المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1904109
يتصفح الموقع حاليا : 240

البحث

البحث

عرض المادة

المدخل لدراسة كتاب أصول مذهب الشيعة

المدخل لدراسة كتاب أصول مذهب الشيعة

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

آثرت أن نتدارس الكتاب الذي حدثتكم عنه كثيرًا، وكنت أتمنى أن أدرسه كاملًا، مع أنه يقع في ثلاث مجلدات، وهو كتاب «أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية». وهذا كتاب له قصة، كما سنذكر إن شاء الله تعالى. والكتاب من تأليف الدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري.

والحقيقة، رغم طول الكتاب، فإننا محتاجون إلى مثل هذا الملف بالنسبة للظروف التي نتعرض لها؛ ففي الحقيقة، المد الرافضي، والتبشير بدين الرافضة، حقيقة واقعة، وليس خطرًا متوقعًا. وباعتراف الجميع، فإن الشباب ليس عنده مناعة كافية، والدعاة والعلماء مقصرون في توعية الناس بالفرق بين دين الإسلام كما أنزله الله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكما حملته الأجيال من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وبين دين الرافضة المحدث، دين الحقد والخرافة.

فالحقيقة الواقعة التي يتعامى عنها كثير من الناس حتى الآن، مع أن الجميع يصرخ، وتتواتر الأنباء بتشيع كثير من الشباب، وبداية التغلغل، سرطان البؤر السرطانية الشيعية في داخل مجتمعاتنا، وبالذات في مصر، لأن الرافضة لهم أطماع واضحة جدًا في مصر، وهم يعتبرون أن مصر قد سُلبت من أيديهم على يد صلاح الدين الأيوبي، فهم جاهدون ساعون في استردادها وإعادتها إلى ما كانت عليه، حتى وجد أحمد راسم النفيس، الشيعي الضال، في نفسه الجرأة أن يقول: إن مصر هي لنا، نحن، مصر أصلًا شيعية فاطمية عبيدية، وصلاح الدين الأيوبي هو الذي حولها إلى السنة بطريق القهر والتعذيب والقتل والتهجير والتشريد، إلى آخر هذه الادعاءات. فهو طبعًا يكفر صلاح الدين الأيوبي، ويكره صلاح الدين الأيوبي، ويرى أن مسلمي مصر هؤلاء ارتدوا عن دين الشيعة إلى دين الإسلام، دين أهل السنة والجماعة.

فمن ثم عندهم هدف استراتيجي بالنسبة لمصر، ولهم وسائل كثيرة في محاولة التغلغل في هذا المجتمع خاصة. وأهل مصر عندهم حب، خاصة في الأرياف، وفيهم قدر من الغلو في حب آل البيت، هناك نوع من الغلو، يعني في استعداد لمزيد من الغلو إذا فتح هذا الباب من جديد.

فنحن داخلون حربًا، أو دخلنا بالفعل، في حرب مع الرافضة في داخل حصوننا. فبعد أن كان حصان طروادة في الخارج، تم إدخاله على يد دعاة التخريب المسمى بالتقريب، وفتحوا الحصان الخشبي، وخرجوا يعيثون فسادًا في الجامعات والجمعيات، وصار بعض الشباب يرتدون إلى دين الرافضة. فهو خطر حقيقي، وليس خطرًا متوقعًا.

وفي ظل ضعف المناعة، وعدم وجود ردود علمية على هذا الدين الضال، يزداد احتمال تورط المزيد من الشباب في الدخول في هذا الدين المحرف. وكما قلنا مرارًا: إن السلاح الوحيد الذي نملكه هو سلاح التوعية. سلاح التوعية. لأن حتى في ظل المتغيرات العالمية، إذا وجد رافضة فلن يصلح جدًا قمعهم، ما ينفع سجن ولا نفي؛ لأنهم سيقولون: هذه أقليات ولاجئون سياسيون، ومع الوقت حينما يكثرون سيصبحون من المواطنين المصريين، والدستور يكفل حق المواطنة. فهؤلاء قلة، ثم يبدأون يطالبون بحقوقهم، وبناء الحسينيات، كما حصل بالفعل، يعني لما تكاثروا في مدينة 6 أكتوبر، ما صبروا، استعجلوا الموضوع، فبدأوا يقدمون طلبات رسمية بإقامة الحسينيات، عشان اللطم والنياحة، يقيمون فيها اللطم والنياحة بحجة ذكرى عاشوراء ونحو ذلك.

فإذا أصبح لهم كيان عددي، فلن يصلح معهم القمع إطلاقًا، وإنما تصلح مواجهة الحجة بالحجة، وتوعية الشباب حتى لا يتورطوا في هذا الدين.

فهذا الكتاب في الحقيقة له ميزات عظيمة جدًا، وهذا الذي أدى إلى اختياره، لأنه عبارة عن رسالة دكتوراه. والدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، حفظه الله تعالى، يبدو أنه لما ألّف كتاب مسألة التقريب بين السنة والشيعة، وأبدع فيه، وبذل جهدًا رائعًا كما رأينا، ودرسناه كله من قبل، كان المفروض أن يقدم رسالة الدكتوراه وتكون الدكتوراه حول تحقيق كتاب من كتب التراث، لكن يبدو أن أساتذته الذين أشرفوا عليه أدركوا ما لديه من الموهبة والقدرة على البحث العلمي الجيد، فاقترحوا عليه أن يكمل رسالة الدكتوراه في أصول مذهب الشيعة.

أنا أتوقع أن الاسم الأصلي للكتاب كان المفروض أن يكون: أصول دين الشيعة، لكن أكيد هناك أسباب وراء اختيار كلمة مذهب. وأيًّا كان، فهذا لن يغير من الحقيقة شيئًا؛ فهو دين، ولهم دينهم ولنا دين. ليست هذه القضية الآن.

لكن الكتاب له ميزات علمية عالية المستوى، لأنه كما سنقرأ في المدخل والمقدمة، بذل جهدًا كبيرًا في الاطلاع على مراجع الشيعة بنفسه، فكتاب مأخوذ من كتب الشيعة المقدسة عندهم، والمعتبرة بلا خلاف بين الرافضة، بجانب المنهجية العلمية الراقية التي سلكها في إعداد هذه الأطروحة، بالإضافة إلى أن مثل هذه الرسائل الجامعية تمر على مصافي الأساتذة الكبار القديرين، والشيوخ الأفاضل، والعلماء المحققين من أساتذته، فيُهذب ويُصفّى، وتحت إشراف هؤلاء العلماء الأفاضل، خاصة الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى، فإنه الذي أشرف أساسًا على هذه الرسالة، وأعان الباحث في إعدادها.

مع أهمية الموضوع، نجد أن من يهتم بدراسته بطريقة علمية منهجية من الشيوخ والدعاة قليل جدًا. نحن فقط قاعدين ندخل في حروب مع من يقول بالتقريب ونرد عليه: لا، ما ينفعش التقريب، والمساجلات التي تحصل، لكننا مشغولون عن التطعيم والوقاية من الدرجة الأولى، بمنع حدوث المرض عن طريق توعية الناس وتطعيمهم بالفهم الصحيح لدين الشيعة، وما الفرق بينه وبين دين الإسلام على أساس علمي، لا من الكلام العاطفي والحماسي، والناس التي تنسج حبالًا من الوهم يتعلقون بها ويرتكزون عليها، من أن هذا خلاف مثل الخلاف بين المذاهب الفقهية... إلى آخر الأسطوانة المشروخة التي كلنا حفظناها من كثرة ما سمعناها.

فلا يوجد اهتمام بتدريس هذا الجانب بطريقة علمية منهجية إلا في النادر. وجانب الكتاب، على علو قيمته العلمية، لا تتوفر نسخة منه، أو النسخة غير متوفرة في مصر، أو أحيانًا إذا تم توفيرها يكون سعرها مرتفعًا. فعلى أي الأحوال، نحن محتاجون لمدارسته، فأرجو أن تحتسبوا في هذا الأمر، وإن شاء الله تعالى لن يخلو من فائدة، وفائدة مثل هذه البحوث أنها تحفظ في ملفات، ومن يحتاجها بعد ذلك يجدها جاهزة، فالحريص على الحق والباحث عن الحق، سواء سني أو شيعي، تكون أمامه مادة علمية يستطيع أن تكون سببًا لنجاته من براثن هذا الدين الرافضي المحرف.

يقول الدكتور القفاري بعد المقدمة:
إن من أصول الإسلام العظيمة الاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق. قال تعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾.
يعني الاعتصام يكون بحبل الله، فالتوحد والوحدة تكون على الحق، وليست على حساب الحق.

والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر بحصول الفرقة في هذه الأمة:
«
وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»،
أو قال: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»،
هو توقَّع بحصول مرض الاختلاف، ولم يكتف بذلك، بل أرشدنا إلى علاج الاختلاف:
«
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة...» إلى آخر الحديث.

فإذا وصف الداء، وصف معه أيضًا الدواء.

فالكلام العاطفي الذي يخدع الناس ويقول لهم: هذا مثل الخلاف بين الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، ومسائل بسيطة خالص... هو يضحك على من؟ إما أن يكون شخصًا فعلًا لم يدرس دين الشيعة ولم يعرفه عن قرب، ولم يعاشر الرافضة، وإما أن يكون إنسانًا مضللًا يتعمد التضليل، وهذا في الصحفيين كثير جدًا؛ يعني الصحفيون يكتبون مقالات مثل شقق الإيجار، مفروش والتمليك حسب ما يدفع الزبون.

