ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الشيعة و ضلالهم في توحيد الربوبية
الشيعة و ضلالهم في توحيد الربوبية
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:
فقد انتهينا في مدرسة كتاب أصول مذهب الشيعة إلى موقف الشيعة من القضايا الاعتقادية، ونتناول هذه الليلة عقيدتهم في توحيد الربوبية.
وتوحيد الربوبية كما ذكرنا من قبل هو توحيد الله بأفعاله، توحيد الله بأفعاله، يعني كالرزق والإحياء والإماتة والتدبير والمرض والشفاء، وكل تصرفات الله عز وجل في خلقه لا تنسب إلا إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول: وتوحيد الربوبية هو إفراد الله سبحانه بالملك والخلق والتدبير، فيؤمن العبد بأنه سبحانه الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المالك المدبر، له الخلق والأمر كله، كما قال سبحانه وتعالى: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، وقال تعالى: ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير، لا شريك له في ذلك سبحانه ولا نظير.
ليس المقصود هنا دراسة هذا الأصل، وإنما المقصود معرفة اعتقاد الشيعة فيه، وهل تأثر هذا الأصل الأصيل والركن العظيم عندهم بما يزعمونه في الإمام.
لقد بين القرآن العظيم أن مشركي قريش، مع كفرهم بعبادته سبحانه وصرفهم أنواعًا من العبادات لغيره، إلا أنهم يؤمنون بأن الله سبحانه هو خالقهم ورازقهم: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، وقال: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.
لكنهم مع ذلك أشركوا مع الله غيره في عبادته. كما ذكرنا مرارًا، توحيد الربوبية ليس هو الذي ينجي ويدخل الإنسان في الإسلام. يعني إذا شهد العبد أنه لا رب إلا الله، بمعنى لا خالق ولا رازق ولا كذا إلا الله سبحانه وتعالى، هذا النوع من التوحيد كان متوفرًا عند مشركي قريش، كانوا يقرون بوجود الله وبأنه هو الخالق والرازق إلى آخره، لكن الشرك كان في توحيد الألوهية.
فيقول تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. قال مجاهد: إيمانهم بالله قولهم إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره، لكن في العبادة يشركون معه غيره.
لقد بين أهل العلم أن الإيمان بربوبية الله سبحانه أمر قد فطر عليه البشر، وأن الشرك في الربوبية باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال لم يثبت عن طائفة من الطوائف في التاريخ البشري، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقًا خلق بعض العالم. يعني حتى الثانوية الذين يثبتون إله النور - الخير، الذي هو النور - وإله الشر، وهو الظلام، لا يسوون بين الإلهين، وإنما يعتبرون أن إله النور أو إله الخير أقوى، وهو سوف ينتصر في النهاية. حتى النصارى لا يسوون بين الأقانيم الثلاثة في ثالوثهم المعروف.
والسؤال: هل تأثر هذا الأصل في دين الشيعة؟ يعني هل وجد الشرك الجزئي عندهم باعتبار ما يولونه الأئمة من الاهتمام، وما يعطونهم من أوصاف، وما يضفونه عليهم من ألقاب؟
فيذكر هنا أولًا قولهم إن الرب هو الإمام. فقد جاء في أخبارهم أن عليًا - كما يفترون عليه - قال: أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به، أو: يسكن الأرض به. الضبط غير واضح: أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض أو يسكن الأرض به.
الحقيقة العبارة غير صريحة المعنى، يعني طبعًا هذا افتراء عليه أكيد، لكن إيه المقصود بها يعني؟ يقول هو هنا: فانظر إلى هذا التطاول والغلو. رب الأرض الذي هي - ممكن الأرض مؤنث مجازي - ممكن يقال فيه: يسكن، يسكن الأرض به. الله أعلم.
فيقول: فهل رب الأرض إلا الواحد القهار؟ وهل يمسك السماوات والأرض إلا خالقهما سبحانه ومبدعهما؟ ما هي ممكن: يسكن الأرض به، لأن قوله هنا: وهل يمسك السماوات والأرض يوافق إيه معنى يسكنهما، يعني.
وقال إمامهم: أنا رب الأرض. يعني إمام الأرض. وزعموا أنه المقصود بقوله سبحانه: وأشرقت الأرض بنور ربها. وفي قوله سبحانه: أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا قالوا: يرد إلى أمير المؤمنين فيعذبه عذابًا نكرًا.
وفي قوله سبحانه: ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا جاء في تفسير العياشي: يعني التسليم لعلي رضي الله عنه، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك ولا هو من أهله. وبنحو ذلك جاء تأويلها عند القمي في تفسيره.
