ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أهمية دراسة معادن الناس قبل الشروع في التعبئة العامة
د / احمد نصير
أهمية دراسة معادن الناس قبل الشروع في التعبئة العامة
قال تعالى (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)
سبق أن أشار القرآن إلى المعذرين من الأعراب ، بأنهم قعدوا عن الجهاد ولم يكن لهم عذر ، تكذيبا بهذا الدين وليس تكاسلا ، فهؤلا من المنافقين الذين فُضِح أمرهم بعدما ابتلوا بالغزو، أما الآيات التي نحن بصددها من (97 حتى 102) من هذه السورة ، فإنها تتحدث عن أناس من الأعراب أيضا لكن لم يصبهم ابتلاء من قبل ، ولا يُعرف من أنبائهم شيء ، لكن الله تعالى يخبرنا عن حالهم حتى يتسنى للقيادة المسلمة أن تفهم معادن الناس وأخلاقهم قبل أن تشرع في تجنيدهم وتقوم باتخاذ اجراءات التعبئة العامة دون تبصر لذلك ، فتذكر أن منهم منافقين ، وتذكر منهم المؤمنين وتضمهم للسابقين الأولين ، فهم خير خلف لخير سلف ، كما أشارت على وجه التعيين إلى نوع خاص من المنافقين "متمرسين" تعودوا على النفاق ومندسين بين المسلمين لا يُعلم نفاقهم ، وعدت السورة بكشفهم على أيدي المؤمنين حيث يعذبونهم في الدنيا ثم يعذبهم الله تعالى يوم القيامة ، فينالون عقابهم في الدارين ، واستثنت من دائرة المنافقين أناس اعترفوا بذنوبهم ، أخرجوا أنفسهم من تلك الدائرة بذلك الاعتراف ، فكان اعترافهم بمثابة طوق نجاة لهم عسى الله أن يغفر لهم .
وابتدأ هذا القسم من السورة ببيان غلظة وشدة بعض الأعراب الذين يستهينون بحدود الله ، وبينت مدى تثاقلهم عن طاعة رسول الله ، ومدى صعوبة أخذ أموال الزكاة منهم ، ولعل هؤلاء هم أول من منعوا الزكاة في عهد أبي بكر الصديق ، وكيف أنهم لا يتمنون التمكين للمسلمين ، ويتمنون أن يظهر عليهم أعداءهم .
وفي المقابل بينت السورة أن من الأعراب معدن آخر غير معدن هؤلاء ، فهم يؤمنون بالله ورسوله ويسعدون بما يقدمون من نفقات لعلها قربة لله ، في إشارة إلى النواة الصلبة التي حملت عبء هذه الدعوة من المهاجرين والأنصار ، لكن لا يخلو زمان ولا مكان من اندساس المنافقين بين المؤمنين ، لاسيما طائفة المتمرسين على أعمال النفاق ، كذلك سوف يوجد معهم ويختلط بهم أناس اعترفوا بذنوبهم خلطوا أعمالهم الصالحة بأعمالهم الباطلة لعل الله يتوب عليهم .
قوله (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)"التوبة/97" والمقصود بالأعراب –هنا- "أهل البادية"[1] ، وهم بخلاف أهل الحضر ، وأكثر الناس عزلة ، بينما أهل الحضر أكثر منهم خلطة ، وفي ذلك تحذير شديد للمؤمنين أن ينتبهوا لأخلاق أعراب البادية بوجه خاص ، وذلك أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر ونفاق عرب الحضر ، ويعزى ذلك (لتوحشهم وقساوتهم ، وعدم مخالطتهم لأهل العلم ، وقلة استماعهم للكتاب)[2] ، قال ابن عاشور (لفظ "الأعراب" للاهتمام به من هذه الجهة، أي تنبيه المسلمين لأحوال الأعراب لأنهم لبعدهم عن الاحتكاك بهم والمخالطة معهم قد تخفى عليهم أحوالهم ويظنون بجميعهم خيرا)[3] .