فلا شك في هذا، يوجد ناس من الصحفيين يخدمون إيران والرافضة، وهذا شيء معروف، لأن الاستفزاز الذي يحصل من خلال بعض الجرائد، أن واحدًا يعمل عددًا كاملًا يتكلم فيه، ويمحضه لمناقب، ويمدح الخميني وحسن نصر الله وأحمدي نجاد، ويظهرهم ظهور الأبطال والصامد والرموز، وكذا وكذا، وفي نفس العدد في الآخر يختمون بشتم عائشة رضي الله تعالى عنها، والتطاول على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهذا نوع من خداع النفس.

والناس المفروض أن يحصل عندها نوع من الإفاقة. كفاية، يعني إلى متى؟ إلى أن يدخلوا بيوتنا ويحرفوا أولادنا عن عقيدة الإسلام؟

فالذي أريد أن أقوله: إن الاجتماع يكون على الحق، وليس على حساب الحق. كما يقال: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة. التجميع العاطفي سرعان ما يكون هشًا، وسرعان ما ينفض، لأنه مبني على عاطفة، والحقائق ستنكشف، شاء من شاء وأبى من أبى.

فالرسول عليه الصلاة والسلام حينما أخبر أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي بعض الروايات: «هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، بدأ يحدد: كيف تكون الفرقة الناجية من النار؟ صفتها أنها على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾.

فكيف تكون الفرقة الناجية مع من يكفر أصحابه ويلعنهم؟ كيف تكون الفرقة الناجية هي الشيعة، وهي تكفر أصحابه؟ هذا أوضح إعلان أنهم برآء من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

كذلك لما قال:
«
فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»،
هذا هو الداء. ما الدواء؟
«
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، الخلفاء الأربعة، «عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور».

فإذا طبقنا هذا على واقع الرافضة، فلا شك أنهم معاندون لسنة الخلفاء الراشدين المهديين، حتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يمكن أن يقبل ما اخترعه الرافضة في دين الإسلام، ودعواهم حب علي وحب آل البيت ما هي إلا كدعوى النصارى حينما يزعمون أنهم أقرب إلى عيسى، وأنهم أحباب عيسى، أو اليهود في حق موسى عليه السلام.

هل نحن أولى بموسى أم اليهود؟ نحن، لأننا على دين الإسلام الذي جاء به موسى. كذلك نحن أولى من النصارى الذين يتفانون في حب عيسى حتى عبدوه من دون الله. عيسى مع من؟ عيسى معنا نحن. وهذا ليس مجرد كلام. الرسول قال:
«
لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني».
وأما المسيح، فإن المسيح سوف يأتي في آخر الزمان حينما ينزل إلى الأرض من جديد، ويحكم بالقرآن، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير. فعيسى معنا نحن، ونحن أولى به. ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾. نحن من الذين اتبعوا عيسى على دين الإسلام؛ لأن دعوة عيسى كانت دعوة الإسلام والتوحيد.

فلا يغتر الرافضة بخداعهم أنفسهم أنهم متيمون بحب آل البيت، والبكاء على الحسين، والنياحة، واللطم، والتطبير، وكل هذه الجاهلية التي يسلكونها بدعوى حب آل البيت.

وبعض الغافلين هنا في بلادنا يتكلم عن الشيعة: دول أحباب آل البيت، دول متخصصون في حب آل البيت، وهو لا يفقه. لأن الصوفية عندنا في بلادنا، للأسف الشديد، القاسم المشترك بينهم هو الجهل الفاحش. وبالتالي، هم ما أظن الصوفية يعرفون حقائق دين الشيعة. صحيح أن الشيعة يتخذون الصوفية مطية يركبونها للتغلغل في داخل المجتمع المصري، كما قال القرضاوي نفسه: الشيعة يستغلونها للنفاذ إلى داخل بلادنا. لكن ما أظن أن الصوفية لو علموا حقيقة دين الرافضة، أنهم يقبلون ذلك الطعن في القرآن أو الطعن في الصحابة، لا شك في ذلك، لكنهم غير مدركين لحقائق ما يختفي وراء هذا الدين الخطير، والدين السري، ودين التقية، ودين المؤامرات.

فالصوفية أيضًا محتاجون إلى توعية، ونحن في معركتنا مع الشيعة، العدو مشترك، فنحن فعلًا أولى فيما بيننا أن نرفع شعار الاتحاد في وجه العدو المشترك، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، سواء أشاعرة أم صوفية أم غيرهم.

هذا الخطر الداهم، يعرفه الرافضة. الشيعة إذا تمكنوا، ليس في قلوبهم قطرة رحمة على أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وهذا كلام ليس نظريًا. النموذج مطبق، واضح جدًا، ما حصل في العراق، المذابح الإجرامية التي فاقت مذابح البوسنة والهرسك، أو كانت مثلها. المذابح التي أقاموها لشباب أهل السنة، قتل على الهوية في الشوارع، ونحن ولا كأن هؤلاء جزء من جسدنا، ولا كأن الإخوة في العراق، الشباب الذين قتلوا وما زالوا يطردون، أنهم جزء من كياننا. كان يفترض أن نتألم لآلامهم، وأن نشاركهم أحزانهم ومعاناتهم.

فالواقع، سواء حتى داخل إيران منذ بداية قيام ثورتهم، أهل السنة يعانون أشد أنواع المعاناة من الاضطهاد، والقتل، والتشريد. هذا في أهل السنة في داخل إيران، تطبيق عملي.

فما بالك لو أتوا إلى بلادنا؟ ومعروف جدًا التعذيب الذي كان يحصل في العراق، من الحاجات المشهورة، يجيبوا الأخ، ويعلقوه من رجليه زي الشاة، ويذبح حتى يُصفَّى دمه، والقتل بالشنيور وهو صاحٍ، يعني يثقبون عينه بالمثقاب أو الشنيور، أو في المخ، أشياء في منتهى البشاعة. يعني حتى إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، لكن يتشفون في أهل السنة.

لماذا؟ لأنه في اللاوعي الجمعي عند الشيعة مترسخ أننا مسؤولون عن قتل الحسين. هي هكذا بالعافية. نحن المشاركون في قتل الحسين، ونحن من شيعة معاوية رضي الله تعالى عنه في زعمهم، يعني معاوية الذي يعتدون هم عليه، وواضح، وأننا من أشياع بني أمية، ووكلاء بني أمية، وأن في نوعًا من المشاركة، زي ما نكون نحن نصارى نطوف في الخطيئة الأصلية، فهم ينظرون إلينا أننا مسؤولون عن قتل الحسين، وبالتالي ينبغي أن ينتقموا منا.

وعلى أي الأحوال، الذي دفعنا إلى هذا الاستطراد قول المصنف هنا، واستدلاله بقوله تعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله﴾،
فلا ننظر إلى اعتصموا فقط، لكن لازم الاعتصام بحبل الله، الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى.

والرسول عليه السلام أخبر: الفرقة الناجية هي من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه، فما بالك بمن يكفر أصحابه؟ ما بالك بمن يكفر بالسنة؟ لأن الشيعة لا يعترفون بسنتنا، ويجيء واحد يدلس على المسلمين ويكذب عليهم ويقول لهم: نحن متفقون معهم على الكتاب والسنة! سنة أيه؟ المقصود بالسنة عندهم غير المقصود بالسنة عندنا تمامًا، كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

وقال سبحانه:
﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾.

وقد كان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول.

هي طبعًا الفتن بدأت أساسًا بقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، ولذلك يقول ابن الحطية:
طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر.
موافقة الحديث: أن بينك وبينها بابًا، قال: هل يكسر أم يفتح؟ قال: بل يكسر. ففهم عمر أنه سوف يقتل رضي الله عنه. هو الباب الذي يحول دون حصول الفتن.

فطويت سعادة المسلمين في أكفان عمر، كان مفتاح الفتن التي حصلت هو قتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. ولما قتل عثمان رضي الله عنه ووقعت الفتنة، فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:
«
تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق»،
وكان مروقها لما حكم الحكمان وتفرق الناس على غير اتفاق. وطبعًا المارقة هنا مقصود بها الخوارج.

ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدع التشيع، وتتابع خروج الفرق، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. وقد خرج التشيع من الكوفة، ولذلك جاء في أخبار الشيعة بأنه لم تقبل دعوتهم من أمصار المسلمين إلا الكوفة، ثم انتشر بعد ذلك في غيرها، كما خرج الإرجاء أيضًا من الكوفة، وظهر القدر والاعتزال والنسك الفاسد من البصرة، وظهر التجهم من ناحية خراسان.

وكان ظهور هذه البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، أي عن المدينة النبوية المباركة، لأن البدعة لا تنمو وتنتشر إلا في ظل الجهل وغيبة أهل العلم والإيمان. ولذلك قال بعض السلف: من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله للعالم من أهل السنة. لأن الإنسان يتعصب لأول شيء يتعلمه، ولأول كتاب يقرؤه، ولأول شيخ يعلمه، وربما كان زحزحة جبل أسهل من زحزحة واحد عن التعصب لشيخه أو للمذهب الذي انتمى إليه أول ما انتمى، إلا أن يريد الله به خيرًا فيشرح صدره للحق.

فلذلك يذكر: من سعادة الحدث، أي الناشئ الصغير، والأعجمي، يعني إذا أسلم، أن يوفقهما الله للعالم من أهل السنة، لأن هذا سيوفر عليه عمرًا طويلًا يمكن أن يضيع في التجول بين الفرق الضالة، وذلك لسرعة تأثر هؤلاء بأسْرِ الفتنة والبدعة، لضعف قدرتهم على معرفة ضلالها واكتشاف عوارها.

