ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حديث الغدير
حديث الغدير
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستكمل ما كنا بصدده من مدارسة قضية الإمامة من كتاب أصول دين أو مذهب التشيع.
وكنا انتهينا من الكلام على قضية حصر الأئمة في عدد معين عند الرافضة، ثم يناقش الدكتور -حفظه الله تعالى- استدلال الرافضة على مسألة الإمامة، يقول:
من أصول الروافض أنه لا يجوز للرعية اختيار إمام. الإمام لا تختاره الرعية، وإنما لا بد فيه من النص، يعني لا سبيل إلى وجود حاكم أو إمام إلا بالنص من الإمام السابق، كما شرحنا ذلك من قبل. فالإمامة لا تكون إلا بالنص، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله تعالى عنه وأولاده، فهم الأئمة إلى أن تقوم الساعة.
وقد رأينا بدايات هذه العقيدة على أيدي السبئية والهشامية والشيطانية، إلا أن الشيطانية نسبة إلى شيطان الطاق. إلا أن شيوخ الشيعة ادعوا أن هذا الأمر هو من شرع الله ورسوله، أن الذي شرع مسألة الوصية والنص على الإمام إنما هو الله ورسوله، وليس الذي أسس هذه الفكرة السبئي عبد الله بن سبأ، وهشام بن الحكم، وشيطان الطاق.
فيقول: إلا أن شيوخ الشيعة ادعوا أن هذا الأمر هو من شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال أئمة أهل البيت، وأخذوا يستدلون على ذلك بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة.
وبالغوا -كعادتهم- في جمع الروايات وحشد النصوص في ذلك، حتى إن شيخهم ابن المطهر كتب كتابًا سماه الألفين في إمامة أمير المؤمنين. يعني يدعي أنه جمع ألفي دليل، ألفي دليل على إمامة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. ولكن في الحقيقة هو نفسه انقطع، ما قدرش يوصل ويحقق ما كان يصبو إليه من أنه يجمع ألفي رواية حول هذه المسألة، فانقطع نفسه بعدما ذكر 1038 دليلًا فقط مما يعدونه هو أدلة على مقصوده.
كما ذكرنا من قبل، عندهم ميول غريبة جدًا لتضخيم الأعداد والأرقام، وطبعًا الكذب سهل، ما أسهل أن يفتروا على الله الكذب، فتكثر روايات ويقول لك: هناك في هذه المسألة 700 رواية، والمسألة دي فيها 2000 رواية، ودي فيها كذا، وهكذا.
وقلَّ من مؤلفي الشيعة من لم يتكلم عن هذه القضية ويستدل لها، لأنها عصب دينهم وعماده.
وإذا علمت أن كل هذه الروايات يتفرد بنقلها -حسب منطق الشيعة- آحاد الناس، بل الواحد، وهو علي، لأن عليًا عندهم هو الباب، ومن ادعى سماعًا من غيره فقد أشرك. من ادعى سماعًا من غير علي فقد أشرك. إذًا كما أن ما سوى علي وبضعة نفر من الصحابة، ثلاثة أو أربعة أو سبعة، ما سوى هؤلاء محكوم عليهم في كتب الشيعة بالردة.
فجميع الصحابة في نظر الرافضة -قاتلهم الله- مرتدون خارجون عن الإسلام، ولم يبق على الإسلام إلا علي ومعه ثلاثة أو أربعة أو سبعة. أقصى عدد من الصحابة الذين بقوا على الإسلام هو سبعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فطبعًا ما داموا مرتدين لن تقبل روايتهم.
وتفرد الواحد بالنقل موضع شك، ولا سيما والجَمُّ الغفير على خلافه. طيب، إزاي يبقى كل الموضوع قائم على الإمامة بالنص، واللي يروي لنا أدلة النص على أن عليًا هو أمير المؤمنين وأولاده من بعده هو علي نفسه؟ فعلي واحد، واضح؟ هذا بافتراض -يعني- أن عليًا يوافق ما هم عليه، وحاشاه رضي الله تعالى عنه. لكن هو واحد فقط.
أما الصحابة فما فيش روايات عن طريقهم، لأن الصحابة في نظرهم كلهم قد ارتدوا، ما عدا ثلاثة أو خمسة أو سبعة. طيب، لما واحد يتفرد يكون موضع شك، خاصة أنه يخالف الجَمَّ الغفير، جمهور الصحابة، ممن لا يقولون بالنص على الإمامة. فالشك هنا يزيد.
طيب، حاولوا بقى يعني يدفعوا هذه الشبهة بأن قالوا: لا، هو واحد نعم، لكنه معصوم، بحيث يسدوا باب احتمال الخطأ. فضطروا حينئذ للقول بالعصمة.
ولكن العصمة كيف تثبت؟ بخبر من ادعاها، وهو واحد. يعني هو اللي بيدعي العصمة. لنفرض جدلًا أن عليًا ادعى أنه معصوم. هم ادعوا العصمة عشان يبعدوا احتمال أنه واحد ممكن يغلط، لكن لو معصوم مش هيغلط. طيب، إزاي بقى العصمة تثبت بخبر نفس الشخص الذي ادعاها، وهو شخص واحد؟
فخرجوا من هذه الإشكالية بأن قالوا: إنه اضطروا إلى اختراع البدعة الأخرى، وهي إثبات المعجزة للأئمة. فصارت قضية الإمامة ترتكز عندهم على ثلاث شعب: النص، والعصمة، والمعجزة.
قال شيخهم المفيد: إن الإمامة توجب لصاحبها عند الاثني عشرية العصمة والنص والمعجزة.
وقد مضى القول بأن المعجزات لا يأتي بها إلا الأنبياء عليهم السلام، وأن الشيعة قالت بها في حق الأئمة لأنها أعطتهم معنى النبوة دون اسمها، وزعمت أنهم هم الحجة على العباد، وليس لهم في ذلك من برهان إلا اتباع ما وضعه العصور الماضية. قال تعالى: رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يقل: والأئمة.
فحجة الله قامت على عباده بالرسل، وأيدهم سبحانه بالآيات، ولا يملك الشيعة في باب معجزات الأئمة إلا دعاوى مجردة لا يعجز عن تأليفها المحتالون والمتآمرون، وطبعًا الكذب الشيعي لن يضيق عن ادعاء آلاف المعجزات المكذوبة.