ولا تظن أن هذا التأويل من باب أن رب تأتي في اللغة بمعنى صاحب أو سيد، إذ إن هذه الآية نص في الرب سبحانه وتعالى، لا يحتمل سواه، فالإضافة عرفته وخصصته. وقد قال أئمة اللغة إن الرب إذا دخلت عليه أل يطلق إلا على الله سبحانه وتعالى. كلمة الرب، لكن عند الإضافة يمكن تطلق. قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، وممكن كمان إيه؟ في سورة يوسف: ارجع إلى ربك فاسأله، ففي إضافة. لكن عند الإطلاق الرب لا تطلق إلا على الله سبحانه وتعالى.
وهذه التأويلات وضعها لهم زنديق ملحد أراد بسبب ذلك صرف الشيعة عن ربها، وقد تكون فرقهم التي قالت بربوبية علي، والرجال الذين ذهبوا هذا المذهب، والذي نسمع نعيقهم إلى يومنا هذا، قد شربوا من هذا المستنقع الذي احتفظت به كتب الاثني عشرية المعتمدة عندها.
الحقيقة هو البحث هنا غير مشبع، يعني في قضية قولهم إن الرب هو الإمام، النقول قليلة وغير مقطوع بالمراد منها، لكن لا شك يوجد تشويش على توحيد الربوبية بصورة أو بأخرى.
وهناك ما هو أصرح من ذلك، كما يقول الخميني قاتله الله: وإن من ضرورات مذهبنا - من ضروريات مذهبنا - أن للأئمة مقامًا محمودًا ومنزلة سامية لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأن لأئمتنا ولاية تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون. تخضع لولاية الأئمة. الولاية الكونية هذه أيضًا من الضلال في قضية توحيد الربوبية، لا شك في ذلك.
البحث الثاني: قولهم بأن الدنيا والآخرة كلها للإمام يتصرف بها كيف يشاء. وهو التراث الشيعي، الأناشيد بتاعتهم والمحاضرات والمجالس واللطم والأشياء دي كلها مليئة بما هو أبشع من ذلك. أنا أعتقد سمعت مرة واحدًا من الجماعة اللي بيبقوا يغنوا وينشدوا في جلسة النياحة، فيقول: علي يا علي يا عالي على كل عالٍ، يعني، وشعر إلى آخره، كل شرك صراح. يعني أنا ما تمكنت أني آتي بها مكتوبة، لكن أعتقد سهلة الوصول إليها. بيتكلم على علي بأشياء يعني عجيبة جدًا في الغلو ومنتهى الغلو.
يقول: عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: باب أن الأرض كلها للإمام. ومما جاء فيه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام، يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله.
أيضًا هذه الزمرة تدعي أو تنسب إلى الأئمة ما لا سلطان للبشر عليه، وتعطي الأئمة ما هو من مقتضيات ربوبية الله تبارك وتعالى. ما لهم بذلك من برهان إلا اتباع ما تمليه شياطينهم وتسطره زنادقتهم.
ومن العجب أنهم يعطون أئمتهم ملك الله، وعلم الله، وحقوق الله، وأفعال الله، ويقولون إن ذلك من الله، أو جائز له ذلك من الله. فهل هذا إلا مجرد تستر على الإلحاد؟ يعني أن الولاية دي، اللي هي على الكون، وفي الدنيا والآخرة، والتحكم في كل شيء، دي يعني هو ليس بذاته، وإنما هي من الله، يعني فوضه الله وأعطاه هذه السلطة. فهذا مجرد تستر على الإلحاد، ومحاولة لإخفاء الهدف الخطير الذي تسعى إليه شياطينهم في تأليه الأئمة وإضفاء صفات الربوبية عليهم.
المبحث الثالث: إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة.
يقول: كل ما يجري في هذا الكون فهو بأمر الله وتقديره، لا شريك له سبحانه. لكن في كتب الاثني عشرية ما يثير العجب في هذا، حيث تدعي أن لأئمتها أمرًا في ذلك. تقول روايتهم عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم. قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين عليه السلام.
يعني أن كل ما وقع من رعد وبرق فهو من أمر علي لا من أمر الواحد القهار. فماذا يستنبط المسلم المنصف من هذه الرواية، والله جل شأنه يقول: هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينشئ السحاب الثقال؟ ولا شك أن هذا الضلال المبين، يعني أهل البيت برآء من أمثالهم.
