المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1897092
يتصفح الموقع حاليا : 311

البحث

البحث

عرض المادة

الأخلاق الإسلامية في أحوال النزاعات السياسية

د / احمد نصير

الأخلاق الإسلامية في أحوال النزاعات السياسية

 

 قال تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)

 

عالجت هذه الآية فرضا معينا ومحددا ينبغي تمييزه عن غيره حتى لا تختلط سبل العلاج بعضها ببعض إزاء فرضيات مختلفة كل الاختلاف مما يُلبِّس على كثير من الناس فيضعوا العلاج غير المناسب للمرض العضال أو يضعوا العلاج الأشد قوة للمريض مرضا بسيطا فيشتد مرضه ويصير أكثر إعياءً .

 

قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..) (9) بادئ ذي بدء يجب التمييز بين اقتتال طائفتين من المؤمنين واختلاف هاتين الطائفتين في رأي معين دون أن يحتدم الاختلاف بينهما إلى حد الاقتتال ، فعن أنس رضي الله عنه قال قيل للنبي r لو أتيت عبد الله بن أبي – المنافق - فانطلق إليه النبي r وركب حمارا فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة فلما أتاه النبي r قال إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم والله لحمار رسول الله r أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) [1] ، فهذه القصة ورد فيها التشاجر بالضرب وليس فيها اقتتال .

 

وهكذا يشعل المنافقون نار الفتنة بين المسلمين ليوقعوا بينهم فيحصل الاقتتال ، لولا أن النبي r أطفأها ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله r فقال (ما بال دعوى جاهلية) ، قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال (دعوها فإنها منتنة) فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغ النبي r فقام عمر فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي r (دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) ، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد) [2] .

 

 ولا تزال الفتنة تتهدد المسلمين في كل زمان ومكان لولا العقلاء من المؤمنين والمصلحين ، وقد أثيرت في عهد النبي r أكثر من مرة ، لكن ماذا لو وصل الأمر إلى الاقتتال فعلا ، فكيف يكون العلاج ؟ إذ لا شك أن مفترضات العلاج في الحالتين غير الأخرى ، كما يجب التمييز –ثانيا- بين الاقتتال بين طائفة من المؤمنين وطائفة من الخارجين على المؤمنين ، تفصيل ذلك على الوجه التالي :-

 

أولا : فرضية وقوع الاقتتال بين طائفتين مؤمنتين دون قصد منهما

المثال "(وقعة الجمل) :

 

هل يتصور أن يقع قتال بين طائفتين من المؤمنين ويُثبت القرآن الإيمان لكلا الفرقتين ؟ حصل ذلك فعلا في موقعة الجمل التي كانت بين جيش علي رضي الله عنه وجيش عائشة رضي الله عنها ، فكيف يكونان مؤمنين وقد نشب قتال بينهما ؟ وقد سقط بينهما 10000 عشر آلاف قتيل ، الآيات لم تبين لنا سبب وقوع القتال بين الطائفتين ، ما يعني أن الطائفتين قد يقعان في الاقتتال مع بعضهما البعض دون تعمد لوقوعه ، ورغم أن كلاهما على حق ، كما قال النبي r (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان دعواهما واحدة) [3] ، فإنما يحدث ذلك بناء على فتنة قد تقع فلا يعي كلاهما أين وجه الصواب والحق أو قد يقع الاقتتال من أناس وحين يقع يتدخل أنصار كل فريق فيجد كل منهم نفسه في مأزق لا يمكن الخروج منه إلا بالقتال للدفاع عن النفس ، وهذا هو الذي حدث إثر الأزمة التي وقعت بين المسلمين في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبينه وبين السيدة عائشة رضي الله عنها ، وبينه وبين ومعاوية رضي الله عنهما

 

 ففي وقعة الجمل خرجت السيدة عائشة ولم تكن تريد قتال ، وإنما خرجت للتأكيد على مطلب القصاص من قتلة عثمان ، بل خشيت أن تقع فتنة بسببها فحاولت أكثر من مرة الرجوع في الطريق لكن الزبير قال لها (ترجعين عسى الله أن يصلح بك بين الناس ) [4] وتذكرت كلام رسول الله r  حين نبحت عليها الكلاب الحوأب ، فتذكرت قوله r (كيف بأحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب) [5] ، فلما همت بالرجوع ثبتها الزبير لعلة الإصلاح بين الناس ، وتولى الزبير قيادة جيش عائشة رضي الله عنهما ، فلما بلغ ذلك عليا قال (لو كان بن صفية يعلم أنه على حق ما ولى) ، وقال (وذلك أن رسول الله r لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال أتحبه يا زبير فقال وما يمنعني؟ فقال النبي r فكيف أنت إذا قاتلته وأنت ظالم له) [6] ، أو قال (لتقاتلنه وأنت ظالم له) [7] ، فلما تذكر ذلك انصرف[8]، فقتل بوادي السباع بالبصرة وجاء قاتله بشر عليا فبشره بالنار[9].

 

قال ابن كثير (ودنت الصفوف بعضها من بعض ، وخرج "عليٌّ بن أبي طالب" وهو على بغلة رسول الله r فنادى ادعوا لي الزبير بن العوام ، فأتى علي فدُعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما ، فقال "عليٌّ بن أبي طالب" يا زبير ناشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله r مكان كذا وكذا فقال يا زبير تحب عليًا ، فقلت ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني ، فقال يا علي أتحبه فقلت يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني ، فقال يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له ، فقال الزبير بلى والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله r ثم ذكرته الآن والله لا أقاتلك فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف ، فعرض له ابنه عبد الله ابن الزبير ، فقال مالك فقال ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله r سمعته وهو يقول لتقاتلنه وأنت ظالم له فلا أقاتلنه فقال وللقتال جئت إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر ، قال قد حلفت أن لا أقاتله قال فاعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس فأعتق غلامه ووقف فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه)[10] ...

 

وقال (بعث علي بن أبي طالب إلى طلحة والزبير يقول إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر ، فأرسلا إليه في جواب رسالته إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس ، فأطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين ، وبات الناس بخير ليلة ، وبات قتلة عثمان بشر ليلة وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس ، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم ، فهجموا عليهم بالسيوف فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم وقام الناس من منامهم إلى السلاح ، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلا وبيتونا وغدروا بنا وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي ، فبلغ الأمر عليا فقال ما للناس فقالوا بيتنا أهل البصرة فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدرا مقدورا

 

 وقامت الحرب على ساق وقدم وتبارز الفرسان وجالت الشجعان فنشبت الحرب وتوافق الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفا وألتف على عائشة ومن معها نحوا من ثلاثين ألفا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والسابئة أصحاب – عبدالله بن سبأ اليهودي الذي ادعى الاسلام - ابن السوداء قبحه الله لا يفترون عن القتل ، ومنادى علي ينادي ألا كفوا إلا كفوا فلا يسمع أحد ، وجاء كعب بن سوار قاضي البصرة فقال يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله أن يصلح بك بين الناس فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركاتهم فتصاولوا وتجاولوا)[11] .

 

وهكذا وقعت معركة الجمل دون أن يأمر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالبدء بالقتال ولا حتى الرد على العدوان ، كما قامت المعركة ولم يأمر الزبير ولا طلحة ولا عائشة رضي الله عنهم البدء في العدوان ولا الرد ، وإنما الذي أشعل نار الحرب بين الفريقين هم الذين لم يرتضوا الصلح ، وهم مجموعة من قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومن معهم من السبئيين الخوارج اتباع اليهودي عبد الله بن سبأ الذي ادعى الإسلام ، حيث باتوا بشر ليلة لما علموا بالصلح وعزموا على أن يثيروا نار الحرب والفتنة

 

وهكذا وقع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إشكالية أن ضم في جيشه هؤلاء الخارجين على عثمان بن عفان دون أن يتمكن من تمحيصه ، ولكن الذي أوقعه في تلك الظروف ، أنهم تحزبوا عليه وبايعوه على أن يصلح بين المسلمين ويعزل الولاة الذين ولاهم عثمان بن عفان رضي الله عنه لقرابتهم منه ، وقد سايرهم "عليٌّ بن أبي طالب" رضي الله عنهم - سياسة منه - حتى يتمكن منهم فيما بعد لكن الأحداث كانت أسبق منه ، وقدر الله نافذ ، ولذلك قال النبي r (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان دعواهما واحدة) [12] ، وقد فسر أبو هريرة هذا الحديث بأن هاتين الفئتان هما في موقعة الجمل بين علي ووالزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين ، وفي موقعة الصفين بين "عليٌّ بن أبي طالب" ومعاوية رضي الله عنهما ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ليس على هذه الأمة عذاب إنما عذابها بأيديهم فقيل وكيف يكون عذابها بأيديهم فقال أليس صفين كان عذابا أليس النهروان كان عذابا أليس الجمل كان عذابا) [13] .