وسبب أنهم أجدر ألا يعلموا حدود الله أنهم لم يسوسهم أحد بل تعودوا على الانطلاق في الصحراء والترحال فحياتهم قاسية جعلت في طبعهم الجفاوة وعدم الانضباط ، قيل أن (من بدا جفا ،ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان أفتتن) [4]، قال المناوي (من بدا جفا) أي من قطن البادية صار فيه جفاء الاعراب ومن اتبع الصيد غفل ) أي من شغل الصيد قلبه ألهاه وصارت فيه غفلة ، (ومن أتى أبواب اسلطان افتتن ) لأن الداخل عليهم إما أن يلتفت الى تنعمهم فيزدري نعمة الله عليه أو يهمل الإنكار عليهم فيفسق)[5].
وليس معنى ذلك أنهم لا ينضبطون ، فذلك ليس مستحيلا إلا أن الجهد المبذول لتجنيدهم أشد من تجنيد غيرهم ، وتعويدهم على الطاعة كذلك أصعب من تعويد غيرهم ، وهكذا ، فهم لا يصلحون لأن ينضووا تحت لواء المجاهدين ، وإن جاز الاستعانة بهم ، في أحوال وظروف معينة وبحذر ، ولعل الإيمان حينما يخالط قلوبهم يغير منها ، يقول سيد قطب (وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع ، ويرفع من تلك القيم ، ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية)[6] .
فأخلاقهم كأخلاق الجمال ،فالبدوي يحتاج إلى الجمال في ترحاله ، فهو كثير الترحال ، والجمال تحتاج لمعاملة خاصة ، فهو حيوان حقود ، إذا غضب من شيء فإنه يكتم غضبه لكن لا ينسى الإساءة مطلقا ويخزن حتى إذا جاء الوقت المناسب انتقم حينها ، وهو في الأحوال العادية سهل سلس الانقياد لكنه إذا اغتاظ أو غضب فإنه يتحول إلى وحش كاسر حقيقة ، ولما كانت الإبل أكثر مخالطة للبدو في الصحراء فإنه كثيرا ما يتخلق البدوي بأخلاقها ويغدر مثلها .
قال رسول الله r (أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ [7]عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)[8]، الفدادين (أصحاب الحروث والمواشي)[9] ، أو (الإبل الكبيرة) [10] ، قال ابن حجر (الفدادين هم أصحاب الإبل الكثيرة من المائتين إلى الألف ، وقال أبو العباس الفدادون هم (الرعاة والجمالون)[11].
قال الرازي (والسبب فيه وجوه :-
الأول : أن أهل البدو يشبهون الوحوش
والثاني : استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم ، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ،
والثالث : أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا ، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فساداً
والرابع : أن من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله r ، وبياناته الشافية ، وتأديباته الكاملة ، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير ، ولم يسمع خبره) [12].
وعن النَّبِيَّ r قَالَ (مِنْ هَا هُنَا جَاءَتْ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) [13]، يقصد الخيانة وأنهم لا ينضبطون في جيش ، قال الخطابي إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه عن أمور دينهم وتلهيهم عن أمر الآخرة ، وتكون منها قساوة القلب ، والمراد بالفدادين (ضد أهل المدر فهو كناية عن سكان الصحارى)[14] .
أهل الوبر (سكان الخيام) الفدادين (رعاة الإبل) يتخلقون بقسوتها أهل المدر بيوتهم من طين ولا يرتحلون
قوله "أهل الوبر" أي ليسوا من أهل المدر[15] لأن العرب تعبر عن أهل الحضر بأهل المدر ، وعن أهل البادية بأهل الوبر)[16]، وقوله (وربيعة ومضر) قبيلتان يرجع إليهما نسب أكثر العرب ، ولا خلاف في نسبتهم إلى إسماعيل عليه السلام[17] ، يقول الحافظ ابن حجر " والذي يظهر أنها من جهة ذكر ربيعة ومضر لأن معظم العرب يرجع نسبه إلى هذين الأصلين ، وقريش الذين بعث فيهم النبي r أحد فروع مضر [18].
فهذا هو الأقرع بن حابس سيّد بني تميم، من أعراب الباديّة ، فعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ r الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ) [19].
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) [20] ، وحاصل المعنى (لا أقدر أن أصنع معك شيئا ، وقد نزع الله الرحمة من قلبك)[21].
