المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902667
يتصفح الموقع حاليا : 337

البحث

البحث

عرض المادة

الغيبة الكبرى

الغيبة الكبرى

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

إن الحمد لله نحمده، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فانتهينا في الكلام حول أصول مذهب الشيعة إلى مناقشة قضية غيبة إمامهم الاثني عشر الموهوم الذي لم يولد أصلًا، وآثار هذه الغيبة على العقيدة الشيعية.

يقول: الشيعة وغيبة مهديهم، في ظل الغيبة التي دانت بها الشيعة وعاشت في حكمها منذ أكثر من 1100 سنة، يعني من حوالي 1170 سنة من ساعة ما المهدي اختفى في زعمهم، أوقف شيوخ الشيعة بحكم نيابتهم عن المنتظر العمل بجملة من أحكام الدين، يعني بسبب هذه الغيبة المزعومة.

طبعًا ادعى شيوخ الشيعة أنهم نواب عن المهدي المنتظر، فبالتالي أوقفوا وعطلوا جملة من أحكام الدين، واستحدثوا أيضًا عقائد وأحكامًا لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى.

لقد أوقف الشيعة بسبب الغيبة للمنتظر إقامة صلاة الجمعة، كما منعوا إقامة إمام للمسلمين، وقالوا: الجمعة والحكومة لإمام المسلمين، والإمام هو هذا المنتظر، ولذلك فإن معظم الشيعة إلى اليوم لا يصلون الجمعة، حتى قال بعض المتأخرين إن الشيعة من زمان الأئمة كانوا تاركين للجمعة.

وأعتقد حتى صلاة الجمعة التي يقيمونها أحيانًا لها طقوس معينة، لازم بيتركوا مكانًا معينًا، سجادة ما حدش يقرب لها، دي بتاعة المهدي، لهم أشياء معينة، لكن الغالب أنهم لا يصلون الجمعة بسبب هذا الأمر. هل هم أحدثوا بقى في دينهم وتطوروا شيئًا جديدًا في صلاة الجمعة يحتاج لمزيد من التحرير؟

ها، بيصلي الجمعة ظهرًا أربع ركعات؟ اه، نعم.

كما أن الشيعة لا ترى بيعة شرعية إلا للقائم المنتظر، ولذلك فإنهم يجددون البيعة له كل يوم، يعني زي ما أنت كل يوم في الصباح بعد صلاة الفجر بتقول أذكار الصباح، هم عندهم صباح بس فيها بيعة تجدد كل يوم للمهدي الخرافة الذي لم يُخلق.

فهناك عندهم دعاء يسمى دعاء العهد، يقول فيه كل شيعي: اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا.

هناك دعاء يومي آخر للغائب المنتظر يتضمن الإقرار له بالبيعة، يقول فيه: اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة. قال المجلسي: ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة، لأنه بيعمل البيعة وعقدًا مع الإمام، فطبعًا الإمام مش موجود، فهو بيبايع نفسه ويضع إيديه كده رمزًا للمصافحة عند البيعة.

كذلك منع الشيعة الجهاد مع ولي أمر المسلمين، يعني، وكل وده مش إحنا، ما حدش بيفت عليهم كما قلنا، هذا الكلام كله موثق من كتبهم. من أول جهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم من عهد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى يومنا هذا، أي صورة من صور الجهاد، هذا جهاد باطل.

وكما سنرى رأيهم الآن في كل أنواع هذا الجهاد، يعني ما رأينا منهم خيرًا قط. الشيعة ما فيش بلد واحدة في العالم فتحوها ونشروا فيها الإسلام، لا توجد بلد أدخلوا فيها الإسلام ونشروا دين الله سبحانه وتعالى، بل بالعكس، موقفهم من الجهاد الإسلامي، أي نوع من الجهاد أو القتال حصل تحت راية من عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى يومنا هذا، طبعًا أكيد هيستثنوا فترة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، فهم يعتقدون أنه لا جهاد إلا مع الإمام.

جاء في الكافي وغيره عن أبي عبد الله قال: القتال مع غير الإمام المفترض، اللي هو المهدي أو غيره طبعًا من الأئمة الاثني عشر، القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.

فمن جاهد مع أي خليفة، سواء بقى أبو بكر أو عمر أو عثمان أو هارون الرشيد أو أي دولة إسلامية، أي حد اشترك في نوع من الجهاد فطاعة هذا الخليفة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.

والإمام المفترض الطاعة على المسلمين منذ سنة 260 إلى اليوم هو منتظرهم الغائب في السرداب من 1170 سنة، وما قبل سنة 260 هم بقية الأئمة الاثنا عشر، فالجهاد مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وبقية خلفاء المسلمين إلى اليوم هو حرام كحرمة الميتة والدم.

وجنود الإسلام الذين يرابطون على الثغور ويجاهدون في سبيل الله ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، والذين فتحوا بلاد الفرس وغيرها، ما هم في اعتقاد الشيعة إلا قتلة. كل المجاهدين والشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله تحت راية غير راية أئمتهم، فدول قتل، قتلة مجرمون، لما مارسوا الجهاد دي عملية قتل، مش إرهاب يعني بالمصطلح الحديث.

هؤلاء جميعًا ما هم في اعتقاد الشيعة إلا قتلة، الويل لهم، يتعجلون مصيرهم، واللي استشهد منهم ده تعجل الذهاب إلى النار.

روى شيخهم الطوسي في التهذيب عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، جعلت فداك، ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ ده في عهد أبي عبد الله، في عهد جعفر الصادق، بيسأله: ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور، الناس اللي بتجاهد دي وترابط من المسلمين في هذا العصر؟ فقال: الويل، يتعجلون، قتلة في الدنيا وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم.

فأنت ترى أن الشيعة ترى أن جهاد المسلمين على مرور التاريخ جهاد باطل لا أجر فيه ولا ثواب، حتى إنهم يصفون المجاهدين المسلمين بالقتلة، ويجردونهم من الأسماء التي شرفهم الله بها كالمجاهد والشهيد.

فهل يشك عاقل متجرد من الهوى والتعصب أن وضع هذا المبدأ عدو موتور وزنديق حاقد يتربص بالأمة الدوائر، ويبغي فيها الفشل، ولا يريد لها أن تبقى مجاهدة في سبيل الله، رافعة راية الله، ليحتفظ بدينه ودياره؟

وقد بلغ به التآمر لأشعة هذا المبدأ أن نسبه لجعفر الصادق وغيره من أهل البيت، حتى يجد الرواج بين الأتباع الجهلة من جانب، وحتى يسيء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جانب آخر.

كذلك صرح الشيعة أيضًا بمنع إقامة حدود الله سبحانه في دولة الإسلام بسبب غيبة إمامهم، لأن أمر الحدود موكول كما يقولون إلى الإمام المنصوص عليه، ولم ينص الله سبحانه بزعمهم إلا على اثني عشر إمامًا، آخرهم قد غاب منذ منتصف القرن الثالث تقريبًا، ولا بد من انتظار عودته حتى يقيم الحدود.

إلا أنه بحكم التفويض الذي أجراه لشيوخ الشيعة بعد قرابة سبعين سنة من غيبته، يحق للشيخ الشيعي فقط من دون سائر قضاة المسلمين أن يتولى إقامة الحدود، وإذا لم يوجد في قطر من أقطار الإسلام أحد من شيوخهم فلا يجوز إقامة الحدود، لأنه لا يتولاها إلا المنتظر أو نائبه من مراجع الشيعة وآياتهم.

