما زادت الأقمشة في الزي كان ذلك دليل على الثراء ، وكذلك الطبقات الأخرى كانت تلتزم أيضاً بأغطية رأس وأزياء محافظة ، لكن بعد الحرب العالمية الثانية ظهر التحول نحو الانفتاح وسقوط هذه القيم المحافظة بشكل كبير كأثر من آثار الحرب[12] .

 

إنا سمعنا أختنا شيئاً عجاب
قالوا كلاماً لا يسر عن الحجاب
قالوا خياماً علقت فوق الرقاب
*******************
قالوا ظالماً حالكاً بين الثياب
قالوا التأخر والتخلف في النقاب
قالوا الرشاقة والتطور في غياب
*******************
نادوا بتحرير الفتاة وألفوا فيه الكتاب
رسموا طريقاً للتبرج لا يضيعه الشباب
يا أختنا هم ساقطون إلى الحضيض إلى التراب
*******************
يا أختنا صبراً تذوب بحبره كل الصعاب
يا أختنا أنتِ العفيفة والمصونة بالحجاب
يا أختنا فيك العزيمة والنزاهة والثواب
*******************
فالنار مثوى الظالمين لهم عقاب
والله يكشف ظلمهم يوم الحساب
والجنة المؤوى ويا حسن المآب

 

السبب الرابع : الصد عن سبيل الله بالقوة

 

قوله (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال/33) يقتضي مفهوم المخالفة الوارد في الآية أن أهل الكفر إذا أخرجوا أهل الإيمان من قريتهم ، ومنعوهم من العيش بينهم فإن الله يعاجلهم بعقوبة دنيوية ، وإذا لم يفعلوا ذلك فإن الله لا يعاجلهم ، بل يمنع عذابه الدنيوي عنهم ، فعن ابن أبزى قال: كان النبي r بمكة، فأنزل الله عليه: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ، قال: فخرج النبي r إلى المدينة، فأنزل الله: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" ، قال: فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون- يعني بمكة- فلما خرجوا أنزل الله عليه: "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه" ، قال: فأذن الله له في فتح مكة ، فهو العذاب الذي وعدهم)[13].

 

يستفاد من الآية والحديث أن حالة التعايش–التي شابها الاضطهاد الديني - التي عاشها المسلمون الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة كانت سببا في تأجيل عذاب الله بأهل مكة ، فلما خرجوا منها لم يعد هناك سبب لتأخير العذاب بالظالمين منهم ، فكان أول عذابهم بعدما خرج الرسول منها مهاجرا هو واقعة "بدر" التي قتل فيها أئمة الكفر أمثال أبو جهل وصناديد قريش مثل أمية بن خلف الذي كان يعذب بلال الحبشي ، حتى تُوِّج نصر المسلمين بفتح مكة ، وعندها أمر النبي بقتل أربعة من الكفار ولو تعلقوا بأستار الكعبة

عبد الله بن خطل: ارتد وقَتل مسلماً وكان يسب النبي.

مقيس بن صبابة: ارتد وقَتل مسلماً بعد أن أخذ ديته.

الحويرث بن نفيل: كان من أشد المؤذين للنبي r .

عكرمة بن أبي جهل: كان محرضاً، وعفا عنه النبي r لاحقاً بعد إسلامه.

 

ما يعني أن تأجيل العذاب يكون في حالة أن فتحت ديار الكفر أبوابها للمسلمين ، تسمح لهم بأن يعيشوا بينهم ، فتكون الفرصة سانحة لأن يتعلموا ويعملوا ويرزقوا معا ، وأثناء ذلك يمارس المسلمون شعائرهم الدينية في سلام ، عندئذ وعندئذ وحسب يمهل الله أهل هذه الديار ولا يعاجلهم بعقوبة دنيوية لانتشار ثقافة التعايش السلمي مع المسلمين ، لأن هؤلاء المستغفرين الله الذين يعيشون بينهم يكونون سببا في تأجيل عقوبته سبحانه بأهل هذه القرية على الرغم من غفلتهم عن دين الإسلام وتعاظمهم بدنياهم ، ولعل  الفرصة مواتية لأن يخرج من ظهرانيهم من يوحد الله .

 

قوله (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (الأنفال/34) أي إذا ظهر الصد منهم للمسلمين عن إقامة شعائر الله لاسيما شعيرتي الحج والعمرة ، هنا كان لابد من قتالهم ، لأن الله ينزل عذابه بالظالمين في هذه الأمة بأيدي المؤمنين كما قال في كتابه (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة 14).