وفي ذلك إيماءة لطيفة إلى أن النبي r لما تجاوز وأصحابه فتح مكة ، وخضعت له الجزيرة العربية ، شرع بعد في غزو الروم وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية ، فإن الله تعالى بشره بأن ما قضاه من جهد في جهاد هؤلاء العرب أشد مما سوف يبذله هو وأصحابه في جهاد الروم ، ولعل الله تعالى يخرج من أصلابهم من ينصر هذا الدين ، مثلما فعل أهل المدينة المنورة ، وهو ما شرح صدر الصحابة والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى جهاد "الطلب" ، واشرأبت له نفوسهم ففتح أبناء هؤلاء البدو بعدما أسلم أباؤهم مع صحابة رسول الله والتابعين كثير من البلدان في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، وذلك لما اختلطت أنسابهم وتخلقوا بروح الإسلام .
وهي إيماءة كذلك بأن يحذر النبي في خروجه لجهاد الروم حيث يمر بالعديد من أهل البادية من الأعراب فلا يأمن غدرهم ، وقساوة قلوبهم ، فليحذر حتى لا يغدروا به ، كما حصل في خيانة بئر معونة حيث قتلوا في غداوة واحدة سبعين من خيار صحابة رسول الله كان يقال لهم القراء ، بعث بهم النبي لهم ليعلمونهم القرآن فغدروا بهم وقتلوهم ، قَالَ أَنَسٌ (أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لَحْيَانَ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ فَأَمَدَّهُمْ النَّبِيُّ r بِسَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ ،كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ)[22].
قَالَ أَنَسٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ r فِي الَّذِينَ قُتِلُوا أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأْنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا فَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ)[23]
وكذلك سرية الرجيع من بني لحيان ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ r سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَقَالُوا لَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ فَلَمَّا أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسًى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ قَالَتْ فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَانَتْ تَقُولُ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ :-
مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ......... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ.........يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)[24]
قوله (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ..)(98) فالصدقة تفضح المنافق ، حيث يبدو ظاهرا استشعارهم للمغرم من إخراج أموال الزكاة ، فلا تخرج نفقتهم إلا وهم كارهون ، فعَنِ السُّدِّيِّ "يُعِدُّ –المنافق- مَا يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَرَامَةً يَغْرَمُهَا"[25]. ، يريدون بتربص الدوائر أن (يتخلصوا من إعياء النفقة)[26].
قوله (..وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِر)(98) فعَنِ السُّدِّيِّ "وَيَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ r الْهَلاكَ"[27]، فينكشف ما توارى خلف صدورهم من تمني السوء للمؤمنين ، فحالهم ليس بأفضل من حال الكفار من المؤمنين كما في قوله (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران/120) ، فتراهم يسألون ويكثرون السؤال ليستخبروا عن أنباء المؤمنين في الغزو شوقا إلى تلقي خبر هلاكهم ، كما حصل في غزوة الأحزاب (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب20) .
وهكذا تجد هذه القلوب المتعفة لم يتركها الإسلام –رغم ما بها من عفن - دون أن يدعو النبي وأصحابه لبذل الجهد لإصلاحها ، فهؤلاء لا يثقون في نصر الله للمؤمنين ، وهذا كان ديدنهم قبل غزوة تبوك ، كما حصل في غزوة الأحزاب ، ولعلهم كانوا يجهرون بهذه الأمنية ، قال ابن عاشور (كان من بذاءة المشركين أن يجهروا بتمني هلاك رسول الله r وهلاك من معه من المسلمين)[28] ، ولعلهم بذلك يرغبون في إثبات وجهة نظرهم ، بأنهم أرباب أموال وتجارات ، وأنهم كانوا يسعون في الأصل للحفاظ على وحدة الوطن ، وأنهم مشغولون بالتجارة وتأمين الطرق والجبهة الداخلية ، كما في قوله (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (الأحزاب 13) ، وأن من يخالفهم في هذا الرأي لابد أن تصيبه المهلكة ، ويرجع بالوبال على قومه ، حيث ينشغلون بحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
قوله (..عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ..)(التوبة/98) (دُعَاءٌ عَلَيهِمْ بِالهَلاَكِ وَالدِّمَارِ)[29]، والغرض منه (التحقير) [30]، والمعنى (ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين ، وهو دائر عليهم وحائق بهم)[31] قال الرازي (حاق بهم السوء والفساد بحيث لا خروج لهم منه) [32]،(كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم؛ وتدور عليهم فلا تدعهم ، وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه)[33].
قوله (..وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(التوبة/98) قال ابن كثير أي (سميع لدعاء عباده ، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان)[34].