 

ولما وقع كثير من القتلى من المسلمين من فريقي علي وعائشة رضي الله عنهما ، وقد ندمت السيدة عائشة رضي الله عنها أنها خرجت لتصلح بين الناس فوقع بينهما ما وقع من الفتنة والقتل ، وقد تذَّكر بن أبي بكرة حديثا عن رسول الله r الذي قال فيه (ما أفلح قوم ولو قومهم امرأة) ، قال أبو بكرة : لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله  r أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال لما بلغ رسول الله r أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) [14] .

 

ورغم أنها أم المؤمنين رضي الله عنها إلا أنها وقعت في إشكالية الخروج لمباشرة عمل سياسي وقيادة القوم ، فافتتن الناس بخروجها لأنها أم المؤمنين ، فخرجوا معها ضد علي بن أبي طالب ، ولهذا لما حدث القتال بين المسلمين بكت عائشة رضي الله عنها أنها خرجت وقالت : (والله قال في كتابه (وقرن في بيوتكن) ، قال القرطبي : ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة - رضي الله عنها - كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها).

 قال ابن حجر في الفتح (ومحصل القصة أن عثمان لما قُتل وبويع "عليٌّ بن أبي طالب" بالخلافة خرج طلحة والزبير إلى مكة فوجدا عائشة وكانت قد حجت فاجتمع رأيهم على التوجه إلى البصرة يستنفرون الناس للطلب بدم عثمان، فبلغ ذلك عليا فخرج إليهم فكانت وقعة الجمل ونسبت إلى الجمل الذي كانت عائشة قد ركبته وهي في هودجها تدعو الناس إلى الإصلاح)[15] .

 

فالشاهد من سرد هذه الأحداث أن القتال وقع بين المسلمين دون أن يقصدوا لذلك سبيلا ، وإنما وقع الهرج والمرج بسبب الخوارج الذي كانوا يتخفون في جيش "عليٌّ بن أبي طالب" رضي الله عنه ، ولم يكن بالإمكان ردهم إلا بدفاع جيش عائشة عن أنفسهم بقتالهم ، ولم يكن بين الجيشين وسائل اتصال حديثة مثل الميكروفونات أو الاتصالات السلكية واللاسلكية ، فحين وقعت الفتنة بدأ الهرج والمرج ، وحينها لم يكن علي بن أبي طالب متجهزا للقتال حتي يقوم بتنظيم عسكري دقيق وخطة عسكرية محكمة ، ولا كذلك كان الزبير ولا طلحة ولا عائشة ، وإنما كان كل فريق يستعرض قوته ليبين للآخر حجته وإجماع أكبر عدد من المسلمين على رأيه ، فعلي رضي الله عنه يريد الإصلاح وإرجاء القصاص حتى يتم إعادة هيكلة الدولة ، وعائشة ومن معها من الصحابة كانوا يستعجلون القصاص ، والأخذ بدم عثمان رضي الله عنه ، وكلاهما دعواهما حق بيد أن الإشكالية أن التطهير لم يكن قد تحقق في صفوفهما ، وإنما كان كثير من الناس من يعتنقون فكر الخوارج وحب القتال ، ولم يكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، وكانوا يندسون بين يدي الفريقين ، وهو الأمر الذي آل إلى ما آل إليه من القتل بين الثوار السلميين وأصحاب الرأي .

 

 وهؤلاء الخوارج لم يكونوا وليدي اللحظة ولم يظهروا أول مرة حين قتلوا عثمان رضي الله عنه ، وإنما يرجع أصل نشأتهم وهم بين يدي رسول الله r فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله r وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال يا رسول الله اعدل فقال ( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ) ، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه ؟ فقال ( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس) [16].

 

 أي حين تتفرق كلمة المسلمين تواتي الخوارج  الفرصة ليخرجوا ويثيروا الفتنة بين صفوفهم ، قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله r وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي r الذي نعته)[17] ، يقصد بذلك عبد الله بن سبأ الذي نعته النبي r  الذي حزب الخوارج على الخروج على عثمان وعلي رضي الله عنهما .

 

 فخرجوا على الإمام "عليٌّ بن أبي طالب" رضي الله عنه بعد أن تصالح مع معاوية وأرادوا أن يستمر القتال بينهما ، فقاتلهم الإمام "عليٌّ بن أبي طالب" بعد ذلك حتى قتلوه غدرا ، وأما طلحة فقد أصابه سهم في الجمل فقُتل ، وأما الزبير فكان قد ترك القتال ، وجلس تحت شجرة فقُتل غدرا ، وهو ما يعني أن الزبير لم يكن يريد قتالا وقد اعتزل الناس بعدما استبان له حديث رسول الله r الذي وصفه فيه بأنه سوف يقاتل الإمام علي وهو ظالم له ، أي أن ظلمه يقصد به حشد عسكريا مما أوقد نار الفتنة ، وأغرى أم المؤمنين عائشة لتنضم له وطلحة في مقابلة جيش علي رضي الله عنهم أجمعين ، فالظلم محمول على الاحتشاد على هذه الهيئة مما أدى إلى الاقتتال بدون قصد ، وليس الظلم بسبب الاقتتال ذاته لأنهما لم يكونا يريدانه .

 

قوله (..فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..) (9)كتاب الله تعالى فيه بيان لواقع المسلمين ، وليس مجرد تنظير لما يجب أن يكونوا عليه ، ولذلك فإنه يضع الحلول العملية لمشكلاتهم الحياتية كما هي دون يفترض فروضا مثالية لا تمت للواقع بصلة ، ولذلك يأتي الإرشاد الإلهي لوجوب الإصلاح بين الطائفتين المؤمنتين المتنازعتين ، والإسراع حينئذ بذلك طالما نشب قتال بينهما ، وهذا يفترض أن المسلمون يخضعون لسلطان الاتحاد الإسلامي ، كجامعة الدول العربية مثلا أو مؤتمر الدول الإسلامية العالمي ، أو الأمم الإسلامية المتحدة ، أيا كان مسماه سواء أكان حاضرا أو مأمولا ، بحيث يستطيع الاتحاد الإسلامي أن يجري مفاوضات بين هاتين الدولتين لتحقيق مساعي الصلح بينهما .

 

وهذا هو الذي حدث بين "عليٌّ بن أبي طالب" رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها ، وذلك لما قتل طلحة بسهم وجرح الزبير بسبعة وثلاثين جرحا ، وانسحب جيش عائشة (فنادى منادى علي في الناس أنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ولا يدخلوا الدور وأمر على نفرا أن يحملوا الهودج من بين القتلى) [18]  ، وحين وصل "عليٌّ بن أبي طالب" رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة في هودجها رضي الله عنها قال لها (كيف أنت يا أمه قالت بخير فقال يغفر الله لك وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين رضي الله عنها) [19]

 

 وهكذا تحقق الإصلاح بين المؤمنين ، ولم يعنف الإمام علي رضي الله عنه من لم يشاركه في القتال لأنه لم يخرج لقتال ، يقول ابن كثير : ( لما فرغ علي من أمر الجمل أتاه وجوه الناس يسلمون عليه ، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد ، وكانوا قد اعتزلوا القتال فقال له علي (تربعت) يعني بنا فقال (ما كنت أراني إلا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد) [20] .

