ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تقية علي التقية
تقية علي التقية
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:
فقد انتهينا في مدارسة أصول مذهب الشيعة إلى الكلام على موقف، أو المقارنة بين موقف المعاصرين من قضايا العقيدة عند الشيعة، وبين موقف المتأخرين المتقدمين الذين سبق بيان وتفصيل مذاهبهم في هذه الأبواب، وانتهينا إلى الكلام في قضية العصمة.
يقول الدكتور القفاري حفظه الله تعالى: الجديد في هذه المسألة عند المعاصرين هو أخذهم برأي المتأخرين من الشيعة في دعوى العصمة المطلقة للأئمة، والذي يمثل نهاية الغلو والشطط، حيث إن هؤلاء يزعمون أن الأئمة لا يسهون ولا ينسون.
وهذا المذهب كان في نظر الشيعة في القرن الرابع يمثل الاتجاه الغالي المتطرف، حتى اعتبر شيخهم ابن بابويه القمي صاحب من لا يحضره الفقيه، أحد أصولهم الأربعة المعتمدة، اعتبر علامة الغلو في التشيع هو نفي السهو عن الأئمة. يعني إذا قال شيعي بنفي السهو عن الأئمة فهو من الغلاة، ومن المتطرفين في المذهب الشيعي في القرن الرابع. وقال: إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله. انتهى كلام ابن بابويه.
فمن ينكر سهو الأئمة فقد أغرق في الغلو والتطرف. وأقر شيخهم المجلسي بدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو منهم، ولكن متأخريهم لم يبالوا بذلك، وأطبقوا على مخالفته. كما ذكرنا: دين الشيعة دين ديناميكي، ليس دينًا استاتيكيًا أو ثابتًا، قابل دائمًا للتغير والتطور، حتى إن الشيء الذي كان يعتبر مرفوضًا تمامًا في العصور الأولى للتشيع يصبح بمرور الزمن من ضروريات هذا الدين.
يقول: ولكن متأخريهم لم يبالوا بذلك، وأطبقوا على مخالفته باعتقاد أن الأئمة لا يسهون، مجرد السهو لا يحصل. ولهذا رأى المجلسي أن هذه المسألة - على حد تعبيره - في غاية الإشكال. مسألة العصمة في غاية الإشكال، لأن أصحابه أطبقوا على مخالفة أخبارهم الكثيرة.
وقد سار المعاصرون على خطى المتأخرين، مخالفين لأخبار الشيعة نفسها وما قاله كبار شيوخهم. فهذا شيخ الشيعة المعاصر، ومن يلقب عندهم بالآية العظمى، عبد الله الممقاني، يؤكد أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضرورات المذهب الشيعي، وهو لا ينكر أن من شيوخهم السابقين من يعتبر ذلك غلوًا، لكنه يقول: إن ما يعتبر غلوًا في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب. وهذا من كتاب تنقيح المقال للممقاني بالنص، فيقول: إن ما يعتبر غلوًا في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب.
وهذه المقالة، أن الأئمة لا يسهون، يتكرر التأكيد عليها في أقوال شيوخهم المعاصرين. فالمظفر يعتبرها من عقائد الإمامية الثابتة، ولا يذكر أدنى خلاف بينهم في ذلك. والخنيزي، وهو يكتب كتابه في الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية، يؤكد على هذه المقالة، على أن الأئمة لا يسهون، ولا يتقي في ذلك، لا يستعمل التقية. والخميني في كتابه الحكومة الإسلامية ينفي مجرد تصور السهو في الأئمة، يعني مجرد أنك تتخيل أن الإمام ممكن يسهو، هذا غير وارد إطلاقًا.
وإذا كانت دعوى عصمة الأئمة تعني الارتفاع بالأئمة إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والفعل: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فإن دعوى أن الأئمة لا يسهون، أو لا يتصور فيهم السهو، هو تأليه لهم. ولهذا قال شيخهم ابن بابويه: إن الله سبحانه أسهى نبيه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربًا معبودًا دونه.
وكان ابن بابويه وغيره من شيعة القرن الرابع يعتبرون الرد لهذه الروايات - روايات سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته - يفضي إلى إبطال الدين والشريعة. يقول ابن بابويه: ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة، وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله والرد على منكريه إن شاء الله تعالى.
لكن الزمرة المتأخرة والمعاصرة لم تبال بما قاله ابن بابويه، كما لم تبال في قوله برد أسطورتهم في التحريف، ولم تراع أي قول يخالف ما تواضع عليه شيوخ الدولة الصفوية.
لقد عد الشيعة المعاصرون، على لسان شيخهم الممقاني، نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي كما مر، وقرر شيخهم محسن الأمين أن منكر ما هو ضروري في التشيع كافر عندهم. ومعنى هذا - أو الأدق: ويلزم من هذا - أن متأخريهم يكفرون متقدميهم؛ لإنكارهم ما هو من ضروريات مذهب التشيع، ومتقدموهم يلعنون متأخريهم؛ لأخذهم بمذهب الغلاة المفوضة الملعونين على لسان الأئمة.
وليس ذلك فحسب، بل إننا نجد في الكتابات الموجهة لديار السنة، وبالذات كتابات محمد جواد مغنية، التي نرى فيها التحرر من بعض غلو الشيعة وتعصباتهم، وهي تنشر في داخل بلاد السنة، فإذا هناك احتمال التقية، أن نبرتها هادئة بسبب التقية، لأنها تخاطب بلاد السنة. فنرى فيها القول بأن الاعتقاد بأن الأئمة يسهون هو مذهب جميع الشيعة، ونرى في كتابات شيعية معاصرة أخرى نقل إجماع الشيعة على نفي السهو عنهم، وأن ذلك من ضرورات مذهب التشيع.
فمن نصدق؟ ومن منهما يعبر عن مذهب الشيعة؟ هل الشخص الذي يثبت السهو للأئمة يستعمل التقية لأنه يخاطب أهل السنة أم ماذا؟ هكذا يكفر بعضهم بعضًا، ويناقض بعضهم بعضًا، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الطائفة.
ينتقل بعد ذلك إلى عقيدة الرجعة، يقول: الجديد في مذهب المعاصرين في هذه المسألة ظهور فئة من شيوخهم، ولا سيما ممن يتظاهر منهم بالدعوة للوحدة والتقريب بينه وبين السنة، يرى أن الرجعة خرافة لا حقيقة لها، ويقول: فالحق الذي عليه المحققون هو ألا رجعة سوى ظهور الإمام الثاني عشر، يعني مهديهم المنتظر.
وصنف آخر لا ينكرها، ولكنه يرى أن مسألة الرجعة، وإن ثبتت في بعض أخبارهم، إلا أنها ليست من أصول مذهبهم، ولا من الضرورات عندهم، ولا من معتقداتهم، بل ليست بذات أهمية عندهم. يقول هاشم الحسيني: إن الرجعة ليست من معتقدات الإمامية ولا من الضروريات عندهم.
طبعًا نقارن هذا الكلام بما درسناه من قبل في قضية الرجعة، وهي أنها من العقائد الثابتة عند الرافضة كما في مراجعهم. ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم، ولا إنكارها بضار، وإن كانت ضرورية عندهم. وقال: وليس لها - يعني الرجعة - عندي من الاهتمام قدر صغير أو كبير.
ولعل القارئ يدرك التناقض في هذا الكلام، ولعله تناقض مقصود كأمارة على التقية، كعادتهم في التلاعب بالكلام. إذ كيف تكون ضرورية عندهم، مع أن اعتقادها ليس بلازم، وإنكارها ليس بضار، وليس لها اهتمام عنده، مع أن منكر الضروري كافر كما يقرره شيوخهم؟
وقريب من ذلك صنع شيخهم محمد رضا المظفر حينما قال: إن الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الأخبار المتواترة.
هذا ما يقوله طائفة من المعاصرين في أمر الرجعة: صنف ينكرها، وآخر يهون من شأنها، وثالث يتردد أو يتناقض في بيان مذهبهم فيها، وكل يزعم بأن ما يقوله هو مذهب الشيعة. فمن نأخذ بقوله؟ وكلهم من كبار شيوخ الشيعة الاثني عشرية، وفي عصر واحد، ومع هذا ترى الاختلاف والتباين في أقوالهم.
هل هذا من آثار التقية عندهم؟ لأن أمر الرجعة اعتبرها بعض علماء السنة علامة على الغلو في الرفض. ولهذا قال شيخهم المظفر: إن الاعتقاد بالرجعة من أكبر ما تنبذ به الشيعة الإمامية، ويشنع به عليهم. وما كان هذا شأنه تجري فيه التقية عندهم، والكتابات التي نقلت منها تلك الأقوال المتناقضة هي كتب شيعية موجهة لأهل السنة، كما يبدو من مقدماتها ومنهجها وأسلوبها في الحديث عن العقائد الشيعية.
بينما نجد كتبًا معاصرة لشيوخ آخرين لا تزال تغالي في أمر الرجعة، وتعتبر منكرها خارجًا عن رتبة المؤمنين. هذا مثلًا إبراهيم الزنجاني يقول: تضافرت الأخبار - يعني أخبار الرافضة - ليس منا من لم يؤمن برجعتنا. وقالوا أيضًا: إن ثبوت الرجعة مما أجمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم، ومنكرها خارج من رتبة المؤمنين، فإنها من ضرورات مذهب الأئمة الطاهرين.
طبعًا الكلام يعني محير. وقال الزنجاني في كتاب عقائد الاثني عشرية: إن اعتقادي واعتقاد علماء الاثني عشرية قدس الله أسرارهم من أن الله تعالى يعيد عند ظهور الإمام الثاني عشر جماعة من الشيعة إلى الدنيا ليفوزوا بثواب نصرته ومشاهدة دولته، ويعيد جماعة من الظلمة والغاصبين والظالمين لحق آل محمد عليهم السلام لينتقم منهم.