أما مسألة العصمة فسوف نناقشها بالتفصيل فيما يأتي، لأنها مسألة مهمة جدًا في معتقد الرفض. ثم إن المعجزة على تقدير الصدور موقوفة على الخبر. يعني المعجزة نحن لا نراها، لكن نصدق بها لا بد من خبر.
يقول: ثم إن المعجزة على تقدير الصدور -يعني باحتمال أنها فعلًا حصلت وصدرت بالفعل منه معجزة- موقوفة على صحة الخبر. وكيف يوثق بخبر مرتدين؟ وكذا الشأن في العصمة، موقوف على الخبر. ومين هينقل أنه معصوم غير الصحابة؟ والصحابة عندهم مرتدون.
ومع ذلك فإن الشيعة تولي مسألة الخبر المتمثل في دعوى النص والوصية أهمية كبرى، فهي الحجر الأول في بناء المذهب، والقاعدة الأساسية في كيانهم العقدي. ولا شك أن النص على عين من يتولى إمامة المسلمين إلى أن تقوم الساعة غير ممكن إلا في عقل الرافضة. يعني شيء العقل لا يستوعبه: أن يأتي نص أن الرسول هو الآن ولي الأمر عليه الصلاة والسلام، ثم ينص الله سبحانه وتعالى بواسطة جبريل على أن عليًا هو وصيه، ثم من بعد علي فلان، ثم من بعد كذا وكذا إلى أن تقوم الساعة. فطبعًا ده شيء غير متصور أن يصدر من الوحي.
لكن انتهى بهم هذا القول إلى الاستسلام لوهم كبير، حيث اضطروا إلى القول بحياة واحد من البشر قرونًا مديدة، وهو مهديهم الذي ينتظرونه، فأصبحوا ضحكة الأمم. والضُّحَكة هو من يكثر الناس الضحك منه.
وقد رد عليهم علي الرضا، والذي يدعون أنه أحد الأئمة. أي أنه أحد الأئمة الاثني عشر. فانظر كيف رد عليهم في دعوى أن المهدي عايش هذا العدد الضخم من السنوات. وقد رد عليهم الرضا، والذي يدعون إمامته، برد هو من أبلغ الردود وأقواها في هذه المسألة، والشيعة تنقله في أوثق كتبها في الرجال، حيث قال علي الرضا: لو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه، لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لكنهم يخالفون هذا الأصل الواضح، ويعتقدون أن بقاء المنتظر كل هذه القرون إنما هو لحاجة الخلق، بل ولحاجة الكون كله إليه، ولو خلت منه الأرض لساخت بأهلها.
وبعد هذا التأصيل لقضية النص لا أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتتبع النصوص في هذه المسألة، لأن هذه القضية انتهت عندهم اليوم إلى الإيمان بهذا المنتظر الذي لا يسمع له حس ولا خبر، ولا يرى له عين ولا أثر. ولو كان للناس فيه حاجة لبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل منه، ولكن الأمة في غنى بقرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم عن كل منتظر موهوم وكتاب مزعوم، وسيأتي نقض مسألة الغيبة.
ولكن الشيعة ترى أن القرآن نص على إمامتهم، وكذلك تزعم أن أمر النص متفق عليه بين أهل السنة والشيعة. فهي تريد أن تشرك السنة في أوهامها، وتخدع بذلك أتباعها. وما دام الأمر كذلك، فلندرس ما تقدمه كتب الشيعة في هذا الباب، وسنختار أقوى أدلتها في ذلك من الكتاب والسنة، ثم نعرج بعد ذلك على أدلتها الخاصة بها، ونختم القول بنقد مسألة النص من الكتاب والسنة والاعتبار العقلي والأمور المعلومة والمتفق عليها.
أولًا: أدلة الرافضة من القرآن الكريم على مسألة الإمامة
قال شيخ الطائفة -كما يلقبونه- الطوسي:
وأما النص على إمامته من القرآن، فأقوى ما يدل عليه قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
وقال الطبرسي: وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل. بلا فصل يعني بيلغي الخلافة الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
ويكاد شيوخهم يتفقون على أن هذا أقوى دليل عندهم، حيث يجعلون له الصدارة في مقام الاستدلال في مصنفاتهم.
أما كيف يستدلون بهذه الآية على مبتغاهم، فإنهم يقولون: اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة -العامة اللي هم أهل السنة- اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة أن الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة، وهو مذكور في الصحاح الستة.
طبعًا ده برضه من بلاغات الرافضة، لأن أهل السنة لا يسمون الكتب الستة بـ الصحاح الستة، وإنما يسمونها الكتب الستة، وليست الصحاح الستة.
ثم يقولون: وإنما للحصر باتفاق أهل اللغة. إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا...، فإنما تفيد الحصر باتفاق أهل اللغة. والولي بمعنى الأولى بالتصرف، المرادف للإمام والخليفة. هذا كلام الرافضة.
فأنت ترى أن الشيعة تعتمد في استدلالها بالآية بما روي في سبب نزولها، لأنه ليس في نصها ما يدل على مرادهم، فصار استدلالهم بالرواية لا بالقرآن. فهل الرواية ثابتة؟ وهل وجه استدلالهم سليم؟ يتبين هذا بالوجوه التالية:
أولًا: إن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في علي هو من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.
فقول هذا الرافضي إنها مذكورة في الصحاح الستة كذب، إذ لا وجود لهذه الرواية في الكتب الستة. وهذا من الكذب الذي لا يستحيي الشيعة من إثباته. والغريب أن هذا الزعم يجري على ألسنة آياتهم في هذا العصر، كشبر والزنجاني. فهل يخفى عليهم أن هذا لا وجود له في الكتب الستة، وقد توفرت اليوم الفهارس والمعاجم التي تكشف الحقيقة؟ يعني سهل جدًا الرجوع والتأكد من عدم وجود ذلك في الكتب الستة.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وجمهور الأمة لم تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة، لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات ولا شيء من الأمهات.
إذًا نعيد هذه العبارة: إن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في علي هو من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه. هذا كلام شيخ الإسلام. أجمع أهل النقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.