 

 قال صاحب الظلال (إنها رحمة الله تمهلهم فلا يأخذهم الله بعنادهم؛ ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام - وقد كانوا يمنعون المسلمين أن يحجوا إليه ، إنها رحمة الله تمهلهم عسى أن يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه - ولو بعد حين - وما دام الرسول r بينهم يدعوهم ، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم ؛ فهم إكراماً لوجود رسول الله بينهم يمهلون ، والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائماً مفتوح إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا)[14] .

 

 قوله (..وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(الأنفال/34) ونظير هذه الآية قوله ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة 18)

قال الشنقيطي (صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام ، وأثبتها لخصوص المتقين)[15] ، ففي الآية نفي لما زعموه من أنهم أتباع إبراهيم عليه السلام .

 

 ذُكِر أن أبا طالب قام خطيبا في خطبة ابن أخيه محمد بن عبد الله بخديجة فقال (الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضى "معد" وعنصر "مُضر" ، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا أمناء بيته وسواس حرمه وجعلنا الحكام على الناس ..)[16] .

 قال رسول الله r (إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم ، فتقولون يا محمد ،فأقول هكذا وهكذا لا ، وأعرض في كلا عطفيه) [17]،  وفي رواية (أقول قد بلغت)[18] ، وفي رواية (فأصد عنكم بوجهي) ، ثم قرأ ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) [ آل عمران : 68 ] [19]، أي أعرض عنهم ، وبين لهم أنهم إن مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش .

 

السبب الخامس : عدم التعظيم لشعائر الله والاستهزاء والاستخفاف بها  

 

قوله (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء [20]وَتَصْدِيَةً [21]فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) (الأنفال/35) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ عُرَاةً، تُصَفِرُ وَتُصَفِّقُ، وَالْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَإِنَّمَا شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ، وَتَصْدِيَةً التَّصْفِيقُ)[22] ، ضوضاء يصنعونها لكي تغطي على كلام الناس وأصواتهم ، فلا يكون ثمة مجال للحديث والتعقل والتفكر ، والانشغال بحركات الجسد وصوت الصفير أشبه بالموسيقى الصاخبة .

وهذا كله من تلبيس إبليس لأن لا يفقهوا ماذا يفعلون أو يقولون ؟ والعبادة أساسها التعقل وعمل العقل ، لكنهم بالتصفير والتصفيق لا يفسحون مجالا للعقل ولا للفكر أو الصلة بالله ، بل إن ذلك الصخب تشويش على من يريد أن يعبد الله بحق ، ويقيم الصلاة بالبيت ، فهم يستهزئون بشعائر الله تعالى حتى لا يكون ثمة فسحة لملة إبراهيم حنيفا ، وهذا كذلك من المكر الإبليسي الذي يمكرون.

 

قال السمين الحلبي (وفي التفسير: أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله r يصلي ويتلو القرآن صفقوا بأيديهم وصفروا بأفواههم ليشغلوا عنه من يسمعه ويخلطوا عليه قراءته)[23] ، وهذا مناسب لما قال تعالى عنهم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت:26].

 

قوله (..فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) أي أن هذا السبب من أسباب جهادهم في سبيل الله .

فعن الضحاك رضي الله عنه في هذه الآية قال : (يعني أهل بدر ، عذبهم الله بالقتل والأسر) [24].

 

السبب السادس : إنفاق الكافرين أموالهم لمعاونة الصادين عن سبيل الله وإيقاد نار الحرب

 

قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال/36) هذا أخر صور مكرهم ، فلا يحاربون الإسلام عيانا بيانا ، دون اكتفاء بنشر الشائعات بأنفسهم ، أو الاستهزاء بشعائره ، وإنما بتقديم الأموال الهائلة لمساندة الذين يشاقون الله ورسوله ، على أسأساس أن هذا الدعم المادي الهائل هو عقبة ضخمة أمام الدعوة الإسلامية ، فإذا ما وقع في أيدي هؤلاء الأشقياء ، فإنهم واثقون من أنهم سيصرفونها على أنشطتهم الإبليسية ، ويصدون بها عن سبيل الله ويحاربون المسلمين .

 

 والله تعالى يخبرنا بأنهم سوف ينجحون في إيصال هذه الأموال إلى هؤلاء الأشقياء ، لكنها لن تؤتي فاعليتها التي يرجونها ، فالله تعالى بيده مقاليد الأمور (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) ، فعن الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ قَالَ (أُنْزِلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ، أَنْفَقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَتِ الأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِثْقَالاً مِنْ ذَهَبٍ)[25] ،  وقال مجاهد [26]: (نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي r سوى من استجاش من العرب ) ، وقال الحكم بن عيينة : (أنفق على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من ذهب)[27]، وقال مقاتل (نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثنى عشر رجلاً [28]، وكلهم من قريش وكان يطعم كلّ واحد منهم كل يوم عشر جزائر) [29].