يقول أيضًا: وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين، اللي يشك في الرجعة. فكيف نفسر هذا التناقض؟ هل هم قد اختلفت آراؤهم في هذه المسألة على الحقيقة، أم أنهم استحلوا بعقيدة التقية كل شيء؟
وإذا أخذنا كل شيء على ظاهره نقول: إن هناك فئة قد تحررت من ربقة التقليد، وخرجت على أساطيرهم، رغم دعوى التواتر والاستفاضة، ولكن هذه الفئة يخنق صوتها ويمحى أثرها باسم هذه العقيدة الخطيرة، وهي التقية. ولن يؤثر في هذه الطائفة مصلح ما دامت هذه التقية من أصولها، وسيكون مذهبهم مذهب الغلاة للمعتدلين، وقول الشيوخ لا روايات الأئمة.
ولا تزال الصور الأسطورية التي تحكيها أخبارهم عما يجري في تلك الرجعة تتردد في كلماتهم، وهي - بغض النظر عن الجانب الخرافي فيها - إلا أنها تمثل مشاعر مكبوتة، ورغبات خفية، وأحقادًا مبيتة ضد هذه الأمة.
إن ذلك الشيعي ليستمتع بتلك الصور الخيالية للمجازر المرتقبة، والتي ينتظر حصولها في الرجعة المزعومة، غاية الاستمتاع. فدي فعلًا رغبات مكبوتة عندهم: التشفي والانتقام من أهل السنة.
ولذلك، لأنها صورة بشعة جدًا، يعني إحنا عندنا المهدي عند أهل السنة، المهدي ما هو إلا حاكم عادل، لا أكثر، حاكم عادل بس، انتهى. لا هو إمام بالغلوب بالأئمة كما هم يزعمون، ولا كذا. وبعدين وُصف له صفات معينة: إنه من أهل البيت، إنه من ولد الحسن، إنه اسمه محمد بن عبد الله، إلى آخره، لكن ليس أكثر من أنه حاكم عادل، مش قضية... ما فيش أكثر من كده.
عندهم مهدي، إمام الأئمة الاثني عشر، هو خاتم الأئمة الاثني عشر عندهم، أن هذا المهدي عندنا حينما يعود سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا. أما مهديهم فهو سفاح مجرم. المهدي في التصور الشيعي إنسان مخرب ومدمر ودموي وسفاك للدماء، وبالذات دماء العرب، وبالذات دماء القرشيين، نفس النزعة العنصرية المجوسية.
حتى إنهم في روايتهم يقولون: إنه من كثرة ما يقتل الناس يعلقون على سلوكه الدموي، فيقولون: ما هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم، لأن تصرفاته ليس فيها أدنى قدر من الرحمة، جاي للبطش والانتقام والمذابح. وتسمع الروايات بقى، الخرافات كلها، أساطير وخرافات، وكم سيقتل، والأفواج التي سيذبحها، بالذات من العرب، وبالذات من قريش. فهم يعني هذه التصورات وهذه الروايات تشبع عندهم رغبة العدوانية التي في داخلهم ضد أهل الحق وأهل السنة.
وهي طبعًا لن تحصل، لأن المهدي ما فيش الحقيقة غيبة صغرى وغيبة كبرى، ده هي غيبته أبدية. لماذا؟ لأنه لم يخلق أصلًا. يعني إحنا بس بنتجاوز وبنحكي كلامهم، تقسيم الغيبة أنها غيبة صغرى وغيبة كبرى، هي غيبة المهدي منذ ولدت خرافته، لأنه لم يولد، ما فيش واحد اسمه محمد بن حسن العسكري أصلًا، لم يولد ولم يره أحد إطلاقًا، أبوه مات عقيمًا، لم يولد له، ووزع الميراث بين الورثة الموجودين. فهذا المهدي فعلًا خرافة الخرافات، وغيبته غيبة أبدية، وسيظل هؤلاء الضلال ينتظرون إلى أن تنقضي الدنيا.
فالشيعي يستمتع بعملية القتل دي الموجودة في الروايات. يقول هنا: إن ذلك الشيعي ليستمتع بتلك الصور الخيالية للمجازر المرتقبة والتي ينتظر حصولها في الرجعة المزعومة غاية الاستمتاع.
عندهم هم عشان كمان يعجلوا خروج المهدي يقولوا: إن المهدي مش هيخرج إلا لما الفساد يصل إلى أقصى درجة ممكنة. فعندهم حب أن الفساد ينتشر أكثر، لأن دي علامة على اقتراب خروج المهدي. فإذا أرادوا تعجيل خروج المهدي فليزيدوا في الإجرام وفي الفساد، وأيضًا في القتل.
ونحن نرى أن الناس كأنها عمري لا ترى النموذج الحي الذي رأيناه في العراق. هذا نموذج فاضح لحقيقة الشيعة وخطرهم على أمة الإسلام، فاضح. كله عبارة عن مجازر دموية، وقتل، وقتل الناس على الهوية، بالاسم بس، بالبطاقة يعرف اسمه سني، يعني معروف إيه اللي بيحصل. ومع ذلك في ناس تتعامى، وكأن هذا ما حدث، وكأن هؤلاء الذين قتلوا من الدعاة والشيوخ والعلماء، مئات وآلاف خلال هذه المجازر، لا علاقة لنا بهم. لكن ده نموذج حي، ما يتسلط الشيعة ماذا يفعلون. فإراقة الدماء دي شيء يعجل خروج المهدي في نظرهم. انتشار الفساد في الأرض هم يستبشرون به؛ لأنه علامة على اقتراب ظهور مهديهم الخرافي.
أيضًا في الأدعية اليومية يتوجهون بالدعاء لأن يشاركوا في هذه العودة التي يجري فيها الانتقام المزعوم، كما في الدعاء الذي يسمونه دعاء العهد.
يقول إيه بقى الشيعي في الدعاء: اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتمًا مقضيًا فأخرجني من قبري مؤتزرًا كفني، شاهرًا سيفي، مجردًا قناتي، ملبيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي. يعني دعاء إنه لو مات في زمن خروج المهدي، فبيدعو الله سبحانه وتعالى أن يبعثه من قبره، لابسًا إزاره، عبارة عن الكفن الذي مات فيه أو الذي كفن فيه، شاهرًا للسيف، ليشارك في المجازر التي سوف يقوم بها مهديهم الخرافي.
يقول: اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتمًا مقضيًا فأخرجني من قبري مؤتزرًا كفني، شاهرًا سيفي، مجردًا قناتي، ملبيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي، يعني في زمن المهدي، ليشارك في عمليات التطهير العرقي أو الإبادة الدموية.
فلم يتغير شعور المعاصرين في هذه القضية، على الرغم من تغير الزمان وكر القرون. واستمع إلى أحد آياتهم يجيب عما ترى - بزعمهم - لخليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبيه وصهريه: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
هذا الشيخ يجيب، كأنه سئل: ماذا سيفعل المهدي حينما يخرج بأبي بكر وعمر؟ يجيب عما يجري بزعمهم لخليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبيه وصهريه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في رجعتهما المزعومة.
يجيب هذا الشيخ المسمى الرشتي، يقول: وأما مسألة نبش قبر صاحبي رسول الله وإخراجهما حيين، وهما طريان، وصلبهما على خشبة، وإحراقهما... يصلبان على خشبة ويحرقان بالنيران، والعياذ بالله، لأن جميع ما ارتكبه البشر من المظالم والجنايات والآثام من لدن آدم إلى يوم القيامة منهما، فأوزارهما عليهما. كل المعاصي والجنايات والجرائم وكل المخالفات التي حصلت منذ عهد آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فوزرها على أبي بكر وعمر! قاتلهم الله!
انظر إلى كلامهم في خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: لأن جميع ما ارتكبه البشر من المظالم والجنايات والآثام من آدم إلى يوم القيامة منهما، فمسألة عويصة جدًا، وليس عندي شيء يرفع هذا الإشكال، وقد صح عن أئمتنا أن حديثنا صعب مستصعب.
بيقول: دي مسألة مشكلة، وليس عندي شيء يرفع هذا الإشكال. يعني كأنه يتركها مسألة معلقة، ويستعذ، ويعتذر عن الأشياء التي تتنافى أحيانًا مع العقل والشرع، دي يقول إن عندهم رواية هم دائمًا يقولوها لما يعجزوا عن التعامل معها، فيقولوا: حديثنا صعب مستصعب، فنسلم بقى ونسكت، وما نتكلمش فيه.
هل يخطر بالبال أن هذه الخرافة تجد طريقها إلى رجل عندهم بلغ في مقاييسهم مرحلة الآية العظمى، ولا يتجرأ على تكذيب هذه الأسطورة، ويعتبرها من الأمور العويصة المشكلة، ولا يجد ملجأ يلجأ إليه إلا خرافة أخرى، وهي أن دينهم صعب مستصعب؟ لا شك أن هذا الدين الصعب المستصعب ليس هو الإسلام، لأنه خلاف الفطرة، ولا تقبله العقول لشذوذه ومخالفته للأصول.
فننتهي من هذا إلى أن خرافة الرجعة وما يجري فيها لا تزال تتغلغل في عقول هذه الطائفة.
ينتقل بعد ذلك لعقيدة أخرى خطيرة جدًا، ومن أخطر عقائدهم، وهي عقيدة التقية. يقول: هل يوجد تغير في مذهب المعاصرين يختلف عن السابقين فنسجله هنا، أم أن مذهب المعاصرين لم يتغير عن سابقه، وعما جاء في كتبهم المعتمدة من أمر التقية؟
يقول: لقد قال بعض شيوخهم المعاصرين إن الأمر قد تغير، وإنه لا تقية اليوم عند الشيعة، لأن الشيعة إنما التزمت بالتقية بسبب الظلم الواقع عليها في العصور البائدة، أما وقد ارتفع الظلم اليوم، فلا تقية ولا كذب ولا نفاق، بل صدق وصراحة ووضوح.