روى شيخهم ابن بابويه وغيره عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: من يقيم الحدود، السلطان أو القاضي؟ فقال: يقيم الحدود من إليه الحكم. وقال المفيد: فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان.

أيضًا تحذر روايات الشيعة من الرجوع إلى محاكم المسلمين وقضاتهم، حتى تقول: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا وإن كان حقه ثابتًا، لأنه أخذه بحكم الطاغوت.

هذه جملة من شرائع الإسلام حرمتها الشيعة بسبب غيبة مهديهم، وأوقفت العمل بها حتى خروجه من غيبته.

كما أنهم شرعوا لأنفسهم أحكامًا في فترة اختفاء هذا المنتظر لم يأذن بها الله سبحانه، ومن ذلك مسألة التقية، والتي هي في الإسلام رخصة عارضة عند الضرورة، جعلوها فرضًا لازمًا ودائمًا في فترة الغيبة، لا يجوز الخروج عنها حتى يعود المنتظر الذي لن يعود أبدًا.

عشان كده المفروض نلقبه بالمهدي المنتظر إلى الأبد، سيظل منتظرًا ولن يأتي، هذا المنتظر قطعًا، لأنه غير موجود، واحد لم يُخلق أساسًا، فلما يقول منتظر يبقى المنتظر إلى الأبد بلا نهاية.

فجعلوها فرضًا، التقية جعلوها فرضًا لازمًا ودائمًا في فترة الغيبة لا يجوز الخروج عنها حتى يعود المنتظر الذي لن يعود أبدًا لأنه لم يولد، كما يؤكد ذلك المؤرخون وأهل العلم بالأنساب وفرق كثيرة من الشيعة نفسها. ومن ترك التقية قبل عودة المنتظر كان كمن ترك الصلاة.

كذلك جعلوا الاستشهاد في سبيل الله يحصل بمجرد اعتناق التشيع وانتظار عودة الغائب، لا في الجهاد في سبيل الله، فالشيعي شهيد ولو مات على فراشه. قال إمامهم: إذا مات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدًا، ومن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين.

وعقد شيخهم البحراني في المعالم الزلفى بابًا بعنوان: الباب التاسع والخمسون في أن شيعة آل محمد شهداء وإن ماتوا على فرشهم، أورد فيه جملة من أخبارهم.

ثم زادت مبالغتهم كالعادة إلى أكثر من هذا القدر، حتى روى ابن بابويه بسنده إلى علي بن الحسين قال: من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأحد.

ومن أحكامهم فرضية البيعة للغائب المنتظر، حتى شرع عندهم تجديد البيعة مرات وكرات عبر الأدعية في الزيارات لمشاهد الأئمة، لأن طبعًا موضوع زيارة المقابر ده عند الشيعة شيء عجيب جدًا، يعني هم يتمسكون به وله مناسك كمناسك الحج كده، وأدعية معينة، وكتب كثيرة، وآداب الزيارة وسننها وفروضها وإلى آخره، فموضوع الغلو الشنيع في موضوع زيارة مقابر الأئمة شيء يفوق الوصف في الخرافات والضلالات التي عندهم، والأدعية بقى اللي مألفينها واللي هي مليئة باللعن والسب والشتم للصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنهم يقولون: من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جل وعز ظاهرًا عادلًا أصبح ضالًا تائهًا، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق.

فهو طبعًا بيقول هنا: لا إمام له ظاهرًا، طيب هو الإمام بتاعكم ظاهر ده؟ مختفي. يبقى أنتم الحديث ده ينطبق عليكم أنكم بتموتوا ميتة كفر ونفاق.

أما المبدأ الأكبر الذي اخترعوه في ظل الغيبة فهو مبدأ نيابة الفقيه الشيعي عن الغائب المنتظر، وقد استحل الفقيه الشيعي باسم النيابة أمورًا كثيرة.

اختلف شيوخ الشيعة في حدود النيابة بين مقل ومستكثر، حتى بلغت النيابة الحد الأقصى لوظائف الإمام الغائب، وهو رئاسة الدولة، يعني رئاسة الدولة هي دي وظيفة الإمام، حتى دي استحلوها لأنفسهم، مع أن دي أساسًا ليست إلا لمين؟ لإمامهم المنتظر المعصوم، لأن حتى دي، ففضلوا يطوروا المفهوم، لأن طبعًا هو دين غير واقعي، يعني كناحية واقعية الدين يستعصي على البقاء، وبالتالي بيحوروا فيه كل شوية علشان يحفظوا عليه قائمًا وموجودًا.

فبلغت النيابة عن الإمام الحد الأقصى من الغلو في أن وظائف الإمام الغائب هم أنفسهم، آياتهم وشيوخهم، يمارسونها، اللي هي رئاسة الدولة، أيضًا الاستفتاء على تشكيل الحكومة في دولة الآيات الحاضرة، الانتخابات، وهذه الأشياء، وهم الذين لا يؤمنون إلا بالإمام المنصوص عليه.

ولخطورة عقيدة النيابة، ولأنها تمثل الخروج المقنع للمهدي، لأن المهدي عمره ما هيخرج، سيبقى منتظرًا إلى أن تقوم الساعة، مهديهم، وبالتالي هم أوجدوا نوعًا من البديل، كان المهدي بيظهر بظهور مقنع تحت أسماء مختلفة، وهي هذه الآيات، والمرشد الروحي، إلى آخره.

فالنواب عن المهدي دول، اللي هو سواء الخميني أو علي خامنئي أو غيره، هؤلاء نواب عن الإمام، فهو ده نوع من تحوير في الدين علشان يكون المهدي مش هيخرج، إذا في الواقع يعني مش هيخرج، فهم أعطوا سلطاته لمين؟ لهذا النائب يقوم مقامه.

ولخطورة عقيدة النيابة، ولأنها تمثل الخروج المقنع للمهدي على يد مجموعة كبيرة من شيوخهم، كل يزعم أحقيته في النيابة، يخص مبدأ النيابة عن المنتظر بالكلام، فيقول: أرست دعائم فكرة الغيبة لولد الحسن العسكري، وكان لا بد من وكيل مفوض يتولى شؤون الأتباع في أثناء فترة الاحتجاب، ويكون الواسطة والباب للغائب في السرداب أو في جبال رضوى أو في وديان مكة.

فكان أول زعيم تولى شؤون الشيعة، كما كشفت ذلك أوراق الاثني عشرية، هي امرأة. أول واحد تولى شؤون الشيعة أو مارس موضوع النيابة عن المهدي المنتظر امرأة، والحديث يقول: ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.

إذ بعد وفاة الحسن العسكري وإشاعة وجود الولد المختفي، وبقاء الشيعة بدون إمام ظاهر، بدأ الشيعة يتساءلون: إلى من يرجعون؟

ففي سنة 262، بعد وفاة الحسن العسكري بسنتين، توجه بعض الشيعة إلى بيت الحسن العسكري، وسأل، كما تقول الرواية، خديجة بنت محمد بن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته له. طبعًا هم يحرمون النطق باسمه ويقولون إن من سماه باسمه فهو كافر، مش عارف تيجي إزاي، إن واحد بيقول اسمه إيه هيسمع هيفشي السر يعني والناس تعرف اسمه، لكن هو ده الموجود كما ذكرنا من قبل في كتبهم، أن من سماه باسمه فهو كافر، فدائمًا ما بيكونش الاسم صريحًا.