ولذا فإن خير منهج لمقاومة البدعة والفرقة هو نشر السنة بين الناس، وبيان ضلال الخارجين عنها. ولذلك نهض أئمة السنة بهذا الأمر، وبينوا حال أهل البدعة، وردوا شبهتهم. هذا هو منهج السلف: الرد على أهل البدعة وكشف زيغهم وضلالهم، ليس التستر عليهم، وليس تجميل وجههم القبيح.

كما فعل الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية، والإمام البخاري في الرد على الجهمية، وابن قتيبة في الرد على الجهمية والمشبهة، والدارمي في الرد على بشر المريسي وغيرهم.

ولا شك بأن بيان حال الفرق الخارجة عن الجماعة، والمجانبة للسنة، ضروري لرفع الالتباس، وبيان الحق للناس، ونشر دين الله سبحانه، وإقامة الحجة على تلك الطوائف، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. فإن الحق لا يكاد يخفى على أحد، وإنما يضلل هؤلاء أتباعهم بالشبهات والأقوال الموهمة، ولذلك فإن أتباع تلك الطوائف هم ما بين زنديق أو جاهل، ومن الضروري تعليم الجاهل، وكشف حال الزنديق ليُعرف ويحذر.

وبيان حال أئمة البدعة المخالفة للكتاب والسنة واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحب إليك أو يتكلم في أهل البدعة؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، وهذا أفضل.

فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب باتفاق المسلمين.

يعني مثلما تكلمنا أيام فتنة حسن نصر الله، كان الكلام كله موجهًا إلى الحماسة الشديدة عند الشباب: جهاد، ويضرب اليهود بالصواريخ، إلى آخر هذا. لكن الجهاد وسيلة أم غاية؟ وسيلة، وسيلة لإعزاز دين الله سبحانه وتعالى، ونشر الحق، ودفع الباطل. فالجهاد وسيلة لنشر الدين الحق.

فحتى لو اجتمعنا مع الرافضة على الجهاد كوسيلة، طيب هم يجاهدون في سبيل أي دين؟ إذا حصل لهم التمكين، ما هو الدين الذي سيحكمون به؟ دين الرافضة، ليس دين الإسلام.

ثم إنه لم يكن جهادًا أصلًا، بل كله عبارة عن ألاعيب سياسية، كانت حربًا بالوكالة عن إيران لأهداف معروفة. وإذا حكمت عليها من حصادها وعواقبها، لأدركت أنها لم تكن نصرًا بأي معنى من معاني النصر إطلاقًا. بالعكس، كل عواقبها كانت ضد مصلحة المسلمين، وفي خدمة اليهود، لأن يكفي أن ما يسمونه مقاومة انتهى تمامًا، المقاومة الميكروفونية دي انتهت، ولم يعد لها حس ولا خبر، انتهى تمامًا ببركات الشاط... فين المقاومة؟ انتهت. جاءت القوات الدولية وقوات جيش لبنان، ورجعوا إلى مسافة كبيرة في الخلف بحيث لا تصل صواريخهم إلى مرمى الحدود الشمالية للدولة اليهودية.

فموضوع الجهاد والحماس، وللأسف الشديد، أنا وقفت على قصيدة كاتبها عبد الرحمن القرضاوي ابن يوسف القرضاوي، لكن فاتني أن أحضرها، يعني أجزاء من قصيدة شيء مؤلم جدًا، شيء في غاية الانبهار والافتتان بحسن نصر الله، بحيث تضخم في نظره حتى لا يرى غيره.

يعني إن شاء الله أنا سوف آتيكم فيما بعد بموضوع الانبهار بالإنجاز الواقعي. احنا اتكلمنا قبل كده بالتفصيل، أن في قاعدة نطبقها لما واحد يقول لك: أنتم متخاذلون وهم اللي جاهدوا وهم اللي عملوا وهم اللي سووا... إلى آخره. الرد عليهم بقاعدة: أهل البدعة إن قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقيدتهم، وأهل السنة إن قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقيدتهم. العقيدة هي الأساس.

فبيّن الإمام أحمد أن نفع هذا – أي الرد على أهل البدع – عام للمسلمين في دينهم، وهو من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين.

كما يقول الشاعر:
من للدين كشف الستر عن كل كاذب
وعن كل بدعي أتى بالعجائب
ولولا رجال المؤمنون لهدمت
صوامع الله من كل جانبه

يقول: ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب. فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا. عشان كده بعض الناس ساعات تستغرب لما نقول: إن الشيعة أخطر من اليهود من حيثية معينة. هم أخطر قطعًا. هل اليهود يبشرون بدين اليهود؟ عندهم دين عنصري، والإله إله بني إسرائيل، وباقي الخلق خُلقوا ليركبهم اليهود كالحمير، هذا في التلمود. فما عندهمش تبشير باليهودية، وبالتالي مش هيجوا لنا يدعونا أن ندخل في دين اليهودية. أما الرافضة فسهل جدًا أن يتغلغلوا بحجة حب آل البيت، وأنهم مظلومون، وأن الكلام اللي يقال عليهم ده كلام غير حقيقي... وهكذا.

فمن هذه الحيثية قطعًا الرافضة أخطر من اليهود.

يقول: «ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء».

وقد وجد العدو المتربص بالأمة في هذه الفرق الخارجة عن الجماعة وسيلة لإيقاع الفتنة في الأمة، ولا يبعد أنه اليوم يريد أن يستثمر هذه المسألة لمواجهة بوادر البعث الإسلامي المتنامي في أرجاء المعمورة، والوقوف في وجه الصحوة الإسلامية التي امتدت إلى عقر داره، وهو يتخذ من تقارير مستشاريه الذين يهتمون أبلغ الاهتمام بتاريخ تلك الطوائف وعقائدها منهجًا يحتذيه في علاقته مع المسلمين ودولهم، ولذا نلحظ أنه يغذي بعض هذه الطوائف، ويهيئ الوسائل لوصولها إلى الحكم والتوجيه.

ولا شك أن بيان الحق في أمر هذه الفرق فيه تفويت للفرصة أمام العدو لتوسيع رقعة الخلاف واستمراره، فإن ترك رؤوس البدعة يسعون لإضلال الناس، ويعملون على تكثير سوادهم، والتغرير بأتباعهم، ويدعون أن ما هم عليه هو الإسلام، هو من باب الصد عن دين الله وشرعه، حتى إن من أسباب خروج الملاحدة ظنهم أن الإسلام هو ما عليه فرق أهل البدعة. يعني الملاحدة الذين يرتدون تمامًا عن الدين، يكون سبب خروجهم ورفضهم الإسلام أنهم لا يطلعون إلا على أهل البدعة، فيكفرون بهذا الدين، ولا يطلعون على منهاج أهل الحق، أهل السنة والجماعة.

يقول: حتى إن من أسباب خروج الملاحدة ظنهم أن الإسلام هو ما عليه فرق أهل البدعة، ورأوا أن ذلك فاسد في العقل، فكفروا بالدين أصلًا.

ومعظم الفرق التي خرجت عن الجماعة ضعف نشاطها اليوم، وفتر حماسها، وتقلص أتباعها، وانكفأت على نفسها، وقلت منابذتها، إلا الشيعة، فهي أشد فرق الشيعة سعيًا في هذا الباب لإضلال العباد، إن لم تكن الفرقة الوحيدة التي تكثر من التطاول على السنة والكيد لها على الدوام، مما لا تجده عند فرقة أخرى.

ولقد كانت صلتي بقضية الشيعة تعود إلى مرحلة الماجستير، حيث كان موضوعها فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة. وبعد أن انتهيت من دراسة مسألة التقريب، رغبت في الدراسة للدكتوراه إلى تحقيق بعض كتب التراث، وتقدمت إلى القسم بطلب الموافقة على تحقيق الجزء الأول من الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن أشار علي بعض الأساتذة الفضلاء في القسم وخارجه بالاستمرار في دراسة قضية الشيعة، لأهميتها وضرورة دراستها دراسة علمية موضوعية. وبعد الاستشارة والاستخارة عقدت العزم على أن أدرس العقائد الأساسية للمذهب الاثني عشري، وأنا على علم بأن الجهد الذي يتطلبه هذا الموضوع يفوق الموضوع الأول كثيرًا، لأنني – كما سيتبين – أمام دراسة دين بأكمله، لا كتاب شخص واحد. يعني الجواب الصحيح كتاب لابن تيمية، كتاب واحد، وحققه ويخلص، لكن هنا يدرس دين الرافضة.

يقول: وقد اخترت – وهذا كلام مهم جدًا – لماذا اختار بالذات طائفة الجعفرية الاثني عشرية؟ وقد اخترت طائفة الاثني عشرية بالذات من بين طوائف الشيعة لعدة أسباب، منها:

أولًا: أن هذه الطائفة بمصادرها في التلقي، وكتبها، وتراثها، تمثل نحلة كبرى، حتى إنهم يسمون مسائل اعتقادهم دين الإمامية. هم اللي بيسموه دين الإمامية، كما فعل ابن بابويه في كتابه الاعتقادات. يسمي دينه دين الإمامية، لا مذهب الإمامية، وذلك لانفصالها عن دين الأمة.