يقول شيخهم محمد جواد مغنية - إن ما نأمنش إن هو كمان وهو بيقول كده تكون دي نوع من التقية برده، ما تحسش بالأمان أبدًا في التعامل مع هؤلاء القوم - يقول شيخهم محمد جواد مغنية: إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد عهد الضغط والطغيان، أما اليوم حيث لا تتعرض للظلم في الجهر بالتشيع فقد أصبحت التقية في خبر كان.
ويقول: قال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر: أنتم الشيعة تقولون بالتقية، فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها. ها! لعن الله من أحوجنا إليها. وهم التقية بيستعملوها عند الحاجة؟ إطلاقًا! التقية كل ما يزود، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، عرفنا من قبل تفسيرهم لها إيه؟ أتقاكم يعني أكثركم عملًا بالكذب والنفاق والدجل والتقية، وده على لسانهم، ما حدش يعني بيفتري عليهم هذا الكلام. إن أكرمكم عند الله أتقاكم يعني إيه؟ أعملكم بالتقية. التقية تسعة أعشار الدين، والتقية ديني ودين آبائي وأجدادي.
فليست التقية عندهم، كما شرحنا ذلك من قبل بالتفصيل، كما هي عند أهل السنة: رخصة في حالة الضرورة إلا أن تتقوا منهم تقاة، في حالة الضرورة فقط. أما هؤلاء فالبدء بها بدون أدنى حاجة إلى الكذب على الإطلاق، هي تعبد في حد ذاتها.
يقول: قال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر: أنتم الشيعة تقولون بالتقية، فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها، اذهب الآن أنا شئت من بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عينًا ولا أثرًا، ولو كانت دينًا ومذهبًا في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة. انتهى كلامه.
كذلك يقول مجموعة من أعلامهم المعاصرين، ممن يوصفون عندهم بالمراجع والآيات، بأن التقية عند الشيعة لا تستعمل إلا في حال الضرورة، وذلك عند الخوف على النفس أو المال أو العرض، ولا تختص الشيعة بهذا، وإنما تميزت الشيعة بهذا الاعتقاد لكثرة وقوع الظلم عليهم.
فهل ما يقوله هؤلاء حقيقة، أو أن الأمر تقية على التقية، زيادة في التقية، وتستر على هذا المعتقد ما دام أمرهم قد افتضح، ومذهبهم قد انكشف أمام المسلمين؟ فلنتعرف على حقيقة الأمر وجلية الخبر.
إننا لو قلنا معهم بأن التقية عندهم قد ارتفعت كليًا، ولم يعد للشيعة سر تكتمه، ولا معتقد تتقيه، بل تجاهر بكل ما عندها أمام المسلمين بكل الصراحة والوضوح، فإن أثر التقية لم ينته، وأعمال شيوخهم للتقية في نصوصهم لم تتوقف، وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم، والذي قد لا يعرفه من ليس على صلة بكتبهم الأساسية.
إن الخطورة تتمثل في أن مبدأ التقية عندهم قد عطل تعطيلًا تامًا إمكانية استفادة الشيعة مما في كتبهم المعتمدة من نصوص توافق ما عند المسلمين، وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء. وهذا ملمح مهم جدًا. هو سبق للدكتور القفاري، حفظه الله، أنه نبه إلى هذا. خطورة عقيدة التقية أنها السبب الأكبر في حرمان الشيعة من الهداية. لماذا؟ لأن في كتبهم المقدسة عندهم روايات، دائمًا تقريبًا في أغلب المسائل، تجد روايات توافق مذهب الحق، فشؤم التقية أنه حينما يحصل تعارض بين الروايات المروية عن شيوخهم في عقائدهم الفاسدة، أو الأئمة يعني مروية كذبًا طبعًا عن الأئمة، وروايات أخرى عن الأئمة تهدم هذه العقائد، وتوافق أهل السنة، فطبعًا تشكل لهم نوعًا من الحيرة، فبيدافعوا ويقولوا: دي خرجت مخرج التقية، كان الإمام لما قال الكلام ده كان بيعمل تقية.
فبالتالي يبطلون مفعول هذا الدواء لما هم عليه من داء الضلال، فدي خطورة التقية التي ما زالت مستمرة. واضح؟
يقول: إن الخطورة تتمثل في أن مبدأ التقية عندهم قد عطل تعطيلًا تامًا إمكانية استفادة الشيعة مما في كتبهم المعتمدة من نصوص توافق ما عند المسلمين، وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء، ذلك أنه ما من رأي في الغالب شذوا به عن المسلمين إلا وتجد عندهم بعض الروايات التي تنقضه من أصله، ولكن الشيعي يتعامل مع تلك الروايات التي تنقض شذوذهم وتوافق ما عند المسلمين وتخالف ما درج عليه قومه بأنها إنما خرجت من الإمام مخرج التقية.
ولا يختلف في تطبيق هذا المنهج شيوخهم المعاصرون عن شيوخهم القدامى. ولذلك تجد أن من قواعدهم الأصولية، والتي كما قررتها كتبهم القديمة قررتها كتبهم الحديثة أيضًا، الأمر بالأخذ بما خالف العامة، أن الهدى والرشاد في مخالفة أهل السنة. أي مسألة تشتبه عليهم، يبقى الهدى فين؟ في مخالفة أهل السنة، تقول عكس ما يقوله أهل السنة.
وذلك عند اختلاف الأحاديث في كتبهم، بحجة أن الأحاديث التي توافق ما عند أهل السنة محمولة على التقية. وإذا لاحظ أن أحاديثهم متناقضة ومتضادة، ويوجد فيها في مختلف أبواب العقائد والأحكام ما يوافق ما عند المسلمين، أدركنا خطورة معتقد التقية عندهم، وآثاره السيئة في إبقاء الخلاف بين المسلمين.
وتناقض أحاديثهم ليس دعوى ندعيها، بل حقيقة يقرها شيوخهم، حتى اعترف الطوسي بأنه لا يكاد يوجد عندهم حديث إلا وفي مقابله ما يضاده. كل سم في كتبهم له ما يضاد من العلاجات، فهم يأخذون بالسموم، ويرفضون هذا الدواء وهذه الهداية، بحجة أنها خرجت على سبيل التقية.
وهذا ما يعترف به الطوسي صاحب كتابين من أصولهم الأربعة المعتمدة في الحديث، وصاحب كتابين من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرجال. ولم يجد الطوسي ما ينقذه وشيعته من التناقض في روايتهم إلا القول في كل ما يوافق جمهور المسلمين ويخالف شذوذهم بأن ذلك ورد على سبيل التقية، ويتمثل هذا في عشرات الأمثلة في كتابي التهذيب والاستبصار.
فكانت عقيدة التقية حيلة لرد السنن الثابتة، ومنفذًا للغلو، ووسيلة لإبقاء الفرقة والخلاف. فكيف يقال: إن التقية ارتفعت اليوم، وشيوخ الشيعة كلهم يعملون بموجبها في رد النصوص؟
وكما كان معتقد التقية سدًا منيعًا حال دون استفادة الشيعة من الروايات التي رووها في كتبهم عن الأئمة، والتي توافق ما عند الأمة، كذلك فإن مبدأ التقية منع تأثير كل صوت عاقل معتدل ينشأ بينهم، وحرمهم من الانتفاع به. ولعل من وضع هذه العقيدة أراد لهذه الطائفة أن تبقى هكذا، لتستعصي على الإصلاح وتمتنع عن الهداية.
وهذا ليس مجرد كلام نظري لا يسنده الواقع، بل إن واقع الشيعة يشهد بذلك. فمثلًا من أعظم مصائب الشيعة وبلاياها أساطير نقص القرآن وتحريفه التي ثرت في مذهبهم وفشت في كتبهم. وحينما تصدى لذلك شيخهم المرتضى وابن بابويه القمي والطبرسي، ونفوا عن مذهب الشيعة هذه المقالة، حمل ذلك طائفة من متأخر شيوخهم، كنعمة الله الجزائري والنوري الطبرسي، حملوا ذلك على التقية. يبقى اللي دافعوا عن القرآن ضد التحريف دول قالوا كده على سبيل التقية.
فكيف يقال إن التقية انتهت في مذهب الشيعة، وهي تستخدم في كل آنٍ لإزهاق الحق وإبطاله؟ ولما قام شيخهم الطوسي بتفسير كتاب الله، وحاول التخلص من تلك النزعة الباطنية المغرقة في التأويل، ورغب في الاستفادة من آثار السلف في تفسير القرآن، حمل شيوخهم صنيعه هذا على التقية.
فأنت تلاحظ أن هذه العقيدة قد أصبحت معولًا هدامًا يستخدمه غلاة الشيعة لإبقاء هذه الطائفة في دائرة الغلو، والبعد بها عن جماعة المسلمين، أو عن الإسلام كله. فكيف يقال إن عهد التقية قد انتهى، وآثارها السامة تسري في كيان المذهب، وتعمل فيه هدمًا وتخريبًا؟
وإذا كان اليوم، حيث ساد الكفر وضعف أمر المسلمين، قد ارتفعت التقية عند الشيعة فيه كما يقول شيعة هذا الزمن، فما هو العصر الذي لزمت فيه الشيعة مبدأ التقية؟ إنهم يعتبرون عهد الخلفاء الثلاثة وعصر الإسلام الذهبي هو عهد تقية. عصر الخلفاء الراشدين الثلاثة كان عصر تقية! وكأنهم يقولون بأن وضع المسلمين في وقتنا هذا أفضل من وضعهم في عهد الخلافة الراشدة.