وقد ساق ابن كثير الآثار التي تروى في أن هذه الآية نزلت في علي حين تصدق بخاتمه، وعقب عليها بقوله: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. هذا أيضًا حكم الحافظ ابن كثير على هذه الرواية.
طبعًا هو قال من الأول إن استدلالهم في الحقيقة بالرواية وليس بالآية، لأن الآية ليس فيها ذكر لأمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وإن كان هو داخلًا في قوله: والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، فلا شك أن عليًا من أولى الناس أن يدخل في هذه الآية الكريمة بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة.
يقول ابن كثير: وليس يصح شيء منها بالكلية، ما فيش ولا رواية صحيحة في مسألة قصة أن عليًا هو المقصود بالآية، وأنه تصدق بخاتمه وهو في داخل الصلاة.
ثانيًا: إن هذا الدليل الذي يستدلون به ينقض مذهب الاثني عشرية، لأنه يقصر الولاية على أمير المؤمنين بصيغة الحصر إنما، فيدل على سلب الإمامة عن باقي الأئمة. يبقى: إنما وليكم، هم يقولون: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا...، هذا في حق مين؟ أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه بخصوصه، لأن هنا في صيغة حصر: إنما.
يقول: إن هذا الدليل الذي يستدلون به ينقض مذهب الاثني عشرية، لأنه يقصر الولاية على أمير المؤمنين بصيغة الحصر إنما، فيدل على سلب الإمامة عن باقي الأئمة. يبقى: إنما علي، بصيغة الحصر، يبقى بقية الأحد عشر إمامًا ليسوا أئمة، لأن هذا حصر.
فإن أجابوا عن النقد بأن المراد حصر الولاية في بعض الأوقات، أعني وقت إمامته لا وقت إمامة من بعده، وافقوا أهل السنة في أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إمامًا، لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة.
ثالثًا: إن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما عنده إما واجب وإما مستحب، والتصدق أثناء الصلاة ليس بمستحب باتفاق علماء الملة، ولو كان مستحبًا لفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا حظ عليه، ولا كرر فعله. وإن في الصلاة لشغلًا كما في الحديث المتفق عليه.
وإعطاء السائل لا يفوت، إذ يمكن للمتصدق إذا سلَّم أن يعطيه، بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة، كما هو رأي جملة من أهل العلم. ما هو لو واحد بقى وهو راكع كده أو في السجود أو أي جزء من أبعاد الصلاة، كل شوية جاي له واحد مسكين ويطلع من جيبه ده مرة يدي له الخاتم، ومرة يدي له الساعة، ومرة يدي له الطاقية اللي لابسها، ها، دي تبقى صلاة دي؟ هل يبقى هناك صلاة؟ أم هذا شيء يتنافى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن في الصلاة لشغلًا؟ أو بل قول الله تبارك وتعالى: وقوموا لله قانتين؟ هل هذا من الخشوع؟
فلو كان هذا مستحبًا لفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا حظ عليه، ولا كرر فعله. وإن في الصلاة لشغلًا، وإعطاء السائل لا يفوت، إذ يمكن للمتصدق إذا سلَّم أن يعطيه، بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة، كما هو رأي جملة من أهل العلم.
رابعًا: إنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة، لم يختص بالركوع، فكيف يقال: لا ولي إلا الذين يتصدقون في حال الركوع؟ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. طيب إيه رأيك بقى لو هيتصدق وهو ساجد؟ أو وهو يتشهد؟ أو وهو رافع من الركوع؟ إيه الفرق بقى؟ لكن طبعًا مفهومهم هو أن محصور ما يكونش ولي إلا إذا كان يتصدق في حالة الركوع بدلالة الحصر.
فإن قيل: هذه أريد بها التعريف بعلي، قيل له: أوصاف علي التي يعرف بها كثيرة ظاهرة، فكيف يترك تعريفه بالأمور المعروفة كشجاعته وقوته وجهاده مثلًا، ويعرف بهذا الأمر الذي لا يعرفه إلا من سمعه وصدق به، وجمهور الأمة لا تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة؟
خامسًا: قولهم إن عليًا أعطى خاتمه زكاة في حال ركوعه فنزلت الآية، مخالف للواقع، وذلك لأن عليًا رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا، وعلي لم يكن من هؤلاء.
لأن الآية تتكلم على إيه؟ الزكاة: ويؤتون الزكاة وهم راكعون. فمعنى ذلك أن الخاتم طبعًا هيكون من فضة، لأن الرجال لا يلبسون إلا خاتم الفضة. فهل خاتم الفضة يساوي نصاب 595 جرامًا؟ أو يعني مائتي درهم من الفضة؟ الخاتم؟
كذلك فإن إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند كثير من الفقهاء، إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحلي، وقيل إنه يخرج من جنس الحلي، ومن جوز ذلك بالقيمة فالتقويم في الصلاة متعذر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال. هيحسبها إزاي؟ يعني الكلام صعب جدًا في داخل الصلاة، يعني إيه يقوِّم قيمة الزكاة في داخل الصلاة؟
سادسًا: لما تبين أن الروايات التي أولوا بمقتضاها الآية باطلة سندًا ومتنًا، فلا متمسك لهم حينئذ بالآية بوجه تام. ما لهمش بقى، ده أقوى دليل عندهم، وأقوى دليل عندهم مالوش علاقة بقضية إثبات إمامة علي عن طريق هذه الآية الكريمة.
بل إن الآية حجة عليهم، لأنها جاءت بالأمر بموالاة المؤمنين والنهي عن موالاة الكافرين، وليس للرافضة فيما يظهر من نصوصها وتاريخها من ذلك نصيب.
يعني حتى لو كانت الآية لها سبب نزول في حق علي، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ده فضلًا جدلًا إذا كان سلمنا لهم بمثل هذا.
فالآية تأمرنا بموالاة المؤمنين: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين صفة عموم تعم جميع المؤمنين. الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون. نعم.
وهذا المعنى يدرك بوضوح من سياق الآيات، إذ قبل هذه الآية الكريمة جاء قول الله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.
فهذا نهي صريح عن موالاة اليهود والنصارى بالود والمحبة والنصرة، ولا يراد بذلك -باتفاق الجميع- الولاية بمعنى الإمارة، وليس هذا بوارد أصلًا. يعني: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، هل المقصود لا تعينوهم ولاة عليكم؟ لا، ولاية المحبة والنصرة والود.