فذهب بعض الشيعة إلى بيت الحسن العسكري، وسأل خديجة بنت محمد بن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته له، قالت له: ده فلان. يقول راوي الخبر: قلت لها: فأين الولد؟ فين هو الولد ده اللي اتولد؟ قالت: مستور. فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام.

ويبدو أن رجال الشيعة أرادوا أن تبقى النيابة عن الغائب في بيت الحسن العسكري، فأشاعوا بين أتباعهم في بداية الأمر أن أم الحسن العسكري هي الوكيلة عن المنتظر، اللي هي جدة المهدي الخرافة، فهي الرئيسة العامة للمسلمين بالنيابة عن المهدي.

ويظهر أن هذا التعيين كان القصد منه إيجاد الجو المناسب لنمو هذه الفكرة بين الأتباع، لأن أم الحسن كانت هي الوصية للحسن بعد وفاته كما تذكر أخبار الشيعة، فكان من الطبيعي أن تتولى عن ابنه.

إلا أن بيت وعائلة الحسن العسكري حاربت فكرة الولد وتنكرت له، اللي هو أسرة مين؟ الحسن العسكري، قالوا: لا، مات ولم يكن له ولد. فهذا الأمر، رجال الشيعة قالوا إن موضوع إن إحنا نفضل ندعي إن في حد من داخل أسرة الحسن العسكري هو الذي ينوب عن الإمام، فدي مش هتطول، هتعمل لنا مشاكل كل شوية، لأن في جزءًا كبيرًا من العيلة أو أسرة الحسن العسكري بتناهض فكرة أن هو كان له ولد واختفى إلى آخره.

فتوجهوا إلى اختيار رجل من خارج أهل البيت، اختاروا حد تاني خارج أهل البيت، عشان الطعن بتاع شقيق الحسن العسكري وأسرته في أن هو مات ولم يكن له أولاد.

ولهذا جاء في الغيبة للطوسي: ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه سنة 256، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، اللي هو ابنه، وأوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري.

فهؤلاء النواب الأربعة، اللي هي كانت فترة الغيبة الصغرى، هؤلاء النواب الأربعة يزاحمهم على مسألة النيابة آخرون هم من خارج بيت الحسن، وتمثل نيابتهم صلة شخصية مباشرة بالمهدي أو مباشرة بالمهدي المنتظر، ولذلك تسمى فترة نيابتهم في عرف الشيعة بالغيبة الصغرى، إن كان في اتصال عن طريق الباب.

هؤلاء النواب الأربعة لهم مال الإمام من حق الطاعة وثقة الرواية. جاء في الغيبة للطوسي أن الحسن العسكري قال: هذا إمامكم من بعدي، وأشار إلى ابنه، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله.

اللي هو أول باب، الروايات دي بتتألف متأخرة، لما يحتاجوا لها بيألفوها، بس بتكون الراجل مات وشبع موت اللي بيتكلموا على لسانه، فهم بيلاقوا الأحداث مشيت إزاي، فيفصلوا الرواية عشان يعني موضوع التفصيل ده عندهم في العقائد، يألفوا الرواية بعد ما تقع الأحداث عشان تسوغ لهم هذا.

فأقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، فهو خليفة إمامكم، والأمر إليه، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعني يؤديه.

هكذا أصبح للباب حق النيابة عن الإمام، والأمر إليه، لقوله صفة القداسة والعصمة، لأنه ينطق عن الإمام ويؤدي عنه، ولذلك فإن من خالف هؤلاء الأبواب حلت به اللعنة واستحق النار، كما جاء في التوقيعات التي خرجت من المنتظر في حق من خالف هؤلاء الأبواب.

إذًا مسألة النيابة لهؤلاء الأربعة تخولهم التشريع، لأنهم ينطقون عن المعصوم، وللمعصوم حق تخصيص أو تقييد أو نسخ نصوص الشريعة كما ناقشنا ذلك بالتفصيل من قبل، ولذلك كانت للتوقيعات الصادرة منهم نفس المنزلة التي لكلام الأئمة أو أقوى.

كذلك تخولهم إصدار صكوك الغفران أو الحرمان، وأخذ أموال الوقف والزكاة والخمس باسم الإمام، ولكن هذه النيابة انتهت، إذ لما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه، فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد السمري. بعد الأربعة انتهى خلاص، ما فيش حد أبواب، لم يعد هناك أبواب.

وقد يكون من أهداف موافقة القواعد الشيعية لإغلاق السمري للبابية وإشاعة ذلك بين الأتباع هو المحافظة على فكرة غيبة المهدي من افتضاحها وانكشاف أمرها، لأن الباب الرابع هذا كان بدأ الطمع يجعلهم يتنازعون، كل واحد بيدعي أن هو الباب، عشان طبعًا موضوع الباب ده بيجيب له مكاسب مادية ضخمة جدًا، ياخد الخمس من الأموال، ويبتز الناس إلى هذه الأشياء باسم أنه نائب، فحصل نزاع، وكما تعرفون اللصوص حينما يختلفون تفتضح الحقيقة، فلذلك هم رحبوا بفكرة إغلاق موضوع الأبواب الأربعة، تقفل على كده، ويبقى في غيبة تامة بقى، ما حدش هيقدر يتصل بالمهدي خالص. ليه؟ لأن ده هيقفل باب الخلافات التي كانت تفضح أمرها، وكانت تقضي على فكرة غيبة الإمام.

حيث كثر الراغبون فيها من شيوخ الشيعة، ولا سيما في عهد سلفه أبي القاسم ابن روح، وعظم النزاع بينهم، ووصل الأمر إلى التلاعن والتكفير والتبري، كما يلحظ ذلك في التوقيعات التي خرجت على يد الأبواب منسوبة للمنتظر. فكل واحد من اللي بيدعي أن هو الباب يقول لك: أهو ومعايا توقيع من المهدي المنتظر بعته لي من السرداب أو أنا أخدته منه في السرداب، وده يكون بيلعن الباب الثاني، والباب الآخر يقول: معايا توقيع من المهدي المنتظر، ويكون بيلعن من ينازعه، فالموضوع كثر، فهم رحبوا يبدو أنهم يغلقوا الباب ده عن طريق ادعاء الغيبة التامة.

فأغلق السمري حكاية البابية. هنا حصل تطور آخر في مسألة النيابة وفي المذهب الشيعي عمومًا، حيث جعلت النيابة حقًا مطلقًا للشيوخ، فبدل الباب أصبح في بقى آيات الله، كلها أبواب.

أصدرت الدوائر الاثنا عشرية توقيعًا منسوبًا للمنتظر، وخرج بعد إعلان انتهاء البابية على يد السمري، يقول التوقيع: أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. فأعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي، وفوض أمر النيابة عن المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخباره.