ولهذا قرر شيخهم المفيد بأن عليًا كان يعيش في عهد الخلفاء الثلاثة مستعملًا للتقية والمداراة، ويشبه حاله بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعيش بين ظهراني المشركين قبل الهجرة. فيعتبر الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الخلافة الراشدة كالمشركين الذين عاصرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلاقة علي معهم كعلاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين.
فالوقت الذي يضعف فيه أمر المسلمين هو وقت عز الشيعة وتخلصها من التقية؛ لأن لهم دينًا غير دين الصحابة الذي تلقوه عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم. والقرن الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالخيرية، والجيل الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هو عهد تقية، وجيل كفر في قواميس هذه الزمرة الحاقدة التي أضلت قومها سواء السبيل.
ولما احتزمت الزمرة المتواطئة على الضلال في عهد الخلافة الفعلية لأمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، لأن له أقوالًا وأعمالًا تخالف ما قالوه لأتباعهم، اعتبروا عهد علي أيضًا عهد تقية، لأنه لا مخرج لهم إلا ذلك.
يقول شيخهم نعمة الله الجزائري، الموصوف عندهم بالسيد السند والركن المعتمد: ولما جلس أمير المؤمنين رضي الله عنه لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن - اللي هو القرآن المختفي مع المهدي في السرداب يعني - وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى...
إحنا اتكلمنا فيها قبل كده، أنت تقول لهم: طب علي رضي الله عنه أخفى القرآن الحقيقي في عهد الخلفاء الثلاثة، طب لما هو بقى أمير المؤمنين في تمكين أكثر من كده، المفروض بقى يطلع القرآن المستخبي ده علشان يهدي به الأمة والبشر. فيقولوا: لا، هو ما حبش يحرج الخلفاء الثلاثة السابقين، لأنه لو قال لهم: إن القرآن أنتم حرفتموه، والقرآن الحقيقي هو معايا، فكده هينسب إليهم أنهم حرفوا القرآن، فيعني إيه؟ هو راجل جنتلمان، وبيراعي شعورهم عشان ما يسوءش سمعتهم! ده أنتم بتكفروهم، بتلعنوهم! فدي الدفاع اللي بيدافعوه، إن عليًا ما حبش إنه يؤذي شعور، يعني، ويفضح الخلفاء الثلاثة، إنه لو قال إن هم غيروا القرآن هيؤذي شعورهم! بس دي قضية...
فدي أقوى حجة نحن نقيمها عليهم. طيب علي كان في عهد تقية في عهد خلاف... طب لما يبقى هو الخليفة نفسه، بقى أمير المؤمنين، صار ممكنًا وله القوة والسطوة، ومع ذلك لم يظهر القرآن الذي تدعون أنه أخفاه عن المسلمين؟
يقول نعمة الله الجزائري هذا: ولما جلس أمير المؤمنين رضي الله عنه لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء، ومعاوية عن الإمارة.
هكذا يصرفون الوقائع التي تثبت مذهب علي الحقيقي عن مدلولها بدعوى التقية. فأي ضرورة لاستعمال التقية حينئذ؟ ولا سيما أن الأمر يتعلق بأصل هذا الدين وهو القرآن. يعني الصحابة يقاتل علي رضي الله عنه لما صار خليفة، يقاتل الصحابة على القرآن الكريم الذي يزعمون أنه كان محرفًا، وهو معاه القرآن الصحيح، ولا يعني كان أولى يقاتلهم على هذا، وهو الشجاع الأسد المغوار، أم قتال الذي حصل بسبب مسألة القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، أنه أهم؟
ومع ذلك علي لم يسكت في قضية فتنة مقتل عثمان كما تعرفون، وكما ناقشنا ذلك من قبل بالتفصيل، فكان أولى أنه لو فعلًا في هذا الزعم فيما يتعلق بالقرآن، لكان أقام الدنيا بسبب ذلك. لا، هو يقول لك: عشان مش عايز يظهر الشنعة على من سبق، راجل كله ذوق، مش عايز يعني يؤذي شعور الناس اللي فاتت، ويشنع عليهم، ويقول إن هم... طب ويضيع القرآن بسبب هذا؟ من أجل هذا؟ وهل أنتم بتتصوروا أن، يعني، أنتم تصوروه العلاقة بين علي وبين الخلفاء الراشدين على أنه علاقة مع ناس مثل كفار قريش؟ ففي إساءة أكثر من هذا؟
يقول: فأي ضرورة لاستعمال التقية حينئذ، ولا سيما أن الأمر يتعلق بأصل هذا الدين وهو القرآن، وأي حاجة للتقية في عهد عز الإسلام والمسلمين؟ فكيف يقال بعد هذا إن عهد التقية انقضى، ودين الشيعة قائم عليها، وشيوخ الشيعة يوجهون سفينة التشيع إلى بحر الهلاك تحت علم التقية؟
ثم إن المتأمل لنصوصهم لا يجد أن التقية يلجأ إليها عند الضرورة، بل إنها قد استغلت للكذب والخداع وتحليل الحرام وتحريم الحلال، حتى إن روايتهم تقول بأن الأئمة كانت تستعملها في مجلس لا يوجد به من يتقونه. فاكرين؟ كانت بحجة إيه؟
التدريب، التمرين على التقية. يقول إن المفروض التقية بتحصل لما يكون في المجلس واحد مخالف، فيجري التقية لأجل أن يتقيه ويضلله، فيقول لك: إن بعض أئمتهم كان يمارس التقية حتى مع عدم وجود شخص يتقى منه من المخالفين. ليه بقى؟ عشان نوع من التدريب، عشان التقية تجري في دمه، ويمارسها بصورة يكون ماهرًا فيها. عندهم تقي الدين من التقية أيضًا، زي كده: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، يعني إيه؟ أمهركم في استعمال التقية، أو أكثركم استعمالًا للتقية.
ولأجل ذلك المناظرة مع الشيعة شيء من أصعب المهام. كيف تناظره؟ هو مثل الزئبق، لن تستطيع تمسكه في شيء. واللي جرب الكلام مع الشيعة يلاقي كيف يلجؤون إلى هذه التقية بداعٍ وبدون داعٍ، فبالتالي لا تثق في حقيقة ما يقوله.
يقول: حتى إن روايتهم تقول بأن الأئمة كانت تستعملها - أي التقية - في مجلس لا يوجد به من يتقونه، وليس هناك أدنى مسوغ لها، كما سلف ذكر شواهد ذلك.
وإذا كانت التقية لا تزال تعمل عملها في المذهب الشيعي، وأنها استعملت كما تقرر روايتهم في غير ضرورة، بل تمارس عن حب ورغبة لا عن خوف ورهبة، وتستعمل في جو شيعي خالص، ويفسر القرآن على غير وجهه باسم التقية، حتى إن إمامهم فسر آية من كتاب الله في مجلس واحد بثلاثة تفسيرات مختلفة متباينة، واعتبر ذلك من قبيل التقية، كما سلف، مع أنه لا يتصور عاقل أن يتقى في تفسير القرآن في عهد عز الإسلام والمسلمين، فإذا التقية لم تستعمل في مجال الضرورة، ولم ينته أثرها من مذهبهم.
وقد أكد شيخهم المعاصر محمد صادق الروحاني، والملقب عندهم بالآية العظمى، بأن للتقية في دين الشيعة مجالات غير مجال الضرورة، وذلك حينما قسم التقية عنده إلى أربعة أقسام: التقية الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية.
فهؤلاء الذين يقولون إن الشيعة لا تعمل بالتقية إلا عند الضرورة، إنما ينطبق كلامهم على تقية الخوف والإكراه، لا تقية الكتمان والمداراة. وهذا يدل على أن التقية لا تزال تستخدم عند الشيعة، لأن مجالها أوسع من مجال الضرورة والخوف. فاستحلوا باسم تقية الكتمان والمداراة الكذب والخداع والتزويق.
ومع ذلك كله فإن كتب الشيعة المعتمدة نصوصًا ثابتة عندهم تؤكد أن التقية لا يجوز رفعها بحال من الأحوال حتى يرجع مهديهم المنتظر من غيبته، وتاركها في زمن الغيبة كتارك الصلاة، اللي يتخلى عن التقية في زمن الغيبة قبل ما يظهر المهدي، كتارك الصلاة، بل من تركها عندهم فقد فارق دين الإمامية.
فكيف يقول مغنية: إن زمن التقية قد انتهى؟ فهل يجهل حقيقة مذهبه أم ماذا؟ وقد تناقلت كتبهم المعتمدة روايتهم التي تقول: فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا. وقرر شيخهم وآيتهم في هذا العصر محمد باقر الصدر أن أخبارهم في هذا الشأن هي من الكثرة إلى حد الاستفاضة، بل التواتر، وعلل الأمر بالتقية إلى خروج القائم بقوله: لأن تركها يؤدي إلى بطء وجود العدد الكافي من المخلصين الممحصين الذين يشكل وجودهم أحد الشرائط الأساسية للظهور، أي لظهور المهدي عندهم.
وروايتهم تجعل التقية تسعة أعشار الدين عندهم، وتنفي الإيمان عمن لا تقية له، ولا تستثني وقتًا دون وقت. إذًا هل يجهل مغنية وغيره من شيوخ الشيعة هذه الحقائق في مذهبهم حتى يقولوا: انتهى عهد التقية، وإن التقية ليست بدين لهم؟
أعتقد أن القارئ لنصوصهم والتي عرضنا شيئًا منها ينتهي إلى الحكم الذي انتهى إليه الأستاذ محمود الملاح، وهو عالم عراقي معاصر تصدى لمؤامرات الشيعة في العراق، لا سيما لنشر التشيع باسم الوحدة الإسلامية، وذلك عبر صفحات جريدة السجل، وعبر رسائل أصدرها في هذا الشأن من كتبه الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد.