ثم أردف ذلك بذكر من تجب موالاته، وهو الله ورسوله والمؤمنون: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا إلى آخره. فواضح من ذلك أن موالاة المحبة والنصرة التي نهى عنها في الأولى، هي بعينها التي أمر بها المؤمنين في هذه الآية، بحكم المقابلة، كما هو بين جلي من لغة العرب.
قال الرازي: لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار، أمر في هذه الآية بموالاة من تجب موالاته.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين.
سابعًا: قولهم إن المراد بقوله: إنما وليكم الله ورسوله إلى آخره الإمارة، لا يتفق مع قوله سبحانه: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأنه متولٍّ على عباده. هل الله يوصف بأنه أمير على عباده؟ هل هذا يليق بالله سبحانه وتعالى؟ فهم قالوا: إنما وليكم الله ورسوله، وإن الولاية المقصود بها هنا الإمارة، يبقى كأنك تجيز ذلك في حق الله تبارك وتعالى: إنما وليكم الله، يعني ولي أمركم، أو أميركم الله، ورسوله والذين آمنوا.
يقول: فالوصف بأنه متولٍّ على عباده، وأنه أمير عليهم، فإنه خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم، له الخلق والأمر. ولا يقال إن الله أمير المؤمنين كما يسمى المتولي مثل علي وغيره أمير المؤمنين. بل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا لا يقال إنه متولٍّ على الناس، وإنه أمير عليهم، فإن قدره صلى الله عليه وسلم أجل من هذا.
بل الصديق رضي الله تعالى عنه لم يكونوا يسمونه إلا خليفة رسول الله، وأول من سمي من الخلفاء أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. ولعل هذا لحكمة، وهي أن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة التوبة: إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. إن الله معنا. فشاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن الثلاثة دائمًا معنا، يعني: الله والرسول وأبو بكر.
فأبو بكر هو الوحيد الذي لقب خليفة رسول الله. فإن الله معنا، يعني مع الرسول ومع أبي بكر، فشاء الله عز وجل أنه لم يتكرر اسم خليفة رسول الله، لأن الصحابة رأوا أن هذا سوف يطول، يبقى عمر هو خليفة خليفة رسول الله، وعثمان خليفة خليفة خليفة رسول الله، وهكذا كل ما يأتي إمام جديد هيطول جدًا. فلذلك في عهد عمر شاء الله سبحانه وتعالى أن يختار تسمية الخليفة أمير المؤمنين وكفاية.
فشاء الله أن تتحقق هذه -هذا الوعد-: إن الله معنا، فكان الله معهم في الغار، وكان الله معهم في كل موطن، يعني. فاختص الصديق بمرتبة أقرب مرتبة من: ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، فهو أقرب الناس وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدائمًا إذا ذكر أبو بكر فهو خليفة رسول الله، حتى في التسمية كان الله معهما، حتى في التسمية: خليفة رسول الله.
فحتى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يقال له إنه أمير على الناس، هذا لا يليق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما الولاية المخالفة للعداوة، فإنه يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليًا فقد بارزه بالمحاربة. فهذه الولاية هي المقصودة في الآية.
وقوله: وهم راكعون، يعني وهم خاضعون لربهم، منقادون لأمره. والركوع في أصل اللغة بمعنى الخضوع، أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال الركوع، يعني في حال الخشوع والإخبات والتواضع لله تبارك وتعالى، بناءً على أن الركوع في اللغة هو الخضوع.
ثامنًا: إن الفرق بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر معروف في اللغة، فالولاية ضد العداوة، وهي المذكورة في هذه النصوص: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا. بالفتح. ليست هي الولاية بالكسر، التي هي الإمارة. وهؤلاء الجهال يجعلون الولي هو الأمير، ولا يفرقون بين اللفظين، مع أنه واضح أن الولاء بالفتح وهو ضد العداوة، والاسم منه مولى وولي، والولاية بالكسر، والاسم منها الوالي والمتولي.
ولهذا قال الفقهاء: إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي، فقيل يقدم الوالي، وهو قول أكثرهم، وقيل يقدم الولي. فلفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي، لأن الوالي معناها الإمارة، الأمير. لكن الولي قريب الميت، أقرب الناس من العصبة للميت.
إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي، من يقدم؟ الوالي، اللي هو من الولاية بالكسر، الأمير، السلطان. أما الولي فهو ولي الميت.
ولو أراد الله سبحانه وتعالى الولاية التي هي الإمارة، لقال، ما كانش يقول بقى: إنما وليكم الله ورسوله، وإنما كان يقول: إنما يتولى عليكم، ها، من الولاية بالكسر.
فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعاداة، الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض. ولهذا جاء قوله: والذين آمنوا بصيغة الجمع.
وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم كما يقوله شيوخهم، تبين أنهم ليسوا على شيء. ده أقوى ما عندهم من الأدلة، أحسن ما في خالد وجهه، ووجهه الغاية في القبح.
وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم كما يقول شيوخهم، تبين أنهم ليسوا على شيء، ذلك أن الأصل أن يستعمل في هذا الأمر العظيم، والذي هو عند الشيعة أعظم أمور الدين، ومنكره عندهم كافر، لا بد أن تكون الصيغة صيغة واضحة جلية، يفهمها الناس بمختلف طبقاتهم، يدركها العامي كما يدركها العالم، ويفهمها اللاحق كما يفهمها الحاضر، ويعرفها البدوي كما يعرفها الحضري.
فلما لم يستعمل مثل ذلك في كتاب الله، دل على أنه لا نص كما يزعمون. فليست الآية المذكورة وغيرها مما يستدلون به من ألفاظ الاستخلاف المعروفة في لغة العرب. والقرآن نزل بلسان عربي مبين. فأين يذهب الشيعة بعد هذا؟ إما إلى الكفر بالقرآن، وهو كفر بالإسلام، وإما ترك الغلو والتطرف والتعصب والرجوع إلى الحق، وهذا هو المطلوب.
هذه أقوى آية يستدلون بها من كتاب الله، ويسمونها آية الولاية. ولهم تعلق بآيات أخرى ذكرها ابن المطهر الحلي، وأجاب عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بأجوبة جامعة.