يقول الدكتور القفاري: فماذا يقول؟ أليست هذه هي السبئية قد أطلت برأسها المشوه من خلال كتب الاثني عشرية؟ أليس هذا ادعاء لربوبية علي، أو أن له شركًا في الربوبية؟ كيف تجرأ قلم المجلسي، ومن قبله المفيد، على كتابة هذه الأسطورة ونسبتها إلى جعفر؟ فإن هذا الإلحاد لا يخفى على أمثالهم، ولا يؤمن بهذا ويدعو إليه إلا كل زنديق ملحد. والعجب من قوم يستقون دينهم من كتب حوت هذا الغثاء، ويعظمون شيوخًا يجاهرون بهذا البلاء. أليس في هذه الطائفة من صاحب عقل ودين يعلن الصيحة والنكير على هذا الضلال المنتشر والكفر المبين، ويبرئ أهل البيت الأطهار من هذا الدرن القاتل، وينقي ثوب التشيع مما لطخه به شيوخ الدولة الصفوية من كفر وضلال؟ أم أن كل صوت صادق إما أن يعاجل بالقتل كما فعلوا مع الكسروي، أو يحمل قوله على التقية كما صنعوا في كثير من رواياتهم وطائفة من أقوال شيوخهم؟ فهل وصل هذا المذهب في سبيل عودته إلى نور الحق إلى طريق مسدود؟
أحسب أن أولئك الأغرار لا يظنون أن هناك إسلامًا إلا هذا، لأن طوائف من السنة والشيعة أوهموهم بأن لا فرق بين المذهبين إلا في بعض مسائل الفروع، فأوصدوا أمامهم مجال النظر والتفكير والبحث بهذا الوهم الشائع الكبير. ودي من أضرار دعوة التقريب. بمعنى أن دعاة التقريب يدندنون ليل نهار أنه لا فرق، ولا تفرقوا المسلمين، إلى آخره، وأن القضايا قضايا خلافية في فروع الدين وليست في الأصول. هذا طبعًا يزيد الشيعة فتنة بضلالهم، ويسهل الغزو الرافضي لعقائد شباب أهل السنة. ما هو ما دامش في فرق، ما دام لا يوجد فرق، وما دام يجوز التعبد بمذهبهم، إذًا ماذا يدريني إن تحولت إلى المذهب الرافضي الذي هذا حاله؟
يقولون إن السحاب هو المطية الذلول لعلي يسيرها كيف يشاء. تقول روايتهم: ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة وبرق فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب، أسباب السماوات والأراضين السبع، خمس عوامر واثنتان خراب. يعني كان علي هو الذي يسير السحاب، والله عز وجل يقول: حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء، وقال عز وجل: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء.
ويبدو أن قول الاثني عشرية إن عليًا يركب السحاب امتداد للمذهب السبئي الذي يقول بأن عليًا هو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه.
وينقل لنا المجلسي رواية طويلة في ثمان صفحات تجعل لعلي قدرات مطلقة. فهو ينقل أصحابه إلى عالم السماوات والأرض، ويعرض عليهم معجزات أعظم من معجزات الأنبياء، ويمر بأقوام فيهلكهم بصعقة واحدة، ويتعاظم حتى يقول: إني لأملك من ملكوت السماوات والأرض ما لا تحتملون العلم ببعضه.
يقول المجلسي في حديثه هذا: إن عليًا أومأ إلى سحابتين - شاور للسحابتين - فأصبحت كل سحابة كأنها بساط موضوع، سجادة يعني. فركب على سحابة بمفرده، هو شاور سحابتين نزلوا له، أصبحوا الاثنين زي السجاد، فركب هو على واحدة، وأخذ أصحابه، ركب بعض أصحابه كما تقول الرواية، كسلمان والمقداد، السحابة الأخرى. وقال علي وهو فوق السحاب: أنا عين الله في أرضه، أنا لسان الله الناطق في خلقه، أنا نور الله الذي لا يطفأ، أنا باب الله الذي يؤتى منه، وحجته على عباده.
ومضت القصة الطويلة في سرد غريب. أصحاب علي يسألونه عن معجزات الأنبياء، فيقول: أنا أريكم أعظم منها. كل ما يذكرونه من معجزة نبي، علي يرد يقول لهم: أنا أريكم ما هو أعظم من هذه المعجزة.
حتى قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إني لأملك من ملكوت السماوات والأرض ما لو علمتم ببعضه لما احتمله جنانكم - أي قلبكم - إن اسم الله الأعظم على اثنين وسبعين حرفًا، وكان عند آصف بن برخيا حرف واحد، فتكلم به فخسف الله عز وجل الأرض ما بينه وبين عرش بلقيس حتى تناول السرير، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرف النظر، وعندنا نحن - والله - اثنان وسبعون حرفًا، وحرف واحد عند الله عز وجل استأثر به في علم الغيب.
ثم تذكر هذه الأسطورة أنهم مروا على عوالم غريبة، فزار الأنبياء في هذه الرحلة، فكان من الأنبياء من يبكي لما رأى أمير المؤمنين، ولما قيل له: ما بكاؤك؟ قال: إن أمير المؤمنين كان يمر بي عند كل غداة، فتزداد عبادتي بنظري إليه، فقطع ذلك منذ عشرة أيام فأقلقني ذلك. كنت قلقان عليه، ده بيعدي عليّ كل يوم الصبح، فلما بشوفه همتي في العبادة تزيد. هي دار تكليف، هي البرزخ دي دار تكليف؟ بيصوم ويصلي ويحج ولا إيه؟
فهو بيقول: الأنبياء بيبكوا لما يشوفوا أمير المؤمنين. ما بكاؤك؟ قال: إن أمير المؤمنين كان يمر بي عند كل غداة، فيجلس فتزداد عبادتي بنظري إليه، فقطع ذلك منذ عشرة أيام فأقلقني ذلك. فهو اطمن بقى لما شافه بعد عشرة أيام جاي في السحابتين دي.