 

قوله (..فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى..) (9)لم تمييز هذه الآية أي الفرقتين التي تبغي وأيهما على الحق ، وتلك هي محل الفتنة التي تحار عقول المسلمين منها ، يقول النبي r (إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي " قالوا فما تأمرنا ؟ قال :كونوا أحلاس بيوتكم)[21]، أي الزموا بيوتكم[22].

 

فهنا فحسب يمكن القول بأن السلبية تؤتي ثمارها ، أي حينما تطول الفتنة دماء المسلمين ، يقول النبي r (فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم) أي بصدد الفتنة التي تقع بين المسلمين ، فالأسلم أن تتخلى عن سلاحك ، فإن كان معك قسي أي قوس فلتكسره ، وإن كان معك وتر فاقطعه وإن كان معك سيف فاكسره على الحجارة حتى لا يبقى معك شيء فإن دخل عليك أخيك يريد قتلك لجهله الحق وظنه أنك لست من أهل الحق فاتركه يقتلك وكن مثل خير ابني آدم وهو هابيل رضي الله عنه حينما قتله قابيل ، قال النووي (معناه بيان عظيم خطرها-الفتنة- والحث على تجنبها والهرب منها ، ومن التسبب في شيء وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها ،والمراد ترك القتال،وهذا الحديث والأحاديث قبله مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة لكل حال)[23] .

 

لكن العلماء اختلفوا في هذه المسألة  ، أي إذا ما وقعت الفتنة بين المسلمين ، فقالت طائفة لا يقاتل المسلمين وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول - معنى متأول أنه يريد تحقيق الشرع وتطبيقه ولكن بطريقة تخالف الإمام ومن ثم وقعت الفتنة لأجل ذلك - وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي رضي الله تعالى عنه وغيره

وقال بن عمر وعمران بن الحصين وغيرهما رضي الله عنهم لا يدخل فيها لكن إن قصدوا قتله دفع عن نفسه ، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام ، وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام يجب نصر الحق في الفتن والقيام معه لمقاتلة الباغين كما قال الله تعالى فقاتلوا التي تبغي.. الآية ، وقد رجح الإمام النووي الرأي الثاني ، فقال : (وهذا هو الصحيح وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له الحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما)[24] ، إذن الرشاد كل الرشاد في التبين والتثبت ، وذلك لا يكون إلا لمن حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان .

 

                          ثانيا : مفترضات تمييز الفئة الباغية من غير الباغية :

 

 لمعرفة ذلك لابد من تحقيق مفتراضات المسألة ، حيث يختلف الحكم بحسب الفرض الذي نقف أمامه ، فإذا كان الحق ظاهرا مع أحد الفريقين فهنا يكون البغي من الفريق الذي يفتقر إلى الاستناد للحق .

 مثال ذلك تمسك أهل الحق بكلمة الحق أمام سلطان جائر وإنكارهم لمنكره وإعلانهم ذلك صراحة دون قتال له ، كما في قوله r (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن نكر سلم ولكن من رضي وتابع ) قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال (لا ما صلوا) [25] ، قال النووي : في قوله r (ولكن من رضي وتابع) معناه (ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع ، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه)[26].

 

  لكن إذا ما أصر السلطان الجائر على جوره وبدأ بقتال أهل الحق دون أن يقاتلوه ، فإن جاز الصلح واندفع بغير قتال فبها ونعمة ، لكن قد يضطر أهل الحق أن يدافعوا عن أنفسهم من صولة السلطان الجائر المعتدي ، فإذا كان الواجب علي أهل الحق أن يجهروا بكلمة الحق بالأمر بالمعروف ونهي السلطان الجائر عن المنكر ، فإنه ليس من حق السلطان أن يقتلهم إن نصحوه في الله ، فإن تجرأ على قتلهم هنا جاز دفعه عند القدرة ، وبقدر ذلك ، أي إذا ملك أهل الحق القوة والمقدرة على دفعه ، لكن إن لم يكن لديهم المقدرة بما لا يرتب منكرا أكبر ، فهنا لا تجوز مقاومته لأن في ذلك ضرر أشد على عموم المسلمين ، ويكفي أن ينالوا الشهادة كما كما قال النبي r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [27].

 

 أما في الفرض أن لأهل الحق شوكة يدافعون بها عن أنفسهم ضد أي ظالم أو معتدي ، فهنا يمكن إضفاء وصف (الباغي) على الحاكم الجائر الذي فقد شرعيته بقتل المسلمين بدون وجه حق ، وقد ضعفت شوكته ،وقويت شوكة أهل الحق ، وصاروا أهل للتمكين ، - وتقدير ذلك لأهل العلم الراسخ ، الراشدون كما وصف الله- هنا إذا حدث قتال بين أهل الحق وجند السلطان الجائر –وهو فرض لا يدعو إليه عاقل لما فيه من غرر ، لكنه ليس ببعيد الحدوث في الواقع العملي والتاريخ المشاهد -، فهنا وجبت نصرة أهل الحق عليه ، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله r ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ، فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال (تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره) [28].

 

 والصلح في جميع الأحوال لا يثني أهل الحق عن أن يسعوا إلى خلعوا السلطان الجائر بوسائل سلمية – متى أمكن ذلك - متى لم يُستأمن على دماء المسلمين وأعراضهم وأهل الذمة والعقود .

 

أما في الفرض حيث لم يكن أيا من الفريقين علي الباطل ، أو لم يكن الحق ظاهرا ، وكلاهما دعواهما واحدة ، أي إذا كان السلطان عادلا ، والمعترضين عليه من أهل حق كذلك ، ولكن نشأ بينهما خلاف سياسي جرهما لنشوب اقتتال بينهما ، سواء نشب بقصد أو بدون قصد ، حيث يحصل هذا الفرض إذا لم يحظ السلطان بتأييد أهل القطر جميعا أو خالفهم البعض في ذلك وبايعوا غيره ، فعندئذ نكون بصدد فرض آخر قد عالجته الآية بوجوب التدخل سريعا لتأييد الأول منهما سياسيا ، فإن ظل الخلاف على حاله فالواجب هو ردع الفئة الباغية كما في الآية .

 

وهذا الحكم مستفاد من حديث النبي r قال (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر ) قالوا فما تأمرنا ؟ قال ( فوا –يعني أوفوا-ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) [29] ، قال النووي في الشرح : (معنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها ويحرم عليه طلبها ، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو بلد أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل)[30] ، وقال أيضا (واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا) .

 

لكن ماذا لو لم يرتض الثاني إسقاط بيعته واستمر في الاعتراض على بيعة الأول ، يقول النبي r  (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [31] ، قال النووي : (هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله ، فيه أنه لا يجوز عقدها لخليفتين ) ، وفي رواية مفسرة لكلمة الآخر منهما عند البيهقي (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأحدث منهما) [32] ، وذلك لأن الحكم كان للأول منهما ، والثاني هو الذي يفتئت عليه ويريد خلعه بتولية نفسه بدلا منه ، فإذا ما تمت بيعته من قبل بعض الناس ، وظل الأول يبايعه البعض كذلك ، هنا نكون أمام بيعتين ، وهنا لا يستقيم الأمر إلا بقتال ما لم يتنازل أحدهما للآخر عن هذه البيعة ، وذلك كله ما لم تسقط بيعة الأول بظلمه للناس ، واستحلال دماءهم حيث لا يتحزب حوله غير الفاسقين والظالمين ، أما إذا كان لكلا الإمامين جمهورهما من المؤمنين ، فهنا إذا لم يندفع الخلاف بينهما سياسة فإنه حتما سوف يؤول الصراع بينهما إلى قتال أحدهما للآخر ، وله أحكامه كما سنبينه .

 

ولا أدري ماذا حدث بين الإمامين العظيمين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، هل كانت البيعة للأول منهما دون الثاني ، أم أن اتساع الحدود المكانية للدولة الإسلامية حال دون تجميع كلمة المسلمين على إمام واحد ، فمعاوية بن سفيان في الشام ، وعلي بن أبي طالب في العراق .