ومن يراجع كتب التفسير والحديث عندهم يلاحظ أنهم أجروا القرآن في فلك الولاية والأئمة، كما مضى نقل صورة من ذلك. وهذا برهان عجزهم وفشلهم، اللي هو التفسير الباطني لآي القرآن الكريم. وقد ناقشنا هذا من قبل في بداية الكلام، كيف أنهم تكلفوا تفسيرات أشبه ما تكون بتفسيرات الباطنية، ليثبتوا أن القرآن يدل على ولاية هؤلاء الأئمة. فده دليل العجز والفشل. مش لاقيين دليل خالص.
ولما يجوا عند هذه الآية ويقولوا: دي أقوى دليل على الإطلاق، طب فين؟ دي فيها نص على علي؟ أين النص على علي؟ لا علاقة لها على الإطلاق بمسألة الولاية، إنما هي في الولاية بالفتح.
وقد تبين أن القرآن ليس في ظاهره ما يدل على ما يذهبون إليه من النص على علي أو بقية الاثني عشر، وأن كل ما يستدلون به من آيات يحاولون أن يصرفوا معناها إلى ما يريدون بمقتضى روايات موضوعة وتأويلات باطلة. فهم في الحقيقة لا يستدلون بالقرآن، وإنما يستدلون بالأخبار. فدعواهم أخذ الأدلة من القرآن دعوى لا حقيقة لها.
يبقى هم مفلسون من ناحية أن القرآن الكريم يكون فيه آية واحدة تثبت مسألة النص على إمامة أمير المؤمنين علي وأولاده من بعده. يبقى كده إلا إذا كان بقى التأويلات، يعني آيات عامة، فهم يخصصونها في علي بأحاديث ضعيفة وموضوعة ومكذوبة، كما رأينا في هذه الآية.
وطبعًا من أدلة فشلهم أيضًا أنهم لجؤوا -كما ذكرنا- إلى التأويل الباطني لليِّ أعناق الآيات حتى تؤيد ما هم عليه من الباطل، ثم ترقوا -أو تسفلوا- إلى أسفل من ذلك، وألقوا بأنفسهم في المهالك حينما ادعوا تحريف القرآن. قالوا: لا، ده القرآن كان فيه نص صريح على علي باسمه، لكن الصحابة -والعياذ بالله- حرفوا القرآن، وحذفوا هذه الآيات من القرآن الكريم. فهذا كله دليل الفشل، ودليل العجز.
هذا فيما يتعلق بالقرآن الكريم. ماذا عن أدلتهم من السنة؟
أما السنة المطهرة، فقد تعلق الشيعة في إثبات النص من طرق أهل السنة بما ورد في فضائل علي رضي الله تعالى عنه. يجيبوا بقى بكتب السنة، يلاقوا عشرات الأحاديث في مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه.
ويلاحظ أن باب الفضائل مما كثر فيه الكذب، ويقال بأن الشيعة هم الأصل فيه. يقول ابن أبي الحديد: الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة. ولهذا تجد في كتب الموضوعات الأحاديث الموضوعة في حق علي أكثر من الأحاديث الموضوعة في حق غيره من الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أجمعين.
والفضائل الواردة في حق علي رضي الله عنه ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف. ونحن قطعًا نؤمن بفضائل أمير المؤمنين علي الثابتة له في السنة الشريفة، لكن كل الفضائل التي تتكلمون عنها لا علاقة لها بموضوع الإمامة والاستخلاف والوصاية والنص، لا في لغة العرب، ولا في عرفهم، ولا في شريعة الإسلام، ولا في عقول العقلاء. إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى.
وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي رضي الله عنه فقال:
وأما الذي صح من فضائل علي فهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
ونص الحديث كما أخرجه البخاري رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليًا على المدينة أميرًا على المدينة، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟، أقعد مع المخلفين من الصبيان والنساء؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي.
واضح. فيقول: فهذا الحديث لا شك أنه لا حجة فيه للرافضة.
أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في إثبات أن هذا الحديث لا حجة فيه للرافضة:
وهذا لا يوجب له فضلًا على من سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السلام، لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى يوشع بن نون عليه السلام، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.
وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط، في القرابة، وليس في الاستخلاف. لأن الذي ولي الأمر بعد موسى هو يوشع بن نون.
وأيضًا فإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استخلفه أو استثقله فخلفه. فلحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكى ذلك إليه. فهي كانت العبارة فيها نوع من المواساة له. لما نشوف سبب ورود الحديث قال له: تخلفني في النساء والصبيان؟، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختارًا لاستخلافه. ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالًا سوى علي رضي الله عنه. هل مجرد أنه يستخلفه دي معناها أن هو يكون إمامًا؟ طيب إذا كان هناك صحابة كثيرون آخرون استخلفهم النبي عليه الصلاة والسلام على المدينة، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلًا على غيره، ولا ولاية الأمر من بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين.
وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، إذا كان هذا يعني يعمل فضيلة. لا شك هو فضيلة لعلي، أن الرسول شبهه بهارون. لكن تشبيه علي بهارون هل هو أعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى كما في الحديث المعروف؟
فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، الأربعة من الأنبياء يعني، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد. يعني علي شُبه بمين؟ بهارون فقط. لكن أبو بكر شبه بمين؟ بإبراهيم وعيسى. وعمر شبه بنوح وموسى عليهم جميعًا الصلاة والسلام.
فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شُبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه. فلم يكن للاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص.
استدلوا أيضًا -ومن فضائل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه- قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
وهذه صفة واجبة لكل مسلم وفاضل. لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فهو يقول هنا ابن حزم: وهذه صفة واجبة لكل مسلم. وفضل، يعني أصل محبة الله ورسوله لا بد أن تكون عند كل مؤمن. فالمقصود أن هذا الوصف ليس من خصائص علي رضي الله عنه. يعني في فرق بين المناقب وبين الخصائص. فالمناقب ممكن تكون مشتركة بين الصحابي وغيره من الصحابة، أما الخصائص فهي ما يخص هو به دون غيره.
يقول: ليس هذا الوصف من خصائص علي، بل غيره يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ولكنه فيه الشهادة لعينه بذلك، كما شهد لأعيان العشرة بالجنة. فهو ليس من خصائصه، فضلًا عن أن يكون نصًا على إمامته وعصمته.