 

وهكذا نرى أن طريقتهم في تجنيد الجيوش لمحاربة الإسلام لم تتغير منذ عهد النبي r يستعيدون بالأفارقة كجنود مرتزقة لما يتمتعون به من قوة بدنية هائلة ، ويستعينون برجال التجارة وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة في تمويل هذه الحرب ، وذلك كله تحت تخطيط أئمة الكفر لاسيما اليهود وأعوانهم ، فهم المحرضون وهم الذين يثيرون الفتن وينشرون الفساد في الأرض ، قال تعالى (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة 64) .

 

المطلب الثاني

أغراض المجاهدين في سبيل الله

 

والمقصود نيتهم من الجهاد في سبيل الله إذا وجب سببه ، وقد بينت الآيات أربعة منها :-

 

الغرض الأول  : تمييز الخبيث من الطيب

الغرض الثاني : تحقيق الردع العام للمعتدين

الغرض االثالث : درأ الفتنة

الغرض الرابع : أن يكون الدين كله لله

 

الغرض الأول  : تمييز الخبيث من الطيب

 

قوله (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال/37) فاللام للتعليل في قوله (ليميز) ، فالكفر يتلون بألوان متعددة ، والمنافقون يكثرون ويحاولون الاندساس بين المسلمين ، ولا مجال لتطهير الصف المسلم من هؤلاء المنافقين غير الجهاد في سبيل الله ، فهؤلاء المنافقون إما أن يقفوا في صف المؤمنين أو يقفوا في صف الكافرين ، وهم حين يظنون أنهم متلونون وهم يندسون في صفوف المؤمنين ، فإن الجهاد يكشف تلونهم حين يجزعون ويفزعون ويهربون ، قال تعالى (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) (الأحزاب19) ، وهذه هي حكمة –أولية- من الجهاد في سبيل الله تعالى ، حيث يميز الناس إلى فريقين إما خبيث وإما طيب ، وليس ثمة أناس بينهما ، فإما أن تكون مجاهدا أو داعما للمجاهدين ، وإما أن تكون ممن يشاقون الله ورسوله أو من يساندهم ويعاونهم ، وعليه ينضم الخبيث بعضهم على بعض فيكون فئة واحدة مهما تعددت أشكالها وألوانها ، ومهما تلون مكرها .

 

وهذا من علامات يوم القيامة أن يفترق الناس على فريقين لا ثالث لهما ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ ..... ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ .. ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ)[30]، فكأن معسكر المنافقين ينحاز لفئة غير المؤمنين ، فيكونون هم الكثرة فيه ، أو القادة فيه ، فيسمى المعسكر باسمهم (فسطاط نفاق لا إيمان فيه) ، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء140) ، وقد جمعهم فسطاط واحد ضد أهل الإيمان .

 

 قال الشعراوي (هذه الآية الكريمة تكشف لنا أن المعارك التي تنشأ بين الإسلام وأتباعه من جهة ، وبين خصوم الإسلام وأتباعهم من جهة أخرى ، إنما هي أمر مراد من الله تعالى .. حتى لمن آمن ، إنما هي تصفية لعنصر الإيمان ، لقد جاءت أحداث الإسلام للتمحيص ، مثلما تضع الحديد في النار لتستخرج منه الخبث ويصير صافياً ، وهكذا جاء الإسلام لتصفو به قلوب المؤمنين ، ويقوي إيمانهم؛ لأنهم يحملون رسالة الله تعالى إلى الأرض كلها ، .. ، فالناس في الأحوال العادية الرتيبة لا تظهر معادن نفوسهم ؛ لأن الناس إذا كانوا آمنين لا يواجهون خطراً ، ادعوا الشجاعة والكرم والشهامة ، وادَّعوا الإيمان القوي المستعد لأي تضحية في سبيل الله ، فإذا جاءت الأحداث فهي الاختبار الحقيقي لما في القلوب . .. . وهكذا أراد الله تعالى أن يميز الخبيث من الطيب فعركت المؤمنين الحوادث ، وزال الطلاء عن ذوي العقيدة الهشة ليكون الناس شهداء على أنفسهم ، ويبقى المؤمنون أصحاب صفاء القلب والعقيدة ، وحين يميز الله الخبيث من الطيب ، فهو سبحانه وتعالى : يريد تمييز الطيب حتى لا يختلط بالخبيث ، والخبيث إنما يكون على ألوان مختلفة وأنواع متعددة .. ، ويجمع الله كل الخبيث فيركمه في النار جميعاً)[31].