 

أما في العصر الحديث فقد اتفق العلماء على أن البيعة –في الأصل- لواحد فقط حتى لو اتسعت حدود الدولة الإسلامية ، فإذا ما وقع التشتت فعلا كما هو حاصل الآن وتفرقت أمصار المسلمين وأضحى لكل مصر حاكما ، هنا يجوز تتعدد البيعات بتعدد الأماكن ، لكن يبقى الحلم بالاتحاد الكونفدرالي الإسلامي قائما ، لتجتمع كلمة المسلمين تحت قيادة واحدة كما كانت ، وكما سوف تكون بإذن الله تعالى ، يقول النبي r (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [33] .

 

ثالثا : أحكام قتال الفئة الباغية

 

قوله (..فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي..) (9) أي إذا ظهر البغي من إحدى الطائفتين فعلا يعني (الظلم) [34]، كقوله تعالى (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي حصل ظلم الأخ لأخيه سواء أكان ذلك بتأويل سائغ أو بغير تأويل مطلقا ، فالتفرقة بين الباغي بتأويل وبغير تأويل وإن كانت لا أهمية لها في وجوب رد الباغي وقتاله إن اضطرت الحاجة لذلك ، فإن أهميتها تكمن في جواز تفسيق أو تكفير الذي يعلم أنه باغي وظالم لأخيه – كفرا عمليا وليس اعتقاديا- ، فذلك الذي يُفسَّق بقتاله لأخيه ، لقوله r (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) [35]،  أما الباغي والظالم لأخيه إذا كان صاحب التأويل ، وقد وقع في خطأ بسبب اجتهاده وتأويله ، فإنه لا يفسق ولا يكفر ، وإنما يؤخذ الحق منه ويعطى لأخيه .

 

فمتى استبان الظالم من المظلوم ، دون حاجة لمعرفة تأويله ، فهنا يشرع الانتصار للمظلوم على الظالم ، كما في قوله (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى/39-42)

 

فالشرع أوجب قتال الفئة الباغية منعا لانقسام الدولة الإسلامية إلى دولتين تحتكم كلا منهما لشرع غير الآخر فيما أنزل الله به سلطانا وحكما وبيانا ، فيصد ذلك الناس الذين يرغبون في الدخول في الإسلام عن سبيل الله تعالى ويتعطل انتشار الإسلام متى رأوا اختلاف المسلمين في تطبيق شرع الله تعالى على فرقتين أو ثلاثة ... الخ .

 

أما إذا وقعت الشبهة ولم يستبن الظالم من المظلوم ، هنا يجوز عدم نصرة أحدهما على الآخر ، والأخذ بحديث كونوا أحلاس بيوتكم ، لاسيما وأن قتال البغاة غير متعين ، بل هو فرض كفائي ، قال القرطبي (أمر بالقتال وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ولذلك تخلف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم وصوب ذلك علي بن أبي طالب لهم واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه[36].

 

فإذا ما وقع القتال فعلا بين المسلمين ، وقد عين الإمام فئة لقتال البغاة ، فهنا يجب علي هذه الفئة السمع والطاعة للإمام ووجوب تأييده والقتال معه ضد الفئة الباغية ، يقول النبي r (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه) [37]، قال النووي أي (يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد وينصر عليهم)[38] ، وقال القرطبي أي (أمامه ووراءه من الأضداد يقال بمعنى خلف وبمعنى أمام وهذا خبر عن المشروعية أي يجب أن يقاتل أمام الامام ولا يترك يباشر القتال بنفسه لما فيه من تعرضه للهلاك فيهلك كل من معه).

 

رابعا : نموذج قتال البغاة من المسلمين كما في (وقعة صفين) :

 

وقع الصحابة رضوان الله عليه في تلك الإشكالية حين بغى فريق معاوية على فريق الإمام علي رضي الله عنهما وقُتِل عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وكان عمار في فريق عليه ، وقد وصف النبي قاتليه بالفئة الباغية ، فقال r (وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)[39]

 

بيد أن فريق معاوية كان معه تأويل سائغ فلم يجز سبه ولا لعنه ولا تفسيقه ، فلكل مجتهد نصيب من الخطأ ، فهو يخطئ ويصيب أحيانا ، وقد وقع الصحابة في خطأ سياسي يغفر الله لهم ، حيث أراد بعضهم أن يظل مركز قيادة المسلمين المدينة المنورة ويكون الخليفة منها ، وأراد البعض أن يتحرر من هذا القيد ويجعل مركز الخلافة لمن هو أقدم في الولاية وهو معاوية حيث ظل واليا على الشام لأكثر من سبعة عشر عاما ، أي استتب له الأمر وارتأى المسلمون في الشام أحقيته بالخلافة، لاسيما وأن خليفة المسلمين سلطانه على المسلمين في كل بقاع الأرض وقد اتسعت حدود الدولة الإسلامية لتشمل الشام والمدينة ومصر وشمال أفريقيا وغيرها .

 

فبعد موقعة الجمل أرسل الإمام علي رضي الله عنه لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كي يبايعه ، لكن معاوية أوقف بيعته لعلي بن أبي طالب على شرط ، فقد كان يريد من علي رضي الله عنهما أن يأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه ، فإذا فعل ذلك أثبت جدارته لأن يكون خليفة للمسلمين وقد طهر جيش المدينة من الخوارج ، فحينئذ يستحق المبايعة باعتباره قد تمكن من أن يكون واليا على المدينة ابتداء ، ولا يتكرر ما حدث مع عثمان ، بيد أن علي رضي الله عنه كان يحتاج لكثير من الوقت والجهد للتحري عن قتلة عثمان رضي الله عنه ، وبخاصة أن الأدلة تؤكد أنه لم يُقتل من أحد الأفراد أو طائفة بعينها وإنما قامت ضده ثورة من مجموعة الخوارج فقتلوه ، فكان يحتاج  لبعض الوقت والكياسة في المعاملة لتهدئة الفتنة وتمحيص الصف المسلم من الخوارج وإعادة هيكلة الدولة من جديد ، ولذلك لم يبايعه معاوية نظرا لأنه لم يحقق بعد المطلب الرئيسي للمبايعة وهو القدرة على الأخذ من قتلة عثمان رضي الله عنه ، فكان تأويل معاوية رضي الله عنه سبب امتنعه عن مبايعة علي رضي الله عنه .

 

 فضلا عن أن ما حدث بشأن معركة الجمل قد أوغل صدور الصحابة وجعل بينهم شيئا من الحذر والحزن على الآلاف القتلي الذين خلفتهم المعركة ، وهو ما دعى إلى أن جيَّش معاوية جيشا قوامه مائة وثلاثون مقاتلا للدفاع عن نفسه من أي غدر قد يلقاه من الخوارج المندسين في جيش علي رضي الله عنه كما حدث في معركة الجمل ، والإمام علي رضي الله عنه لا يزال يحاول تطهير صفوف المسلمين وتنقيحها من الخوارج لكنه يعاني من عدم مبايعة الصحابة له في الشام فضلا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، الأمر الذي جعله غير ممسك بزمام الأمور على نحو يمكنه من القيام بعملية التطهير بسرعة وبحكمة .

 

 وقد حاول الإمام علي أن يكسب معاوية لصفه لكن معاوية رضي الله عنه لا يزال على موقفه وتأويله سالف الذكر ، ولا ننسى أن موقف الإمام علي لا يحسد عليه خاصة وأنه حين تحرى عن قتلة عثمان خرج عليه خلق كثير وقالوا (كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا )[40] ، ولذلك حينما أحس علي رضي الله عنه بأن معاوية مصمم على عدم مبايعته جهز جيشا قوامه مائة وخمسة وثلاثون مقاتلا ليؤكد لمعاوية أنه أضحى بحكم الواقع فعلا خليفة للمسلمين دون حاجة لمبايعته له ، وهو أمر لا علاقة له بالقتال الذي دار بينهما ، إذ لم تكن نيتهما قد اتجهت للحرب وإنما هو تباهي القائدين بجنوديهما كي يثبت كل واحد منهما للآخر أنه على الحق ، وأنه مؤيد من قومه وجنده ليُنزل الآخر عن رأيه ، لكن تباهي القادة بجنودهما أمام بعض وقربهم من بعض مع اختلافهم في الرأي وعدم نزول أحدهما عن رأيه ، وتمسكه بتأويله ، يوشك أن يجعل جنودهما يبدءون بالقتال قبل أن يرجعوا لقادتهم ، وقد حصل ذلك بالفعل .