ولقد حقق هذا الإعلان مجموعة من الأهداف، أصبحت الدعوة البابية غير مقصورة على واحد، والذي قد تكشف حقيقة أمره بسهولة، يعني لو الواحد ده اللي هو بيقول إن هو الباب، لو حصل رصد ورقابة له مستمرة لا تتوقف الأربع والعشرين ساعة لمدة خمس سنين مثلًا، أكيد في الخمس سنين دي بيتصل بالمهدي، فهيكتشفوا أن هو كذاب ولا مهدي ولا حاجة، واضح يعني، لو خضع لرقابة دقيقة سيفتضح أمره أن ما فيش مهدي ولا شيء.

يقول: وقد أصبحت الدعوة البابية غير مقصورة على واحد، والذي قد تكشف حقيقة أمره بسهولة، وبمجرد مراقبة مجموعة له، ولذلك يلاحظ كثرة الشك والتكذيب في فترات الغيبة الأولى.

فترات الغيبة الأولى، اللي هي الغيبة الصغرى، أربعة أنفار، فممكن عادي فعلًا الناس تقعد تراقبهم ويعملوا تحريات عليهم، هيلاقوا ولا في حد مهدي ولا حاجة، عشان كده الشك كان ظاهرًا، وكانت في اضطراب شديد في موضوع الغيبة.

كما أن ذلك خفف التنافس على البابية التي كان لها أثرها، فبقيت مشاعة بين شيوخ الشيعة، وأطلق على انقطاع البابية الخاصة وتحولها إلى نيابة عامة الغيبة الكبرى، فصار للإمام غيبتان: صغرى وكبرى، رغم أن لهم روايات لا تتحدث إلا عن غيبة واحدة.

في روايات صنعت أيضًا بعد الفترة الأولى من موت الحسن العسكري، يقول بعضها: كان الحسن العسكري بيقول إيه؟ بيقول لهم: إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها. شوف الشك، إن بلغكم، احتياطي، إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها. فكان نوع من جس النبض، بيشوف هيعملوا إيه لما يخترع عليهم فكرة الغيبة دي. إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها. طيب الغيبة دي غيبة واحدة، بعد كده أصبحت غيبتين.

تؤكد بعض رواياتهم أنه بعد هذه الغيبة سيظهر المهدي. جاء في الكافي عن أم هانئ قالت: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله تعالى: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، قالت: إمام يخنس، يختفي سنة 260 ثم يظهر، فما بعد غيبته إلا الظهور.

فإعلان السمري إغلاق البابية قد يراد منه إشعارهم بقرب الظهور، ولكن مرت الأيام والسنين والقرون ولم يظهر، فوضعت روايات تناسب الوضع الجديد، بقى إن في غيبتين، في روايات كانت بتتكلم على غيبة واحدة هتحصل، ثم بعد ذلك، ما دام الموضوع طال واخترعوا النيابة العامة هذه، فصلوا روايات تناسب الوضع الجديد وتتحدث عن غيبتين.

يقول بعضها: قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان، إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم إلا خاصة مواليه في دينه.

فأثبتت الرواية غيبتين، الأولى يتصل بها خاصة شيعته، وهذا طبعًا قد يكون إشارة إلى السفراء الذين تناوبوا على دعوى البابية، والأخرى يتصل به خاصة مواليه. أشارت الرواية في الكافي إلى أن عددهم ثلاثون، فلم تنف رواياتهم الصلة المباشرة بالمنتظر في الحالتين.

يبقى الرواية دي بتثبت أن حتى في حالة الغيبة الكبرى في ناس، اللي هم خاصة موالي المهدي، هؤلاء هم اللي هيتصلوا به. قال إن عددهم حوالي ثلاثين واحدًا. يبقى إذًا في مرحلة من المراحل كان عندهم اعتقاد أن في الغيبة الصغرى في ناس معينة بتتصل به، اللي هم النواب، وفي الغيبة الكبرى في أيضًا خاصة مواليه هم الذين يتصلون به، رغم أن السمري حينما أنهى وظيفة البابية أصدر توقيعًا على لسان المنتظر يقول فيه: من ادعى المشاهدة للمنتظر فهو كاذب.

وإن شيوخهم يقولون بأنه وقعت في الغيبة الكبرى المحرومية العظمى من الإمام. هم لهم كده، الشيعة يحبونها أو يعشقونها، المظلومية، المحرومية. ها، المظلومية اللي هي مظلومية الزهراء، إن الزهراء ظلمت وفعل بها كذا وكذا، وعمر ضربها ومش عارف أسقط حملها، وحصرها كده بين الباب وبين الحيطة وقعد يضربها، كلام يعني مش هنقول إيه عليه.

الشاهد، فهم يحبوا الكلمات دي: المظلومية، مظلومية آل البيت، المحرومية العظمى، اللي هي الحرمان من الإمام. يقول شيخهم النعماني بعدما ذكر أخبارهم في الغيبتين هذه: الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم غيبتين أحاديث قد صحت عندنا، فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كان السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم الشفاء من العلم وعويص الحكمة والأجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصَرمت مدتها، والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط.

ولكن شيوخ الشيعة يدعون في فترة الغيبة الثانية النيابة عن الإمام المنتظر، ويستندون في ذلك على التوقيع الذي أظهره السمري عن منتظرهم، والذي يحيلهم إلى رواة حديثهم في كل الحوادث الواقعة الجديدة.

وهل هو أحالهم على الكتاب والسنة؟ لا. أحالهم على رواة أحاديثهم، شيوخهم. تبوأ شيوخ الشيعة بذلك منصب البابية عن الغائب، أصبح شيوخ الشيعة مكان الأبواب، واستمدوا القداسة بين الأتباع بفضل هذه النيابة عن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الخارقة والفضائل الكاملة.

ولذلك يطلقون على شيوخهم الذين وصلوا إلى منصب النيابة عن الإمام اسم المراجع وآيات الله. يبقى المرجع الشيعي الأعلى آية الله كذا. أي صفة من الصفتين دول إشارة إلى أنه نائب عن المهدي المنتظر، المنتظر للأبد، فهو ظاهر للإمام المعصوم.

ولذلك يقرر أحد شيوخهم المعاصرين بأن الراد على النائب كالراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله، وذلك بمقتضى عقيدة النيابة.

يقول شيخهم المظفر: عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، دي في كتاب اسمه عقائد الإمامية، هذا الكتاب وزعوه على الحجاج سنة 1398 هجريًا، بداية الثورة، أنا نفسي عندي نسخة حتى الآن أخذتها من الشيعة، كانوا يوزعونها في الشوارع، فهم يعترفون في هذا الكتاب ويقررونه.

عقائد الإمامية، المظفر يقول: عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والرد عليه رد على الإمام، والرد على الإمام رد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام.

فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعًا في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل في القضايا، وذلك من مختصاته، لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه، ويرجع إليه في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته.

هذه المنزلة أو الرئاسة العامة أعطاها الإمام عليه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائبًا عنه في حال الغيبة، ولذلك يسمى نائب الإمام.

فأنت ترى أن شيوخ الشيعة طبعًا بهذه الطريقة هم تخلوا عن آل البيت رأسًا، قضية بقى أن آل البيت والمظلومين، وآل البيت، وأنهم أحق بالحكم إلى آخره، فين آل البيت؟ شيوخكم أصبحوا هم الذين يتولون الحكم الفعلي.