وتقول القصة: إن عليًا كان يقول لأصحابه: غضوا أعينكم. يعني إيه؟ في عينيكم فين؟ فينقلهم إلى مدينة أسواقها قائمة، وأهلها أعظم من طول النخل، ويقول: إن هؤلاء من قوم عاد، ثم يصعق فيهم علي صعقة فتهلكهم.
وهكذا تمضي القصة حتى يعودوا، تقلهم السحاب، ثم يهبطون في دار أمير المؤمنين في أقل من طرف النظر. قالوا: وكان وصولنا إلى المدينة وقت الظهر والمؤذن يؤذن، وكان خروجنا منها وقت علو الشمس. فقال أمير المؤمنين: لو أنني أردت أن أجوب الدنيا بأسرها والسماوات السبع وأرجع في أقل من الطرف لفعلت بما عندي من اسم الله الأعظم. فقلنا: يا أمير المؤمنين، أنت والله الآية العظمى والمعجز الباهر.
هذه الرواية الطويلة بكل ما فيها من بلايا لم يتجاسر شيخهم المجلسي على ردها، بالرغم من أنه قال: إن هذا النص لم نره في الأصول التي عندنا، إلا أنه قال: بأننا لا نردها، ونرد علمها إليهم عليهم السلام. فانظر إلى نص لا يوجد في أصولهم المعتبرة، وحوى من الغلو ما لا يخطر ببال، ومع ذلك لم يتجرأ على رده. فكيف إذا بالروايات الأخرى المثبتة في أصولهم؟ فقبولها من باب أولى.
أما المبحث الرابع فيتناول قضية الجزء الإلهي الذي حل في الأئمة.
وترد عندهم روايات تدعي بأن جزءًا من النور الإلهي حل بعلي. قال أبو عبد الله: ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا. أفضى نور الله إلى الأئمة. في رواية ثانية بيقول في أصول الكافي: ولكن الله خلطنا بنفسه، والعياذ بالله.
وهذا الجزء الإلهي الذي في الأئمة كما يزعمون أعطوا به قدرات مطلقة، ولذلك فإن من يقرأ ما يسمونه معجزات الأئمة، وتبلغ مئات الروايات، يلاحظ أن الأئمة أصبحوا كرب العالمين، تعالى الله وتقدس عما يقولون، في الإحياء والإماتة والخلق والرزق.
فـبحار الأنوار مثلًا: باب جوامع معجزاته، أي علي، وباب ما ورد من غرائب معجزاته. حتى قبر علي جعل له معجزات لا يقدر عليها إلا رب العباد، وعقد لهذا صاحب البحار بابًا بعنوان: باب ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات. وهكذا كل إمام من أئمتهم الاثني عشر، ويزيد الحسين على سائر الأئمة بأن جعلوا لتراب قبره تأثيرًا كالقدرة الربانية، من رزق وشفاء وعافية. تراب القبر نفسه بتاع الحسين. طبعًا تكلمنا عنه الأسبوع الماضي، والغلو الذي فيه.
لكن طبعًا الروايات دي يربطونها بإيه؟ بأن هذا بإذن الله. ده نوع من التلبيس. بإذن الله، يعني كما قال المسيح: وأحيي الموتى بإذن الله إلى آخره. فهم بيزودوا برضه: بإذن الله، عشان يعني نوع من الاحتراز.
مثلًا علي وصفوه بأنه يحيي الموتى. جاء في الكافي عن أبي عبد الله قال: إن أمير المؤمنين له خؤولة في بني مخزوم، وإن شابًا منهم أتاه فقال: يا خالي، إن أخي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا. قال: فقال: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى. قال: فأرني قبره. قال: فخرج ومعه بردة رسول الله متزرًا بها، فلما انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه، ثم ركضه برجله، فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس. الراجل مدفون عربي، طلع إيه؟ فارسي، تكلم فارسي. ثم ركضه برجله فخرج أخوه من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى، ولكن متنا على سنة فلان وفلان، فانقلبت ألسنتنا.
مين فلان وفلان؟ أبو بكر وعمر. فعوقب بأنه لسانه انقلب وأصبح فارسيًا. قال: بلى، ولكن متنا على سنة فلان وفلان. كنا موالين لأبي بكر وعمر ومحبين لهما، فانقلبت ألسنتنا.
بل إن عليًا كما يزعمون أحيا موتى مقبرة الجبانة بأجمعهم، وضرب الحجر فخرجت منه مئة ناقة. وقال سلمان كما يفترون: لو أقسم أبو الحسن على الله أن يحيي الأولين والآخرين لأحياهم.