طبعًا تعرفون الكلمة المشؤومة التي قالها المدعو نعمة الله الجزائري، بيقول – بيتكلم عن أهل السنة –: «إننا لم نجتمع معهم لا على إله ولا على نبي». باختصار، لأن الإله الذي خليفة نبيه أبو بكر وعمر، والنبي الذي خلفه أبو بكر وعمر، ليس بإلهنا ولا نبينا. معنى العبارة هكذا. فهو يتبرأ من دين الإسلام. يقول: الإله الذي يكون خليفة نبيه أبا بكر وعمر وعثمان، والنبي الذي يكون خليفته أبو بكر وعمر، هذا ليس نبينا، وهذا الإله ليس إلهنا. صدق، هو صادق في هذا.

يقول: وبحسبك أن تعرف أن أحد مصادرها في الحديث عن الأئمة يبلغ مئة وعشرة مجلدات، وهو بحار الأنوار لشيخهم المجلسي، المتوفى سنة 1111 هـ. له كتاب في الحديث عن الأئمة مئة وعشرة مجلدات.

ثانيًا: اهتمام هذه الطائفة بنشر مذهبها والدعوة إليه، وعندها دعاة متفرغون ومنظمون. فطبعًا المذهب الآن تتبناه دولة. في دولة تتبناه، ولم تخف حقيقة الأمر، أن هدفًا من أهداف هذه الدولة الإيرانية هو تصدير الثورة، هذا شيء أساسي، تصدير الثورة لكل بلاد العالم. طبعًا مش كل بلاد العالم، هم لا يدخلون بلاد الكفار للدعوة، وإنما فقط يتمركزون حول اصطياد شباب المسلمين. فدولة لها ميزانية، ولها أساليبها الملتوية، ولها رجالها، ولها تنظيماتها، ولها سفاراتها، ولها قنواتها. فإحنا الآن في حرب، دخلنا في حرب، هذا جهاد، في حرب مع عدو جديد يظهر للإسلام بهذه الصورة.

يقول: اهتمام هذه الطائفة بنشر مذهبها والدعوة إليه، وعندها دعاة متفرغون ومنظمون، ولها في كل مكان غالبًا خلية ونشاط، وتوجه جل اهتمامها في الدعوة لنحلتها في أوساط أهل السنة، ولا أظن أن طائفة من البدع تبلغ شأو هذه الطائفة في العمل لنشر معتقدها والاهتمام بذلك، وهي اليوم تسعى جاهدة لنشر مذهبها في العالم الإسلامي، وتصدير ثورتها، وإقامة دولتها الكبرى بمختلف الوسائل. وقد تشيع بسبب الجهود التي يبذلها شيوخ الاثني عشرية الكثير من شباب المسلمين، ومن يطالع كتاب عنوان المجد في تاريخ البصرة ونجد يهوله الأمر، حيث يجد قبائل بأكملها قد تشيعت.

وشوفوا في العراق، بعد ما كان العراق الأغلبية فيه سنية، هذا قبل التطورات الأخيرة، قبل أن يؤول إليهم الحكم في العراق، حصل التسامح مع الرافضة تحت ستار التقريب، أدى إلى تشيع قبائل بأكملها من العراق، وحدث خلل في التوازن الديمغرافي بين السنة والشيعة في العراق، وحصل ما نراه الآن.

يقول: وقد تحولت سفارات دولة الشيعة في إيران إلى مراكز للدعوة إلى مذهبها في صفوف الطلبة والعاملين المسلمين في العالم، وهي تهتم بدعوة المسلمين أكثر من اهتمامها بدعوة الكافرين. ولا شك أن المسؤولية كبيرة في إيضاح الحقيقة أمام المسلمين، ولا سيما الذين دخلوا في سلك التشيع حبًا لآل البيت، واعتقادًا منهم أن هذا الطريق عين الحق وطريق الصدق.

يبقى السبب الأول: أن هذه الطائفة تمثل بمصادرها ومرجعيتها نحلة كبرى لها أصولها ولها مصادرها.
ثانيًا: نشاط هذه الطائفة في الدعوة والتبشير بمذهبها.
ثالثًا: أن هذه هي الطائفة الشيعية الكبرى في عالم اليوم.

قبل ما نكمل الكلام، في طبعًا مغالطات بتحصل، إن الناس مش عارفة تتكلم إزاي. بعض الدعاة يقول لك: جناحا الأمة، أو يقولوا بالمرة كمان: هم عنصرا الأمة، الأمة الإسلامية بجناحيها! جناحيها إيه؟ من الناحية العددية، الشيعة قلة وذلة. من الناحية العددية هم طائفة لها صوت، لأن دولة تخدم هذا المذهب، لكن من الناحية العددية، لو المسلمين دلوقتي داخلين على مليار ونصف مليار، نسبة الشيعة فيهم مش هتزيد عن مئة مليون. ولو قلنا حتى ضربناها في اثنين كمان، قلنا مئتي مليون، ما قيمتهم بالنسبة للأمة؟ فهم ريشة صغيرة جدًا في داخل الجناح، وليسوا جناحين. يقول لك: جناح الأمة! لماذا تنفخ في حجمهم إلى هذا الحد؟ هم من الناحية العددية ما يساوون شيئًا بالنسبة لأهل السنة، الأغلبية الكاسحة. فمش جناحين ولا حاجة، الحمد لله، الجناحان في عافية وعلى الإسلام وعلى السنة. فإن كان ولا بد اعتبارهم جزءًا من الجسد، فهم ريشة في الجناح من ناحية الثقل العددي.

يقول: ثالثًا: إن هذه هي الطائفة الشيعية الكبرى في عالم اليوم، وقد احتوت معظم الفرق الشيعية التي وجدت على مسرح التاريخ، وتمثل مصادرها في التلقي خلاصة أفكار الاتجاهات الشيعية المختلفة ومستقرها التي ظهرت على امتداد الزمن، حتى قيل بأن لقب الشيعة إذا أطلق لا ينصرف إلا إليها. الآن كلمة شيع إذا أطلقت تنصرف إلى الشيعة الإمامية الاثني عشرية، لأن المذهب له خصائص خطيرة جدًا. المذهب الشيعي حصل فيه تطورات، وفي أشياء كانت في الأول تعتبر شذوذات وشيئًا غريبًا جدًا، كانوا يرفضونها، والآن أصبحت من ضروريات الدين، كما سنرى إن شاء الله.

رابعًا: هذه الفرقة لها اهتمام دعائي في الدعوة للتقارب مع أهل السنة، فقد أقامت المراكز، وأرسلت الدعاة، وأنشأت الجمعيات التي ترفع شعار الوحدة الإسلامية. وكما كررنا مرارًا، التقريب عند الشيعة له معنى واحد فقط، فقط، وهو جر السنة إلى دين الشيعة. أما العكس، فغير وارد إطلاقًا. يعني لما أنشأوا دارًا للتقريب هنا في مصر، لم ينشأ لها فرع في طهران. وزي ما قال بعض الأفاضل: قد يقول الرافضة إن ده كان في عهد الشاه، والشاه ده سيئ الذكر، وما كانش على الدولة الإسلامية. طيب، وماذا في عهد طيب الذكر بقى من آياتهم، الخميني وأمثاله؟ هل أقيم فرع لدار التقريب في طهران؟ حتى الآن ممنوع إقامة مسجد لأهل السنة في طهران، من شدة الحقد على أهل السنة، ممنوع.

وحاولوا في عهد الشاه مرارًا وتكرارًا أن يقيموا مسجدًا واحدًا فقط لأهل السنة في العاصمة التي فيها 12 كنيسًا، ومش عارف كم معبدًا للزرادشتيين وعبدة النار، وبيعًا أيضًا لليهود، لكن غير مسموح حتى الآن. وجمعوا أموالًا من قبل السفارات الإسلامية، وحاولوا أن يقيموا مسجد سنة في طهران، فاستولت الحكومة على الأموال، ومنعت إقامة مسجد واحد للسنة في طهران، وجايين يقولوا تقارب!

خامسًا: هذه الطائفة تكثر من القول بأن مذهبها لا يختلف عن مذهب أهل السنة، وأنها مظلومة ومفترى عليها، ولها اهتمام كبير بالدفاع عن مذهبها، ونشر الكتب والرسائل الكثيرة للدعاية له، وتتبع كتب أهل السنة ومحاولة الرد عليها، مما لا يوجد مثله عند طائفة أخرى.

سادسًا: كثرة مهاجمة هذه الطائفة لأهل السنة، ولا سيما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أجمعين، وطعنها في أمهات كتب المسلمين عبر مؤلفاتهم التي يخرج منها سنويًا العشرات من الكتب. طبعًا العشرات كلمة قليلة جدًا، يصدرون المئات من الكتب وليس العشرات. كذلك مهاجمتها بعنف وضراوة لكل من يكتب عنها أو يتعرض لمذهبها بالنقد. وطبعًا النموذج الحي رأيناه مؤخرًا في القرضاوي، فهم ما لهمش كبير ولا لهم عزيز. القرضاوي الذي قدم لهم أعظم الخدمات، وستر قبائح وجههم القبيح، وجملهم على حساب العقيدة الإسلامية السنية، ومع ذلك بمجرد أن حذر من خطرهم قامت الدنيا ولم تقعد، كما رأينا الضجة التي حصلت منذ منتصف رمضان الماضي.

فالكتاب طبعًا مطبوع من مدة بعيدة، فالمؤلف يتكلم كلامًا مستقرًا، يقول: وكذلك مهاجمتها بعنف وضراوة لكل من يكتب عنها أو يتعرض لمذهبها بالنقد تحت ستار أن هذه الكتابات تعيق التقريب وتعرقل مساعي الوحدة الإسلامية، فانصرفت أكثر الأقلام عن الكتابة عنها. ودي أهمية مثل هذا البحث العلمي الرائع.

