المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1903034
يتصفح الموقع حاليا : 332

البحث

البحث

عرض المادة

موقف بعض المعاصرين

موقف بعض المعاصرين

 

الشيخ محمد إسماعيل المقدم

كان لبعض المعاصرين موقف من قضية إثبات وجود الله تعالى يؤكد ما ذكرناه سابقًا.

فمنهم الأستاذ محمد فريد وجدي رحمه الله، قال: إن مسألة وجود الخالق لا يصح أن تعد في صنف المسائل المشكوك فيها والتي يتسع المجال فيها للأخذ والرد، لأنها أجل البديهيات العقلية والحسية معًا، ولكن يجب أن يعد نكرانها من باب الجنون.

أما الكاتب عباس محمود العقاد، فيرى أن الإيمان بوجود الله يعتبر مسألة وعي قبل أن يكون أي شيء آخر، وما من إنسان إلا ولديه وعي يقيني بوجوده الحاصل، كما أن له وعيًا بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية، لأن وجود الإنسان متصل بهذا الوجود وقائم عليه. ومن سمات الوعي أنه لا يتناقض مع العقل، وهو أعم منه إدراكًا، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله، ومن ظاهره وباطنه، وما يعيه هو وما لا يعيه.

وإذا أثبت الوعي والبداهة، والذي لا يقل قيمة عن المنطق والقياس العقلي، بل كل الأحكام المنطقية والقياسية مستندة إليه وصادرة عنه، فإن جميع البراهين التي قدمت للاستدلال على وجود الله لا تغني عن الوعي الكوني في الشعور بالعقيدة والإيمان بالله تعالى.

أما الأستاذ سيد قطب رحمه الله، فيؤكد على أن قضية وجود الله لم تكن مشكلة قط، أو قضية جدية من قضايا الاعتقاد في تاريخ البشرية، والقضية الجديرة بهذا الوصف هي تصور حقيقة الألوهية، ولا سيما ما يتعلق بالتوحيد. ومن ثم فالمعركة بين التوحيد الحق وبين الشرك، وبين الاعتقاد الحق وبين الشرك، وبين توحيد الألوهية وبين اتخاذ الأرباب المتفرقة، ولم يكن موقف الإسلام أبدًا هو العطف على مجرد الإيمان أو مجرد التدين، ولوثة إنكار وجود الله ليست إلا لوثة حديثة عارضة وشاذة، وليست لها جذور أو روافد في ضمير البشرية، وهي عملية انتحار محتومة، حيث تقاومها الفطرة، والفطرة أغلب.

ويقول أيضًا: والمنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية لا يجعل من وجود الله سبحانه قضية يجادل عنها، لأن هذا الوجود يفعم القلب البشري ويملك عليه شتى جوانبه، بحيث لا يبقى مجال للجدل حوله، وإنما ينصب اهتمام المنهج القرآني على بيان آثار هذا الوجود في الكون، والحديث عن مقتضياته في الضمير والحياة البشرية، واستجاشة الفطرة واستثارة متجلّياته في الكون بأكمله.

أما الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، فيرى أن الإسلام لم يأت أو لم يعن بإثبات وجود الله، وإنما جاء للدعوة إلى توحيده، والمتصفح لآيات القرآن وكذلك التوراة والإنجيل بوضعهما الراهن سوف يجد أن مسألة وجود الإله لم تجعل مطلقًا هدفًا من الأهداف الدينية، ولم تحتل مكانًا يشعر بأنها من مقاصد الرسالات السماوية.

وما ورد من آيات في القرآن ظنها البعض مسوقة لهذا الغرض فليست من ذلك في قليل ولا في كثير، وإنما وردت لبيان عظمة الله وجلاله وهيمنته الكاملة على العالم.

وقد كان النهج الفلسفي الوثني سببًا للانحراف وظهور فكرة الإلحاد حينما تناول وجود الله بطريقته النظرية، لأنه كما يحق للبعض أن يثبتوا وجود الإله، فمن حق الآخرين أن ينفوا، وكل ذلك يؤدي إلى ضعف الإيمان، لأن وضع وجود الإله موضع بحث معناه وجود لون من الشك أو الريبة المنافية لكمال الإيمان واليقين.