هذا الغلو بلا شك ارتضعوه من أفاويق المذاهب الوثنية التي تدعي في أصنامها ومعبوداتها ما للرب سبحانه من أفعاله، ويكفي في فساده مجرد تصوره، إذ هو مخالف للنقل والعقل والسنن الكونية، كما هو منقوض لواقع الأئمة وإقراراتهم.
ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول كما أمره ربه: قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله.
ومن الطريف أن كتب الشيعة، مع تعظيم الأئمة والغلو فيهم، تروي ما يخالف هذا لتثبت تناقضها فيما تقول، كالعادة في كل كذب وباطل. فقد جاء في رجال الكشي أن جعفر بن محمد قال: فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون. ويلهم، ما لهم؟ لعنهم الله، فقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وسلم في قبره، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي صلوات الله عليهم. أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذابًا شديدًا.
ولكن شيوخ الشيعة يعدون مثل هذه الإقرارات من باب التقية، فأضلوا قومهم سواء السبيل، وأصبح مذهب الشيعة مذهب الشيوخ لا مذهب الأئمة.
وهذه المقالة التي عرضت لبعض شواهدها عندهم، والتي تزعم حلول جزء إلهي بالأئمة، قد تطورت عند شيوخهم واتسع نطاقها إلى القول بوحدة الوجود، يعني أن وجود الكائنات هو عين وجود الله. وحدة وجود، يعني إيه؟ هو ربنا هو كل هذا الكون، كل الأشياء دي تجليات، والعياذ بالله، كما زعم إمامهم ابن عربي، وعدوا ذلك أعلى مقامات التوحيد. فهو الغاية في التوحيد عند شيخهم النراقي. كما أن شيخهم الكاشاني صاحب الوافي، أحد أصولهم الأربعة المتأخرة، كان يقول بعقيدة وحدة الوجود، وله رسالة في ذلك جرى فيها مجرى ابن عربي، وعبر عنه ببعض العارفين. والاتجاه الصوفي المتطرف قد تغلغل في كيان المذهب الاثني عشري، وعشعش في عقول أساطين المذهب من المتأخرين، وبين الأفكار الصوفية الغالية والعقائد الشيعية المتطرفة تشابه وتلاق.
المبحث الخامس: قولهم بتأثير الأيام والليالي بالنفع والضر.
يقول الله سبحانه وتعالى: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون. فالضر والنفع من الله وحده، وليس للأنواء والأيام والليالي وغيرها تأثير في ذلك.
والشيعة تخالف هذا بدعواها أن في بعض الأيام شؤمًا لا تقضى فيه الحاجات. قال أبو عبد الله: لا تخرج يوم الجمعة في حاجة، فإذا كان يوم السبت وطلعت الشمس فاخرج في حاجتك تشاء من يوم الجمعة. قال أيضًا بزعمهم: السبت لنا، والأحد لبني أمية. وقال: فأي يوم أعظم شؤمًا من يوم الاثنين؟ لا تخرجوا يوم الاثنين، واخرجوا يوم الثلاثاء. طبعًا لأن كلمة الاثنين هم يتشاءمون منها بسبب قوله تعالى: ثاني اثنين إذ هما في الغار، لأن فيها تعظيمًا لحق أبي بكر رضي الله عنه.
وقال أبو عبد الله: لا تسافر يوم الاثنين، ولا تطلب فيه حاجة. ويكرهون أيضًا رقم 10 بسبب إيه؟ العشرة المبشرين بالجنة. طب خليهم تسعة بقى، لأن عليًا منهم، المفروض ما يبقاش. اكرهوا رقم 10، أقصد 9، لأن لما 10 منهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
وقال أيضًا أبو عبد الله: آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال أمير المؤمنين علي كما يفترون: يوم السبت يوم مكر وخديعة. مع أن قبل كده في ناس ثانية قالوا السبت إيه؟ كويس، ما فيش مشكلة. هيفضل لهم ثلاث أيام في الآخر في الأسبوع! يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب، ويوم الثلاثاء يوم حرب ودم، ويوم الأربعاء يوم شؤم يتطير فيه الناس، ويوم الخميس يوم الدخول على الأمراء وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح.
ثم أحاديث عندهم أخر بهذه المعاني. وطبعًا دي موجودة عندنا فين، في أهل السنة؟ في كتب الموضوعات فقط، مش في أصول الإسلام والسنة. نجد أمثال هذا الحديث فقط في كتب الأحاديث الموضوعة والمكذوبة.