سابعًا: استرعى انتباهي تضخم الخلاف حول حقيقة الاثني عشرية لدى الكتاب المعاصرين، والخلاف أبعاده متنافرة جدًا:
فريق يرى أنهم كفار، وأن غلوهم تجاوز الحدود الإسلامية، كما في كتابات الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى، والشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله، وإبراهيم الجبهان وغيرهم.
وفريق يرى أن الاثني عشرية طائفة معتدلة، لم تجنح إلى الغلو الذي وقعت فيه الفرق الباطنية، مثل كتابات النشار، وسليمان دنيا، ومصطفى الشكعة وغيرهم.
وفريق ثالث التبس عليه الأمر حتى ذهب يستفتي شيوخ الشيعة الاثني عشرية فيما كتبه عنهم إحسان إلهي ظهير رحمه الله، ومحب الدين الخطيب، كما تجد ذلك فيما كتبه البهنساوي في السنة المفترى عليها. يعني رايح للخصم ينصبه قاضيًا ليحكم! فيقول له: اللي قاله إحسان إلهي ظهير عنكم صح ولا لا؟ يستفتيه!

ومن خلال هذه الاختلافات قد تضيع الحقيقة أو تخفى على الكثير، ولذلك فقد راعيت في هذه الرسالة، ولا سيما في باب الشيعة المعاصرين، الاستماع إلى أصوات الشيعة المدافعين عن مذهبهم، والناقدين لما كتبه بعض أهل السنة عن معتقدهم، ومناقشة ذلك. فهو يتعرض أيضًا أولًا لمصادر شيعية خالصة معتمدة، ثم إنه أيضًا يعرض اعتراضاتهم على أهل السنة ويجيب عنها.

ولقد كتب أسلافنا عن الاثني عشرية – وهي التي يسمونها الرافضة – ما يحمل صفة الرد على بعض مؤلفات الشيعة، ولا تدرس الطائفة بعقائدها وأفكارها بشكل شامل. يعني حتى شيخ الإسلام لما يرد على الشيعة مثلًا في مسائل الإمامة، فهو يركز على ما يرد على ابن المطهر الحلي، فيرد عليه. واضح. لكن هل هي دراسة شاملة للدين الشيعي بكل أبعاده؟ هذا هو الغالب في الدراسات السابقة.

كما أن الاثني عشرية لمهارتهم في التقية قد خفي أمرها، حتى نجد في شرح صحيح مسلم الإمام النووي نفسه القول بأن الإمامية لا تكفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما ترى أنهم أخطؤوا في تقديم أبي بكر. ده كلام الإمام النووي. لماذا؟ لأن التقية، ثم إن كتبهم كانت مخفية، ما كانت متوفرة في أيدي أهل السنة.

ومن سوء حظ الشيعة، ثورة الاتصالات التي حصلت في هذا العصر. لم يعد ينفع خلاص أن يخبوا. مهما حاولوا، التقية مش هتخدمهم زي ما كانت تخدمهم فيما مضى. لماذا؟ لأن الكتب موجودة على الإنترنت، والمطابع، والمعارض، وسهولة الاتصالات صارت عظيمة جدًا، ولذلك ما ينفعش أن هم ينكروا، لأن كتبهم موجودة، وبعثت، وموجودة في العراء.

ونرى شيخ الإسلام ابن تيمية – على اهتمامه بالمذهب الرافضي ونقده – يقول: حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى بيت الله. يعني ابن تيمية يحكيها باحتياط، وكأنها خبر صعب تصديقه، يقول: حدثني الثقات أن في الشيعة الإمامية من يرى أن الحج إلى المشاهد والمقابر أفضل وأعظم من الحج إلى بيت الله الحرام. بينما هذه القضية تجدها اليوم مقررة في أمهات كتبهم، في عشرات الروايات، والعديد من الأبواب، بصراحة، يتكلمون فيها بصراحة، لأن الكتب انكشفت.

وهي من خصائص دين الشيعة أنهم يعظمون المشاهد ويهجرون المساجد. أي مسلم يروح المدينة النبوية المباركة، يمكن تبقى واضحة جدًا بعد صلاة الفجر، ترى الناس طالعة من المسجد النبوي من صلاة الفجر، وهؤلاء جايين أفواجًا من ناحية البقيع. شغلهم كله عند القبور. فيجمعون بين الاثنين: تعظيم المشاهد وتخريب المساجد. دي حاجة من خصائصهم الواضحة لمن يعاشرهم.

يعني كما أن أهم كتاب عند الشيعة، وهو أصول الكافي، لا تجد له ذكرًا عند الأشعري، أو ابن حزم، أو ابن تيمية، مع أن هؤلاء أئمة كبار، لكن ما ذكر في كتاباتهم كتاب الكافي للكليني، مع أنه عند الرافضة أعظم من صحيح البخاري عند أهل السنة، كما سيأتي.

يقول: كما أن أهم كتاب عند الشيعة، وهو أصول الكافي، لا تجد له ذكرًا عند الأشعري أو ابن حزم أو ابن تيمية رحمهم الله، وهو اليوم الأصل الأول المعتمد عند الطائفة في حديثها عن الأئمة، الذي هو أساس مذهبها. وأيضًا فإن طبيعة هذا المذهب أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى إن الممقاني، وهو من أكبر شيوخهم في هذا العصر، يقول – وهذا من أكابر شيوخهم –: إن ما يعتبر غلوًا عند الشيعة الماضين أصبح اليوم من ضرورات المذهب.

هذه الطبيعة المتغيرة، يعني دين ديناميكي يتطور، تقتضي التعرف على الوجه الحقيقي للاثني عشرية في عصرنا. كما أن جل الردود التي تسود المصنفات التي كتبها الأئمة السابقون رحمهم الله عليهم أجمعين هي على شبهات يثيرها الشيعة من كتب السنة نفسها، فيرد عليها أهل السنة مبينين أن تلك النصوص التي يتمسك بها الشيعة إما موضوعة، وإما ضعيفة، أو أنها بعيدة عن استدلالهم الفاسد. ولكن الشيعة لا تؤمن بكتب أهل السنة كلها أصلًا، وهي تثير هذه الشبهات إلى اليوم لتحقيق أمرين:
الأول: إشغال أهل السنة بهذه الشبهات حتى لا يتفرغوا لنقد كتبهم ونصوصهم ورجال رواياتهم.
والثاني: إقناع الحائرين والمتشككين من أهل طائفتهم بدعوى أن ما هم عليه من شذوذ هو موضع اتفاق بين السنة والشيعة.

ولكن كتب الشيعة اليوم قد توفرت بشكل لم يعهد من قبل، فينبغي أن تكون من أهم ركائز الدراسة والنقد، لأن الحجة على كل طائفة إنما تقام بما تصدقه وتؤمن به.

فموضوع التقية هنا، الإنسان اللي صاحي مش هينخدع بالتقية، لأن هم أسهل شيء عندهم التقية.

يعني الحادثة الأخيرة بتاعة القرضاوي، هم طبعًا حسوا أنهم أخطأوا خطأ فادحًا بالهجوم الشخصي على الشيخ القرضاوي حفظه الله، فعملوا إيه؟ كان يوم... طبعًا حبوا يلموا الموضوع، لأنهم شعروا أنها كانت حماقة، استفزاز القرضاوي بهذه الصورة، ورد الفعل الذي حصل، وإيقاظ المسلمين لخطرهم، فعملوا إيه؟ بعثوا وفدًا رسميًا مستوى عالٍ جدًا من عدة شخصيات رسمية، وذهبوا للقرضاوي، وقبلوه، وتأسفوا له طبعًا، وقالوا إن الجريدة التي نشرت هذا الكلام جريدة مش رسمية، ومالناش دعوة بها، وهنعاقبها... إلى آخره. لماذا؟ لأنهم شعروا بالحماقة التي ارتكبوها حينما فجروا هذا الموضوع. والشيخ القرضاوي، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظه من لؤم الشيعة وكيدهم، لأن الواحد دلوقتي ما بيسلمش للقرضاوي بسهولة، بالذات في موضوع التقريب، يبقى دائمًا الواحد خايف أنه يلين تاني من جديد، ويرجع أن القرضاوي السياسي ينتصر على القرضاوي المتشرع.

نتابع على بصيرة وبحذر. إن رجع تاني وانخدع بكلام الشيعة، لن نتابعه وسنسحب الثقة، أما إذا استمر على هذا الخط في التكفير عن تسهيل الغزو الرافضي والتبشير الشيعي داخل بلاد المسلمين، فأهلًا وسهلًا ومرحبًا. واضح؟ فلازم ننتبه لهذا. إحنا لا نسلم قيادنا لأحد يعصب عينينا ويأخذ بأمتنا ويمشي بنا في نفق مظلم لأنه فلان. لا. عندنا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾. فنتمنى له الثبات على الحق، لكن نحذر أيضًا، لأنه بشر وليس معصومًا.

يقول: أما الكتابات المعاصرة من قبل أهل السنة عن الاثني عشرية فهي قليلة بالنسبة لما يكتبه الشيعة عن أهل السنة، وهي بالنسبة للاثني عشرية لا تكفي. فمذهب قائم على مئات الكتب التي تخدم المذهب وتدعو إليه وتمثل فكره ووجهته، ودراستها ونقدها يحتاج لجهد أكبر وعمل أوسع.

ولقد رأيت في هذه المؤلفات أنها أغفلت جوانب مهمة في دراسة الاثني عشرية، كعقيدة... ومعرفة آراء المعاصرين من الشيعة وتوجهاتهم، وصلتهم بالفرق القديمة وكتبهم السابقة، وهو ما يتحدث عنه الباب الرابع.