يعني الحاكم الفعلي في إيران ليس نجاد ولا غيره، الحاكم الفعلي هو أولًا كان الخميني، ثم الآن علي خامنئي، ده الحاكم الفعلي، يعني حتى رئيس الجمهورية هو مقيد بأن ده يرسم له السياسات والتاني ينفذ، مش زي أي دولة في العالم أن رئيس الجمهورية له سلطة في الحكم، لا، هو بيحدد له المرشد الديني الأعلى ده، أو المرجع الديني الأعلى، بيحدد له السياسة وهو يمشي على ضوئها، مالوش استقلالية زي أي حاكم في مكان آخر.

فأنت ترى أن شيوخ الشيعة تخلوا عن آل البيت رأسًا، وتعلقوا بهذا المعدوم، ووضعوا أنفسهم مكان الإمام من أهل البيت باسم هذا المعدوم، وهذه غنيمة كبيرة، لذلك ما إن اتفقوا عليها بعد إخفاق فكرة البابية المباشرة حتى اختفت الخلافات على منصب البابية.

الخلاف على منصب البابية هو شبيه بالبابوية، يعني مجرد ما قالوا بالغيبة الكبرى ما بقاش حد يختلف بقى، خلاص، ورجعت فرق شيعية كثيرة ودانت بهذه الفكرة. لماذا؟ لأنها تجعل من كل واحد من تلك الرموز الشيعية إمامًا ومهديًا وحاكمًا مطلقًا مطاعًا، وجابيًا للأموال، ولا يحاسبهم في ذلك أحد من أهل البيت، ولا يفضحهم ويكشف أوراقهم رجل من أهل البيت.

ويبدو من التوقيع المنسوب للمنتظر أنه يجعل لشيوخ الشيعة حق النيابة في الفتوى حول المسائل الجديدة، إذ هو يقول: فأما المسائل الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا. ولا يخولهم النيابة العامة، ولكن الشيوخ توسعوا في مفهوم النيابة حتى وصلت إلى قمة غلوها في هذا العصر على يد الخميني، كما نلاحظ شيئًا من هذا في تقرير شيخهم المظفر لعقيدتهم في هذا الشأن، وكما تراه في دولتهم الحاضرة.

وقد كان لهؤلاء الشيوخ دعاوى عريضة حول الصلة بالمهدي بعد غيبته الكبرى كما سلف أشرنا إلى هذا.

ثم يتعرض لعقيدة الغيبة والمهدية عند الاثني عشرية بالنقد، فيقول: إن فرق المسلمين تخالف الاثني عشرية في خلق المهدي، فنحن نعتقد أنه لم يُخلق أصلًا. في خلق المهدي ووجوده، فكيف ببلوغه؟ هو أصلًا لم يُخلق، إزاي بقى بلغ ووصل سن الرشد وصار إمامًا ومعصومًا ومهديًا؟

والشيعة لا يقدرون ببرهان واضح على إثبات واحدة من هذه الأمور، ما يستطيع أحد أن يثبت أنه ولد، وأنه كبر وصار بالغًا راشدًا، ولا أنه صار مهديًا. والحقائق التاريخية والدلائل العقلية تقول: فأهل السنة يقررون بمقتضى النصوص الشرعية والحقائق التاريخية والدلائل العقلية أن مسألة غيبة المهدي عند الاثني عشرية لا تعدو أن تكون وهمًا من الأوهام، إذ ليس له عين ولا أثر، ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد.

وقد ذكر أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. ثم إنهم يقولون إن المهدي دخل السرداب بعد موت أبيه وعمره سنتان أو ثلاث أو خمس، على اختلاف رواياتهم، وأصبح من ذلك الوقت هو الإمام على المسلمين، رغم طفولته واختفائه.

طفل، عنده أقل تقدير سنتين وأعلى تقدير عنده خمس سنوات، يصبح إمامًا للمسلمين، وكمان مختفي. إحنا شفنا أطفالًا كثيرين، اللي أصبح ولي عهد، واللي أصبح ملكًا عليه وصاية، إلى آخره، لكن يعني عيل وكمان مختفي، يبقى إيه الفايدة طيب؟

يقول: وأصبح من ذلك الوقت هو الإمام على المسلمين، وإمام معصوم على فكرة من الطفولة، وهو معصوم ومسدد، رغم طفولته واختفائه، مع أن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون هذا اليتيم، على فرض وجوده، عند من يستحق حضانته من قرابته.

مش اليتيم بيبقى في واحد، الأم بتحضنه، وفي وصي عليه، ها، بيشرف عليه ولي أمره. فده معروف من القرآن والسنة والإجماع، أن اليتيم حتى لو فرض أن في واحد يتيم بيكون خاضعًا لغيره، عند من يستحق حضانته من قرابته، وأن يكون ماله عند من يحفظه حتى يؤنس منه الرشد: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم.

لأن الطفل لا يؤتمن على تصريف الأموال، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه، اللي هو الطفل، في بدنه وماله، إمامًا لجميع المسلمين معصومًا، لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟ فكيف إذا كان معدومًا أو مفقودًا مع طول هذه الغيبة؟

والمرأة إذا غاب وليها زوجها الحاكم، لو الزوج المفقود، الزوج اختفى وطالت المدة ولم توجد وسيلة إطلاقًا للاتصال به، والمرأة مثلًا أبوها واحتاجت إلى أن تتزوج، ويئس من الاتصال بهذا الشخص، لا ينتفع بأي وسيلة، وطال العهد، طبعًا في هذه الحالة ترفع المرأة أمرها إلى القاضي، والقاضي أو الحاكم هو الذي يزوجها.

يقول: والمرأة إذا غاب وليها زوجها الحاكم أو الولي الحاضر، لئلا تضيع مصلحة المرأة بغيبة الولي الموجود، فكيف تضيع مصلحة الأمة مع هذا الإمام المفقود على طول الدهور؟

إذا كانت الشريعة في مصلحة امرأة واحدة أباحت أنه إذا غاب وليها وانقطع الاتصال به فإما يزوجها الحاكم أو الولي الأقرب منه الذي يليه في المرتبة حتى تراعى مصلحة امرأة واحدة، فكيف مصلحة الأمة في جميع شؤونها تعلق على شخص مفقود ولا سبيل إلى الوصول إليه على طول الدهور؟

وبغض النظر عن موقف أهل السنة من المهدي الاثني عشري وغيبته، فإن المتأمل للنصوص المهدية والغيبة في كتب الاثني عشرية المعتمدة يلاحظ ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن هذه الدعوى لم تلق قبولًا لدى الشيعة أنفسهم إلا في العصور المتأخرة نسبيًا، وذلك حين جدت الدعاية الشيعية في ترويج هذه العقيدة، وألغت فكرة البابية التي انكشف بواسطتها أمر الغيبة.

ولذلك فإن شيخهم النعماني، وهو من معاصري الغيبة الصغرى، يقرر أن جميع الشيعة في شك من أمر الغيبة إلا قليلًا منهم. دول كانوا معاصرين بداية ظهور فكرة الغيبة.

واضح، فبالتالي زي ما شفنا، لو في باب وأربع أبواب وراء بعض، وكل واحد بيقول إن هو الواسطة اللي بيقابل المهدي، ما حدش يقدر يوصل، طالع على المخبأ السري بتاعه، فسهل جدًا أن الناس تراقب واحدًا منهم، يعني لو خمسون واحدًا هيراقبوا هيبقى كل يوم كم ساعة يراقبه ويشوفوا بيروح فين، فكانوا هيكتشفوا الأمر.