ومن مجموع هذه الروايات يتبين أن الجمعة والأحد والاثنين والأربعاء أيام فيها شؤم ذاتي، فلا يناسب قضاء الحاجات فيها. ولكن نلحظ أن الرواية الأخيرة اعتبرت يوم الاثنين يوم سفر وطلب، وهذا يخالف ما مضى من الروايات، ولذلك حمل شيخهم الحر العاملي هذا على التقية. حيرونا بالتقية! يعني مرة قالوا يوم الاثنين ده يوم شؤم ونحس، ومرة ثانية قالوا يوم سفر وطلب، فقالوا: لا، الرواية بتاعة سفر وطلب دي تقية. ما أعرفش إيه الضرورة للتقية في مثل هذا.
فعلى هذا كل هذه الأيام الأربعة أيام مشؤومة، فلم يبق أمام الشيعي من وقت للعمل من الأسبوع سوى أيام ثلاثة، وهذا نوع من التطير.
وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير. إذا خرج أحدهم لأمر، أراد أن يخرج في سفر أو قضاء حاجة، فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها. وكانوا يسمونه السانح والبارح. فالسانح ما ولاك ميامنه بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس. وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح.
ويفرق بعضهم بين الطيرة والتطير، فيقول: التطير هو الظن السيئ الذي في القلب، والطيرة هو الفعل المرتب على الظن السيئ. إذًا هذا نوع من التطير، وهو التشاؤم ببعض الأيام أو الطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها، وهو من عمل الجاهلية والمشركين، وقد ذمهم الله تعالى به ومقتهم، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التطير، وأخبر أنه شرك، وأنه لا تأثير له في جلب نفع ولا دفع ضر، وهي من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته.
قال تعالى: ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ألا إنما طائرهم عند الله أي: مصائبهم عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون. وفي رواية قال ابن عباس: أي من قبل الله.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثًا. وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك، لما فيها من تعلق القلب بغير الله تبارك وتعالى.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وإنما جعل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى. وهي دعوى باطلة لإضاعة الأوقات وتأجيل الحاجات، وصرف للقلوب عن الخالق البارئ إلى المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع.
غير أنه لا يكاد يوجد شذوذ عند الشيعة إلا وفيه من رواية أئمتهم نفسها ما يرد هذا الشذوذ ويبطله. فقد جاء في روايتهم ما ينقض هذه الدعوى، وأبلغ ما يكون نقد الخصم لكلامه بنفسه. فقد روت كتب الشيعة أن أبا عبد الله قال: لا طيرة. وقال: كفارة الطيرة التوكل. وقال أبو الحسن الثاني رضي الله عنه: من خرج يوم الأربعاء خلافًا على أهل الطيرة وقي من كل آفة، وعوفي من كل عاهة، وقضى الله له حاجته.
وجاء عندهم أيضًا: إذا تطيرت فامض. يعني إيه؟ لا تتأثر بذلك. وجاء في البحار وغيره: وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وكان عليه السلام يأمر من رأى شيئًا يكرهه ويتطير منه أن يقول: اللهم لا يأتي الخير إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذا تناقض، والتناقض علامة بطلان المذهب، ولكن مبدأ التقية ومخالفة العامة يعطل الاستفادة من هذه النصوص وأمثالها. يعني دي نصوص توافق التوحيد ونبذ شرك الطيرة، لكن ما جوابهم عنها وهي موجودة أيضًا في كتبهم؟ الجواب: أن دي إنما قالوها تقية. وأيضًا عندهم مبدأ أن ده كلام العامة بيقولوه، اللي هم أهل السنة، يبقى لازم الرشاد فيما يخالف العامة. لذلك تلحظ أن شيخهم الحر العاملي حمل حديثهم الذي يقول بأن يوم الاثنين هو يوم سفر وطلب على التقية.
ثم ينتقل إلى عقيدتهم في أسماء الله وصفاته، فيقول: للشيعة في هذا الباب أربع ضلالات: الأولى ضلالة الغلو في الإثبات، وهي ما يسمى بالتجسيم، والعياذ بالله. الضلالة الثانية: تعطيلهم الحق جل شأنه من أسمائه وصفاته. الضلالة الثالثة: وصف الأئمة بأسماء الله وصفاته. الضلالة الرابعة: تحريف الآيات بدافع عقيدة التعطيل للأسماء والصفات.
ففيما يتعلق بالضلالة الأولى، وهي الغلو في الإثبات، غلو في إثبات صفات الله عز وجل حتى يصل - والعياذ بالله - إلى ضلالة التجسيم، ومعروف أن ضلالة التجسيم اشتهرت عند اليهود.
لكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الروافض. يقول الرازي: اليهود أكثرهم مشبهة، وكان بدء ظهور التشبيه - وعشان كده برضه لازم نكون حذرين جدًا لما الناس بتقول على الديانة اليهودية إنها ديانة توحيد - في الحقيقة لا، ليست ديانة توحيد بالصورة التي عليها. يعني هو علشان ما قالوش ثلاثة آلهة زي النصارى يبقى ديانة التوحيد؟ الضلال في التوحيد لا يقتصر على تعدد الآلهة، لكن حينما يصفون الله سبحانه وتعالى بصفات الأجسام، فهذا ينافي التوحيد، لأن من أركان التوحيد المهمة جدًا توحيد الأسماء والصفات، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، وإثبات كل كمال له عز وجل.