 

فإذا حصل هذا التميز بصورته النهائية كان ذلك إيذان بقرب الساعة ، يقول النبي r (.. فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ)[32]، لتبدأ أحداث الجهاد بصورة أخرى بعد نزول المسيح بن مريم .

 

الغرض الثاني : تحقيق الردع العام للمعتدين

 

قوله (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) (الأنفال/38) أي (ينتهوا عن مقاتلة المسلمين) [33]، ذلك أن من أهم أغراض الجهاد في سبيل الله تعالى كف عدوان المعتدين ، وتحقيق الردع العام للأعداء عموما ، فضلا عن الردع الخاص للمعتدي خصوصا ، قال تعالى (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة/191-193) .

 

 والذي يضمن عدم عودتهم لمقاتلة المسلمين إما الدخول في الإسلام والانصياع لأحكامه وشريعته أو إلقاء السلاح ودفع الجزية التي هي في حقيقتها بديل (التجنيد الإجباري) أو بديل (فريضة الزكاة التي يدفعها المسلمون) على حسب تكييف الفقهاء لها ، شريطة أن يضع المسلمون على عاتقهم تأمين أهل الجزية دون حاجة لتأمين أنفسهم ، وأن لا يطلبوا منهم فريضة أخرى بخلاف الجزية ، فليس عليهم زكاة لأنهم غير مسلمين .

 

 فإذا أبوا أن يسْلِموا ، فعليهم دفع "الجزية" وذلك إذا استطاع المسلمون تأمين أرواحهم وأموالهم بمقاتليهم ، يستوي في ذلك أنهم عندنا أو في دار الكفر ، حيث يدخلون في عهد المسلمين ويمسون مستأمنين .

 

فإن ظلوا على كفرهم لكنهم دخلوا في أمان الإسلام بالعهد مع إمام المسلمين ، فقد حقن العهد دماءهم ، وغفر لهم ما سلف من أمرهم –في أحكام الدنيا - ، فلا يحاسبون عما سلف قبل ذلك العهد –في أحكام الدنيا- ، وتسقط العقوبات المقررة في حقهم تطبيقا لأحكام حد الحرابة التي توجب إسقاطها متى سلموا أنفسهم قبل القدرة عليهم ، أي دخلوا في العهد بالاتفاق دون حرب أو استمرار الحرب.

 

فإن أسلموا (المحاربون) فإن الإسلام يهدم ما قبله ديانة ، فيغفر لهم ما سلف من ذنوبهم التي تتعلق بحق الله الخالص أو الغالب وكذا حقوق العباد ، قال العلماء (أعلم ربنا أن الكافر إذا آمن غفر ذنوبه السالفة كلها لا بعضها دون بعض)[34].

 

وقد فصل الشيخ محمد المنجد الإجابة بشأن حقوق الإنسان التي اعتدى عليها الكافر قبل إسلامه ، فقال (يجب النظر هنا إلى حاله قبل إسلامه هل كان في حال حرب أم سلم مع المسلمين ؟ فإن كان في حرب فبالإسلام أو العهد يُهدم ما قد سلف ، أي قبل القدرة ، وإن كان في سلم وعهد مع المسلمين قبل إسلامه ، فإنه يؤاخذ بما سلف لخيانته للعهد ونقضه له قبل إسلامه) ، يعني أنه طبق عليهم أحكام حد الحرابة في الحالة الأولى ، ولم يطبق أحكام حد الحرابة في الحالة الثانية ، فاستفاد بسقوط العقوبة قبل القدرة في حالة الحرب ، ولم تسقط عنه في حالة السلم لخيانته العهد

 

ففي الحالة الأولى: أن يكون حال كفره في حالة حرب للمسلمين ، فهذا بإسلامه تسقط حقوق الآدميين التي عليه ، كما تدل عليه سيرة النبي r في الذين أسلموا، بعد حربهم وقتالهم للمسلمين.

 

قال ابن تيمية: "الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية، لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد، من غير خلاف نعلمه) ، واستشهد بقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ، كما بوب مسلم في صحيحه بابا بعنوان (الإسلام يهدم ما قبله)[35]، وأورد بعده حديث النبي r لعمرو بن العاص عندما أراد أن يبايع النبي r على الإسلام ولكنه أراد أن يشترط ، فقال له النبي r تشترط بماذا ؟ فقال (أن يغفر لي) ، فقال له النبي r (أما علمت أن الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)[36] .