كانت فكرة البابية على وشك أنها تنسف مبدأ الغيبة من أساسه، لسهولة التثبت من أن الكلام كذب، فبالتالي كانت أمارات الشك واضحة بينة للشيعة، حيث إن الحسن العسكري كما يعترفون توفي ولم ير له أثر ولد، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم أخوه جعفر وأمه ما ظهر من ميراثه.

ورد في الكافي، أصح كتب الحديث عندهم، وغيره، عن أحمد بن عبد الله بن خاقان قال: لما مات الحسن العسكري سنة 260 ضجة سر من رأى، اللي هي سامراء، ضجة واحدة: مات ابن الرضا.

وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها، يعني زي ما بيقولوا دلوقتي بالشمع الأحمر يعني، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواره ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فوضعت تلك الجارية في حجرة ووكل بها بعض النسوة، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته، تجهيز الجنازة يعني.

فلما فرغوا من ذلك بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل للصلاة عليه، فلما دنا أبو عيسى منه كشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب، ثم قال: هذا الحسن بن علي بن محمد الرضا مات حتف أنفه على فراشه، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته، ثم صلى عليه.

وبعد دفنه أخذ السلطان والناس في طلب ولده، وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي وُهم عليها الحمل ملازمين لها حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنها قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر.

فده إجراء قضائي مش أكتر، وبعدين هو يختفي ليه طيب؟ يقول لك: خاف ويتقتل. طب واللي قبل منه أحد عشر واحدًا ما حدش قتلهم ليه؟ إشمعنى ده بالذات اللي هيتقتل وهو طفل؟

فأنت تلاحظ أن الاثني عشرية ساقوا هذه الرواية للدلالة على بطلان قول من قال من الشيعة بالوقف على الحسن العسكري في إنكار وفاته، ولكن تبين من خلالها بطلان دعوى الولد، لأن أسرة الحسن ونقابة أهل البيت والسلطان حققوا علنيًا في حقيقة الأمر، وذلك لإبطال ما يزعمه الشيعة في هذا المجال.

ولهذا قرر القمي والنوبختي وغيرهما بأن الشيعة افترقوا بعد وفاة الحسن العسكري إلى فرق عديدة، أنكر أكثرها وجود الولد أصلًا، يعني في البداية أكثر فرق الشيعة أنكرت أن في ولد، حتى قال بعضهم: قد طلبنا الولد بكل وجه فلم نجده.

ولو جاز لنا دعوى أن للحسن ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، يعني لازم نتكلم بالعقل شوية. لو إحنا جائز، يعني زي ما بيقولوا في القاعدة: الدعوى يُحتج لها ولا يُحتج بها.

يعني واحد جاي على العمارة بتاعة واحد، ملكه مثلًا أو مصنع أو شيء من هذا، ويقول: دي ملكي أنا. يقولوا: إيه الدليل إنها ملكك؟ يقول: إن أنا بقول إنها ملكي. فهل يصح أن الدعوى التي أدعيها تبقى هي الدليل بتاعي؟ ولا لازم أجيب وثائق وأدلة وكذا؟

فنفس الشيء يبقى في هذه الحالة، لو إحنا نفتح هذا الباب، أن واحد مات ولم يكن له أولاد وندعي دعوى أنه ترك ولدًا يخلفه، ففي هذه الحالة يبقى أي ميت، أي واحد مات، ندعي عليه أن هو ترك ما لم يُخلق من الأولاد.

بل يقول هنا: ولو جاز لنا دعوى أن للحسن ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، كل واحد يموت من غير أولاد يبقى إحنا من حقنا ندعي أن هو ترك ولدًا.

ولا جاز أن يقال في النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خلف ابنًا نبيًا رسولًا، لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ولدًا من صلبه، فالولد قد بطل لا محالة.

هذا الواقع هو الذي حدا بشيوخ الشيعة، كما تعرفون في الترزية، بيفصلوا روايات بعد وقوع الأحداث عشان تتحط في الكتب، والأجيال اللي جاية تتوهم أن الروايات دي كانت بتتقال من الغيب كده قبل ما تحصل، كأنها نبوءات، لكن لا، هي ترزية الروايات اللي بيخيطوا ويفصلوا على مقاس الحادثة أو الواقعة أو الشيء اللي عايزين يدعموه، فيفصلوا له الرواية ويحطوها في الكتب.

فالرواية واضحة جدًا، اللي بتثبت أن حسن العسكري مات ولم يكن له ولد، القصة التي ذكرناها آنفًا، وهم اللي بيحكوها في كتبهم، عشان يردوا على مين؟ على اللي بيدعوا الوقف على الحسن العسكري. لا، دي بتثبت أنه مات. بس هم بيجيبوه عشان يثبتوا أن هو مات، وبيثبتوا ضمنًا بطلان قصة الولد كما رأينا.

طيب، نلاحظ هنا أنه الشيعة برده فصلوا بقى الترزية، بتوع الخياطين بتوع الروايات بتاعتهم. الموضوع واضح خالص، وجابوا الجارية اللي شكوا في أنها حامل، ورقبوها وكذا، وانتهى الأمر إلى إثبات بطلان الحمل، وتوزعت التركة خلاص على الموجودين.

فالشيعة بقى عشان يحلوا الموضوع ده قالوا: لا، دي الجارية اللي كانت حاملًا لم يظهر عليها علامات الحمل إطلاقًا. وذكرنا هذا من قبل بالتفصيل.

يقول: فهذا الواقع هو الذي حدا بشيوخ الشيعة إلى وضع روايات تجعل من لوازم منتظرهم اختفاء حمله وولادته والشك فيه، فألفوا الروايات أن هيخرج بقى مهدي، أو يخرج هذا الشخص القائم، ومن علاماته أن حمله يكون خفيًا لا يستطيع أحد أن يرى أي علامات من علامات الحمل، وولادته تكون خفية، وأن الناس يشكون في أنه ولد أو لم يولد.

نعم، كمحاولة من شيوخهم لتجاوز هذه المرحلة التي كاد أن ينكشف فيها أمر التشيع.

وعلاوة على إنكار جل الشيعة ذلك، معظم الشيعة في ذلك الوقت رفضوا هذا الكلام، فإن لأهل البيت موقفًا صريحًا حاسمًا في هذا الأمر، وهو من البراهين الواضحة على بطلان هذه الدعوى.

حيث جاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة 303 أن رجلًا ادعى في زمن الخليفة المقتدر أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب، وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن طمار، فقال له ابن طمار: لم يعقب الحسن.

يعني واحد ادعى أن هو محمد بن الحسن العسكري المهدي، فطبعًا دي أيضًا غريبة، إزاي واحد بيدعي وهو أصلًا مختفي ما بيبانش؟ وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي، يعني نفس بنو هاشم وبيت الرسول عليه السلام ضجوا جدًا من هذا الرجل الذي ادعى أن هو محمد بن الحسن العسكري، وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس ويعاقب أشد عقوبة.

فحمل على جمل وشهر يوم التروية ويوم عرفة، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي.