والموضوع حقيقة كان من السعة والتشعب بحيث يحتاج إلى دراسات جديدة ترتاد آفاقًا ما زالت مجهولة في المذهب الاثني عشري، وذلك نحوت في دراسة الموضوع منحًى علميًا تكشفت فيه معالم جديدة، لعل من أبرزها ما يلي:

أولًا: دراسة مذهب الاثني عشرية في أصول الدين، وهي منطقة في معظم مسائلها مجهولة، لأن الشيعة يتسترون عليها، والباحثين من أهل السنة لم يدرسوها. وقد شكل ذلك بابًا كاملًا في الرسالة، وهو الباب الثاني.

ثانيًا: أماطت هذه الدراسة اللثام عن عقائد لم يتركها أحد من قبل – حسب علمي – كعقيدة أن القرآن ليس حجة إلا بقيم، وأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم، وعقيدة الظهور، وعقيدة الطينة، ودعوى تنزل كتب إلهية على الأئمة، والباحثون يخلطون بينها وبين عقيدة التحريف عند الشيعة. كما كشفت عن متى بدأت فرية التحريف، أي تحريف القرآن المزعوم في المذهب الاثني عشري، وأول كتاب سجلت فيه هذه الفرية، واكتشاف وضع هذا الكتاب.

وكذلك تم اكتشاف صلة شيخ الإسلام ابن تيمية وكتابه منهاج السنة بأكبر تحول في تقديم النصوص عندهم وتقسيمها إلى صحيح وضعيف وموثق. يعني مجاهدة شيخ الإسلام ابن تيمية وتأليفه هذا الكتاب وتصديه للرافضة، هو الذي لفتهم إلى محاولة تحري الأحاديث وتقسيمها إلى صحيح وضعيف وموثق. فده كان رد فعل من طريقة ابن تيمية في النقاش. فقبل ذلك ما كانوا يعرفون أصلًا تحقيق الأحاديث أبدًا.

ربنا يلطف... هي الخبر؟ الكلام بيقول: ولايتي يعانق القرضاوي في مؤتمر القدس ويبلغه شكر وتحايا خامنئي... أبو المجد يطالب بإغلاق ملف الخلاف، ووفد من قيادات المذهب يقابل القرضاوي...

ثم يقول: وحققت القول بوجود المهدي الذي يقوم عليه مذهب الاثني عشرية اليوم، وعرض شهادات مهمة صادرة من أسرة الحسن العسكري، وأهل البيت، والحسن العسكري نفسه، مأخوذة من كتب الشيعة ذاتها، تثبت أن مافيش أصلًا شخص اسمه محمد بن الحسن العسكري، وغير ذلك مما قد يرده الباحث في هذه الرسالة.

وإنني أذكر هذه المسائل حتى تتضح للقارئ مواضع الإضافة التي يمكن أن يفيد منها، ذلك أنني حاولت أن أكتفي في المسائل المبحوثة بالإشارة، أو الإتيان بنصوص جديدة، كما في مسألة تكفيرهم للشيخين، والتي نجد النصوص التي تكشف تورط الشيعة فيها من خلال ما كتبه الشيخ موسى جار الله، وإحسان إلهي ظهير، وغيرهما، فحاولت أن أقدم نصوصًا شيعية تعبر عن الشيخين برموز خاصة، ثم أوردت تفسيرها من كتب الاثني عشرية نفسها.

أما عن المنهج الذي حكم أسلوب معالجتي للموضوع، والجديد الذي يحتمل إضافته، فإن أبواب هذا البحث خير من يتحدث عنه، وإن كان لا بد من إشارات في هذا التقديم فأقول: قد عمدت في بداية رحلتي مع الشيعة وكتبها إلى ألا أنظر في المصادر الناقلة عنهم – ودي أهمية البحث، بحث علمي، ما ينفعش ينقل عن مصدر وسيط، لكن لازم يرجع إلى الأصول والمصادر المقدسة عندهم – يقول: عمدت ألا أنظر في المصادر الناقلة عنهم، وأن أتعامل مباشرة مع الكتاب الشيعي، حتى لا يتوجه البحث وجهة أخرى، وحاولت جهد الطاقة أن أكون موضوعيًا ضمن الإطار الذي يتطلبه موضوع له صلة وثيقة بالعقيدة كموضوع هذا.

والموضوعية الصادقة أن تنقل من كتبهم بأمانة، وأن تختار المصادر المعتمدة عندهم، وأن تعدل في الحكم، وأن تحرص على الروايات الموثقة عندهم أو المستفيض في مصادرهم ما أمكن. أما إنكار ما أقف عليه من منكر وبيان فساده، فهذا ليس خروجًا عن الموضوعية، بل هو جزء من واجب كل مسلم. فمن يتعرض لكتاب الله سبحانه وتعالى، ويدعي فيه نقصًا أو تحريفًا، أو يقول بأن عليًا هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وأمثال هذه الكفريات الظاهرة، لا تملك إلا أن تصف بما يستحقه، وأن تظهر فداحة جرمه وشناعة قوله. يكفي لمعرفة حقيقتها مجرد عرضها.

ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تصور المذهب الباطل يكفي في بيان فساده، ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة المشتركة.

ولذلك فإنني أحيانًا أكتفي بمجرد تصوير حقيقة القول، والإشارة إلى بطلانه، ولا سيما في المسائل الجزئية. كما أنني في مسائل المذهب الكبار، كمسألة النص أو الصحابة، أزيد على ذلك بنقل المقالة من خلال الكتاب والسنة، وأقوال أئمتهم، والأمور المعلومة والمتفق عليها.

وأسلك بوجه عام في مناقشتهم منهج النقد الداخلي للنصوص، وذلك عن طريق مقارنة هذه النصوص بعضها ببعض، وبيان ما بينها من تناقض ومفارقات ما أمكن ذلك. كما أنني أحيانًا أناقش على وفق منطقهم، وبمقتضى مقرراتهم وقواعدهم، وعلى ضوء رواياتهم، ولا يعني هذا الموافقة على تلك الأصول، هذا نوع من التنزل مع الخصم، ولا يعني هذا الموافقة على تلك الأصول وقبول تلك الروايات، وإنما هو منهج في النقد لكشف حقيقة المذهب، وخروجه عن أصوله، وعمله ببعض رواياته وترك الآخر.

ثم إنني في عرضي لعقائدهم التزم النقل من مصادرهم المعتمدة، لكن لا أغفل في الغالب ما قالته المصادر الأخرى، ووضع الأمرين أمام القارئ مفيد جدًا للموازنة والمقارنة، ومعرفة مدى اطلاع الأوائل على معتقد الشيعة، ومقدار التغير في المذهب الشيعي عبر القرون.

كما قمت بتخريج ما يرد في البحث من الأحاديث والآثار، والتعريف بالفرق والملل، وبيان المصطلحات، وكذلك الترجمة للأعلام الذين لهم دور في تأسيس بعض عقائد الشيعة، أو ما تدعو حاجة البحث إلى معرفته. أما الترجمة لكل عالم يرد، فهذا يشغل القارئ عن الموضوع الأساسي، وهو موضوع مكانة كتب التاريخ والتراجم، ولذلك فإني التزمت التعريف بكل فرقة ترد، لأن هذا هو الأقرب للتخصص والموضوع.

ولقد اكتنفت دراستي عدة صعوبات:

أولها: أن كتب رواية عند الشيعة لا تحظى بفهرس، وليس لها تنظيم معين كما هو الحال في كتب أهل السنة، ولذلك فإن الأمر اقتضى مني قراءة طويلة في كتب حديثهم، حتى تصفحت البحار بكامل مجلداته، وأحيانًا أقرأ الباب رواية رواية، وقرأت أصول الكافي، وتصفحت وسائل الشيعة، وكانت الروايات التي أحتاج إليها تبلغ المئات في كل مسألة في الغالب، فلا تستطيع أن تكتب عن هذه المسألة حتى تستكمل قراءة هذه الأخبار، وأرجع كثيرًا إلى شروح الكافي كشرح جامع المازندراني لفهم وجهة نظر شيوخهم في الروايات.

ثانيًا: رحلت في البحث عن الكتاب الشيعي إلى مصر، والعراق، والبحرين، والكويت، والباكستان. ودي من أهمية الكتاب، إن إحنا صعب – ولله الحمد – إن إحنا عندناش شيعة محترمين! فالمراجع غير متوفرة، فغالبًا إحنا بننقل عن الكتب التي ألفها أهل السنة عن الشيعة. فميزة البحث هنا أنه يتعامل مع مصادرهم بطريقة مباشرة، مش كل واحد يقدر يسافر ويلف مكتبات العالم.

يقول: رحلت في البحث عن الكتاب الشيعي إلى مصر، والعراق، والبحرين، والكويت، والباكستان، وحصلت من خلال ذلك على مصادر مهمة أفدت منها في أبواب هذا البحث وفصوله.

ثالثًا: طول المسافة الزمنية التي شملها البحث، والتي امتدت منذ نشأة الشيعة حتى اليوم، فأمامك الشيعية في مختلف العصور، وأمضيت وقتًا طويلًا في تتبعها، وملاحقة التطور العقدي للشيعة في امتدادها.

ثم يقول عن مصادر الرسالة: اعتمدت في الدراسة عنهم على مصادرهم المعتبرة من كتب التفسير، والحديث، والرجال، والعقائد، والفرق، والفقه، والأصول.