 

يقول النبي r (إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله قال فقام أبو بكر وعمر فقال لا ولكن خاصف النعل ، وعليٌ يخصف نعله) [41] .

يقول ابن كثير : (كتب معاوية لعلي رضي الله عنهما يأمره بالقدوم عليه) ، وبالفعل ( خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام ) ..( وبلغ معاوية أن عليا قد خرج بنفسه، فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضا بنفسك) ، وهنا جاءت لحظة الشحن دون تروي واستعداد جيش معاوية لانتقام من قتلة عثمان المندسين في جيش علي ، والذين قتلوا الزبير بن عوام ، وطلحة بن عبيد الله ، يقول ابن كثير : ( وقام عمرو بن العاص في الناس فقال: إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلا شرذمةٌ قليلةٌ من الناس ممن قتل ، وقد قُتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلبوه، وكتب إلى أجناد الشام فحضروا، وعقدت الألوية والرايات للأمراء، وتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضا إلى نحو الفرات من ناحية صفين - حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدا أرض الشام ) .

 

وهكذا تأهب جيش معاوية وعمرو بن العاص لقتال من خرجوا مع الإمام علي رضي الله عنه من قتلة عثمان رضي الله عنه ، بيد أن الإمام علي رضي الله عنه كان يعلم بخطورة هذا التأهب وكان يريد إصلاحا ، ويعلم أنه قد يضطر للقتال لأجل ذلك ، ولذلك بعث علي بن أبي طالب (الأشتر النخعي) أميرا على الجيش ، وأمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدأوا بالقتال ، ولكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرة ، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه، ولا يقرب منهم قرب من يريد الحرب، ولا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال، ولكن صابرهم حتى آتينك، فأنا حثيث السير وراءك إن شاء الله.

وتحكي لنا كتب التاريخ كيف أنهم تحاجزوا ولم يريدوا قتالا أول الأمر حتى عسكر فريق معاوية على الماء ومنع وصول الماء  من فريق علي رضي الله عنهما ، الأمر الذي حدا ببعض الناس إلى البدء برمي السهام والنبال والبدء في القتال ، يقول ابن كثير : (فتحاجزوا يومهم ذلك – اليوم الأول - ، فلما قدم الأشتر على المقدمة امتثل ما أمره به علي، فتواقف هو ومقدمة معاوية وعليها أبو الأعور السلمي فثبتوا له واصطبروا لهم ساعة ، ثم انصرف أهل الشام عند المساء، فلما كان الغد تواقفوا أيضا وتصابروا، فحمل الأشتر فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي - وكان من فرسان أهل الشام - قتله رجل من أهل العراق يقال له: ظبيان بن عمارة التميمي ، فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه ، فتقدموا إليهم وطلب الأشتر من أبي الأعور أن يبارزه، فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك، وكأنه رآه غير كفء له في ذلك)

 

هذا ما حكاه ابن كثير في البدء بوقوع القتل بالمبارزة يدل على مخالفة بعض جند الإمام علي لأمره بعدم جواز أن يتقدم للقتال حتى يبدأوه بالقتال ، ورغم وقوع هذا القتل بينهما إلا أن ذلك لم يكن هو السبب الرئيسي للبدء بالمقاتلة العظيمة تلك التي وقعت بينهما .

 

يقول ابن كثير : (وتحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني، فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل علي رضي الله عنه في جيوشه، وجاء معاوية رضي الله عنه في جنوده فتواجه الفريقان وتقابل الطائفتان فبالله المستعان، فتواقفوا طويلا ، وذلك بمكان يقال له: صفين، وذلك في أوائل ذي الحجة، ثم عدل علي رضي الله عنه فارتاد لجيشه منزلا، وقد كان معاوية سبق بجيشه فنزلوا على مشرعة الماء في أسهل موضع وأفسحه، فلما نزل علي نزل بعيدا من الماء، وجاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك ، وذلك بمكان يقال له: صفين، وذلك في أوائل ذي الحجة ..، فعطش أصحاب علي عطشا شديدا فبعث علي الأشعث بن قيس الكندي في جماعة ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك وقال: (موتوا عطشا كما منعتم عثمان الماء) ، وهو ما يؤكد أنهم كانوا يقاتلونهم لا على أنهم أصحاب علي رضي الله عنه ،وإنما لظنهم أنهم آووا قتلة عثمان أو هم قتلة عثمان ويندسون في جيش علي رضي الله عنه ، قال ابن كثير : (فتراموا بالنبل ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله، وأمد كل طائفة أهلها حتى جاء الأشتر النخعي من ناحية العراقيين، وعمرو بن العاص من ناحية الشاميين، واشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت) .

 

في اليوم الثالث يخرج على فريق العراق عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقد تجاوز التسعين من عمره، ويخرج في الناحية الأخرى عمرو بن العاص رضي الله عنه ، ويتقاتل الفريقان من الصباح حتى المغرب، ولا يتم النصر لأحد الفريقين على الآخر. .. وهكذا يخرج كل مرة فريق من جيش علي وفريق من جيش معاوية يريد كلا منهم ألا تراق دماء المسلمين بكثرة ليتجنبا خطر التقاء الجيشين بكاملهما ، وإنما ليتحقق المقصود وينزل أحدهما للآخر عن رأيه ، بيد أن مقصودهما لم يتحقق وظل القتال يؤدي إلى سقوط قتلى كل يوم من الفريقين

 

 وهو الأمر الذي دعا إلى أن خرج علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي طالب رضي الله عنهما بأنفسهما لقيادة الجيشين في اليوم الثامن والتاسع ويقتل عمار بن ياسر الذي هو في صف جيش علي بن أبي طالب ، وبمقتله تتضح الأمور ويظهر أين وجه الحق والخطأ ، فعن أم سلمة: أن رسول الله r قال لعمار (تقتلك الفئة الباغية)[42].

قال الحافظ ابن كثير :  ( ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من –بعض - الشيعة وغيرهم لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيباً بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر ) [43]

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( وليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية ما ينافي ما ذكرناه فإنه قد قال الله تعالى : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ..﴾ فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة ، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين وليس كل ما كان بغياً وظلماً أو عدواناً يخرج عموم الناس عن الإيمان ، ولا يوجب لعنتهم فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون ؟ [44].

 

وقد وقع بعض الناس في اللغط فقال بعض الشيعة : (وصف الإيمان في الآية الكريمة كان قبل حدوث البغي منها) يريدون بذلك نفي الإيمان عمن قاتل عليا وعمار رضي الله عنهما بعد وقوع القتال بينهما ، قالوا : كيف تكون على حق وهي تدعو إلى النار كما في الحديث عن النبي r (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) [45] ، وقالوا كيف يكون باغياً وعلى حق في ذات الوقت ؟؟!!  وأين موقع الأحاديث التي تحرم الخروج على الحاكم ولو كان جائراً .

 وقد رد الحافظ بن حجر على من أشكل عليه الفهم فقال رحمه الله : (فإن قيل كان قتله بصفين وهو مع على ، والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار ، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة ، وهم مجتهدون لا لوم عليهم في أتباع ظنونهم ، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام ، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة على ، وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم) [46].

 

ولا أدري إذا لم يقع قتال بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ماذا كان سوف يحصل للأمة وقد أراد الخوارج - أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي -  التمكن منها ، إذ قد يكون القتال الذي حصل بينهما - وإن وقع فيه كثير من القتلى – خيرا ، فلا أدري هل معظم القتلى من المسلمين أم من الخوارج والمنافقين ، وإن لم يعدم الشهداء من بين الفريقين ، إلا أن الخير كل الخير فيما حصل ، لأنه لو لم يحصل لكان بوابة لتفريق كلمة المسلمين ، ووقوع الفتن من المنافقين المندسين بين المسلمين ، لكن به اجتمع المسلمون بعد ذلك تحت قيادة واحدة ، وازداد انتشار الإسلام تحت هذه القيادة في جميع أرجاء العالم

قال القرطبي (إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم لأحكام قتال أهل التأويل، إذ أن أحكام قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان الرسول r وفعله)[47].