وهذه الشهادة من بني هاشم وعلى رأسهم نقيب الطالبيين مهمة، لأنها من نقيب العلويين، الذي كان عظيم العناية بتسجيل أسماء مواليد هذه الأسرة في سجل رسمي، ولقدم فترتها الزمنية، حيث إنها واقعة في زمن الغيبة الصغرى التي كثر فيها ادعاء هذا الولد وادعاء بابيته من العديد من الرموز الشيعية.

علاوة على شهادة نقيب الطالبيين وبني هاشم، فإن أقرب الناس، ودي قصة برده طريفة، انتبهوا لها، أقرب الناس إلى الحسن العسكري أخوه جعفر كان يؤكد أن أخاه مات ولا نسل له ولا عقب، أولى الناس به، بينفي أنه مات وله ولد، والشيعة يعترفون بذلك.

بل ينقلون أنه حبس جواري أخيه وحلائله حتى ثبت له براءتهن من الحمل، عشان الميراث، لو اتوزع، لو في حمل طبعًا الوضع هيختلف.

فهو نفسه، جعفر شقيق الحسن العسكري، حبس جواري أخيه وحلائله، زوجاته، حتى ثبت له براءتهن من الحمل، وأنه شن على من ادعى ذلك، وأبلغ دولة الخلافة الإسلامية بتآمره.

ولكن الطوسي يقول، نسمع بقى العجب بجد، هذا أخوه، وكان يقف بالمرصاد لكل من يدعي أن أخاه مات وله ولد، فالطوسي بقى بيقول إيه؟ بيقول: إن هذا الإنكار من جعفر ليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين، لاتفاق الكل على أن جعفرًا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء وكسائر الأئمة، فبالتالي قوله لا يؤخذ به، لأنه ليس بمعصوم، فالوارد أن هو يكون أخطأ.

يقول: لاتفاق الكل على أن جعفرًا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء، فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، والغلط غير ممتنع منه.

فقالوا: لأنه مش معصوم، فوارد أن هو يكون أخطأ. فالطوسي لا يقبل الإنكار من جعفر لأنه غير معصوم، ولكن الطوسي ومعه طائفة الاثني عشرية يقبلون دعوى عثمان بن سعيد في إثبات الولد ودعوى بابيته، وهو غير معصوم. أليس هذا تناقضًا؟

طيب، ما عثمان بن سعيد الذي قبلتم خبره ودعواه أن المهدي كان له ولد، ها، مش معصوم، وقد قبلتم خبره، فلماذا لا تقبلون خبر أخيه جعفر، أخي الحسن العسكري؟

كيف يكذب جعفر وهو أخو الحسن العسكري ومن سلالة أهل البيت وعميد الأسرة بعد وفاة الحسن، ويصدق رجل أجنبي عن أهل البيت، وهو متهم في دعواه لأنه يجر المصلحة لنفسه، لأن يدعي أن هو الباب في شبهة أنه بيدعي لأجل الحصول على الخمس والزكاة والأموال دي كلها، ها، وهو متهم في دعواه لأنه يجر المصلحة لنفسه من المال والجاه باسم البابية، ومن هذا شأنه ألا يشك في قوله وترد شهادته.

ولموقف جعفر المتميز ضد محاولات الرموز الشيعية اختراع ولد لأخيه ضاقت الشيعة ذرعًا بأمره، اتضايقوا منه جدًا، لأنه كان يعني غصة في حلوقهم في مسألة الدعاء أن أخاه مات وعنده ولد، فعاقبوه بإيه بقى؟ انتقموا من جعفر بإيه؟ سموه جعفر الكذاب مقابل جعفر الصادق.

فأشاعوا عنه هذا الوصف: جعفر الكاذب أو جعفر الكذاب، انتقامًا لموقفه في إنكار أن أخاه مات عن ولد.

يقول: ولموقف جعفر المتميز ضد محاولات الرموز الشيعية اختراع ولد لأخيه ضاق الشيعة ذرعًا بأمره حتى لقبوه بجعفر الكذاب، ووضعوا روايات نسبوها لأوائل أهل البيت تتنبأ بالغيب، فتتحدث بما سيقع من جعفر وتندد به. الترزية والخياطون فصلوا الرواية على ألسنة أهل البيت اللي في العصور الأولى خالص، واضح، ودسوها في كتبهم عشان الناس تفهم أن ده كان إخبارًا بالغيب، وهي متفصلة بعد موقف جعفر.

نسبوا للسجاد أنه قال: كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله المغيب في حفظ الله، جهلًا منه بولادته، وحرصًا على قتله إن ظفر به، طمعًا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه.

يعني كان حريصًا، لو في ابن لأخيه، يقتله عشان ياخد هو الميراث كله. يعني طبعًا قالوا إنه يلقب جعفر بن محمد بالصادق في مقابل جعفر هذا الذي يلقبونه بالكذاب، فقد يكون شيوع إطلاق لقب الصادق على جعفر وتمييزه بذلك بين آبائه وأقرانه قد يكون مصدره الشيعة نكاية بحفيده جعفر، فلما يقولوا جعفر الصادق يبقى ضمنًا كده مش جعفر الكذاب اللي عمل كذا وكذا، فنوع من النكاية في حفيده جعفر، اللي هو شقيق الحسن العسكري.

فهم عاقبوه لأنه أنكر هذا الموضوع، وتصدوا له بأنه لقبوه بجعفر الكذاب.

نلاحظ في هذه الرواية أنهم اتهموا جعفرًا بأنه أنكر ولادته طمعًا في الميراث، أنكر أن أخاه له ولد لأنه في عدم وجود الولد هو هيرث المال، فهو بيوجهوها بهذا التوجيه، أنه أنكر وجود الولد علشان في الميراث، على حد المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت.

ليه بقى؟ لأن صانعي هذه الروايات، إن في ولد وإن في باب، هم دول اللي كانوا عايزين البابية علشان يأكلوا أموال الناس، فهؤلاء هم الذين ادعوا الولد وقالوا ببابيته حرصًا على الأموال.

كذلك فإن الرواية تتناقض حينما تقول بأن جعفرًا يجهل ولادته، يعني في ولد اتولد لكن جعفر كان يجهل، ثم تقول بأنه كان حريصًا على قتله لكي يرث المال كله. يعني الحديث عن قتل، بتقول إن هو كان يجهل أنه ولد، فإذا كان يجهل أنه ولد فكيف يحرص على قتل مجهول وجوده؟

ثم انظر كيف يدافعون عن عثمان بن سعيد ويتهمون جعفرًا وهم يدعون التشيع لأهل البيت.

وليس جعفر وحده من أسرة الرضا الذي ينكر هذه الدعوى، بل يظهر من روايات الشيعة أن الإنكار كان من بيت الولد المزعوم ومن بني عمه.

يدل على ذلك ما جاء في كتب الشيعة عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري، اللي هو ده الباب الثاني، أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه مسائل أشكلت علي، يعني كتبت له أسئلة وقلت له: وصلها للمهدي وهات لي الإجابات.

فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان، طبعًا ما فيش أي دليل على أن ده خطه، الخطوط تتشابه، والشخص اللي خرجت الرقعة على إيده شخص غير معصوم، لا يؤمن أن هو يكون هو اللي بيألف الإجابة دي، لأنه طبعًا صاحب مصلحة، وهي أخذ أموال الناس بحجة النيابة عن الإمام.