قال ابن تيمية (ولهذا أسلم خلق كثير، وقد قتلوا رجالا يُعرفون، فلم يطلب أحد منه بقود ولا دية ولا كفارة...)[37]

 

وعنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)[38]، قال المناوي (لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية) من جناية على نفس أو مال .

فقوله (ومن أساء في الإسلام) بضد ذلك (أُخذ بالأول) الذي عمله في الجاهلية (والآخر) الذي عمله في الكفر

قال المناوي (المراد بالإساءة الكفر)[39]أي أخلاق الكفر كالقتل والسلب ، أي أنهم لن يحاسبوا على ما سلف منهم من قتل للمسلمين وسلب أموالهم متى انتهوا عن ذلك ودخلوا في الإسلام أو في أمان الإسلام ، ما لم يعد إلى تلك المعصية مرة أخرى ، فإنه يحاسب على ما فات وإن أسلم لعودته لذات الجرم مرة أخرى .

وقال ابن تيمية (وكذلك أيضا لم يضمِّن النبي r أحدا منهم مالا أتلفه للمسلمين، ولا أقام على أحد حد زنى أو سرقة أو شرب أو قذف، سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر، وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافا، لا في روايته ولا في الفتوى به)[40]

 

وقال (بل لو أسلم الحربي، وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين، بطريق الاغتنام ونحوه مما لا يملك به مسلم من مسلم، لكونه محرما في دين الإسلام، كان له ملكا، ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه، عند جماهير العلماء، من التابعين ومن بعدهم، وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابه، بناء على أن الإسلام أو العهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له؛ لأنه خرج عن مالكه المسلم في سبيل الله، ووجب أجره على الله، وأخذه هذا مستحلا له، وقد غفر له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم، فلم يضمنه بالرد إلى مالكه، كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والأموال، ولا يقضي ما تركه من العبادات، لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد؛ فلما رجع عن الاعتقاد، غفر له ما تبعه من الذنوب... " [41]

 

وقال ابن القيم (أنّ الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين، ثم أسلموا: كانت لهم، ولم ترد إلى المسلمين، لأنها أخذت في الله، وأجورهم فيها على الله، لما أتلفه الكفار من دمائهم، وأموالهم، فالشهداء لا يضمنون، ولو أسلم قاتل الشهيد، لم يجب عليه دية ولا كفارة؛ بالسنة المتواترة، واتفاق المسلمين، وقد أسلم جماعة على عهد النبي r وقد عُرف من قتلوه، مثل وحشي بن حرب قاتل حمزة، ومثل قاتل النعمان بن قوقل وغيرهما، فلم يطلب النبي r أحدا بشيء، عملا بقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) " [42]

 

الحالة الثانية :أن يكون مجاورا للمسلمين بعهد بينهم ، فهذا الأصل فيه أن يطالَب بحقوق من ظلمهم واعتدى عليهم، كما له أن يطالِب بحقوقه منهم إن اعتدوا عليه ، وكذا الحكم في المستأمن إذا أسلم :

 

قال الشافعي:"وما أصاب الحربي المستأمن أو الذمي لمسلم أو معاهد من دم أو مال: أُتْبِع به؛ لأنه كان ممنوعا أن يَنال أو يُنال منه" [43]فمثل هذا، إذا أسلم أو تاب قبل القدرة عليه، بعد اعتداء على نفس مسلم أو ماله أو عرضه، فإنها لا تسقط حقوق المعتدى عليه بمجرد إسلام هذا المعتدي.

وقال القرطبي:"أما الكافر الحربي: فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب ، وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد، وإن سرق قطع ، وكذلك الذمي: إذا قذف حُد ثمانين، وإذا سرق قطع، وإن قتل قتل، ولا يسقط الإسلام ذلك عنه، لنقضه العهد حال كفره)[44] ، على رواية ابن القاسم وغيره" [45].

 قال الشيخ المنجد : (فعلى مثل هذا الشخص أن يؤدي الحقوق إلى من ظلمهم أو يطلب عفوهم)[46] أي ليبرأ من ذنبه في الآخرة إن كان مسلما ويريد التوبة بحق .

الغرض الثالث : درأ الفتنة

 

قوله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الأنفال/39) فغاية الجهاد أن يكون الإسلام بمأمن وأن تكون شعائر الله ظاهرة ، فأما أن يكون الإسلام في مأمن فقد ثبت عنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ" قَالَ ابْنُ عُمَرَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ ، إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ)[47] .

