ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
كما أن الإسلام يزكي الأفراد ، فإنه يقيم الدول فهو دين ودولة ، وجهاد ونية
د / احمد نصير
كما أن الإسلام يزكي الأفراد ، فإنه يقيم الدول
فهو دين ودولة ، وجهاد ونية
قال تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
زَعم الأعرابُ أنَّ الإيمان قد دخل قلوبَهم؛ ظنًّا منهم أنَّهم بعد إسلامهم وإتيانهم الفرائضَ الخمس قد آمنوا، إلاَّ أنَّ القرآن نفى هذا الزَّعمَ ، وفي ذات الوقت لم يُكفِّرهم، وإنَّما أطلق عليهم لفظ الإسلام دون الإيمان، فهو - سبحانه - لم يَنقصهم من أعمالهم شيئًا، وإنَّما يوضِّح لهم حقيقةَ الإيمان؛ موضِّحًا حقيقةَ الإيمان، وأنَّ الإيمان ما وَقَر في القلب وصَدَّقه العمل، وليس الأمر قاصرًا على مجرَّد عمل الجوارح دونَ حضور القلب، وإنَّما يتعيَّن التضحية بالمال والنفس؛ لأجلِ هذا الدِّين حتى يصدقَ إطلاقُ قول الإيمان عليهم؛ فالإيمانُ لا ينفك عنه -أبدًا- الجهادُ بالمال والنفس في سبيل الله - تعالى - فإذا ضَحَّى المسلم بماله لأجل هذا الدِّين بَقِي عليه أن يضحِّي بنفسه، حتَّى يدخلَ الإيمان في قلبه، ويَصدُقَ هذا الوصف عليه.
وهناك إشكالية أخرى استظهرتها خاتمة السورة هي أن بعض الناس يظن أن الله أعز هذا الدين بإسلامه ، وأن له الفضل والطول على المسلمين ، وليس ذلك بمناسب ذكره ، ذلك أن الفضل لله ، والهدى بيده ، ولولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا أسلمنا ، ولذلك اختتمت الآية بإثبات علم الله للغيب وإثبات أنه بصير بما نعمل .
قوله (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 14]، (ليس المقصود بنفي الإيمان عنهم انتفاء وجود تصديق باللسان, ولكن المقصود هو انتفاء رسوخه في القلب ، وذلك لوجود شائبة ريب كما أشعر به قوله (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) لكن هؤلاء ارتابوا ، كذلك استعير الدخول للإيمان ، في قوله (ولما يدخل) لأن الداخل إلى المكان يتمكن ويستقر )[1].
وأثبت لهم الإسلام ، الذي هو ظاهر الإيمان ، قبل أن ينفي عنهم كمال الإيمان ، باعتبار أن الإسلام ليس هو حقيقة الإيمان الكاملة ، قال العلماء (فإذا قُرنا –أي الإسلام والقرآن- في نص واحد كان الإيمان مختصاً بالاعتقادات الباطنة ، واختص الإسلام بالأعمال الظاهرة)[2].
ودليل ذلك حديث جبريل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَا الْإِيمَانُ قَالَ الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الْإِسْلَامُ ، قَالَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)[3].
قوله (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لا ينقصكم من أعمالكم شيئا ، ففي الآية استدراك على هؤلاء الأعراب الذين لم يثبت الله لهم الإيمان ، وقد أثبت لهم الإسلام ، في حين أن الله تعالى أثبت الإيمان لغيرهم من الصحابة من أهل بدر ، فقال سبحانه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (4) كما أثبت الإيمان لأهل الهجرة فقال سبحانه (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (74)
ففي الآية توضيح لهؤلاء الأعراب أنهم لم يصيبوا درجة الإيمان بعد لأنهم لم يجاهدوا في سبيل الله ، وإن جاز وصفهم بالمسلمين ، فبداية الطريق الطاعة المجردة عن الهوى بإتيان الفرائض والأركان ، يلي ذلك درجة الإيمان بإثبات أن حب الله ورسوله أشد من كل شيء يتعلق به القلب ، كما في قوله (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/24) ، ثم درجة الإحسان حيث يستوي عالم الغيب وعالم الشهادة في عبادة المرء لربه ، فعَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ قَالَ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ مَهْ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فَقَالَ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ)[4] ، فالآية توضح لهؤلاء الأعراب أنهم لا يزالون في أول الطريق فلا يستعجلوا أن ينسبوا لأنفسهم الإيمان وهم لا يزالون في مهد الإسلام ، فلا يظنون أن أبا بكر مفضل عنهم بالأقدمية في هذا الدين ، ولا أصحاب الشجرة لهم السبق بتلك الأقدمية ، فالأمر مرجعه العمل ، فلا يزال ينتظرهم كثير من العمل لإثبات الإيمان حقا .