ثم يدعو الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، إلى حذف مسألة وجود الله من علم الكلام بالكلية، فوجوده سبحانه أمر بدهي لا ينبغي أن يتحدث فيه المؤمنون نفيًا أو إثباتًا، ولا سلبًا أو إيجابًا. إن وجود الله من القضايا المسلمة التي لا توضع في الأوساط الدينية موضع البحث، لأنها فطرية، وإن كل شخص يحاول وضعها موضع البحث إنما هو شخص في إيمانه دخل، وفي دينه انحراف.

فما خفي الله قط حتى يحتاج إلى أن يثبته البشر، والإسلام لم يجئ لإثبات وجود الله، وإنما جاء لتوحيد الله. وإذا تصفحت القرآن أو تصفحت التوراة حتى على وضعها الحالي أو الإنجيل حتى في وضعه الراهن، فإنك لا تجد أن مسألة وجود الله قد اتخذت في أي منها مكانًا تجعلها هدفًا من الأهداف الدينية أو احتلت مكانًا من مقاصد الرسالة السماوية.

والقرآن الكريم يتحدث عن بداهة وجود الله حتى عند ذوي العقائد المنحرفة، يقول سبحانه: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، إنهم يقولون إن الخالق هو الله مع أنهم مشركون أو منحرفون بوجه من الوجوه في إيمانهم بالله تعالى.

وما نزلت الأديان قط لإثبات وجود الله، وإنما نزلت لتصحيح الاعتقاد في الله أو لتصحيح طريق التوحيد.

وبعد أن عقد العلامة أبو بكر الجزائري حفظه الله فصولًا تتناول إثبات وجود الله تعالى والرد بالأدلة على الملحدين، قال: اللهم إني أبرأ إليك من كفر كل من كفر بك، ومن إلحاد كل من ألحد في أسمائك وصفاتك، ومن شرك كل من أشرك بك في ربوبيتك أو ألوهيتك، وأعتذر إليك من كل استدلال استدللت به عليك، ومن كل قياس عقلي وضعته تدليلًا على وجودك، وأنت موجد كل موجود، ومن كل برهان أتيت به على إثباتك وإثبات جلالك وكمالك، ومن كل دليل مادي سقته لأثبت به وجودك، لأنك يا ربي أنت الدليل على وجودك، وأنت البرهان على جلالك وكمالك، فكيف يصح طلب الدليل للدليل، والإتيان بالبرهان على البرهان؟ قالوا: ائتنا ببرهان، فقلت لهم: أنا يقوم على البرهان برهان؟

اللهم إنا كل عبادك المؤمنين بك قد عرفناك بك، ولم نعرفك بغيرك، إنك أنت الذي تعرفت إلينا بنعمك وآلائك علينا، وبنور الإيمان الذي جعلت في قلوبنا، فعرفناك ربنا ورب كل العالمين، وإلهنا وإله الأولين والآخرين.

اللهم إننا لم نعرفك، وأنت تعلم، بقياس ولا بطلب منا لك والتماس، وإنما عرفناك بما فطرت نفوسنا عليه من الإيمان بك، والافتقار إليك، والتوكل والاعتماد عليك، فطرنا بوجودك ناطقة، وأحوالنا المتبدلة المتغيرة بكمالك شاهدة.

هيهات هيهات يا ربنا أن تعرف بالقياس، وأنت رب الناس وملك الناس وإله الناس، أو أن تثبت بالدليل، وأنت خالق المستدل والدليل.

اللهم إن شفيعي عندك ووسيلتي إليك في العفو عني ما قد علمته مني من شعور بالحياء والخجل وأنا أدلل عليك وأبرهن على وجودك، وأنت الظاهر الذي لا يخفى، والموجود الذي قام به كل الوجود.

  • الاحد PM 05:03
    2026-04-26
  • 12
Powered by: GateGold