 

 من هنا شرع الاستنفار للجهاد لتقصي البلاد للسبر عمن يريد منهم أن يكون في عهد مع المسلمين ، ومن يريد منهم مقاتلتهم ، فلا يحول أحد بينه وبين اختيار دينه بحرية ، ولا يدلس عليه أحد فيشوه له صورة الإسلام ، فيكفر بالله لما سمعه عن دين الله من افتراءات وأكاذيب ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) [48]، فالحديث ليس على إطلاقه بل هو مقيد بقوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، أي أن سبب قتالهم ليس الكفر فحسب ، وإنما الصد عن سبيل الله ومنعهم من إظهار دين الإسلام .

 

 وهذا هو قول الجمهور ، قال ابن تيمية (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا ، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم ، فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله)[49]

 

 وعَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ فَجَاءَ فَقَالَ عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ ، فَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ قَالَ وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا)[50].أي (وليدة) أو (الأجير) [51]، أو التابع للخدمة[52]

 ولذلك قال النبي r (لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) [53]، أي لا تقتلوا من لا يشتغل بالحرب كالفلاحين وأمثالهم ممن يشتغلون بالرعي والزرع .

هذا الحكم بعدم قتل المرأة لأن المرأة لم تكن محاربة في زمانهم ، أما في هذا العصر فإذا كانت محاربة ومتسلحة فتأخذ حكم غيرها من الرجال المحاربين بلا استثناء ، لأن العلة هي الحرابة ، وليس النوع ذكرا أم أنثى .

 

كذلك شرع القتال لأجل أن تكون شعائر الله ظاهرة ، ولا يقف دونها حائل ، ولا يمانع من ظهورها صاد عن سبيل الله ، فإذا تواطأ أهل قرية أو جماعة لهم منعة على ترك شيء من شعائر الدين الظاهرة كالأذان والصلاة والزكاة قوتلوا على ذلك)[54] ، أي لو كان في أهل القرية مسلمين ومنعهم أهل القرية من الصلاة والأذان .

كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من امتنع عن الزكاة ، وقال (وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا)[55]

 

 وكذلك الحال إذا ما وقع الصدود عن سبيل الله -ابتداءً- بمنع الصلاة أو الأذان أو الزكاة ، ففي الحديث عن أنس قال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ )[56]، قال العلماء (وذلك فيمن بلغته الدعوة ، فأما من لم تبلغه الدعوة لبعد داره فلا بد من دعائه)[57]، قال الخطابي (فيه بيان أن الأذان شعار لدين الاسلام لا يجوز تركه ، فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه)[58]، يقصد بذلك تبديلهم لدين الله ، فلا يجوز لأهل بلد مسلمين يتركون شعائر الله ولا يعلنونها ، وإلا عوملوا معامة الكفار الصادين عن سبيل الله لتعطيلهم حدا من حدوده ، وشعيره من شعائره مثلما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة.

 

أما إذا لم يكن القتال لأجل الحفاظ على المسلمين من الفتنة في دينهمولا لأجل إظهار شعائر الإسلام واحترامها  –كما تقدم شرحه- ، فليس ذاك هو القتال في سبيل الله ، فعن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ r يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ) [59] ، قال ابن حجر (يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين بن الزبير وما أشبه ذلك وكان رأي بن عمر ترك القتال في الفتنة ، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين "محقة" والأخرى "مبطلة" ، وقيل الفتنة "مختصة" بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك ، وأما إذا عُلمت الفئة الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة وهذا قول الجمهور)[60].

 

الغرض الرابع : أن يكون الدين كله لله

 

قوله (..وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه..) (39) فالفتنة لن تندمل إلا إذا كان الدين كله لله ، فإن لم يكن كله لله ، فإنه سوف يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا ، كما قال الله تعالى (اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (217) ، وليس معنى ذلك إكراه الناس على الإسلام ، بل يكون ذلك بعد إزالة الصادين عن سبيل الله من طريق الدعوة ، فيسلم الناس طوعا لأن دين الله غالب ، كما قال النبي r (لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز، أو بذل ذليل)[61].

 

قال ابن تيمية (مقصود جميع الولايات في الإسلام أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك ، وبه أنزل الكتب ، وبه أرسل الرسل ، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون)[62] .