والتفرقة بين الإيمان والإسلام تجد صداها في الشريعة الإسلامية في أحكام الدنيا ، حيث قال العلماء (من أصول السلف –باتفاق- أن أصل الإيمان في القلب ، فمعنى هذا أن العمل الظاهر من حيث هو ليس إيماناً ، لكن إذا فعله العبد مجرداً عن التصديق في الباطن قد يحصل به نجاته في مسألة الأحكام الدنيوية، ولهذا كان المنافقون يصلون ويظهرون بعض الشرائع، فكان ذلك موجباً لحقن دمائهم ونحو ذلك) [5]، لعلهم ينتهون ويتوبون توبة نصوحا .
فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ r قَسْمًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَوْ مُسْلِمٌ أَقُولُهَا ثَلَاثًا وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا أَوْ مُسْلِمٌ ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ) [6]، فالحديث أورده مسلم تحت باب (تَأَلُّفِ قَلْبِ مَنْ يَخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ لِضَعْفِهِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ) ، وكفى بتسمية الباب شرحا للحديث .
قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات: 14 - 15] قصرت الآية الإيمان على من أثبت أن أمواله ونفسه ليست أغلى عليه من طاعة الله ورسوله ، يقول النبي r (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ)[7]، فالترجمة العملية لهذا الحب لا تكون إلا بالتضحية والفداء والبذل والعطاء .
وبالنظر إلى الملابسات التي نزلت فيها هذه الآيات يتبين أن المسلمين في العهْد المكيِّ ظلُّوا يكفُّون أيديَهم عن الردِّ على إيذاء المسلمين، ملتزمين أمرَ الله - تعالى - بذلك، وذلك بما يتناسبُ مع طبيعة تلك المرحلة، حتَّى يتأسَّس فيها الصف المسلم، وتتأسَّس العقيدة الإسلاميَّة في قلوب رِجالٍ هاجروا إلى المدينة، وتركوا أموالَهم ودِيارَهم وأوطانَهم؛ لأجْل الله - تعالى - وهُنا فَرَض الله - سبحانه - الجِهاد عليهم، لكن المنافقون أرادوا أن يَفصلوا بين الإيمان والجِهاد ظنًّا منهم أنَّ الله - تعالى - يَقبل ذلك؛ إذ طالَمَا أنَّهم منشغلون بمتاع الدُّنيا فلا غروَ أن يصلُّوا ويُزكُّوا؛ لكن إذا فَرَض الله عليهم الجِهاد والتضحيةَ بهذا المتاع القليل هنا يبدو الاعتراض، وعدم الإذعان، ويبدو أن هذا التيار يريد أن يفصل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله عن الدين ويبتره بترا ، وكأنهم يقومون بتخلية هذا الدين من أسلحته وسقفه الذي يحميه ، ليحصروا دائرة الدين في المساجد فحسب أو على أكثر تقدير ألا يخرج هذا الدين عن مجال المعاملات التجارية والاقتصادية إن صدقوا ، أما أن يكون لهذا الدين أنياب وشوكة تحميه من أي معتدي فهذا ما يستنكفوه ويأنفوه
ولذلك أثبت الله صدق الإيمان لمن تجرد من حظوظ الدنيا في مقابلة طاعته لله ورسوله ، كما في الحديث عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)[8]
قوله (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (16)، يبكت الله أصحاب الأهواء الذين يريدون أن يفصلوا الجهاد عن الإسلام ، فمن السخافة أن يتقول المرء على الله تعالى فيأخذ من الدين ما يشتهي ويترك ما لا يرغب فيه ، إن الدين هو ما حكم به الله ، فمتى حكم بالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس فلا مجال للبخل بهما من أجل هذا الدين ، فإنه وإن كان القتال مكروها لدي النفس البشرية ، فإنه وقد كتبه الله وفرضه على المسلمين وجب الإذعان لأمر الله تعالى والتسليم له ، فالطاعة في المنشط والمكره ، فلا المجادلة مع أوامر الله.
والإسلام دين يتعامل من النفس البشرية بالتدرج ، فلا يفرض الجهاد في سبيل الله على من دخل الإسلام اليوم ، وكان البارحة كافرا ، ولذلك يثبت له الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين ، ويتريث معه حتى يتعلم الحب والفداء والتضحية في سبيل الله ، ولذلك هادن النبي r بعض الصحابة في أول إسلامهم ورضي منهم ألا يتصدقوا وألا يجاهدوا ، وذلك لأنهم حديثي عهد بهذا الدين ، لكنه كان يعلم أنهم سوف يفعلون ذلك متى استقر الإيمان في قلوبهم وصدقوا في نياتهم ، فعن وهب قال: سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على النبي r أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي r بعد ذلك يقول "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" . [9]
قوله (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ..)(17) فمن السخافة - كذلك - أن يظن المرء في نفسه أنه قدم للإسلام شيئا ، ليكتفي بما قدم ، ويقتصر علي ذلك دون أن يبذل المزيد ، ظنا منه أنه صاحب الفضل على هذا الدين بما قدم من تضحيات سابقة .