فحينما يزعمون أن الله سبحانه وتعالى نزل وصارع يعقوب، وأن يعقوب غلب الله سبحانه وتعالى في المصارعة، وغير ذلك من الأشياء الشنيعة التي تشمئز منها القلوب وتقشعر منها الجلود، ولهم أمثلة كثيرة نكره أن نتلوها، لكن باختصار لا يصح وصف دين اليهود بأنه عقيدة توحيدية. توحيد من حيث إنهم لا يعددون الآلهة؟ وقد قص القرآن الكريم عنهم قولهم: وقالت اليهود عزير ابن الله. فلا توحيد ولا شيء، يعني مش ده انحراف شديد في التوحيد؟
لكن أول من ابتدع التجسيم بين المسلمين هم الرافضة. يقول الرازي: اليهود أكثرهم مشبهة، وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض، مثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأبي جعفر الأحول، وهؤلاء كلهم من الرافضة، وهم أول من بدأ بضلالة التجسيم والعياذ بالله.
وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الاثنا عشرية في الطليعة من شيوخها، والثقات من نقلة مذهبها. حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال: وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم - والعياذ بالله - هو هشام بن الحكم.
وقبل ذلك يذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن أوائل الشيعة كانوا مجسمة، ثم بين مذاهبهم في التجسيم، ونقل بعض أقوالهم في ذلك، إلا أنه يقول بأنه قد عدل عنه قوم من متأخريهم إلى التعطيل. متأخرين في زمن الأشعري. متأخرو الشيعة عدلوا، أو قوم منهم عدلوا، عن ضلالة التجسيم إلى ضلالة التعطيل.
وهذا يدل على أن اتجاه الاثني عشرية إلى التعطيل قد وقع في فترة مبكرة، وسيأتي ما قيل في تحديد ذلك. وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه، تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. والحقيقة أيضًا أكره جدًا أن أتلو عليكم الكلام بالتفصيل، لأنه كلام مقزز جدًا ويؤذي القلب، في وصف الله سبحانه وتعالى أن طوله كذا وعرضه كذا، كلام مثل هذه الأشياء، كلام بشع، قاتلهم الله.
إلى أن يقول: وقد نقل الإسفراييني مقالة هشام بن الحكم، وهشام الجواليقي، وأتباعهما في التجسيم، ثم قال: والعاقل بأول وهلة يعلم أن من كانت هذه مقالته لم يكن له في الإسلام حظ.
وقد استفاض عن هشام بن الحكم ومن تبعه أمر الغلو في التجسيم في كتب الفرق وغيرها، وتحدث عن ذلك أيضًا بعض كتب المعتزلة والزيدية. وممن نقل ذلك عن الروافض من المعتزلة الجاحظ، حيث قال: وتكلمت هذه الرافضة، وجعلوا له صورة وجسدًا، وكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير.
إذًا تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه كان في اليهود، ثم تسرب إلى التشيع، لأن التشيع كان مأوى لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله. وأول من تولى كبره هشام بن الحكم، ثم تعدى أثره إلى آخرين عرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالة غالية منسوبة إليهم. لكن شيوخ الاثني عشرية يدافعون عن هؤلاء الضلال الذين استفاض خبر فتنتهم واستطار شررهم، ويتكلفون تأويل كل بائقة منسوبة إليهم أو تكذيبها، حتى قال المجلسي: ولعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة. القول بالجسم والقول بالصورة. فكان المخالفون - يعني - افتروا عليهم ونسبوا إليهم هذا القول، يعني بهما: هشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي.
وأقول: أما إنكار الشيعة لذلك فقد عهد منهم التكذيب بالحقائق الواضحات، والتصديق بالأكاذيب البينات. وأما دفاعهم عن هؤلاء الضلال، فالشيء من معدنه لا يستغرب. فهم يدافعون عن أصحابهم، وقد تخصص طغام منهم للدفاع عن شذاذ الآفاق، ومن استفاض شره وتناقل الناس أخبار مروقه وضلاله، في حين أنهم يتناولون من أثنى الله عليهم ورسوله بالذم والتكفير.