 

قال صاحب الظلال الغاية هي (إزالة الحواجز المادية المتمثلة في سلطان الطواغيت ، والأوضاع القاهرة للأفراد ، . . فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفراداً يختارون عقيدتهم أحراراً من كل ضغط ، على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين ، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى ، ويفتن بها الذين يتحررون فعلاً من كل سلطان إلا سلطان الله ... إن الناس أحرار في اختيار عقيدتهم ، على أن يعتنقوا هذه العقيدة أفراداً ، فلا يكونون سلطة قاهرة يدين لها العباد ، فالعباد لا يدينون إلا لسلطان رب العباد ، ولن تنال البشرية الكرامة التي وهبها لها الله ، ولن يتحرر « الإنسان » في « الأرض » ، إلا حين يكون الدين كله لله ، فلا تكون هنالك دينونة لسلطان سواه ، ولهذه الغاية الكبرى تقاتل العصبة المؤمنة)[63].

 

قوله (..وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الأنفال/40) أي (وإن تولى هؤلاء المشركون عن دعوتكم لهم للإيمان وترك القتال ، وأبو إلا الإصرار على قتالكم فاعلموا علما يقينيا أن الله معكم ومعينكم وناصركم عليهم)[64] ، قال أبو حيان (وهذا وعد صريح بالظّفر والنصر)[65] ، فهو (نعم المولى لمن والاه ، ونعم النصير لمن استنصره)[66].

 

وقد كان النبي r يستنصر بالله فيقول إِذَا غَزَا (اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ)[67]، جاء في الشرح (فلا أعتمد على غيرك ، وأنت قوتي أتقوى وأعتضد بك كما يتقوى الشخص بعضده . قال القاضي : العضد ما يعتمد عليه ويثق به المرأ في الحرب وغيره من الأمور ، وقال الطيبي : العضد كناية عما يعتمد عليه ويثق المرأ به في الخير وغيره من القوة ، أو أنت ناصري ومعيني)[68]

وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ)[69]، جاء في الشرح ("النحر" وهو "الصدر" أي : في إزاء صدورهم لتدفع عنا صدورهم وتحول بيننا وبينهم ، تقول : جعلت فلانً في نحر العدو إذا جعلته قبالته وحذاءه ليقاتل عنك ويحول بينك وبينه ، وخص النحر بالذكر لأنه أسرع وأقوى في الدفع والتمكن من المدفوع والعدو إنما يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال أو للتفاؤل بنحرهم أي : قتلهم)[70].

 

 

[1] ) ليثبتوك : ليحبسوك ج14 ص 191 رقم 4278

[2] ) رواه أحمد ج7 ص 114 رقم 3081

[3] ) فتح القدير للشوكاني ج3 ص 175

[4] ) انظر :  ، رضوان العجيمي  بلخيري  : ) وسائل الإعلام الغربية والترويج للإسلاموفوبيا : دراسة تحليلية في الصناعة السينمائية الأمريكية-

جامعة المدينة العالمية – منشور بمجلة مجمع العدد 24

Belkhiri, Radouane

[5] (  “الإسلاموفوبيا” وعنصرية الغرب..قراءة فى المؤشرات والأسباب - تنامي ظاهرة "كراهية المسلمين" فى أوروبا - يوليو 31, 2023 – المنتدى الاستيراتيجي للسياسات العامة ، ودراسات التنمية

 ، https://draya-eg.org/2023/07/31/الإسلاموفوبيا-وعنصرية-الغرب-قراءة-فى-المؤشرات-والأسباب-وسبل-المواجهة/

[6]) الكاتب : كهينة افروجن . الاسلاموفوبيا في الإعلام المكتوب الغربي: بحث في مصادر الصورة النمطية المعادية للإسلام.

مجلة العلوم الاجتماعية و الانسانية   Volume 7, Numéro 12, Pages 273-296 2017-06-28

[7] ) Islamophobia: Understanding Anti-Muslim Sentiment in the West

https://news.gallup.com/poll/157082/islamophobia-understanding-anti-muslim-sentiment-west.aspx

 

[8] (  Pervez، Sadia (يوليو 2010). "Portrayal of Arabs and Islam in the talk shows of CNN & Fox News". Journal of Media Studies. ج. 25 ع. 2: 122–140.