 

قال سبحانه (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، فهؤلاء الآخرون الذين صرحت الآية بوجوب إرهابهم قد ارتدعوا لمَّا علموا قوة المسلمين وشدتهم في عدم جواز تفريق كلمتهم ولو كانت الدعوة لهذه الفرقة منهم أنفسهم ، فكيف لو علت أصوات هؤلاء المنافقون دون خوف من المسلمين لتفريقهم ؟ وتبديل شرع الله تعالى ؟

 

خامسا : توقف القتال فورا ومؤقتا بمجرد عدول الفئة الباغية عن غيها وطلبها للصلح

دون حاجة لاستمرار القتال لمعاقبتها

 

قوله (..حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ..) (9) وضعت الآية حدا لقتال البغاة من المؤمنين ، فلا يكون قتالهم لأجل استئصالهم ، وإنما بغرض الفيء ، من هنا وضع العلماء قواعد وضوابط لقتال البغاة والخارجين على الإمام أو الحاكم المسلم – بحسب الأحوال – ذلك حتى لا يكون قتال البغاة باب شر يؤدي إلى الإسراف في القتل بين المسلمين ، وهدر كثير من الدماء ، فالغاية من القتال هي الفئ ، بمعنى أنه يقصد من القتال إفاقة الفئة الباغية وردها عن بغيها ، لا أن يكون بقصد استئصالهم ودحر هذه الفئة ، فالضرورة تقدر بقدرها .

 

فالغاية من قتال البغاة الردع عن البغي فحسب ، لا عقابهم ولا تأديبهم ، فإذا حصل الردع والزجر انتفت العلة من استمرار القتال ، ومن ثم ترتبت أحكاما مغايرة بشأن الغنيمة والفئ والأسرى في هذه الحالة عما هو معروف مما يترتب على القتال للمشركين من أحكام .

 قال القرطبي أيضا : (إذا خرجت على الإمام العدل خارجة باغية ولا حجة لها ، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه كفاية ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة فإن أبوا من الرجوع والصلح قوتلوا ، ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم وإذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل وهو وليه لم يتوارثا ولا يرث قاتل عمدا على حال... وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤاخذوا به)[48].

 

  فإذا ما احتكم الفريقان لشرع الله تعالى ، فهذا يعني أن الفئة الباغية قد فاءت لحكم الله ، فعلام إذن استمرار الاقتتال بينهما ؟  إذن توقف القتال بينهما علامة على الفيء ، فوجب الاستجابة لذلك وإيقاف الحرب فورا ، ولذلك أوقف علي ومعاوية رضي الله عنهما القتال بنيهما حينما احتكما للمصاحف ، وهو إيقاف مؤقت لحين إتمام الصلح

 قال الحافظ بن كثير : (قتل بصفين سبعون ألفا : من أهل العراق خمسة وعشرون ألفا ومن أهل الشام خمسة وأربعون ألفا فلما اشتدت البلاء بالفريقين وكثر بينهم القتلى قال عمرو بن العاص لمعاوية : إن هذا الأمر لا يزداد إلا شدة فهل لك إلى أمر لا يزداد القوم به إلا فرقة إن أعطونا اختلفوا وإن منعونا اختلفوا ؟ فقال معاوية : ما هو ؟ فقال : المصاحف نرفعها وندعوهم بما فيها فإنهم لا يقاتلون إلا على ما قد علمت فقال معاوية : افعل ما رأيت فأمر بالمصاحف فرفعت في الرماح ثم جعلوا ينادون : ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه فسر الناس به، وكرهوا القتال وأجابوا إلى الصلح و أنابوا إلى الحكومة) [49]، أي مناقشة تعويضات الحرب ، ودية القتلى.

 

سادسا : الإصلاح السياسي بين الفئتين وفقا لقواعد العدل والقسط

 

قوله (..فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (9) أوجبت الآية السعي للصلح النهائي بين الفريقين بعد توقف الاقتتال مؤقتا لحين إتمام الصلح ، حيث يتعين السعي إلى الإصلاح السياسي بعد إفاقة الفئة الباغية عن القتال ، قال القرطبي : (ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال فإنه تلف على تأويل وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي) [50]، وإنما يكون الإصلاح بالتوافق على المطالب المشروعة التي ليس فيها عنت لأحد الفريقين ، ولو تنازل أحدهما عن بعض حقه مقابل الحصول على البعض الآخر لكان ذلك صلحا أيضا.

 

وإن احتاج الصلح إلى شيء من الكذب أو التحايل فجائز شرعا متى كان بقصد تنمية الخير ، قال رسول الله r (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا)[51] ، وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله r يرخص في شىء من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله r يقول " لا أعده كاذبا الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح والرجل يقول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها)[52] ، وقد بينت السنة النبوية كيفية إيقاع الصلح وحثت عليه وأظهرت حرص النبي r على إمضائه .

 

ويكون ذلك عادة بذكر أن أخاه يحبه ، فيكون سماعه ذلك منه داعيا لمسامحته ، كما كان النبي r يقول (إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه) [53]، فالمصلح له أن يخبر الطرفين بأنه سمع من الآخر أنه أخبره بأنه يحب فلان ، وهو لم يسمع منه ذلك ، بقصد تنمية الخير بينهم ، فليس ذلك من الكذب في شيء ، بل من باب الإصلاح بين المتخاصمين ، وجبر الخاطر ، يقول النبي r (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا) [54] .

 

وأقل ما يفعله المصلح السكوت عن الشر ، قال الحافظ ابن حجر : (أن يخبره بما علمه من الخير ، ويسكت عما علمه من الشر ،ولا يكون ذلك كذبا لأن الكذب الأخبار بالشيء على خلاف ما هو به ، وهذا ساكت ولا ينسب لساكت قول ) ، قال الطبري ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح ، وقالوا إن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة ) ، وقال الحافظ (واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده ، فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم) [55].

 

وهناك في التاريخ الإسلامي نموذجين للصلح بين طائفتين مؤمنتين ، أصلح الله به حال الأمة ، الأول الصلح الذي حدث بين معاوية وعلي رضي الله عنهما إثر التحكيم ، والثاني الصلح الذي كان الحسن بن علي سبب فيه ، قال رسول الله r للحسن بن علي " إن ابني هذا سيد وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي) [56] ، فأما الصلح الأول والذي دار بين علي ومعاوية رضي الله عنهما  ، وإن لم يكن كاملا ، وظل الأمر معلقا بينهما من الناحية السياسية ، لكنه حقن الدماء بين المسلمين ليتفرغ بعد ذلك علي بن أبي طالب لقتال الخوارج والمارقين.

 

أما الصلح الذي دار بين الحسن بن علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنهما فقد كان سببا حقيقيا للإصلاح بين المسلمين إصلاحا تماما حسمت به الأمور السياسية ، وسمي بعده هذا العام بعام الجماعة، قال ابن كثير (مال الحسن بن علي إلى الصلح وخطب الناس وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى معاوية ، وذلك سنة أربعين فبايعه الأمراء من الجيشين واستقل بأعباء الأمة فسمى ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد) [57]  .

 

 فعن أبي موسى قال سمعت الحسن يقول:  استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية - وكان الله خير الرجلين - أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم ، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز ، فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه ، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه ، فقال لهما الحسن بن علي إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا ؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه ، فقال الحسن ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله r على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [58]

 

والعدل والقسط المأمور به في الإصلاح بحيث يحكمه هو مسألة نسبية بمراعاة أحوال الناس ، وباتفاق الطرفين ، إذ يجوز في الصلح ما لا يجوز في اقتضاء الحق قضاء ، وبهذا يتبين أن الإصلاح بين المسلمين يحتاج لأن يؤثر الأخ أخاه وأن يتنازل له عن حقه ، وألا ينازعه في شيء بالإمكان أن يتخلى عنه له طالما أنه لا يتعلق بحق من حقوق الله تعالى ، يقول النبي r (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)[59].