ففي كتب التفسير رجعت إلى تفسير علي بن إبراهيم القمي، والذي قالوا عنه بأنه أصل أصول التفاسير عندهم، ووثق روايته شيخ مشايخهم في هذا العصر الذي يلقبونه بالإمام الأكبر، وهو أبو القاسم الخوئي. يقول: ولذا نحن نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم القمي الذي روى عنهم في تفسيره، مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين. والقمي عندهم ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، كان في عصر الإمام العسكري وعاش إلى سنة سبعمائة. وكذلك تفسير العياشي، وأورد أيضًا مدحًا كبيرًا في كتاب تفسير العياشي على ألسنة شيوخهم، وتفسير فرات بن إبراهيم الكوفي، وأيضًا أضاف من تفسير الصافي للكاشاني، والبرهان في تفسير القرآن للبحراني، ومرآة الأنوار ومشكاة الأسرار... والشيعة يمدحون طبعًا هؤلاء القوم، وأصحاب الكتب السابقة كلهم – اللي هم معتمدون – والشيعة يمدحونهم جدًا ويعتبرونهم حجة في التفسير.

يقول هنا: وأصحاب الكتب السابقة كلهم قالوا بتحريف القرآن، ولا شك أن من اعتقد ذلك فهو ليس من أهل القبلة، ولكني أنقل توثيقات شيوخهم.

أما كتب حديثهم، وهي روايتهم عن الأئمة، فقد رجعت لمصادرهم المعتمدة عندهم، وهي الكتب الأربعة: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه. قال شيخهم المعاصر محمد صادق الصدر: إن الشيعة مجمعة على اعتبار الكتب الأربعة، وقائلة بصحة كل ما فيها من روايات. وهذا مهم جدًا، علشان لما يحاولوا يخدعونا، نقول لهم: لا، أنتم عندكم الكذب دينًا وعبادةً وتقِيَّة، لكن حدثونا عن كتبكم. ما حكم من يقول بتحريف القرآن؟ لا بد أن يقولوا: كافر. وما حكم هذه الكتب؟ لا بد أن يقولوا: يجب أن تحرق. لكنهم لا يفعلون ذلك أبدًا.

ثم الكتب الأربعة المتأخرة: الوافي، وبحار الأنوار، والوسائل، ومستدرك الوسائل. إذًا مصادرهم الرئيسية ثمانية.

يقول عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: أما صحاح الإمامية فهي ثمانية: أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل، وثلاث بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لمحمد حسين النوري. وطبعًا سيتكلم فيما بعد عن المصادر، يعني حينما يناقش عقيدة الرافضة في السنة. وأكثر ما رجعت إليه من هذه المصادر الثمانية كتابان هما: أصول الكافي وبحار الأنوار، لأنهما أكثر اهتمامًا بمسائل الاعتقاد، ولأن الشيعة تعلق عليهما أهمية بالغة.

ممكن يعملوا – لو هم صادقين – زي فكرة الشيخ الألباني، بغض النظر عن التحفظ عليها، زي ما عمل في سنن أبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي: صحيح الترمذي وضعيف الترمذي، وصحيح الكتب دي. لو أنتم صادقون، افصلوا الصحيح عن غير الموثق.

يعني يقول الصدر عن الكافي: ويعتبر الكافي عند الشيعة أوثق الكتب الأربعة، تبلغ أخباره 16199 خبرًا، ولو لم يقم صاحب الكافي بجمع الروايات عن الأئمة في كتابه لما بقي منها إلا النزر اليسير. وقال: يُحكى أن الكافي عرض على المهدي – وهندخل في الخرافات شويه – لأنه بيقول إن الكافي هو... والناس كثيرًا ما تقول إن الكافي عند الشيعة كالبخاري عند أهل السنة في المنزلة، وهذا فيه تسامح، كما سيبين المصنف هنا، يقول: لا، هو أقدس عندهم من البخاري عندنا. لماذا؟ بيقول لك: لأن الكافي بعد ما عمل الكتاب راح عرضه على مين؟ على المهدي في السرداب، فقال له: كافٍ لشيعتنا. كافٍ لشيعتنا. عشان كده سماه الكافي. اه، هذا ما يقوله الصدر، وينسبه للشيعة عمومًا.

ولهذا قال الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى: إن الكافي عند الشيعة هو كصحيح البخاري عند المسلمين. يقول الدكتور القفاري: وقد يكون في كلام الخطيب هذا بعض التسامح، لأن غلوهم في الكافي أكثر. ألا ترى أنهم يقولون إن الكافي أُلّف إبان الصلة المباشرة بمهديهم، في المرحلة التي كان فيها ما يسمونه الأبواب، كان في وسائط يروحون يقابلوا المهدي، ويأخذوا منه الرقاع والفتاوى والحاجات دي، ويستشيرونه في المسائل. واضح؟

فهذا أعطى الكافي هذه القدسية وهذا الغلو، لأنه يقولون إنه أُلّف في إبان الصلة المباشرة بمهديهم، وإنه عرض على المعصوم عندهم، فهو كما لو قال بعض أهل السنة: إن صحيح البخاري تم عرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الإمام عندهم كالنبي. الإمام البخاري ما يقول هذا، ولا يدعي أحد أنه عرض أحاديث البخاري على الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول أقرها، وإنما في قواعد نقد الحديث المعروفة.

ولذلك قالوا: كانت منابع اطلّاعات الكليني قطعية الاعتبار، لأن باب العلم واستعلام حال تلك الكتب – يعني التي جمع منها الكافي بواسطة سفراء القائم، يعني المهدي المنتظر، وسفراؤه هم أبوابه الأربعة، فباب العلم واستعلام حال الكتب، والحكم عليها، وفحصها، تم عن طريق السفراء، لأن الكافي وبين المهدي سفراء، وكانوا في بلد واحد، بغداد. فإذًا هو يتكلم على إمكان اللقاء هنا، وإمكانية أن الحاجات دي تعرض على المهدي عن طريق الأبواب الأربعة، لكنه واضح أنه يعتمد على مجرد مبدأ المعاصرة.

ومنهم طبعًا – كما أسلفنا – من يقول: إن الكافي عرض على المهدي، فقال: كافٍ لشيعتنا.

أما البحار فقالوا بأنه المرجع الوحيد لتحقيق معارف المذهب، وعظموا من أمره كما سيأتي إن شاء الله.

يقول: ورجعت إلى كتب شيوخهم المعتمدين عندهم، والتي يعدونها في الاعتبار والاعتماد كالكتب الأربعة، منها كتاب سليم بن قيس، وهو أول كتاب ظهر للشيعة، وهو من أصولهم المعتبرة، كما سيتكلم فيما بعد بالتفصيل، وكتب شيخهم أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، ثم كتب شيخ الطائفة الطوسي.

يقول: رجعت إلى كتب العقيدة المعتمدة عندهم، مثل اعتقادات ابن بابويه، وأوائل المقالات للمفيد، ونهج المسترشدين لابن المطهر الحلي، والاعتقادات للمجلسي صاحب البحار، وعقائد الإمامية للمظفر من المعاصرين، وعقائد الإمامية الاثني عشرية للزنجاني، وهو أيضًا معاصر.

وفي عقائدهم التي تفردوا بها، رجعت – بالإضافة إلى ما مضى – إلى ما كتب عن هذه العقائد مستقلة. ففي الغيبة رجعت إلى كتاب الغيبة لشيخهم محمد بن إبراهيم النعماني، وقال المجلسي فيه: وكتاب النعماني من أجل الكتب. كذلك في اعتقادهم الرجعة، رجعت أيضًا إلى ما كتبه الحر العاملي الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة. وكذلك رجعت إلى ما كتبه بعض شيوخهم في المقالات والفرق.

وفي كتب الرجال رجعت إلى مصادرهم المعتمدة في ذلك، لا سيما كتبهم الأربعة. والخلاصة أنني لم أعمد إلا إلى كتبهم المعتمدة عندهم في النقل والاقتباس لتصوير المذهب، ولم أذكر من عقائدهم في هذه الرسالة إلا ما استفاضت أخبارهم به، وأقره شيوخهم، وقد تكون الروايات من الكثرة فأشير إلى الأبواب في المسائل التي أتحدث عنها، وأذكر ما أجد لهم من تصحيحات وحكم على الروايات بمقتضى مقاييسهم، كل ذلك حتى لا يقال بأننا نتجه إلى بعض رواياتهم الشاذة، وأخبارهم الضعيفة التي لا تعبر عن حقيقة المذهب، فنأخذ بها.

واهتممت بالنقل الحرفي – بين قوسين: الحرفي – واهتممت بالنقل الحرفي في الغالب، رعاية للموضوع، وضرورة الدقة في النقل والعزو، وهذا ما يفرضه المنهج العلمي في نقل كلام الخصوم.

ثم يعرض عرضًا سريعًا لخطة البحث، فيقول: يتكون هذا البحث من تمهيد وخمسة أبواب. في التمهيد: التعريف بالشيعة، ونشأتها، وجذورها التاريخية، وفرقها، وألقاب الاثني عشرية وفِرقها.

أما الباب الأول فموضوع اعتقادهم في مصادر الإسلام، وينتظم ثلاثة فصول: اعتقادهم في القرآن، اعتقادهم في السنة، اعتقادهم في الإجماع.

وفي الباب الثاني درست اعتقادهم في أصول الدين في فصول أربعة:
الأول: اعتقادهم في توحيد الألوهية.
الثاني: اعتقادهم في توحيد الربوبية.
الثالث: اعتقادهم في توحيد الأسماء والصفات.
الرابع: اعتقادهم في الإيمان وأركانه.