المهم يقول: فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان صلى الله عليه: أما ما سألت عنه، أرشدك الله، من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا، فطبعًا الرواية دي تدل على أن اللي أنكروا وجوده مش بس أهل بيته أخوه، ده كمان أولاد عمه.

فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف.

فيدل هذا على أن إنكار وجود الولد صدر من أهل بيته وعمومته، والدعوى جاءت من الخارج.

فأيهما أقرب للتصديق؟ أن يكذب أشراف أهل البيت، ويصدق عثمان بن سعيد الذي لا يعرف له شأن في دين ولا علم ولا نسب ولا مقام ولا أصل؟

وقد يقال بأن أهل بيته وعمومته يتسترون عليه صيانة له، ممكن أن أهل البيت وبني عمومته، جعفر، بيتستروا عشان يعني يحموا المهدي عشان ما يظهرش حد يقتله.

نفس التوقيع الصادر عن المنتظر المزعوم يدل على أن الإنكار حقيقي، لأنه يحكم عليهم بأنهم كابن نوح في الكفر، إذ ليس بين الله وبين أحد قرابة، مع أن مذهبهم قائم على أن قرابة أئمتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي خولتهم تلك المكانة.

كذلك حملتهم على جعفر ووصفه بالكذاب ورميه بكل عيب ونقيصة يدل على أن الإنكار من أسرة الحسن حقيقي، ولذلك صنع أصحاب هذه الدعوى تلك الروايات التي تهاجم جعفرًا وأهل بيت المنتظر وبني عمه، وتندد بإنكارهم، وتفيض بالحقد عليهم.

وقد كان لموقفهم أثره في ذلك الوقت، حيث شك جميع الشيعة في هذه الدعوى إلا القليل، كما شهد بذلك شيخهم النعماني وغيره.

وعلاوة على ذلك كله فإن الحسن العسكري نفسه المنسوب له هذا الولد قد نفى ذلك وأنكره، حيث أسند وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته، وأوكل لها النظر في أوقافه وصدقاته، وأشهد على ذلك وجوه الدولة وشهود القضاء.

وده من كتب الشيعة، يرويه الكليني في الكافي، وابن بابويه في إكمال الدين، وغيرهما. ولو كان له ولد، هو إمام المسلمين، يحمل تلك الأوصاف الكاملة والخارقة، لما وسعه إلا توكيله، لأن حتى الولد عندهم ما بيتحجرش عليه، ده كامل من الطفولة الباكرة، إمام، ها، ومعصوم.

فالمفروض أن هو كان أبوه يوكل أمر الأوقاف ورعاية هذه الأشياء لمين؟ للإمام، إمام المسلمين الأعظم، اللي هو ابنه. فمن هو وكيل ورئيس الأمة، ومن هو إمام أمان للكون والناس، لا يعجزه مع غيبته أن يقوم بأعباء النظر على أوقاف أبيه وصدقاته؟

فلما لم يفعل دل على أنه لا ولد له أصلًا.

وليس ينال من هذه الشهادات العملية للحسن العسكري قول الطوسي: إن الحسن فعل ذلك قصدًا إلى إخفاء ولادة ابنه وسترًا له عن سلطان الوقت، إنه خاف أن الخليفة يقتله. فهذه دعوى بلا برهان، وأحد عشر خليفة كانوا موجودين قبل كده، وأحد عشر إمامًا من أئمتهم، وما قتلهم أحد، فإشمعنى ده بالذات، الغلام ده، الذي سيقتل؟

وبهذا يثبت بطلان وجوده وبطلان ما ترتب على ذلك، فهذه شهادة أهل السنة وأكثر فرق الشيعة ونقابة آل أبي طالب وأسرة آل أبي طالب وأخيه جعفر والحسن العسكري، كل هذه الشهادات والبينات تنفي دعوى الولد، وهي ترد دعوى الأجانب البعداء في نواياهم ممن ادعى البابية والمشاهدة.

فكيف إذا أضيف إلى ذلك استبعاد بقائه على فرض وجوده مئات السنين؟ ولو مد الله في عمر أحد من خلقه لحاجة الناس إليه لمد في عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال أبو الحسن الرضا.

وهو مع طول هذه المدة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقره ومقامه، ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله، وكل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة استتاره قريبة ولا يخفى على الكل، زي اللي اختفى في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي هروبًا من ظلمه، وبعد ما مات مثلًا طلع، أو خليفة من خلفاء، واحد خاف من ظلمه ومجرد ما مات ظهر تاني، لكن ده اختفاء بلا ظهور أصلًا، لا حتى وهو طفل ولا وهو قد بلغ من العمر 1170 سنة أو 1175 سنة.

وهيعيش إزاي يعني، وهي أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك؟ فيرد يقول لك: أليس الله على كل شيء قدير؟ يقول: بلى، ولكن ما تستدلش بالآية اللي بتقول إن الله على كل شيء قدير، لأن إحنا لا ننكر قدرة الله، بس أنت أثبت لنا أن ده حصل، هات سندًا أن ده حصل وليس مجرد الدعوى.

فما تستدلش بالآيات التي تثبت عموم قدرة الله تعالى، لأننا لا نناقش في هذا، نحن لا ننكر أن الله قادر، لكن هل هي وقعت أم لم تقع؟ هل ولد أم لم يولد؟ هذه قضية.

فالآية في أصحاب الكهف مثلًا وغيرها، قدرة الله إننا لا نشك فيها، يعني إحنا مش بننكرها عقلًا، إحنا بننكرها من حيث الثبوت، وإلا كل واحد يدعي دعوى ويبني عليها هذه الأمور الخطيرة من تكفير الناس، وأن جعل الإيمان بمثل هذا الشخص هو عماد من أعمدة الدين، والإنسان يكفر إذا لم يؤمن به، ما هذا السفه يعني؟

يقول: وكيف يغيب المسؤول الأول عن الأمة هذه الغيبة الطويلة؟ أليس هذا كله دليلًا واضحًا جليًا على أن حكاية الغيبة أسطورة من الأساطير التي صنعها المرتزقة والزنادقة والحاقدون؟

ويبدو أن هذه المقالة كان الدافع وراءها ماديًا وسياسيًا، فالرغبة في الاستئثار بالأموال ومحاولة الإطاحة بدولة الخلافة كانا هدفين أساسيين في اختراع هذه الفكرة، والدليل على ذلك أن لغة المال تسود توجهات الفرق الشيعية، وهي مصدر نزاعهم واختلافهم كما حفظت نصوص ذلك كتب الاثني عشرية.

كذلك فإن قضية الإمامة والخلافة هي حديث هذه الخلايا الشيعية، وهم في فلكها يسيرون، وابتداع فكرة الإمام الخفي يخلصهم من أهل البيت ويجعل الزعامة في أيديهم، ولم يتكلفوا شيئًا من عناء التفكير والبحث والتأمل للوصول إلى هذه الغاية، إذ إنهم وجدوا هذه الفكرة في الديانة المجوسية، ذلك أن المجوس تدعي أن لهم منتظرًا حيًا باقيًا مهديًا كما مر.

نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • السبت PM 04:19
    2026-04-25
  • 11
Powered by: GateGold