يقول الحكم الذي انتهى إليه الأستاذ محمود الملاح حينما قال: إن قول مغنية: انتهى عهد التقية اليوم عند الشيعة، إنما هو تقية على التقية، يعني هو يتقي في نفس هذا القول.
وفي كتاب الوافي الجامع لكتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، ما يشير إلى أن ما يقوله مغنية وغيره من المدافعين عن التشيع حول ارتفاع التقية إنما هو جزء من أعمال التقية وتكاليفها، وهو أمر مطلوب منهم حتى يمكن أن يستفيدوا من عقيدة التقية.
يقول الوافي عن حسان بن علي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا تذكروا سرنا بخلاف علانيتنا، ولا علانيتنا بخلاف سرنا، حسبكم أن تقولوا ما نقول، وتصمتوا عما نصمت. قال صاحب الوافي في شرح هذا النص: يعني لا تظهروا للناس ما نكتمه عنهم. لما تكونوا ملاحظين إن إحنا بنتكلم مع الناس، وبنكتم شيئًا في الكلام، ما تعلنوش لهم هذا الكلام، يعني استروا علينا، ولا تقولوا إن هذا ليس على الحقيقة.
يعني: لا تظهروا للناس ما نكتمه عنهم، ولا تقولوا لهم: إن سرنا غير موافق لعلانيتنا، وإننا نكتم عنهم غير ما نظهر لهم، ونظهر غير ما نكتم، فإن ذلك مفوت لمصلحة التقية التي بها بقاؤنا وبقاء أمرنا، بل كونوا على ما نحن عليه، قائلين ما نقول، صامتين عما نصمت، موافقين لنا غير مخالفين عن أمرنا.
فكأنه يقول بأسلوب مغنية: لا تقول للناس إن عهد التقية باق، وإن ظاهرنا يخالف باطننا، فإن ذلك يلغي فائدة التقية. وهل ينتظر من مغنية، وهو يتحدث - كما يقول - لأساتذة الفلسفة في مصر، هل ينتظر منه أن يقول إن التقية باقية، وإننا نتعامل معكم بموجبها؟ إنما قاله ينسجم مع مذهبه الذي يوجب التكتم على التقية ذاتها.
ومن يقرأ في المكتبة الشيعية المعاصرة ويتأمل ويقارن، يرى أن العمل بالتقية لم يتوقف، وقد رأينا في مسألة كيف أنهم ينفون عن مذهبهم ما هو من أصوله كمسألة الرجعة، وينكرون وجود نصوص توجد في العشرات من كتبهم. لذلك اللي يناظر الشيعة لازم هو بيناظرهم يكون معاه الكتب كده قدامه، قدامهم يعني، لازم يكون الكتب حاضرة، لأن الأصل هم ينكرون كل شيء، يقول لك: ما هذا؟ ما ورد في ديننا كذا، ولا كذا، ولا كذا. فأنت لو تجيب الكتب الأصلية وتفتح الصفحة والسطر، تقدر تفحمه. لكن قل من يفعل هذا أو يكون في ذهنه حافظًا لكل هذه النصوص، فبالتالي بيكسبون الجولة مؤقتًا لما ينفوا، يقولوا: لا، ما حصلش، ما فيش في ديننا حاجة زي كده.
ولذلك بعض الإخوة كانت هناك فكرة موفقة جدًا، أنه طبعوا بعض الكتب، وفي نوع من التظليل أو الهايلايتر على الجمل المعينة المطلوبة، سواء في سب الصحابة، في تحريف القرآن، في التقية، في الرجعة، في كل العقائد دي. فالصفحة، ومصورين غلاف الكتاب والطبعة بتاعته من نفس الكتاب الأصلي، فمصورين المواضع التي يحتاج إليها عند مناظرات الشيعة. وهذه وسيلة أيضًا واقعية في الإقناع، لأن برضه مش واقع إن الشيعي يروح جاب مثلًا 300 مجلد قدامه عشان في كل حاجة يطلع كتاب، لكن هم صوروا المواضع وجمعوها في بعض الكتب.
كما أنكر عبد الحسين النجفي وجود قول أو نص لهم في نقص القرآن أو تحريفه كما سلف، بل إن الشيخ الواحد يتناقض في أقواله لأنه يتحدث بموجب التقية حسب المقام، وحسب من يتحدث إليه.
فهذا مغنية نفسه، مغنية ده اللي بيقول إيه بقى؟ إن التقية ارتفعت، خلاص، إحنا ما نستعملش التقية، هو نفسه يقول: إن الشيعة لا ينالون من مقام الصحابة، وذلك في تفسيره الكاشف، ثم في كتابه في ظلال نهج البلاغة يتناول كبار الصحابة بالنقد والتجريح كما مضى. يعني حتى لما بيحاول يظهر الاحترام، ما بيقدرش دائمًا.
شوف بيقول لك إيه: إن الشيعة لا ينالون من مقام الصحابة. واللي في قلبه حب الصحابة، وتوقيرهم رضي الله تعالى عنهم، والاعتراف بفضلهم، وإدراك ثناء الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، في أدب، يعني في أدب في الكلام. الإنسان اللي عنده ولاء وانتماء... يعني لما تقول القرآن مثلًا ما تقولش القرآن وتسكت، مش من الأدب إن يقول القرآن وتسكت، لأن القرآن دي بيقولها المستشرق، واليهودي، والنصراني، يقول: القرآن بيقول. ما هو أوباما قال للناس: القرآن بيقول، وهلّلوا له فرحة جدًا! هو بيقول: قال الله تعالى. ده بيقول: قال القرآن.
المسلم بقى لما يقول: قال القرآن الكريم، القرآن العظيم، القرآن المجيد. أما تقول: الشريعة، تقول: الشريعة المطهرة، الشرع الحنيف. يعني الصق كلمة، أو أردف بكلمة، تعلن عن عقيدتك وأدبك. مع مثلًا: قال الله، قال الله تعالى، أو النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
تعجبت جدًا في العاصفة التي ثارت في الأيام الماضية حول هذا المجرم البذيء المدعو حسن شحاتة، في تطاوله على مقام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعلى أمهات المؤمنين والسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها بطريقة فجّة، وصل لمستوى من الفضاظة والبذاءة وقلة الأدب، أو عدم الأدب، مع هذه الرموز الطاهرة العالية بصورة فجّة. يعني في مصر يصدر مثل هذا الصوت النشاز الذي اشترته إيران، وقلبته رأسًا على عقب، وحصل إنه الآن يحاكم بسبب هذه التهمة: التطاول على مقام الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
طالعت، رأيت تسجيلًا للحوار اللي حصل مع ابنه. الحقيقة ابنه كان له موقف إيماني. يعني ابنه، أظن اسمه حمزة، ابنه بيتكلم مع واحد مذيع، إنه شاهد ضد أبيه، شاهد ضد أبيه، وقال: إن أبوه فعلًا كان كويسًا، وبيترد عن الصحابة، ثم حصل له صدمة معينة قلبته رأسًا على عقب، وصار يتطاول ويسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فعصابة الشيعة الموجودة، محامٍ وواحد تاني، يعني هم مش عارفين يقولوا كلمتين على بعض، ضحالة في الثقافة وفي العلم بصورة غريبة جدًا، فيقول له: أنت تشهد؟ أنت عايز أبوك يدخل السجن؟
فيقول له: طب افرض أبوي كان شارك في الرسوم الدنماركية، يقول له ما أشهدش ضد أبوي أبدًا، ما ندخلوش السجن! ما فيش حد حتى أساسيات الإيمان: الولاء والبراء: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، إلى آخره. يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إلى آخر الآيات. فدي من بديهيات الإيمان.
فده بيتكلم كلامًا سوقيًا. المحامي الثاني ده، وبيجهر بأنه شيعي، شيعي مصري. واضح. الغريب بقى: المذيع مسكين قوي، قوي، المذيع غلبان وضحل، يعني ما فيش مرة يذكر الصحابة ويقول: رضي الله عنهم. فيعني هذه اللهجة المائعة التي يلجأ إليها مثل هذا المذيع، الحياد الميت يعني. ومعروف أن الحياد المبالغ فيه ده يقتل المبادئ.
يعني ده رجل مجرم يتطاول على الصحابة، ولسانه بذيء، يتطاول على أم المؤمنين، وعلى العشرة المبشرين بالجنة، ويسخر بلغة سوقية، يمكن الشيعة نفسهم ما وصلوش لهذا المستوى من البذاءة، لدرجة أن الأخ حمزة ده، ابن حسن شحاتة، بيقول إيه؟ بيقول: لا، طبعًا، هو والدي هم مش حاطينه علشان يدعو للمذهب الشيعي، لأن والدي لو دعا للمذهب الشيعي، ليس عنده من الكفاءة - بسبب بذاءة لسانه في الشتائم وكده - إنه هينفر الناس من المذهب الشيعي. فأي جماعة حكيمة أو عاقلة تريد أن تروج لمذهب ما، ما تختارش واحدًا زي والدي، لأنه شتام، وبالتالي ينفر الناس من الدخول في دين الشيعة.
فالمذيع شيء لهذه المخلوقات الغريبة اللي طالعة في هذا العصر، إن ما فيش أي انتماء ولا فخر من أنه ينتمي إلى الصحابة، مع أنه بيتكلم على أن دي جريمة وسب، بس لا يوجد حتى الأدب مع الصحابة، ويقول مرة واحدة رضي الله عنهم، ما فيش ترديد للصحابة. الصحابة مش محتاجين لترديده، هو اللي محتاج أن يلتزم الأدب مع هذه المقامات العالية، وأن يظهر انتباهه للصحابة وفخره وحبه لهم رضي الله تعالى عنهم.