 

 وعن كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي r فقال (يا كعب) ، فأشار بيده كأنه يقول النصف فأخذ نصف ما عليه وترك نصفا) [60]، فالنبي r راعي حال هذا من اليسار وحال هذا من العسر ، ولذلك أشار بالصلح بينهما بالعدل والقسط ، لما علم في قلب كعب بن مالك من حب الخير .

 

ويا حبذا أن يسرع المصلحون بالإصلاح بين المتقاتلين والمتشاجرين قبل أن تتفاقم الأمور فيصعب الإصلاح ، وهو ما فطن إليه النبي r في أكثر من موقف ، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله r بذلك فقال (اذهبوا بنا نصلح بينهم) [61] ، وهكذا يحتاج الإصلاح انتقال المصلحين إلى القرى والنجوع والبلاد والسير إلى الناس حتى يتم الله علي أيديهم الإصلاح بين الناس ، كما أن النبي r رغم مكانته بين الصحابة لم يذهب وحده ، وإنما أخذ معه بعض الصحابة للإصلاح ، وفي ذلك إشارة إلى تريث من يريد أن يصلح حتى لا يذهب وحده فيكون ذلك سببا في رد مسعاه دون تحقيق الخير ، وإنما في الالتفاف بإخوانه بنية الإصلاح تأثير أكبر على المتخاصمين .

 

 والمصلح بين الناس لابد وأن يتحلى بعدة صفات ، فمن أهمها التأثير على الناس وقوة الشخصية حتى يتسنى الانقياد له والسمع  والطاعة ، فعن عائشة رضي الله عنها تقول : سمع رسول الله r صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء ، وهو يقول والله لا أفعل ، فخرج عليهما رسول الله r فقال (أين المتألي على الله لا يفعل المعروف ) ، فقال (أنا يا رسول الله وله) أي ذلك أحب) [62] .

 

وبالرجوع إلى صفات المصلح نذكر قصة تلت حادثة الإفك ، حيث  كاد الخلاف ينشب بين الصحابة رضوان الله عليهم إثر هذه الحادثة حين تأخرت السيدة عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل السلمي بعد الغزو فوقع مسطح في المهلكة باتهامها باطلا وإفكا ، وكادوا يقتتلون لولا أن النبي r أصلح بينهم ، قال رسول الله r (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي)[63] ، فقام سعد بن معاذ – وهو سيد الأوس - فقال يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ،  فقام سعد ابن عبادة - وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية - فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل - وهنا ثار خلاف بين سعد بن عبادة سيد الخزرج وسعد بن معاذ سيد الأوس - ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين – وهكذا اشتد الخلاف بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة من جهة وسعد بن معاذ من جهة أخرى -  قالت عائشة رضي الله عنها : (فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله r قائم على المنبر) ، قالت : فلم يزل رسول الله r يخفضهم حتى سكتوا وسكت ،فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم [64] .

 والسؤال هنا كيف تمكن النبي r أن يخفض صوتهم حتى سكتوا ؟ إذن لابد لمن يصلح بين الناس أن يتسم بالقيادة والقدرة على التأثير على الناس ، وهكذا كان النبي r ، بل في ذلك إشارة إلى سرعة بديهية النبي r إذ تمكن من التدخل وتخفيضهم وتهدئتهم قبل أن يقتتلوا ، فهل فقه المسلمون كيف يكون الإصلاح بين الناس ؟ فالمصلح إذا كان ينفعل كما ينفعل الناس فليس بمصلح ، بل لابد وأن يتسم بالهدوء والاتزان النفسي .

 

ويجب الانتباه أثناء إجراء الصلح إلى أن هناك فريق من الناس لا يحب الإصلاح ويدفع الناس للفجر في الخصومة ، هؤلاء القوم من المارقة كما سماهم النبي r ، ولا يظهر هؤلاء بفكرهم الضال إلا حين يفترق المسلمون ويختلفون فيما بينهم ، حيث يؤدي التنازع فيما بينهم إلى أن تذهب ريح قوتهم فيهب هؤلاء المارقون لزيادة الصدع وإحداث فرقة عظيمة في الصف المسلم .

 

 يقول النبي r (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق) [65] ، فمعنى الحديث أن هناك طائفتين من المؤمنين تختلفان معا وكلاهما على حق بيد أن أحد الفرقتين أولى بالحق من الأخرى ، وهناك فرقة ثالثة تمرق وتخرج على الفرقتين تريد تمزيق شمل المؤمنين ، وهذه الفرقة الثالثة يتصدى إليها أولى الفرقتين المؤمنتين بالحق فتقتلهم أو تقاتلهم.

وهذا هو الذي قام به أمير المؤمنين على رضي الله عنه حين تصدى للخوارج الذين رفضوا الصلح مع معاوية رضي الله عنهما ، قال ابن حجر في الفتح : (الخوارج إنما خرجوا على على بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم)[66]

 

سابعا : أن تسود روح الأخوة بين المؤمنين يضمن استمرار الإصلاح بين الناس

 

قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (10) ذلك أن الأخوة هي الشعار الذي يربط المسلمين بعضهم مع بعض ، فأسلوب الحصر والقصر بأداة التوكيد (إن) ، والعموم (ما) ، وال الاستغراق (المؤمنون) ، والخبر المفرد ( إخوة ) ، يؤكد أنه لا إيمان إلا بالتحاب وحصول الإيخاء بين المسلمين بعضهم البعض ، قال تعالى "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا "(آل عمران:103) .

 

ونتمثل بقول القرضاوي :-

 يا أخي في الهند أو في المغربِ ... أنا منك، أنت مني، أنت بي

لا تسل عن عنصري عن نسبي ... إنه الإسلام أمي وأبي

إخوة نحن به مؤتلفون

قم نعد عدل الهداة الراشدين ... قم نصل مجد الأباة الفاتحين

شقي الناس بدنيا دون دين ... فلنعدها رحمة للعالمين

 

الأخوة ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة ، فهي أوثق الروابط وأغلاها ، ولذلك ربط الله شعائر الإسلام بالجماعة ، فالصلاة جماعة ، والزكاة عمل جماعي مؤسسي ، والصيام في وقت واحد والإفطار جماعة في وقت واحد ، والحج كذلك ، والجهاد مثله ، وهكذا كل شعائر الإسلام يسود في النظام وروح الجماعة ، ولذلك قال النبي r (وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) .

 

ونرى إصابة القائل بأن (أول القوة : قوة الوحدة ، (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً) ، ولا وحدة بغير حب , وأقل الحب: سلامة الصدر , وأعلاه : مرتبة الإيثار ,  (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9)  ، والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه ، لأنه إن لم يكن بهم ، فلن يكون بغيرهم ، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره , (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71) , وهكذا يجب أن نكون)[67] .

 

فرغم حصول البغي أثبت الله الإيمان للطائفتين ، وأعلم أنهم أخوة في الدين ، قال ابن تيمية (اعلم أن البغي لا يخرج عن الإيمان ولا عن أخوة الإيمان)[68]، ولذلك قيل (لا أخوة بدون إيمان ، ولا إيمان بدون أخوة) ، فإذا ما فهم المسلمون الأخوة بهذا المعنى فعليهم ألا يفرطوا فيها مهما كانت الأحوال ، ففي أشد الظروف تهديدا لأخوة المسلمين يجب الإصلاح ، ولابد من فقه للإصلاح ، فلا إصلاح إلا بفقه ، وإلا أفسد المصلح وهو لا يريد إفسادا .