فعن بن عباس قال : قدم وفد بني أسد على رسول الله r فتكلموا فقالوا قاتلتك مضر ولسنا بأقلهم عددا ولا أَكَلِّهِمْ (أضعفهم) شوكة ، وصِلنا رحمك ، فقال النبي r لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما (تكلموا هكذا؟) قالوا لا قال (إن فقه هؤلاء قليل وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم) [10] ، قال عطاء : فأنزل الله جل وعز يمنون عليك أن أسلموا الآية)[11] ، فهذا الوفد منوا على الصحابة والمسلمين نصرتهم لهم ، وزعموا أنهم لما دخلوا الإسلام زاد عدد المسلمين بهم ، ناسين أنهم هو أحوج للإيمان من حاجة إخوانهم لهم ، فإخوانهم يعيشون بدونهم ، أما هم فلن يعيشوا بدون الإسلام ، ولذلك قيل (المرء يكثر بإخوانه المسلمين ، ولا خير فى صحبة من لا يرى لك مثل الذى ترى له)[12].
قال ابن حجر في فتح الباري: "وبنو أسد كانوا فيمن ارتدَّ بعد النبي r وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادَّعى النبوة، ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر وكسرهم، ورجع بقيتهم إلى الإسلام، وتاب طليحة وحَسُنَ إسلامه، وسكن معظمهم الكوفة بعد ذلك ".[13]
قوله (قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(17) فالله يمن علينا أن هدانا لهذا الدين الذي هو كل متكامل لا نقص فيه ولا شائبة ، دين يهدي إلى الحقيقة العظمى وهي الإيمان بالله تعالى وما يترتب عليه من خير عام في كل شيء صغير كان أو كبير ، فالإسلام لن ينقصه شيئا بارتداد المرتدين ، كما حصل في عهد أبي بكر رضي الله عنه ، بل زاد الفتوحات الإسلامية ، ولن ينقصه شيء لو ارتد غيرهم بعد ذلك .
والذين يمنون على المسلمين أنهم معهم وقد انضموا إليهم ، وظنوا أنهم بإسلامهم زادوا المسلمين عددا ، فهؤلاء أحبطوا أعمالهم ، وحالهم كحال صاحب الشاذة والفاذة ، فعن سهل بن سعد بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله r التقى هو والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله r إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله r رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه ، فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله r (أما إنه من أهل النار) ، فقال رجل من القوم أنا صاحبه قال فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال فجرح الرجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه)[14].
قوله (..بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ..)(17) وذلك هو فقه أهل الجنة ، ويقرون بذلك عندما يدخلوها ، قال تعالى (وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) (43) الأعراف) .
وهو ما فقهه النبي r وأقر به ، فكان يقول r (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ..وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)[15]
وهو ما ينبغي أن يفقه المسلمون في كل عصر (قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[ يونس : 58 ] .
قوله (..إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(17) قال ابن عجيبة (وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم ، يعني : الله تعالى يعلم كل مستتر في العالَم ، ويُبصر كل عمل تعملونه في سِركم وعلانتيكم ، لا يخفى عليه منه شيء ، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم)[16].
خاتمة السورة
قوله (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (18)أي لما كان صدق الإيمان من الأمور القلبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى ، اختتمت السورة بإثبات اطلاع الله تعالى على ما في الصدور ، وأثبت أنه بصير بأعمال العباد ، حيث قد يبدو ظاهرها أنها مطابقة لأوصاف الشرع من حيث أنها تدل على إسلام صاحبها ، بيد أنها من الناحية القلبية ليست لله تعالى .
فعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي r فقال يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية فرفع إليه رأسه قال وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل) [17] .
[1] ) مختصر قول ابن عاشور : انظر التحرير والتنوير ج26 ص 221
[2] ) تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ج1 ص 315
[3] ) رواه البخاري ج1 ص 87 رقم 48
[4] ) رواه مسلم ج13 ص 304 رقم 4938
[5] ) يوسف الغفيص: شرح العقيدة الطحاوية ج1 ص 198
[6] ) رواه مسلم ج1 ص 359 رقم 214
[7] ) رواه البخاري ج1 ص 23 رقم 13
[8] ) رواه النسائي ج10 ص 193 رقم 3083 ، وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 206
[9] ) رواه أبو داود ج 2 ص 178 رقم 3025 وصححه الألباني
[10] ) رواه النسائي ج6 ص 467
[11] ) رواه النسائي ج6 ص 467
[12] ) انظر تخريج السيوطي : جمع الجوامع ج1 ص 24862 (الحسن بن سفيان ، وأبو بشر الدولابى ، وابن عساكر ، والعسكرى فى الأمثال عن سهل بن سعد . ابن عدى عن أنس) حديث سهل بن سعد : أخرجه ابن عساكر (10/363) . وأخرجه أيضًا : الديلمى (4/300 ، رقم 6882) .
[13] ) فتح الباري ج11 ص 290
[14] ) رواه البخاري ج 3 ص 1061 رقم 2742
[15] ) رواه البخاري ج9 ص 428 رقم 2625
[16] ) البحر المديد ج6 ص 122
[17] ) رواه البخاري ج 1 ص 58 رقم 123
-
الثلاثاء PM 03:34
2026-04-28 - 10