قوله (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) (التوبة/99) وهي صورة إيجابية للمؤمنين من الأعراب مقابلة للصورة السلبية للمنافقين من الأعراب بما ينفي التعميم ، لينظر القائد المسلم في الأعراب ويسبر عن أخلاقهم وإيمانهم ، فلا يعمم معاملته معهم ، (وفي ذلك إخبار منه تعالى بأن الأعراب ليسوا سواء بل منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر)[35] ، حيث لا يعدم من يوحد الله تعالى ويؤمن به ، ويتقرب إليه بالطاعات والصدقات ، ويتبع سنة رسول الله r قال رسول الله r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[36] ، وإنما لابد من فقه أن الأعراب وبالرغم من أنهم من نشروا هذه الدعوة منهم ، إلا أن منهم المؤمنين ومنهم الفاسقين ، فكان لابد من التميز الخبيث من الطيب منهم .
وقد جعل الله تعالى "الصدقة والجهاد" مسبارين كلاهما يميزان بينهما ، ولذلك تجد أهل الحق والإيمان يكثرون من أعمال القربات وأكثر الناس تمسكا بالسنة ، فهذه الآية تدلنا على أهل الإيمان في الوقت الذي يندس فيه كثير من المنافقين بين المؤمنين ، قال الهراسي" من كانت هذه صفته فبعيد أن لا تقبل شهادته "[37].
إذن الغاية من الجهاد والنفقة هي إرضاء الله ورسوله ، فإرضاء الله بمعنى اتباع شرعه الذي أمر ، وإرضاء الرسول والصلوات عليه بمعنى إتباع سنته في تطبيق شرع ربه ، وفي ذلك أمران :-
الأول : حرصهم على إرضاء الله تعالى واتخاذ كل وسيلة للتقرب منه ، ولا يبخلون بأموالهم ولا أنفسهم عن سبيل الله ، فلا تقف صدقتهم عند حد دفع مال الزكاة وحسب ، وإنما كل ما يُتقرب به إلى الله يسارعون إليه ، فيفعلونه ولا يبخلون ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (..وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ..) [38].
الثاني : حرصهم على إرضاء رسول الله r وأن يقبل صدقتهم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)[39]، (ومعناه اللهم ارحم آل فلان)[40]، قال ابن بطال (قال أهل الظاهر : إذا أخذ الإمام الصدقة من صاحبها وجب عليه أن يدعو له)[41]، ومن ابتغى بنفقته أن يصلي عليه رسول الله بالرحمة والمغفرة ، فإنه أكثر الناس تمسكا بالسنة والتزاما بها ، وأكثرهم صلاة عليه r ، قال رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)[42] ، وهو ما حض عليه القرآن في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)"الأحزاب/56" .
قال الطحاوي (فكان الأعراب المذمومون فيما تلونا هم الذين يغيبون عن رسول الله r حتى لا يعلموا أحكام الله الذي ينزلها عليه ، ولا فرائضه التي يجريها على لسانه ، وكان من هو خلافهم منهم ما ذكرهم عز وجل به من الأمور التي حمدهم عليها وأثنى عليهم بها ، فكان الأسلميون رضوان الله عليهم ممن دخلوا في ذلك ، فكانوا كمن لا يفارقه)[43]
وفي قوله (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة/99) قال الزمخشري (هذه شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف ، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك "سَيُدْخِلُهُمُ" وما في السين من تحقيق الوعد ، وما أدلّ هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها)[44].
قال رَسُولُ اللَّهِ r (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)[45] (وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم يَرحمون يُرحمون، فحينما حصلت منهم رحمة للخلق الذين يستحقون الرحمة فجزاؤهم أن يرحمهم الله تعالى. وقوله: (من في السماء) أي: الله، والمقصود بالسماء: العلو، والله تعالى في العلو فوق العرش، وهذا هو معنى السماء)[46]
قوله (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة/100) تلك هي الفئة التي حملت لواء الدعوة ، ولم تتكاسل عن حمل أمانة هذا الدين منذ أن تشكلت النواة الأولى والصلبة التي أسست هذا الأمر مع رسول الله r ، وهم المهاجرون والأنصار ، ثم تبعهم بعد ذلك بإحسان التابعين الصالحين ، ومن تبعهم إلى يوم الدين ، وكما أنها نصرت النبي r فإن النبي r لم يتخل عنهم رغم ما كانوا فيه من ضعف ، ولم يأبه بغيرهم رغم ما كان عند المنافقين من أموال وأولاد.
فعَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ r اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ r مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ")[47].
أي من طرد أولئك عنه لما علم من كمال أنفسهم ومخالطة الإيمان لبشاشة قلوبهم فلا يفارقه أحدهم لما نزل وتقريب المشركين طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم نظير إعطائه الفىء لجمع من المؤلفة تألفاً له ومنع ذلك عن بعض محتاجي المؤمنين اكتفاء بما وقر في قلبه من نور الإيمان المغني عن التألف ورأى النبي أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئاً ولا ينقص لهم قدراً (فحدّث نفسه) أي بذلك.
فتعلم النبي r يعرف كيف يزن الرجال ، ويقدر سعي المجِدِّين منهم والمجتهدين ، فعن حارثة بن وهْبٍ رضي الله عنه ، قَالَ : سمعت رَسُول الله r ، يقولُ ( ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيف مُتَضَعَّف [48] ، لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّارِ ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ[49]) [50] .
وعَنْ سَهْلٍ بن سعد قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ قَالَ ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)[51].
وهكذا تمكن النبي r بفضل الله ثم بهؤلاء الضعفاء ، وهم قلة من المؤمنين المهاجرين والذين نصروهم من أهل المدينة ، أن يفتح الله علي يديه مكة بأسرها ، وقد اختارهم الله لنصرة دينه والجهاد مع نبيه حتى جاهد بهم الروم ثم الذين من بعدهم ممن اتبعوهم جاهدوا الفرس وغيرهم ممن يلونهم من الكفار ، قال رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)[52]، ولعل هؤلاء الصحابة هم الذين كان يلمزهم المنافقون في الصدقة يستقلونها ويحقرونها ، وهم لا يملكون بذل أكثر من ذلك ، الذين نزل فيهم قول الحق سبحانه (وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) "التوبة/79" بذلوا جهدهم فتقبله الله تعالى وإن كان ضعيفا في نظر الناس لكنه عظيم عند الله .
فالآيات تشير إلى خيرية هؤلاء الصحابة الكرام رغم ما فيهم من ضعف وتضعف ، ولم تعطِ اعتبارا للمنافقين ولا للمتكبرين والمرائين ، وإن كثرت أموالهم وأولادهم ، فعنْ خَبَّابٍ قَالَ جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدَا رَسُولَ اللَّهِ r مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ r حَقَرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ وَقَالُوا إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا قَالَ فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ " وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ " ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَقَالَ "وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ " ثُمَّ قَالَ " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " قَالَ فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَجْلِسُ مَعَنَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ "وَلَا تُجَالِسْ الْأَشْرَافَ " تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا "يَعْنِي عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ " وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " قَالَ هَلَاكًا قَالَ أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ خَبَّابٌ فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ r فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ) [53]
أي أنه هَمَّ بأن يفصل بين هؤلاء وهؤلاء ، وكاد أن يفعل ذلك ليسهل عليه دعوة الأغنياء ورؤساء القبائل بعيدا عن مخالطة الضعفاء والفقراء ، ويسهل الانقياد منهم له ، حرصا وطمعا في إسلام الأغنياء ورؤساء القوم بهذه الحيلة جمعا بين الحسنيين في ظنه ، ولكن الإسلام نهاه عن ذلك .
قوله (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (101) قال ابن عاشور (كانت الأعراب الذين حول المدينة قد خلصوا للنبي r وأطاعوه وهم جهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، ولحيان، وعصية، فأعلم الله نبيه r أن في هؤلاء منافقين لئلا يغتر بكل من يظهر له المودة ، وكانت المدينة قد خلص أهلها للنبي r وأطاعوه ، فأعلمه الله أن فيهم بقية مردوا على النفاق لأنه تأصل فيهم من وقت دخول الإسلام بينهم) [54] .
وعليه كان لابد أن يسبر النبي r عن هؤلاء ويجنبهم الجهاد معه حتى لا يصيب المسلمين خبال منهم ، لاسيما وقد رأي رسول الله انخزال طائفة بثلث الجيش يوم "أحد" ، فلا يغتر المسلمون بعددهم ، فيظنون أنهم بهؤلاء المنافقين كثر ، في حين أنهم بدونهم أقوى وأحسن حالا ، وهو ما كاد أن يصيبهم يوم حنين ، ولكن الله سلم .