 

والإصلاح هنا بخلاف الإصلاح الذي ذكرته الآية التي قبلها ، فالإصلاح في الموضع الأول هو إصلاح للتوفيق بين الفريقين سياسة ، أما الإصلاح المقصود في هذه الآية فهو إصلاح تربوي وعقائدي ، ولذلك اقترن الأمر بالإصلاح بين الأخوة وإضافة كاف الملكية للأخوة في قوله تعالى (أخويكم) بالأمر بالتقوى كما في قوله تعالى ( واتقوا الله ) ، ما يعني التدريب على الأخوة بحض الناس على المشاركة في صلاة الجماعة ، والمشاركة في جمع الصدقات وتوزيعها على مستحقيها ، والمشاركة في تجهيز المساجد لاستقبال المصلين ، والمشاركة في رؤية هلال رمضان وشوال ، وتجهيز قوافل الحج ، كل ذلك يظهر روح الأخوة والتعاون على البر والتقوى ، ويقوي وحدة الصف المسلم ، فلا تقوى بلا أخوة ، (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) .

 

وهو شيء يلاحظ بالتجربة ، فالمسلم الذي يقرأ القرآن وحده يستشعر بحلاوة خاصة حين يقرأ القرآن مع إخوانه لا يستشعرها عندما يخلو بنفسه لقراءة القرآن ، وهكذا الحال بالنسبة للصلاة وسائر العبادات ، تلك الحلاوة هي حفاوة الملائكة ، ونزول السكينة وغشية الرحمة ، يقول النبي r ( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي ؟ قال تقول يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني ؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول وكيف لو رأوني ؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألونني ؟ قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها ؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون ؟ قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها ؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها ؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم ، قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة ،قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) [69] ، وهكذا يجد المسلم إخوانه في مجالس الذكر والتفكر في آيات الله تعالى ، فإذا رأهم هناك ازداد من تقوى الله تعالى لما يجده من الإعانة على الطاعة والبركة في الخير والثواب ما لا يجده بدونهم ، وهنا تتنزل رحمة الله تعالى وتعم كل من يجلس مع المؤمنين المتحابين في الله والمتآخين في الإسلام ، فهم قوم لا يشقى بهم جليسهم ، فتناله الرحمة معهم لمخالطته الصالحين ، وإن لم يجلس معهم للذكر والتلاوة .

 

 

 

[1] ) رواه البخاري ج 2 ص 958 رقم 2545

[2] ) رواه البخاري ج 4 ص 1861 رقم 4622

[3] ) رواه البخاري ج 3 ص 1320 رقم 3413

[4] ) ابن كثير ج 6 ص 212 – وقال وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه

[5] ) رواه أحمد ج 6 ص 52 رقم 24299 وقال شعيب صحيح الإسناد رجاله رجال الشيخين ، وقال الألباني صحيح جدا –السلسلة الصحيحة ج 1 ص 846 رقم 474

[6] ) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 241 رقم 20430

[7] ) رواه ابن أبي شيبة ج15 ص 282 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج 6 ص 161 رقم 2659

[8] ) فيض القدير للمناوي ج4 ص 358

[9] ) فيض القدير للمناوي ج4 ص 358

[10] ) البداية والنهاية ج 6 ص 213

[11] ) البداية والنهاية ج7 ص 267

[12] ) رواه البخاري ج 3 ص 1320 رقم 3413

[13] ) مسند اسحاق بن راهويه ج 1 ص 260 رقم 227

[14] ) رواه البخاري ج 4 ص 1610 رقم 4163 ، وحديث : لا يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة قد رواه الطبراني من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه .فزالت العِلّة التي علّلوا بها ، وهي تفرّد أبو بكرة بهذا الحديث ، ولو تفرّد فإن تفرّده لا يضر  .

[15] ) فتح الباري ج8 ص 128

[16] ) رواه البخاري ج 3 ص 1231 رقم 3414

[17] ) رواه البخاري ج11 ص 442 رقم 3341 ، البداية والنهاية لابن كثير ج6 ص 241

[18] ) البداية والنهاية ج 7 ص 272

[19] ) البداية والنهاية ج 7 ص 245

[20] ) البداية والنهاية ج 7 ص 246

[21] ) رواه أبو داود ج 2 ص 503 رقم 4262 وصححه الألباني

[22] ) وهو الكساء الذي يلى ظهر البعير تحت القتب – عون المعبود في شرح سنن أبي داود الحديث رقم 4262

[23] ) شرح السيوطي لسنن ابن ماجة ج1 ص 285

[24] ) شرح السيوطي لسنن ابن ماجة ج1 ص 285

[25] ) رواه مسلم ج 3 ص 1480 رقم 1854

[26] ) شرح النووي علي مسلم ج12 ص 243

[27] ) رواه الحاكم في المستدرك ج 3 ص 215 رقم 4884 صحيح الترغيب والترهيب للألباني ج 2 ص 285 رقم 2308 ، السلسلة الصحيحة ج1 ص 716 رقم 374

[28] ) رواه البخاري ج 6 ص 2550 رقم 6552

[29] ) رواه مسلم ج 3 ص 1471 رقم 1842

[30] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 231

[31] ) رواه مسلم ج 3 ص 1480 رقم 1853

[32] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج 3 ص 144 رقم 2743

[33] ) رواه أبو داود ج 2 ص 512 رقم 4291 وصححه الألباني

[34] ) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 1 ص 117

[35] ) رواه البخاري ج1 ص 84 رقم 46

[36] ) تفسير القرطبي ج16 ص 319

[37] ) رواه البخاري ج 3 ص 1080 رقم 2797

[38] ) شرح النووي على مسلم

[39] ) رواه البخاري ج9 ص 387 رقم 2601

[40] ) البداية والنهاية ج 7 ص 260

[41] ) رواه أحمد ج 3 ص 33 رقم 11307 وقال شعيب : إسناده حسن رجاله ثقات رجال الصحيح غير فطر – ورواه ابن حبان ج 15 ص 385 رقم 6937 وقال شعيب : صحيح على شرط مسلم

[42] ) رواه مسلم ج 4 ص 2238 رقم 2920

[43] ) « البداية والنهاية » (7/188 (

[44] ) « الفتاوى » (35/76 (

[45] ) رواه البخاري ج 1 ص 172 رقم 436

[46] ) فتح الباري في شرح البخاري ج 1 ص 542

[47] ) تفسير القرطبي ج 16 ص 319

[48] ) تفسير القرطبي ج 16 ص 320

[49] ) السيرة لابن حبان ج 1 ص 538

[50] ) تفسير القرطبي ج 16 ص 319

[51] ) الأدب المفرد ج1 ص 139 رقم 385 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 160رقم 297/385

[52] ) رواه أبو داود ج 2 ص 698 رقم 4921 وصححه الألباني -

[53] ) رواه الترمذي ج 4 ص 599 رقم 2392 وصححه الألباني

[54] ) رواه البخاري ج 2 ص 958 رقم 2546

[55] ) الحافظ بن حجر : شرح حديث البخاري رقم 2546

[56] ) رواه أبو داود ج 2 ص 627 رقم 4662 وصححه الألباني

[57] ) البداية والنهاية ج 6 ص 220

[58] ) رواه البخاري ج 2 ص 962 رقم 2557

[59] ) رواه ابن ماجة في سننه ج 2 ص 788 رقم 2353 وصححه الألباني

[60] ) رواه البخاري ج 2 ص 958 رقم 2549

[61] ) رواه البخاري ج 2 ص 958 رقم 2547

[62] ) رواه البخاري ج 2 ص 958 رقم 2548

[63] ) رواه البخاري ج9 ص 148 رقم 2467

[64] ) رواه البخاري ج 4 ص 1517 رقم 3910

[65] ) رواه مسلم ج 2 ص 741 رقم 1064 

[66] ) فتح الباري ج1 ص 542

[67] ) رسالة التعاليم للشيخ / حسن البنا ، بصرف النظر عما له وما عليه ، أو ما لجماعته من بعده وما عليها ، فالبحث العلمي يؤصل الفكرة الصحيحة وينسبها لقائلها ، سواء اتفق معه في غيرها أو لم يتفق .

[68] ) ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ج5 ص 206

[69] ) رواه البخاري ج 4 ص 2353 رقم 6045

  • الثلاثاء PM 01:08
    2026-04-07
  • 38
Powered by: GateGold