والرافضة الذين يقولون إن الصحابة ارتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكنهم الاستدلال بهذا، لأن الخوارج تقول لهم: هو ممن ارتد. يعني لو جم استدلوا بهذا الحديث: لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، هذه من فضائل علي، لكن ليست من خصائصه، لأن هذا يشركه فيه غيره. والخوارج هيردوا عليهم، يقولون لهم -والعياذ بالله- إن عليًا نفسه قد ارتد. إن الخوارج يكفرون أمير المؤمنين.
قال الأشعري: أجمعت الخوارج على كفر علي. وأهل السنة يبطلون قول الخوارج بأدلة كثيرة، لكنها مشتركة تدل على إيمان الثلاثة.
يقول أيضًا ابن حزم: وعهده عليه السلام أن عليًا لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. هذا أيضًا من فضائل علي، لكن هل هي من خصائصه؟ يقول: وقد صح مثل هذا في الأنصار رضي الله عنهم، أنه لا يبغضهم من يؤمن بالله واليوم الآخر.
والحديث عن أبي هريرة في مسلم مرفوعًا: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر. في باب الدليل على أن حب الأنصار وحب علي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق.
وهناك أحاديث في الأنصار مطابقة للفظ الوارد في علي رضي الله عنه، منها ما أخرجه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. وهذا متفق عليه.
فكذلك نفس الشيء، يبقى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في علي: إن عليًا لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. فهذه من فضائل علي، لكنها ليست من خصائصه، وهي لا توجب له... هل دي معناها النص على أنه الخليفة من بعده؟ ليس فيها نص.
أيضًا حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصح من طريق الثقات أصلًا، وسيأتي الكلام عليه.
وأما سائر الأحاديث التي تتعلق بها الرافضة فموضوعة، يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها. انتهى كلام ابن حزم.
وقد نقل هذا النص عن ابن حزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعقب عليه بقوله: فإن قيل: لم يذكر ابن حزم ما في الصحيحين من قوله: أنت مني وأنا منك، وحديث المباهلة والكساء؟
أما حديث المباهلة فهو حديث في صحيح مسلم، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... إلى آخره، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.
وهذا لا دلالة فيه على الإمامة ولا على الأفضلية. يعني صحيح هذه أيضًا من فضائلهم، لكن هل هي تدل على أن فيها نصًا على أنه الإمام من بعده؟ لا علاقة لها بالإمامة، ولا على أفضلية علي على الخلفاء الثلاثة السابقين.
والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، لأن المنطق في حالة المباهلة أن الإنسان بيجيب مين؟ أقرب الناس إليه. فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل. فالإنسان يشفق على أقاربه أكثر أن تنزل عليهم اللعنة، فمن ثم المباهلة يناسبها أن تقتصر على الأقربين، وعلي من قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته.
يقول: والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب، وإن كانوا أفضل عند الله، لم يحصل المقصود.
أما حديث الكساء فهو حديث في مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحَّل، أي موشى منقوش من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا.
قيل: مقصود ابن حزم الذي في الصحيح من الحديث الذي لا يذكر فيه إلا علي، وأما تلك ففيها ذكر غيره. يعني ده السبب أن ابن حزم لم يذكر ما في الصحيحين من قوله: أنت مني وأنا منك، وحديث المباهلة والكساء، لأن دي فيها آخرين مع علي، كالحسن والحسين وفاطمة، لكن هو ابن حزم اقتصر على ما يخص عليًا رضي الله تعالى عنه.
وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر: أشبهت خلقي وخُلقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا، وأيضًا قال في جليبيب: هذا مني وأنا منه. فلا تدل على اختصاص علي بذلك رضي الله عنه. وحديث المباهلة والكساء فيهما ذكر علي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، فلا يرد هذا على ابن حزم.
ثم يقول الدكتور القفاري:
ولكن الرافضة قد توسعوا في هذا الباب، واختلقوا الروايات، وزادوا على النصوص الصحيحة نصوصًا كاذبة. وقد ذكرت كتب الموضوعات جملة من الروايات التي يستند إليها الروافض.
قال ابن الجوزي: فضائله -أي فضائل علي رضي الله عنه- الصحيحة كثيرة، غير أن الرافضة لم تقنع، فوضعت له ما يضر ولا ينفع من شدة الغلو.
وتجدهم في كتبهم يحتجون بكثير من الروايات التي يعزونها لكتب أهل السنة من باب الخداع والكذب، إذ لا وجود لها أصلًا. خدعوا أتباعهم، يقولون لهم: ده أهل السنة يروون كذا وكذا وكذا من الروايات التي فيها النص على إمامة علي رضي الله عنه.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ورأيت كثيرًا من ذلك المعزو الذي عزاه أولئك -اللي هو شيوخ الروافض- إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلًا لا حقيقة له.
فشيء طبيعي أن الخبراء، زي شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، لما يتتبعوا كتب الروافض يجدونهم يقولون إيه؟ يجيبوا أحاديث موضوعة ومكذوبة، ويجدون في أنفسهم التبجح والجرأة أن يقولوا: هذا مروي في الصحيحين، وده مروي في مسند الإمام أحمد، وهو كذب صراح، ولا أصل لهذه الروايات كلها في كتب أهل السنة.
وقد جمع ابن المطهر الحلي جل ما يحتجون به في هذا الباب، وكشف شيخ الإسلام ما فيها من حق وباطل في منهاج السنة النبوية، ولا سيما في المجلد الأخير منه.
والحقيقة، الدكتور علي الثالوث -حفظه الله تعالى- جمع كل الأحاديث المتصلة بالإمامة، والموجودة في الكتب الستة والموطأ ومسند أحمد، ودرسها سندًا ومتنًا، وانتهى إلى أن السنة النبوية لا تؤيد ما ذهبت إليه الجعفرية في مسألة الإمامة، بل تنقضه بأحاديث صحيحة ثابتة.