وفي قوله (..مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ..) (101) تحذير للمسلمين من صنف من المنافقين ، احترفوا النفاق ليس سعيا لمصلحة مادية وحسب ، ولا حدقا منهم وحنقا على رسول الله r وكفى ، وإنما هم تنظيم كامل من المنافقين يساند بعضه بعضا ، يسعي للإفساد في الأرض ، فالمعنى المراد إيصاله أنهم (تَمَرَّنُوا عَلَيْهِ ، وَحَذَقُوهُ)[55] ، قال ابن القيم (هؤلاء المنافقون قسمان أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون)[56].
وفي قوله (..لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ..) (101) هذا يدل على أن المجتمع المسلم لن يخلو منهم ، وليس بشرط أن يعلمهم النبي r جميعا بأسمائهم ، أو من بعده ، بل يكفي أن تعلمهم بصفاتهم ، وفي ذلك (بيانٌ لتمرّدهم .. يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ)[57].
وفي ذلك حكمة عظيمة من الله تعالى في أن يخفي بعض أمر المنافقين عن النبي r فلا يقطع بأعيانهم وأسمائهم كلهم ،وإن علم بعضهم ، وذلك حتى يتعلم المسلمون من بعده الفراسة ،وفقه التوسم في المنافقين .
قال ابن كثير (تنبيه) قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك ... فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة ، فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) الآية، وقال تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا ) ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى: ( وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) [58]، وقال ابن كثير (هذا من باب التوسم فيهم بصفات يُعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين) [59].
وفي قوله (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) أي سنعذبهم في الدنيا مرتين ، وأغلب المفسرين على أنها الفضح في الدنيا وهو عذاب معنوي ، والعذاب الأول ثابت في قوله (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) [ التوبة : 55 ] ، ما يعني أنهم يعذبون في نعيمهم ، والمرة الثانية عندما يفضحون ويتمكن المسلمون منهم فيقيمون عليهم حدود الله ، ولعلها تكون كفارة لمن يتوب من النفاق منهم.
قوله (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) أي في نار جهنم في الآخرة ، وعذاب القبر وهو عذاب يسبق الآخرة ، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء/145) .
قوله (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (102) استثنت الآية من النفاق من اعترف بذنبه ، وأظهر توبة من أن يصيبه عذاب الله مرتين كما ورد في الآية السابقة ، ولعلها نزلت فيمن تخلفوا عن غزوة تبوك ، لكنهم صدقوا الله ورسوله واعترفوا أن تخلفهم كان بغير عذر مخافة أن يلتحقوا بالكاذبين .
فعن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَنَا (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ ، فَابْتَعَثَانِي ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ، قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ ، فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ ، قَالَا أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ)[60] .
وهؤلاء متى صدرت منهم توبة لابد وأن يتقدمها اعتراف بالذنب ، فإن كان الذنب متعلقا بحق الله خالصا وجب عليهم ستر أنفسهم وتوجيه الإقرار والاعتراف لله ، وطريقة ذلك وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية كما ثبت عَنْ النَّبِيِّ r إذ قَالَ (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ حِينَ يُمْسِي اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)[61].
لذلك قَالَ رسول الله r ( يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ)[62]، قال العلماء (وهذا الاعتراف فيما بينه وبين ربه لا عند الناس ، لأنه يحب الستر والكتمان عن الناس إذا اقترف ذنبًا هو يستطيع أن يكتمه)[63].
أما إن كان للعباد نصيب فيه أقروا لهم بذنوبهم ليستسمحوهم ، ويستحلوا من ذنوبهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)[64]
وهؤلاء التائبون وقد خلطوا قبل توبتهم عملا صالحا بآخر سيئا ، فإنهم ليسوا بمنافقين خالصين ، وإنما أصابوا ذنوبا وهم مسلمون ، ولعل ذلك مثلما قَالَ النَّبِيُّ r (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [65]، قال النووي (القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره)[66]
ودليل ذلك كذلك قوله r (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ – أي أبو ذر الغفاري- وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)[67]، وبذلك يصدق فيهم قول الحق خلطوا عملا صالحا بآخر سيئا ، وشرط ذلك ألا يكون منافقا لقوله r (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ)[68]
فقوله (..عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ..) (102) أي هؤلاء حكمهم أن الله تعالى يتوب عليهم متى أظهروا توبة وصدقوا الله فيها ، فذلك يستوجب ذلك ، لأن ( الرجاء في حقه تعالى واجب) [69]، وترتيبا على ذلك تتجدد ثقة المسلمين فيهم ، ويضحوا أهلا للمشاركة معهم في حمل لواء الدعوة والجهاد في سبيل الله .