[9] ) رواه البخاري ج14 ص 197 رقم 4281

[10] ) https://guides.libraries.indiana.edu/c.php?g=995240&p=8361766

[11] ) حماد القباح : المجتمع المغربي بين مبدأ العفة وعولمة الإباحية ، هسبريس

[12] ) https://www.youtube.com/watch?v=TdFrInLCMak

https://www.youtube.com/watch?v=kw3CBzZnH2o

[13] ) تفسير ابن جرير الطبري : ج13 ص 509

[14] ) في ظلال القرآن ج3 ص 397

[15] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 53

[16] ) تاريخ ابن خلدون ج2 ص 5

[17] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 309 رقم 897 ، وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 343 رقم897/692

[18] ) انظر تخريج ابن رجب في جامع العلوم والحكم ج1 ص 237

[19] ) رواه أبو يعلى في مسنده ج3 ص 150 رقم 1579 ، الآحاد والمثاني للشيباني ج4ص620 ،إتحاف الخيرة المهرة ج6ص190

[20] ) المكاء : الصفير (وَ الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ عَلَى نَحْوِ طَيْرٍ أَبْيَضٍ، يُقَالُ لَهُ: الْمُكَاءُ، يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 81

[21] ) وتصدية : هي التصفيق وهو أن يضرب بإحدى يديه على الأخرى فيخرج بينهما صوت ، التبيان تفسير غريب القرآن ص 218

[22] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 82

[23] ) الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 2105

[24] ) السيوطي : الدر المنثور ج4 ص 450 ، تفسير ابن أبي حاتم ج7ص84 ، تفسير الطبري ج13 ص 528

[25] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص 84

[26] ) والسدّي وابن جبير وابن أبزى

[27] ) البحر المحيط ج6 ص 81

[28] ) أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجّاج وأبو البحتري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حرام وأبيّ بن خلف وزمعة بن الأسود والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب

[29] ) البحر المحيط ج6 ص 81

[30] ) رواه أبو داود ج11 ص 316 رقم 3704 ،وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 242

[31] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3271

[32] ) رواه أبو داود ج11 ص 316 رقم 3704 السلسلة الصحيحة المجلدات للألباني ج3 ص 48 رقم 974

[33] البحر المحيط ج2 ص 236 – الطبري ج13 ص 536

[34] ) صحيح ابن خزيمة ج4 ص 228

[35] ) صحيح مسلم ج1 ص 303

[36] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173

[37] ) الصارم المسلول ج1 ص 160

[38] ) رواه البخاري ج 21 ص 239 رقم 6410

[39] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 754

[40] ) الصارم المسلول ج1 ص 161

[41] ) "الصارم المسلول"  ج1 ص 161

[42] ) "أحكام أهل الذمة" (2 / 860).

[43] ) "الأم" (7 / 95).

[44] ) تفسير القرطبي ج7 ص 402

[45] ) "تفسير القرطبي" (9 / 502 ) نسخة أخرى

[46] ) https://islamqa.info/ar/answers/345850/ الشيخ محمد المنجد

[47] ) رواه البخاري ج14 ص 201 رقم 4283

[48] ) رواه البخاري ج1 ص 42 رقم 24

[49] ) السياسة الشرعية ج1 ص 159 - مجموع الفتاوى ج28 ص 354

[50] ) رواه أبو داود ج7 ص 274 رقم 2295 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 169 – السلسلة الصحيحة ج2 ص 200 رقم 701

[51] ) سبل السلام ج4 ص3 وهم الغلمان الذين يعملون لدي سيدهم في حرفة معينة كالرعي

[52] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج12 ص 99

[53] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 224 رقم 11587

[54] ) صيد الفوائد : شرح حديث ( أمرت أن أقاتل الناس ) خالد بن سعود البليهد / عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة

[55] ) رواه البخاري ج5 ص 205 رقم 1312

[56] ) رواه البخاري ج10 ص 95 رقم 2725

[57] ) يوسف النمري القرطبي : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج2 ص 221

[58] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج5 ص 203 – فتح الباري لابن حجر ج2 ص 90

[59] ) رواه البخاري ج14 ص 202 رقم 4284

[60] ) فتح الباري ج13 ص 47

[61] ) رواه ابن حبان ج15 ص 92 السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج1 ص 2 رقم 3

وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية.

رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 477 رقم 8326 ، وابن حبان ج15ص 92 ، وأحمد وانظر : مرقاة المفاتيح ج1 ص 114 رقم 43

[62] ) الحسبة لابن تيمية ج1 ص 2

[63] ) في ظلال القرآن ج3 ص 401

[64] ) التفسير الميسر ج3 ص 208 إشراف د/عبد الله بن عبد المحسن التركي مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

[65] ) البحر المحيط ج6 ص 84

[66] ) تفسير السلمي ج1 ص 267

[67] ) رواه أبو داود ج7 ص 219 رقم 2262 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 383

[68] ) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح للمباركفوري ج8 ص 415

[69] ) رواه أبو داود ج4 ص 335 رقم 1314 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5 ص263

[70] ) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 417

  • الاثنين PM 02:10
    2026-04-20
  • 5
Powered by: GateGold