فدي من الأشياء العجيبة في هذا الزمان: الموات في المشاعر، وعدم إعلان الانتماء، في ظل هذه الأشياء. يعني كنت أود أن احنا نفصل، نرجو تأتي فرصة أخرى للكلام على قضية هذا الرجل، وإن كان هو لا يستاهل في الحقيقة أن نضيع وقتًا معه، لأنه كأسِياده مش هيجيب حاجة جديدة، بل هو أخف منهم عقلًا، وأبذأ لسانًا، وأسفه رأيًا. لكن لا شك أن هو إجراء جيد جدًا أن مثل هذا المجرم يحاكم بهذه الجريمة، التطاول على رموز الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، حتى عشان الناس تبدأ تفيق من الخطر الزاحف علينا في داخل ديارنا، لأن الشيعة لو تكاثروا، أصبحوا كثيرين في مصر، أو حتى لو صار لهم عدد...
طبعًا الدستور دلوقتي، بما حصل التغيير الأخير اللي فيه، أضيفت كلمة... ها؟
المواطنة.
فهم مواطنون، مش أجانب، مش غزو خارجي، دول هيبقوا من داخل جسدنا، بؤرة سرطانية داخل الجسم المصري. وبالتالي نفس الدستور فرصة هيحميهم، هيقولوا: إحنا حقوقنا... هو غالبًا مش هيتعمل له حاجة، شأنه إنه بيعبر عن رأي، واضح، ومواطن مصري له حق في أن يعبر عن رأيه ويعتقد ما شاء.
فبالتالي قضية المواطنة سوف توفر لهم نوعًا من الحماية، ويقعدوا يدوشون كل شوية بقى بحقوق الأقليات، والاضطهاد الذي يتعرضون له، هم في الندب والنياحة والشكوى والاضطهاد وبتاع. دي المشاعر البارانويدية دي عندهم عالية جدًا، ووراهم دولة بإمكانات وأصوات دعائية كثيرة جدًا ممكن إنها... ولذلك يعني أسلم علاج هو الوقاية من هذا السرطان الخبيث، بأن لا يسمح بنمو أي بؤرة سرطانية شيعية في أي جزء من جسد المصريين، الذين هم ولله الحمد سنة، ومحبون للصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومعتزون بدينهم، منذ أن طهر صلاح الدين الأيوبي مصر من هذا السرطان الشيعي الفاطمي إلى اليوم. لكن لو تركوا ينمون، لا شك يشكلون خطرًا حقيقيًا على مجتمعنا، ومحترفون سياسة واغتيالات وكل شيء.
يقول: ومن يقرأ في المكتبة الشيعية المعاصرة ويتأمل ويقارن يرى أن العمل بالتقية لم يتوقف، وقد رأينا فيما سلف كيف أنهم ينفون عن مذهبهم ما هو من أصوله كمسألة الرجعة، وينكرون وجود نصوص توجد في العشرات من كتبهم، كما أنكر عبد الحسين النجفي وجود قول أو نص لهم في نقص القرآن أو تحريفه كما سلف.
بل إن الشيخ الواحد يتناقض في أقواله، لأنه يتحدث بموجب التقية حسب المقام، وحسب من يتحدث إليه. فهذا مغنية نفسه، والذي يقول بارتفاع التقية، يقول: إن الشيعة لا ينالون من مقام الصحابة، وذلك في تفسيره الكاشف، ثم في كتابه في ظلال نهج البلاغة يتناول كبار الصحابة رضي الله عنهم بالنقد والتجريح كما مضى.
ويقول: إن الإمامة ليست أصلًا من أصول دين الإسلام. التلاعب بقى بالألفاظ، برضه تقية. إن الإمامة ليست أصلًا من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة والمعاد، ولكنه ليس شيعيًا. يقول هذا في كتابه مع الشيعة الإمامية.
ولكنه يقول في كتابه الآخر الشيعة والتشيع في عيد لهم يسمونه عيد الغدير: إن احتفالنا بهذا اليوم هو احتفال بالقرآن الكريم وسنة النبي العظيم، بالذات احتفال بالإسلام، ويوم الإسلام، إن النهي عن يوم الغدير تعبير ثان عن النهي بالأخذ بالكتاب والسنة وتعاليم الإسلام ومبادئه. ثم استشهد بما قاله شيخهم المعاصر عبد الله العليلي، وهو: إن عيد الغدير جزء من الإسلام، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام بالذات.
وبالمقارنة بين النصين تتضح الحقيقة. فهو في النص الأول يقول: إن منكر الإمامة فهو مسلم، وإحنا فاهمين كويس يعني إيه مسلم؟ يعني في الظاهر، في الظاهر، لكن في الباطن كافر، زي ما شرحنا الكلام ده قبل كده. فهو في النص الأول يقول: إن منكر الإمامة فهو مسلم، وفي النص الآخر يحكم على منكر عيد الغدير - والذي هو بدعة من بدع الشيعة، ما أنزل الله به من سلطان - يحكم على أن منكره منكر للإسلام بالذات.
فهل من وجه لتأويل هذا التناقض الواضح إلا التقية التي تغلغلت في أعماقهم؟ ولكن أي القولين هو الحقيقة، والذي يمثل مذهب الشيعة؟ إن النص الأخير بلا شك هو الذي يتفق مع ما جاء في مصادرهم القديمة، ولعل ما قاله فيه هو حقيقة مذهبه، وقد انكشف في ظل الحماس وفورة العاطفة التي صاحبت الاحتفال بالعيد المزعوم.
ولقد أخرجت المكتبة الشيعية المعاصرة كتبًا للدعوة للتشيع ونشره بين أهل السنة، ولعل المطلع على هذه الكتب يدرك أن واضعها أحد رجلين: إما زنديق ملحد هدفه إضلال عباد الله بالكذب والخداع، أو جاهل استحل باسم التقية كل شيء. لكن العقد العام الذي ينتظمها، والأصل الذي تنتمي له، هو التقية. ولذلك لم نر انتقادًا لها في الوسط الشيعي كله، على الرغم من ظهور عنصر الكذب فيها، لأن هم فاهمين بعض، عارفين لما شيوخهم يكتبوا الكتب كلها دجل وكذب، دي سياسة متعارف عليها، وده جزء من دينهم، فبالتالي رغم أنهم عارفون أنه بيكذب في الكتب دي، لكن ما حدش بينتقد، لأن دي تقية.
طبعًا هو هنا يتعرض لموضوع مهم جدًا، ويستحق الحقيقة أن نفرض له شهورًا طويلة، لكننا لن نفعل. يقول: من أبرز الأمثلة على ذلك كتاب يسمى المراجعات، وضعه آيتهم العظمى عبد الحسين شرف الدين الموسوي.
دي قصة الكتاب ده قصة كبيرة جدًا، ونموذج من نماذج الكذب، يعني ذو القرنين الكذب المفضوح، وتشوف إزاي اللي بيتم، يتم التزوير والكذب والافتراء، وأي أسلوب ما دام يوصل إلى أهدافهم فهو مباح.
يقول: لقد اهتم دعاة الرفض بهذا الكتاب، وجعلوه وسيلة من أهم وسائلهم التي يخدعون بها الناس، أو بعبارة أدق: يخدعون به أتباعهم وشيعتهم، لأن أهل السنة، ولا سيما أهل العلم فيهم، لا يعلمون شيئًا عن هذا الكتاب ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض، اللهم إلا من له عناية واهتمام خاص بمذهب الشيعة.
ولقد زاد كلفهم بهذا الكتاب وعنايتهم بترويجه ونشره، حتى طبع هذا الكتاب أكثر من 100 مرة، كما زعم ذلك بعض الروافض. أنا عندي نسخة أصلية من الكتاب المراجعات نفسه بقلم مؤلفه، وقد تكون فتنة هذا الكتاب بين الأتباع الأغمار مثل فتنة كتاب ابن المطهر الحلي، الذي كشف باطله شيخ الإسلام في منهاج السنة. ولعل الله يهيئ الأسباب لتعقب هذه الأكذوبة وفضحها في دراسة مستقلة. ولله الحمد قيض الله من رد على هذا الكتاب أكثر من مرة.
من أشهر الردود على كتاب المراجعات لعبد الحسين الموسوي كتاب الدكتور علي الثالوث، حفظه الله تعالى، وهو من أخبر الناس بالشيعة، وأشدهم اجتهادًا في إبطال ضلالته. دكتور علي محمد الثالوث، أستاذ الاقتصاد المشهور المعروف في قطر، هو مصري يعني يعيش في قطر، فله كتاب مجلد كبير في الرد على افتراءات هذا الدجال عبد الحسين، وهناك كتب أخرى أيضًا، لكن ده المشهور الآن، يعني متوفر.
يقول: الكتاب عبارة عن مراسلات. يعني هذا الكذاب المسمى عبد الحسين ادعى أن هذه مراسلات حصلت بينه وبين شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري، وبيقول إن شيخ الأزهر يمثل مذهب أهل السنة، ويدافع عن مذهب أهل السنة. طبعًا هتسمع الكلام ده ما ينفعش أصلًا شيخ ولا يعني... ما ينفعش يبقى حامل إبريق أصلًا يا شيخ الأزهر. واحد جاهل جدًا. بيتكلم، هو بيتعمد يظهر شيخ الأزهر في إنه يقول له: اهدني هداك الله، بين لي الحقيقة، لقد فوجئت بما ذكرته من الحقائق التي لم أسمع عنها في يوم من الأيام من قبل، وأبنت عن مش عارف إيه، وهكذا. يحاول يظهر أن الثاني بقى الحجة البالغة، وأن شيخ الأزهر ما بيفهمش حاجة خالص. ده في أيام ما شيخ الأزهر كان شيخ أزهر يعني، ما كانش حد يصل إطلاقًا لهذا المنصب إلا عن كفاءة وعن جدارة.