يقول: لكن للروافض وسائل خفية ماكرة في طريقتهم في الاحتجاج من كتب أهل السنة، لعل أول من تولى كشفها وشرحها العلامة الهندي شاه عبد العزيز الدهلوي في كتابه التحفة الاثنا عشرية. وكذلك فعل شيخ العلماء الأعلام، فريد دهره ووحيد عصره -كما يصفه الألوسي- الشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي في كتابه الصواعق المحرقة، وقد اختصره الألوسي رحمه الله وسماه السيوف المشرقة. والشيخ السويدي رحمه الله قد أسهم في ذلك في كتابه نقد عقائد الشيعة.
وقد أورد طائفة من هذه الوسائل في رسالته في فكرة التقريب، وده فعلًا كنا درسناه من قبل لو تذكرون.
هذا، وكما ذكرنا ما يراه الشيعة أنه أقوى أدلتهم من القرآن في إثبات الإمامة بحسب مفهومهم، نذكر أيضًا ما يرونه أقوى أدلتهم من السنة. يبقى أقوى دليل عندهم في القرآن هو ما يسمونه آية الولاية: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا إلى آخره. فيقول: أقوى دليل على النص على إمامة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
في الحقيقة ده تهويش، لأنه ليس استدلالًا بالقرآن، وإنما استدلال بالرواية المكذوبة التي لا أصل لها، التي تدعي أن أمير المؤمنين تصدق بخاتمه وهو في الصلاة.
طيب، ده أكبر ما في خيالهم مما يزعمون من أدلة القرآن. طيب، ماذا عن أدلة السنة؟ لأنهم يقنعون أتباعهم ويقولون لهم: ده الأدلة موجودة في كتبهم، كتب الصحاح الست.
ما هو عمدة أدلتهم من السنة النبوية؟
عمدة أدلتهم هو ما يسمونه حديث الغدير.
وقد بلغ من اهتمام الروافض بأمره أن ألَّف أحد شيوخهم المعاصرين كتابًا مكونًا من 16 مجلدًا يثبت به صحة هذا الحديث. ستة عشر مجلدًا بيحاول فيه أن يصحح حديث الغدير. سماه: الغدير في الكتاب والسنة والأدب.
فهم يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى غدير خم -وهو وادٍ بين مكة والمدينة عند الجحفة، به غدير يعني زي نهر صغير- وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة، يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى غدير خم بعد منصرفه من حجة الوداع، بين للمسلمين أن وصيه وخليفته من بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث أمره الله عز وجل بذلك في قوله:
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته.
طبعًا هم يدعون أن الآية أصلها: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر علي. ها، في أمر علي. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته.
وقد أورد شيخهم المجلسي في هذا المعنى خمسًا من أحاديثهم، وقال: إن مخالفينا قد رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام يوم غدير خم، وقد جمع المسلمون، فقال: أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: اللهم بلى. قال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. هذا في بحار الأنوار.
وقد أوردت كتب التفسير عندهم هذا الحديث للاحتجاج به على إمامة علي رضي الله عنه عند تفسير قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وكذلك سائر كتبهم التي تتحدث عن مسألة الإمامة.
وهم يذكرون هذا الخبر في طليعة الأخبار التي يحتجون بها على أهل السنة.
قال شيخهم عبد الله شبر:
ما روى العامة بأسرهم بطرق متواترة وأسانيد متظافرة تنيف على مئة طريق، واتفقوا على صحته واعترفوا بوقوعه، وهو حديث الغدير. ثم ذكر ملخصه بنحو ما ذكرناه آنفًا.
والحديث احتج به ابن المطهر، وأجاب عليه شيخ الإسلام جوابًا شافيًا، كما ناقش الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله شيخهم المفيد في إيراده لهذا الحديث بالصورة التي تراها الشيعة، وتعرض لهذا الحديث معظم أهل السنة الذين ردوا على الروافض.
ونوجز جواب أهل السنة فيما يلي:
أولًا: إن الحديث زاد الوضاعون فيه، ولا يصح منه -في نظر طائفة من أهل العلم- إلا قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، بينما يرى بعض أهل العلم أن الحديث لا يصح منه شيء البتة.
قال ابن حزم:
وأما من كنت مولاه فعلي مولاه فلا يصح من طريق الثقات أصلًا.
ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم ضعفوه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أما قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فليس هو في الصحاح، لكنه مما رواه أهل العلم، وتنازع الناس في صحته. وأما قوله: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فهو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
ثم بين شيخ الإسلام أن الكذب يعرف من مجرد النظر في متنه. مجرد التأمل في المتن تكتشف أنه كذب، لأن قوله: اللهم انصر من نصره إلى آخره، خلاف الواقع التاريخي الثابت. فإنه قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خُذلوا، كسعد الذي فتح العراق، لم يقاتل مع علي، ومع ذلك نصره الله.
فلو كان الحديث: اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله، فهو سعد طبعًا ما كانش خذلان، لكن ده كان اجتهادًا أن يعتزل القتال. فسعد لم يقاتل مع علي، وهو الذي فتح تلك الفتوح. وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه، فتحوا كثيرًا من بلاد الكفار، ونصرهم الله.
يقول: لأن قوله اللهم انصر من نصره خلاف الواقع التاريخي الثابت، فلا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فهو مخالف لأصل القرآن، فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، بعد ذكره لخلاف أهل العلم في ثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه:
إن لم يكن النبي قاله فلا كلام، فإن قاله فلم يرد به قطعًا الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغًا مبينًا.
والموالاة ضد المعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن. فعلي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه. وفي هذا الحديث إثبات إيمان علي في الباطن، والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطنًا وظاهرًا، ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب. ولكن ليس فيه أنه ليس من المؤمنين مولى غيره. فكيف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له موال، وهم صالح المؤمنين؟
قال الفيروزآبادي صاحب القاموس:
وأما ما يظنه من يظن من الرافضة أن في الآية -التي هي إنما وليكم الله ورسوله- أو في الحديث دلالة على أن عليًا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي، فمن الجهل المقطوع بخطأ صاحبه، فإن الولاية بالفتح هي ضد العداوة، والاسم منها مولى وولي، والولاية بكسر الواو هي للإمارة، والاسم منها الوالي والمتولي.
والموالاة ضد المعاداة، وهي من الطرفين، كقوله تعالى:
وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير.
وقال تعالى:
ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم.
وقال تعالى:
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.
والآيات في هذا المعنى كثير.