وقد يقال: إن ما سلف من أقوال عن هشام وأتباعه هي من نقل خصوم الشيعة، فلا يكون حجة عليهم. ومع أن تلك النقول عن أولئك الضلال قد استفاضت من أصحاب المقالات على اختلاف اتجاهاتهم، عامة أصحاب المقالات المصنفين في الفرق ذكروا هذه الأشياء عن الرافضة، وهم أصدق من الرافضة مقالًا، وأوثق نقلًا، وهي تثبت أن الرافضة هم الأصل في إدخال هذه البدعة على المسلمين. لكن القول بأن نسبة التجسيم إليهم قد جاءت من الخصوم، لا شاهد عليه من كتب الشيعة، قد يتوهمه من يقرأ إنكار المنكرين لذلك من الشيعة، وإلا فالواقع خلاف ذلك. إذ قد جاء من رواياتهم في كتبهم المعتمدة ما يدل على أن متكلمي الشيعة، كهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأمثالهم، لم يكتفوا بمجرد إثبات الصفات كما دل عليه القرآن والسنة، بل تجاوزوا ذلك حتى ابتدعوا الغلو في الإثبات والتجسيم.
يبقى إذًا هذه التهمة ثابتة من خلال المصنفين في الفرق، ثم أيضًا موجود ما يشير إليها في كتبهم. فقد جاء في أصول الكافي للكليني، وفي التوحيد لابن بابويه وغيرهما، ما يدل على أن الشيعة في سنة 255 هجرية قد تاهوا في بيداء مظلمة، إذ قد غرقوا في خلافهم في التجسيم، فمن قائل إنه صورة - والعياذ بالله - ومن قائل إنه جسم، وقد صوروا هذا الواقع لإمامهم، فحكم عليهم بأنهم بمعزل عن التوحيد.
تقول الرواية كما يرويها صدوقهم القمي عن سهل قال: كتبت إلى أبي محمد سنة خمس وخمسين ومئتين: قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد، منهم من يقول هو جسم، ومنهم من يقول هو صورة، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجاوزه فعلت، متطولًا على عبدك. فوقع بخطه: سألت عن التوحيد، وهذا عنكم معزول، الله تعالى واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، خالق وليس بمخلوق، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام، ويصور ما يشاء، وليس بمصور، جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، تعالى أن يكون له شبيه، هو لا غيره، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
طبعًا واضح من السياق أن كان في مشكلة في موضوع أن أصحابهم يقولون بهذه المقالات. وقد كان لهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي بالذات دور ظاهر في اتجاه التجسيم عند الشيعة، كما تذكر ذلك مجموعة من رواياتهم.
جاء في أصول الكافي وغيره عن محمد بن الفرج الرخجي قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم، وهشام بن سالم في الصورة، فكتب: دع عنك حيرة الحيران، واستعذ بالله من الشيطان، ليس القول ما قال الهشامان.
فده يثبت أن هذين الهشامين فعلًا ذهبا إلى هذا الضلال، وكان الأئمة يتبرؤون منهما ومن قولهما. وحينما جاء بعض الشيعة إلى إمامهم وقال له: إني أقول بقول هشام، قال إمامهم أبو الحسن علي بن محمد: ما لكم ولقول هشام؟ إنه ليس منا من زعم أن الله جسم، ونحن منه براء في الدنيا والآخرة.
وتفصح بعض رواياتهم عما قالوه في الرب جل شأنه وتقدست أسماؤه. فهذا أحد رجالهم ينقل لأبي عبد الله - كما تقول الرواية - ما عليه طائفة من الشيعة في التجسيم، فيقول: إن بعض أصحابنا يزعم أن الله صورة مثل الإنسان، وقال آخر: إنه في صورة أمرد جعد قطط. فخر أبو عبد الله عليه السلام ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: سبحان الذي ليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به علمًا.
أيضًا ذكر الرواية عن ابن بابويه فيها كلام بشع مثل هذا الكلام، إلى أن قال: إن أبا الحسن الرضا لما ذكر له هذه الأوصاف خر ساجدًا، ثم قال: سبحانك، ما عرفوك ولا وحدوك، فمن أجل ذلك وصفوك. سبحانك، لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك.
فأنت ترى كبار متكلميهم قد غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله جل شأنه بخلقه، وهو كفر بالله سبحانه، لأنه تكذيب لقوله عز وجل: ليس كمثله شيء، وعطلوا صفاته اللائقة به سبحانه، فوصفوه بغير ما وصف به نفسه. وإمامهم كان ينكر عليهم هذا المنهج الضال، ويأمر بالالتزام في وصف الله بما وصف به نفسه. والروايات في هذا الباب كثيرة.
إذًا هذا الاتجاه إلى الغلو في الإثبات، الذي هو التجسيم، قد طرأ على الإثبات الحق الذي عليه علماء أهل البيت. فعلماء أهل البيت كانوا على الاعتقاد الحق، إلا أن التجسيم شيء طارئ عند بعض أتباعهم.
يقول: وأصبح المذهب يتنازعه اتجاهان: اتجاه التجسيم الذي تزعمه هشام، واتجاه التنزيه الذي عليه أهل البيت، كما تشير إليه روايات الشيعة نفسها، وكما هو ثابت مستفيض في كتب أهل العلم.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك.
-
السبت PM 04:07
2026-04-25 - 12