فلا يمكن أن يكون هذا هو مستوى شيخ الأزهر في النقاش. يقول: الكتاب عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر سليم البشري رحمه الله، وهو بزعم الرافضي يمثل أهل السنة ويستدل لمذهبها، وبين عبد الحسين وهو يمثل الشيعة ويستدل لمذهبها، وانتهت هذه المراسلات بإقرار شيخ الأزهر بصحة مذهب الروافض وبطلان مذهب أهل السنة.
والكتاب بلا شك مكيدة رافضية ومؤامرة مصنوعة لترويج مذهب الرافضة. والذي يعرف مذهب الرافضة عن كثب، ويتعامل مع كتبها، لا يستنكر هذا الأسلوب، إذ لا جديد فيه، فهو أسلوب قديم درج عليه الروافض. فقد كان من دأبهم وضع بعض المؤلفات المشتملة على مطاعن في الصحابة وبطلان مذهب أهل السنة، وغيرها مما يؤيد مذهبهم، ونسبة ذلك لبعض مشاهير أهل السنة.
وقد عقد الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة مبحثًا بعنوان النسخ الموضوعة، وبعد عرضه لها ذكر أن أكثرها من وضع الرافضة، وهي موجودة عند أتباعهم. كما أشار صاحب التحفة الاثني عشرية لهذا الأسلوب، ومثل له بكتاب سر العالمين، وقال: إنهم نسبوه إلى الإمام أبي حامد الغزالي، وشحنوه بالهذيان، وذكروا في خطبته عن لسان الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة. يقولون إنه قال: وما ذكر في هذا الكتاب ففيه عقيدتي، وما ذكر في غيره فهو للمداهنة.
ينسبون هذا إلى أبي حامد الغزالي. يقول له: ما ذكر في هذا الكتاب وهو سر العالمين فهو عقيدتي، وما ذكر في غيره فهو للمداهنة. وقد رأيتهم في بعض مؤلفاتهم المعاصرة يرجعون لهذا الكتاب، ويحتجون ببعض ما فيه على أهل السنة، وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات.
وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي أن ثلاثة من المستشرقين ذهبوا إلى القول بأن الكتاب منحول، اللي هم: جولدتسيهر، وبويج، وماكدونالد. ويذهب عبد الرحمن بدوي إلى هذا الرأي أيضًا، ويحتج لذلك فيقول: والأمر الذي يقطع بأن الكتاب ليس للغزالي - اللي هو كتاب سر العالمين - هو ما ورد صفحة 82 من قوله... لازم بقى ربنا سبحانه وتعالى يضع شيئًا يكشف الحقيقة، يعني. فهم ينسبون كتاب سر العالمين للغزالي، ففي وسط الكتاب بيقول إيه؟ وأنشد للمعري لنفسه، وأنا شاب في صحبته، يوسف بن علي شيخ الإسلام. فعبد الرحمن بدوي بيقول: فإن المعري توفي سنة 449، بينما ولد الغزالي سنة 450، فكيف ينشده لنفسه؟ هيقابله إزاي وينشده شعره قبل ما يتولد بسنة؟
والغرض من فتح صفحة الماضي هنا هو الإشارة إلى أن كتاب المراجعات هو حلقة من حلقات مؤامرة من سلسلة مؤامرات ضاربة جذورها في أعماق الزمن. وامتهن هذا الفعل الروافض، حتى لا يفقدوا أتباعهم، ولا ينشروا الفتنة والرفض بين المسلمين.
وأرجع القول إلى كتاب المراجعات للإشارة - على سبيل الإيجاز - إلى بعض الأمارات التي تؤكد وضعه:
أولًا: مما يقطع بوضعه أن أسلوب الرسائل المسجلة في كتاب المراجعات، والتي تمثل شخصيتين مختلفتين فكرًا وثقافة وعلمًا ووضعًا اجتماعيًا، هو أسلوب واحد لا تغاير فيه ولا تمايز. يعني طبعًا معروف إن كل إنسان له بصمة في الكتابة، خاصة لما يكون علماء كبار، يعني زي مثلًا شيخ الأزهر سليم البشري، كل إنسان له بصمة تختلف تمامًا عن غيره في قضية الكتابة. لكن تلاحظ أن الرسائل - اللي هي الرسائل المرسلة والرسائل المردود عليها - الاثنين مستواهم الأدبي واحد، والبصمة بتاعتهم واحدة، ما فيش اختلاف. في حين أن الاثنين المفروض على طرفي نقيض: واحد إمام للسنة، والثاني من آيات الرافضة، من علماء الرافضة الكبار. فالمفروض يكون في اختلاف في الأسلوب، كما نلاحظ طبعًا بين كتب الرافضة وبين كتب أهل السنة. ومع ذلك تلاحظ أن المياه واحدة، يعني المية واحدة بتاعة الكلام في الاثنين، ما فيش اختلاف خالص: الرد والمردود عليه. فده مما يؤيد أن الرافضي هو اللي ألّف الكلام.
يقول: مما يقطع بوضعه أن أسلوب الرسائل المسجلة في كتاب المراجعات، والتي تمثل شخصيتين مختلفتين فكرًا وثقافة وعلمًا ووضعًا اجتماعيًا، هو أسلوب واحد لا تغاير فيه ولا تمايز، مما يقطع بأن واضعها هو شخص واحد، وهو عبد الحسين.
ثانيًا: أن شيخ الأزهر، وهو في ذلك الوقت شيخ الأزهر بالعلم والمكانة، لا بالمنصب والوظيفة - يعني قوته مش في منصبه، قوته في كفاءته وعلمه - أن شيخ الأزهر، وهو في ذلك الوقت شيخ الأزهر بالعلم والمكانة لا بالمنصب والوظيفة، ظهر في هذه الرسائل بصورة تلميذ صغير، أو طالب مبتدئ، وظيفته التسليم لكل ما يقوله هذا الرافضي، بل والثناء والتعظيم لكل حرف يسطره الرافضي، حتى ولو كان جواب الشيعي هو تفسير باطني لا تربطه بآيات القرآن أدنى رابطة، يدرك ضلاله صغار أهل العلم عند أهل السنة، بل قد ينكره عوامهم، أو مثلًا يوثق حديثًا موضوعًا. الشيخ الأزهر هيوثق حديثًا موضوعًا؟ أو تأكيدًا على خرافات من الخرافات؟
لقد نقل هذا الرافضي إقرار شيخ الأزهر بصحة وتواتر أحاديث هي عند أهل الحديث ضعيفة بل موضوعة، والشيخ الأزهر في هذه الرسائل بيقر أنها متواترة، ولا يجهل ضعفها أو وضعها صغار المتعلمين، فضلًا عن شيخ الأزهر في ذلك الوقت بالذات، الذي لا يصل إلى منصب المشيخة إلا من ارتوى من معين العلم، وتضلع في علوم الإسلام. فهو بيظهره بمنتهى التفاهة في الكلام.
ليس ذلك فحسب، بل إن هذا الرافضي صور شيخ الأزهر بصورة العاجز عن معرفة مواضع أحاديث في كتب أهل السنة، لا في كتب الشيعة، فيطلب من هذا الرافضي أن يذكرها له. يقول له: أرجوك دلني... طب الحديث ده فين في صحيح البخاري؟ ده حديث خطير جدًا ويؤيد العقيدة بتاعتك، بس قل لي هو فين في البخاري؟ يا شيخ الأزهر مش عارف الحديث ده فين في البخاري؟! ها! فهل يجهل شيخ الأزهر مثل ذلك؟ وهل يعجز عن البحث ولديه المكتبات؟ وهل يضطر إلى تكليف هذا الرافضي، ولديه علماء الأزهر وطلابه؟ ومتى صار الرافضي أمينًا في نقل الحديث عند محدثي السنة؟
ثالثًا: ولقد جاء نشر الرافضي للكتاب خاليًا من أي توثيق. يعني أنت بتدعي أن الكتاب ده كله عبارة عن رسائل، رد ومردود عليها، مراسلات بينك وبين شيخ الأزهر. طب أثبت. يعني لو هي مثلًا 100 رسالة، 50 منك و50 منه، طب هات رسالة واحدة بخطك، ورسالة بخط الشيخ، كنوع من التوثيق، كما هو معلوم في مثل هذا. طبعًا ما فيش أي وثيقة مخطوطة تثبت صحة كلامه.
يقول: جاء نشر الرافضي للكتاب خاليًا من أي توثيق، فلم يرد فيه ما يثبت صحة تلك الرسائل بأي وسيلة من وسائل التوثيق، كأن يثبت صورًا لبعض الرسائل المتبادلة، والتي بلغت - حسب مدعاه - 112 رسالة، نصيب شيخ الأزهر منها 56 رسالة، وهذه الرسائل كانت خطية، فلما لم يثبت ولو رسالة واحدة تشهد لقوله، ولا سيما في رسائل حملت أمرًا في غاية الخطورة، وهو تحول شيخ الأزهر من مذهب أهل السنة إلى مذهب الرافضة، وانتقاله من الحق إلى الباطل، وعجز الرافضي عن إقامة هذا الدليل برهان بطلان دعواه وكذب نسبة تلك الرسائل إلى الشيخ سليم، بل انتفاء الموضوع من أساسه.