ويبدو أن الرافضة وجدوا أن الحديث لا يخدم أغراضهم، فزادوا فيه زيادات فاحشة. وقد رأى الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في جملة من الزيادات التي زادها الروافض في هذا الحديث ما هو كفر بإجماع المسلمين. ومن يقرأ زياداتهم في ذلك من خلال ما جمعه المجلسي في بحاره، يرى من الكفر والضلال ما يستغرق شرحه الصفحات الطوال، ويكفي في الحكم بكذبه مجرد النظر إلى متنه.
ومن المعلوم لغة وعقلًا وعرفًا، فضلًا عن الشرع، أن الاستخلاف لا يكون بمثل هذه الألفاظ. لو الرسول عليه السلام أراد أن يستخلف عليًا، هل كان هيقول: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وبس؟ ولا هينص: ألا إن الخليفة من بعدي مثلًا علي بن أبي طالب؟
فالاستخلاف لا يكون بمثل هذه الألفاظ، لذلك قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -كما يروي البيهقي- حينما قيل له: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ قال:
أما والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده، لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس للمؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالرسول ما نص على علي على الإطلاق. والمعنى الذي في الحديث يعم كل مؤمن، ولكن خُص بذلك علي رضي الله عنه، لأنه قد نُقم منه بعض أصحابه، وأكثروا الشكاية ضده، حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قبل خروجه من المدينة لحجة الوداع.
ولذلك قال البيهقي:
ليس فيه -إن صح إسناده- نص على ولاية علي بعده، فقد ذكرنا من طرقه في كتب الفضائل ما دل على مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاية عنه، وأظهروا بغضًا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه، ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته، فقال: من كنت وليه فعلي وليه، وفي بعض الروايات: من كنت مولاه فعلي مولاه.
والمراد به ولاء الإسلام ومودته، وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضًا، ولا يعادي بعضهم بعضًا.
في ختام الكلام على حديث الغدير، يذكر الدكتور القفاري بعض الملاحظات:
أولًا: إن قوله سبحانه وتعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك نزلت قبل الحج بمدة طويلة، ويوم الغدير إنما كان 18 من ذي الحجة بعد رجوعه من الحج. في حين أن الآية نزلت قبل الحج بمدة طويلة. فقولهم بأنه حينما نزلت عليه هذه الآية خطب خطبة الغدير هو وضع من لا يعرف كيف يضع، مش خبير في الكذب. اللي بيقول لك إنه لما نزلت أول ما نزلت هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، فخطب خطبة الغدير وفيها ما يقولون.
ثانيًا: إن الذي رواه مسلم بغدير خم قال:
إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.
فحث على كتاب الله ورغب فيه.
ثم قال:
وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.
يقول شيخ الإسلام:
وهذا ما انفرد به مسلم، ولم يروه البخاري، وليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله، وهذا أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع، وهو لم يأمر باتباع العترة، ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي.
قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى. فهو قال: أذكركم الله في أهل بيتي، وتذكير الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك من إعطائهم حقوقهم والامتناع من ظلمهم. وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم، فعلم أنه لم يكن في الغدير أمر بشرع نزل لا في حق علي ولا غيره.
وقال الفيروزآبادي:
إن قوله: أذكركم الله في أهل بيتي ليس مما يختص بعلي رضي الله عنه، بل هو مشترك بين جميع أهل البيت: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. وأبعد الناس من قبول هذه الوصية هم الرافضة، فإنهم يعادون جمهور أهل البيت ويعاونون الكفار على أهل البيت.
فهم بيدعون أن هؤلاء ليسوا بأهل البيت، في نوع من التحكم الشديد في من هم أهل البيت. في حين أن أهل البيت هم هؤلاء جميعًا: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
يقول:
وبعد أن عرضنا لأهم دليل عندهم من كتاب الله، وأقوى دليل عندهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ندع استعراض باقي أدلتهم إلى كتب السنة التي تتبعت شبه الروافض التي يثيرونها من كتب السنة، وأتت عليها من القواعد.
ولا شك أن التعرف على هذه الشبه والرد عليها أمر ميسور، إذ يكفي الرجوع إلى منهاج السنة لشيخ الإسلام، وما ماثله من كتب أهل السنة.
فدي هو هنا يسوغ يعني لماذا اقتصر على ذكر أقوى دليل عندهم من القرآن والسنة. أما من أراد التفاصيل فهو يجدها في هذه الكتب.
بجانب أن -يعني- بأي حق الشيعة يحاولون أن يستدلوا بأدلة من السنة وهم لا يعترفون بالسنة عندنا أصلًا؟ حتى لو كان الحديث في أقصى الصحة، هم لا يحتجون به. لكن طبعًا هم يثيرون الشبهات ليقنعوا المتشككين والحائرين من أتباعهم، يخدعوهم أن أهل السنة عندهم ما يثبت ما نحن عليه، وذلك بخداعهم أن هذه العقائد متفق عليها بين السنة والشيعة، ولكن أهل السنة يكابرون ويجحدون.
أيضًا الهدف من هذا التشغيب، بادعاء أن السنة عندهم أحاديث تؤيد ما هم عليه، إشغال أهل السنة بهذه المسائل والدفاع عنها حتى لا يتمكنوا من الوصول إلى كتب الروافض المعتمدة في الحديث والرجال والتفسير، ودراستها بعين بصيرة ناقدة، وكشف الأمر أمام الأتباع الجهلة.
ولذلك أقول: إن علماء السنة قدموا جهدًا عظيمًا في مواجهة الأمر الأول، اللي هو محاولة الشيعة الترويج لذلك كي يخدعوا أتباعهم بأن أهل السنة يكابرون.
أما الثاني، فإن عدم توفر كتب الروافض -فيما يظهر- حال بينهم وبين نقدها وكشف ما فيها إلا في العصور المتأخرة، حيث بدأ علماء الهند والباكستان الإسهام في ذلك. والموضوع لا يزال بحاجة إلى مواصلة هذا الطريق وتضافر الجهود بدراسات علمية موضوعية تبين الحقيقة وتكشف الزيف أمام أولئك المغرورين والمخدوعين.
ثم شرع بعد ذلك في مناقشة مسألة النص في كتب الشيعة.
أكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
السبت PM 05:36
2026-04-25 - 11