أما الباب الثالث فهو يتعلق بعقائدهم وأصولهم التي تفردوا بها، وهي الإمامية، وفيها عرضت لعقيدتهم في:
الصحابة، وأهل البيت، وحكام المسلمين، وقضاتهم، وعلمائهم، والأمصار الإسلامية، وشعوبها، والفرق الإسلامية، والأمة.
ثانيًا: العصمة.
ثالثًا: التقية.
رابعًا: المهدية والغيبة.
خامسًا: الظهور.
سادسًا: البداء.
ثامنًا: الطينة.

أما الباب الرابع فهو يتصل بالشيعة المعاصرين وصلتهم بأسلافهم:
الفصل الأول: صلتهم بمصادرهم القديمة.
الفصل الثاني: صلتهم بفرقهم القديمة.
الفصل الثالث: الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين.
الرابع: دولة الآيات.

أما الباب الخامس فهو يتعلق بالحكم عليهم وأثرهم في العالم الإسلامي، ويتكون من فصلين:
الأول: الحكم عليهم.
ثانيًا: أثرهم في العالم الإسلامي.
ومن ثم الخاتمة، وفيها عرض لأهم النتائج التي توصل إليها البحث.

وفي ختام هذه المقدمة أدعو الله العلي القدير أن يغفر لشيخي وأستاذي الدكتور محمد رشاد سالم، وأن ينزل عليه الرحمة والرضوان، ويتغمده بواسع عفوه وغفرانه، ويسكنه فسيح جناته، آمين. فقد تابع الرسالة منذ مراحلها الأولى إلى أن وصلت إلى مشارف النهاية، وأذن لي ببدء طبعها، ثم رحل عن هذه الدنيا رحمه الله رحمة واسعة.

وقد أفدت من توجيهه وعلمه، وغمرني بفضله وخلقه، وقد قضى رحمه الله حياته في العلم والجهاد، وابتلي بالسجن مرتين، وترك آثارًا عظيمة النفع، وكان رحمه الله يؤمل أن يقيم مع تلامذته في القسم ما يسميه مكتبة أهل السنة، وتتولى التعاون في إخراج كتب التراث في العقيدة، والتأليف في اعتقاد أهل السنة، والرد على الفرق الخارجة عن الجماعة، وأسأل الله سبحانه أن يجزيه على نيته وعمله خير الجزاء، وأن يحقق آماله في تلامذته ليواصلوا الطريق بعده.

هو هنا جايب ترجمة مختصرة للدكتور رشاد سالم رحمه الله، يقول: هو العالم الفاضل الأستاذ الدكتور محمد رشاد بن محمد رفيق سالم، ولد في القاهرة عام 1947، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1979 في موضوع موافقة العقل للشرع عند ابن تيمية. وقد اهتم بنشر تراث شيخ الإسلام ابن تيمية، ودراسة آرائه، وتبنى إخراج مكتبته العظيمة، وقد حقق منها كتاب درء تعارض العقل والنقل في أحد عشر مجلدًا، وكتاب منهاج السنة النبوية في ثمان مجلدات، وكتاب الصفدية في مجلدين، والاستقامة في مجلدين، وغيرها. وتوفي رحمه الله وهو يعمل في تحقيق كتاب نقض التأسيس في القاهرة في شهر ربيع الآخر عام 1414، رحمه الله تعالى.

هو الحقيقة ده آخر درس بيعطينا إياه المصنف في هذه الليلة، وهو درس الوفاء، يعني خلق الوفاء لشيخه، اتباعًا لقول الله تعالى:
﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾.

فمن الوفاء أن يذكر الشيخ بالخير، كما قال بعض السلف: يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكروننا ولا تترحموا علينا، فأقل شيء الترحم. أما في هذا الزمان فما نقول: الترحم ولا الدعاء ولا الدروشة بتقبيل الأيادي والرؤوس والانحناء، هذه دروشة، لكن يكفي حتى كف الأذى.

الشعر بيقول:
خلنا في زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شره فهو في جود حاتم

الشخص الكريم زي حاتم الطائي، ومن يكف شره يكرمنا بأن يكف لسانه.
خلنا في زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شره فهو في جود حاتم

ويقول الآخر:
إن لفي زمنٍ ترك القبيح به
من أكثر الناس إحسانًا وإجمالا

ده الكرم، إنه يكف أذاه عنك، وهذا نوع من التصدق طبعًا، أن تكف أذاك عن الناس. ومن لا حظ له في إسداء الخير أو النطق بخير، فليكف شره، هذه تكون صدقة منه على الناس.

لن أفيض من هذا، إن كنتم مستغربين من اللفتة دي، لكن الذي حملني عليها كتاب قرأته لأحد الإخوة من إحدى المحافظات، يوزع مجانًا، كتاب كبير ومجلد، ينتقد فيه بعض الدعاة السلفيين. بغض النظر، هو محق أو غير محق، دي قضية أخرى، أنا لا أناقش الاختلافات، الاختلاف شيء عادي، لكن النبرة اللي ماشية بين هؤلاء الناس اللي بيتكلموا عن سلفية الإسكندرية... أنا إسكندراني، وفي الدعوة السلفية من حوالي 35 سنة، عمري ما سمعت عن حاجة اسمها سلفية إسكندرية، ولا أعترف بأن في حاجة اسمها سلفية إسكندرية. ده يبقى ضلال مبين أن تبقى فيه سلفيات! سلفية إسكندرية كمان؟ السلفية بقى لها انتماء للبلاد؟ مافيش حاجة اسمها كده. ده من التنابز بالألقاب، وهذا من أفعال الجاهلية. فما فيش سلفية إسكندرية، ولا سلفية طنطا، ولا سلفية أسيوط. ما هذه النبرة؟ وما هذا العدوان والتطاول؟

ليس هذا فقط، ده الأخ بيتكلم على أن سلفية الإسكندرية خوارج، وفرقة من الفرق النارية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. لو واحد حدثني بهذا الكلام ما صدقته، إن فيه أحد يطاوعه قلبه أن يقول هذا في إخوانه، وهو يدعي السلفية. لكني قرأته بنفسي، كتاب عندي قرأته فيه.

فالعجيب، يعني، أن هذا تنابز مقيت، وهذه جاهلية بغيضة. فدعوها فإنها منتنة.

أما موضوع المناقشة والاختلاف في قضايا، ما في مشكلة أن يحصل اختلاف، ويحصل نقاش علمي، على أن يكون المنهج حاكمًا على الجميع. فمحاولة خنق المذهب السلفي أو المنهج السلفي بوصمه بأنه قطري، أو حزبي، أو عنصري، أو تابع لبلد معين، ثم تُغذى النعرات بين البلاد، وندخل في هذه الجاهلية، فهذه أول مخالفة مفضوحة للمنهج السلفي الذي يرفض هذه العصبية والجاهلية المقيتة البغيضة.

فالمنهج حاكم على الجميع، لا أحد عنده العصمة، لكن أصول هذا المنهج أصول معصومة، محددة، ومضبوطة. فما الداعي إلى مثل هذا التطاول؟

فنحن نقول: لا نريد – أو لا يريد الإخوة الأفاضل في الدعوة، المشايخ – جزاءً ولا شكورًا، ولا عايزين تقبيل أيادي، ولا تقبيل رؤوس، ولا انحناءات كالدروشة والصوفية. كفوا الأذى فقط. ولا تعترفوا حتى بأي جهد بذل في هذه الدعوة، لكن يكفي كف الأذى.
خلنا في زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شره فهو في جود حاتم

فنرجو الأخ ده يكون من هذا النوع من الحاتمية، أنه يكف الأذى بس. أما إنه يتكلم على أن الإخوة في الإسكندرية فرقة نارية، صراحة ده عدوان، وفيه إجحاف شديد، وفيه جحود، وفيه ما لا يليق بمثل هذا السلوك من أوصاف، ولن نفيض في مثل هذا.

وكان الذي دفعني أيضًا إلى هذا الاستطراد الأدب هنا مع شيخه، أنه في نهاية البحث يكون هناك نوع من عدم الجحود، والاعتراف بالفضل، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول:
«
من لم يشكر الناس لم يشكر الله»،
يعني لا بد أن من أسدى إليك جميلًا، أو أحسن إليك إحسانًا، أن تقابله على الأقل حتى بكف الأذى.

أما مثل هذا، فطبعًا شيء بغيض، وأنا ما أحب أن أخوض في مثل هذه الأشياء، أتعب منها جدًا، لكن أنا مستغرب: كل شوية سلفية إسكندرية، سلفية إسكندرية... إيه سلفية إسكندرية؟

نعم، الله المستعان.

نكمل الجزء اليسير من المقدمة حتى نتم هذا المدخل. يقول:
وأتوجه بالشكر والتقدير والعرفان بالجميل إلى الشيخ الأستاذ الدكتور سالم بن عبد الله الدخيل، الذي وافق على استكمال الإشراف على الرسالة... إلى آخره، ويشكر بقى القسم، قسم العقيدة، ونحو ذلك.

ثم يقول: وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يجزي بالخير كل من قدم لي مساعدة في هذه الرسالة.

ونحن أيضًا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجزي الدكتور الفاضل ناصر بن عبد الله بن علي القفاري خيرًا عن ذبه عن عقيدة أهل السنة، وجهده الصادق في هاتين الأطروحتين الرائعتين: مسألة التقريب عند أهل السنة، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية عرض ونقد.

نستكمل إن شاء الله تعالى يوم السبت القادم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حريٌّ بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • الثلاثاء PM 02:48
    2026-04-21
  • 33
Powered by: GateGold