ولقد جاءت هذه الدعوى من هذا الرافضي فقط، ولم يصدر من الشيخ سليم أي شيء يدل على ذلك، ولم يوجد لما يدعيه هذا الرافضي بالنسبة إلى الرفض أي أثر في حياته. بل إن هذا الرافضي لم يتجرأ على إخراج هذا الكذب إلا بعد 20 سنة من وفاة البشري، لأن الشيخ البشري توفي سنة 1335 رحمه الله، فهو انتظر 20 سنة بعد وفاته، وأصدر هذا الكلام المنحول.
وأمام عجزه عن إقامة الدليل على دعواه، اضطر الرافضي أن يفضح نفسه في مقدمته، لأنه لا سبيل له لأن يصنع رسائل تحاكي أسلوب البشري، ولا أن ينشر صورة لرسالة من تلك الرسائل بخط البشري. فاعترف بوضع هذه الرسائل، فقال... بيقول إيه في المقدمة؟ وأنا لا أدعي أن هذه الصحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ بيننا، ولا أن شيئًا من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي. فإذا كان لم يخط هذه المراجعات غير قلمه، فلِمَ يبهد شيخ الأزهر بهذا المنكر؟
ثم إنه أضاف إلى ذلك فضيحة أخرى بقوله: إنه زاد في هذه الرسائل ما يقتضيه المقام والنصح والإرشاد. اعتراف بأنه عمل طبخة في الرسائل دي، وزود. فيقول: إنه زاد في هذه الرسائل ما يقتضيه المقام والنصح والإرشاد. وهذا اعتراف آخر بأنه نسب إلى شيخ الأزهر ما لم يقله، ولكنه سوغ هذا الكذب بأنه مما يقتضيه النصح، وهذا عند أصحاب التقية مشروع. وما دام القوم قد كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته، وأهل بيته، فهل يستكثر منهم بعد ذلك أن يكذبوا على الآخرين؟
هذه صورة من صور التقية، ومثال بارز من أمثلتها في هذا العصر، والأمثلة في هذا الباب كثيرة، وصنوف الكذب باسم التقية متنوعة ومختلفة، تحتاج لبحث مستقل.
من الأمثلة أيضًا كتاب يسمى لماذا اخترت مذهب الشيعة؟. هو يتضمن قصة مخترعة ومؤامرة مصنوعة، تحكي أن عالمًا من كبار علماء السنة يدعى محمد مرعي الأنطاكي قد ترك مذهب السنة، وأخذ بمذهب الرفض، بعد أن تبين له بطلان الأول. والكتاب مليء بالدس والكذب والافتراء، كما هي عادة الروافض بحكم عقيدة التقية عندهم.
وهل يغتر من تضلع بعلوم الشريعة بعقيدة الرفض، فيؤمن بخرافتهم في انتظار الغائب، والذي يرتقبون خروجه من 11 قرنًا، أو بأسطورة الرجعة التي ينتقمون فيها من أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره وبعض زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهم، أو بفرية البداء، إلى آخر هذه الضلالات؟ لا يغتر أحد بمثل هذا المذهب. ولهذا حكى بعض السلف أنهم إنما يخشون البدعة على الأعجمي أو الحدث، الصبي أو الشاب الصغير الغر الذي لا علم عنده. ها، الأعجمي، لأن بعده عن اللغة العربية ومصادر العلم يسهل أنه يعني يضل، أو الحدث. أما من ارتوى من معين العلم الشرعي فلا ينخدع بأكاذيب الروافض.
ولهذا قال أهل العلم بأن شيوخ الرافضة أحد رجلين: إما جاهل وإما زنديق. وهذا الباطني المدعو بالأنطاكي يدعي بأنه نزيل حلب، ويشغل قاضي القضاة على مذهب أهل السنة. كان قاضي القضاة! مع أنه لا يعرفه من رجال العلم في حلب أحد، كما أجابني غير واحد من أهل العلم فيها، منهم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، وغيرهم. لما قالوا إن في واحد بيقول إن هو كان رئيس القضاة، ولا سمعوا أصلًا عن هذا الاسم.
يقول: وهذا الأسلوب في الوضع له خطورته، وقد امتهنه الروافض وأصبح من أعمال التقية عندهم. ولهذا ذكر السويدي أنه على هذه الطريقة نسبت كتب كثيرة، ولا يعرفها إلا من كان عارفًا بمذاق كلام أهل السنة.
وقد أجرى الله سبحانه الحق على لسان بعض الروافض، فأنطقهم بكشف هذه الحقيقة، فاعترف أحد أساطينهم المعاصرين، عند الحديث عن كتاب سليم بن قيس، بأن هذا الكتاب وجملة أخرى من كتبهم موضوعة، يعني مكذوبة على من نسبت إليه، لغرض صحيح. ها! كذب أبيض يعني، لغرض صحيح. فكأنهم يستجيزون لأنفسهم هذا الوضع والكذب ما دام الغرض صحيحًا عندهم، الغاية تبرر الوسيلة.
ولا نسترسل في دراسة ذلك لضيق المجال، وأن هذا الباب خاص بالمعاصرين.
يختم الكلام ببيان أن شيوخ الشيعة يعملون بالتقية مع أتباعهم، يقول: والشيعة التي تزعم على لسان بعض علمائها ارتفاع التقية لا تزال تمارس التقية، لا مع أهل السنة فحسب كما بينا، بل مع أتباعها، فإن من شيوخ المعاصرين من يعمل بالتقية بإظهاره خلاف ما يبطن مع أتباعه من الشيعة، وهذه ليست دعوى ندعيها، بل حقيقة ثابتة باعترافهم.
لقد أحجم ثلاثة من كبار علماء الشيعة عن إعلان خطأ مسألة فرعية فقهية في دينهم خوفًا من العوام، وكانوا يفتون بخطئها، ويقولون بخلافها سرًا ولخواصهم فقط.
ومن الطريف أن الذي كشف هذه الحقيقة هو من يقول بارتفاع التقية، وهو شيخهم محمد جواد مغنية، حيث قال: أحدث القول بنجاسة أهل الكتاب مشكلة اجتماعية للشيعة، وأوقعهم في ضيق وشدة، وبخاصة إذا سافروا إلى بلد مسيحي كالغرب، أو كان فيه مسيحيون كلبنان، وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد: الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل ياسين، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان، وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعًا بالطهارة - طهارة أهل الكتاب - وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفًا من المهوشين. على أن ياسين كان أجرأ الجميع، وأنا على يقين بأن كثيرًا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحق أن يخشوه.
فكأنهم قالوا بالنجاسة خوفًا من العوام يعني. ويذكر مغنية في تفسيره الكاشف أن إمامهم الأكبر السيد الخوئي أسر برأيه لمن يثق به. كذلك يقول الرافضي كاظم الكفائي: إن إمامهم الغطاء أفتى بالطهارة لخواصه، لأن عقول العامة لا تحتمله، ما يقدرش يجهر بالكلام أمام الملأ.
وقد علق على ذلك الدكتور علي الثالوث فقال: وهكذا يضيع العلم ويفترى على الإسلام، لأن أناسًا اؤتمنوا على العلم فضيعوه وزيفوه، لأنهم يخشون الناس ولا يخشون الله.
وأقول: إن من أسباب مراعاة، أو تقية، علماء الشيعة لجهال الشيعة وعوامهم هو أن هؤلاء هم مصدر رزقهم، الذي يسلبونه منهم باسم الخمس. وإذا كان هذا موقف خمسة من كبار مراجع الشيعة في العصر الحاضر إزاء مسألة فرعية يجزمون بخطئها، فكيف يرجى أن يستجيبوا لتعديل أصولهم؟
ومن هذه الحقائق يتبين أن الشيعة لا يتركون تقيتهم، ولا يتخلون عنها حتى يقوم القائم، كما تؤكده نصوصهم وأفعالهم، وإن كان استعمال التقية عندهم يخف ويشتد بحسب الظروف والأحوال.
أعني أنه كلما كانت للشيعة دولة وقوة كان التزامها بالتقية أضعف، ونجد هذا واضحًا في مقارنة بين ما كتبه شيوخ الدولة الصفوية مثل كتابات المجلسي في بحار الأنوار، ونعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية، والكاشاني في تفسير الصافي، والبحراني في تفسير البرهان، وغيرهم، بحيث تجد منهم الجرأة على إعلان كثير من الأفكار التي كانت موضع السرية عند الشيعة، بالمقارنة إلى سابقيهم أبان قوة الدولة الإسلامية، حيث نجد في الغالب في نهاية كل نص من نصوصهم الأمر بحفظ السر وكتمان المبدأ، حتى إن مسألة الولاية كانت موضع السرية عندهم في بادئ الأمر وبعدُ.
فهذه جملة من آراء المعاصرين وعقائدهم، تبين نهجهم العقدي في هذا العصر، وما لم يكن فيه جديد أو دعوى جديدة عما مضى لم أتعرض له، لأن الصلة ما دامت قائمة ووثيقة في أصول التلقي، فلا أمل في التغيير إلى الأفضل.
وبهذا يتبين أن المعاصرين هم أخطر من سابقهم، لأنهم ورثوا كل ما صنعته القرون من الدس والتزوير، واعتبروا تلك مصادر معتمدة، ووفرت لهم الطباعة الحديثة انتشار الكتب عنهم، وكان ضعف المسلمين سببًا في زيادة نشاطهم، وكان فشو الجهل وضعف السنة عاملًا من عوامل التأثر بهم وتأثير ضلالهم.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى الفصل الرابع، وكما ذكرنا هو فصل طبعًا في غاية الأهمية لشدة التصاقه بالواقع المعاصر، وهو هذه النقلة التاريخية، والثورة والانقلاب الداخلي في داخل مذهب الشيعة عن طريق مبدأ ولاية الفقيه، ودولة الآيات التي أقامها عدو الله وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخميني على المجوسية والعنصرية الفارسية، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
السبت PM 04:38
2026-04-25 - 9