لكن الله تعالى لم يصرح في هذا الموضع بقبول توبتهم كما صرح في قوله (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)"التوبة/117" ، وقوله (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) "التوبة/118" ، وقد علم سبحانه صدق توبة هؤلاء الثلاثة فصرح بها ، أما غيرهم فتتوقف توبتهم علي إصلاح أعمالهم وإن اعترفوا بذنوبهم ، ذلك أن (مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة ، فإذا اقترن بالندم على الماضي ، والعزم على تركه مستقبلا ، كان هذا المجموع توبة) [70].
قوله (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (102) ولذلك بوب مسلم بابا بعنوان الحدود كفارات ، وذكر بعده حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) [71].
ولعل فعل هؤلاء القوم في غزوة تبوك أشبه بفعل حاطب البارحة في بدر ، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ r وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ r لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ r مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ حَاطِبٌ وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ r أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)[72].
[1] ) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج2 ص 101 أبو حيان : البحر المحيط ج6 ص 226 التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1ص625
[2] ) البحر المديد ج2 ص 439
[3] ) التحرير والتنوير ج10 ص 186
[4] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج1 ص 175 رقم 556 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج3 ص 267 رقم 1272 ، الجامع الصغير من رواية ابن عباس 1/1125 ، 1/1107 رقم 11069
[5] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 788
[6] ) في ظلال القرآن ج4 ص 65
[7] ) وهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم ، يقال فد الرجل إذا اشتد صوته (النهاية في غريب الحديث والأثر 3/419)
[8] ) رواه البخاري ج11 ص 81 رقم 3057
[9] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23 ص 90
[10] ) شرح الزرقاني ج4 ص 479
[11] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 352
[12] ) تفسير الرازي ج8 ص 125
[13] ) رواه البخاري ج11 ص 317 رقم 2327
[14] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23 ص 90
[15] ) فالمدر هي البيوت المبنية من طين يابس، وأهل المدر هم أهل البيوت المبنية من الطين اليابس. فلا يرتحلون كأهل الوبر
[16] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 352
[17] ) فتح الباري لابن حجر 6/542 ، عمدة القاري للعيني 16/81
[18] ) فتح الباري ج6 ص 531
[19] ) رواه البخاري ج18 ص 403 رقم 5538
[20] ) رواه البخاري ج18 ص 404 رقم 5539
[21] ) بدر الدين العيني : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج32 ص 178 وفيه تعديل في الصياغة
[22] ) رواه البخاري ج10 ص 287 رقم 2836
[23] ) رواه البخاري ج12 ص 498 رقم 3786
[24] ) رواه البخاري ج 12 ص 489 رقم 3777
[25] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 384
[26] ) البحر المحيط ج6 ص 227
[27] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 384
[28] ) التحرير والتنوير ج29 ص 48
[29] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 4468
[30] ) التحرير والتنوير ج10 ص 189
[31] ) البحر المديد ج6 ص 78
[32] ) تفسير الرازي ج14 ص 132
[33] ) في ظلال القرآن ج4 ص 67
[34] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 202
[35] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 101
[36] ) رواه مسلم ج10 ص 39 رقم 3547
[37] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج1 ص 200
[38] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021
[39] ) رواه البخاري ج5 ص 358 رقم 1402
[40] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم ج129 ص 9
[41] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج3 ص 549
[42] ) رواه مسلم ج2 ص 376 رقم 616
[43] ) مشكل الآثار للطحاوي ج4 ص 287 رقم 1501
[44] ) الكشاف ج2 ص 465
[45] ) رواه أبو داود ج13 ص 103 رقم 4290 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 272 رقم 2256
[46] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 249
[47] ) رواه مسلم ج12 ص 144 رقم 4434
[48] ) قال النووي في شرح صحيح مسلم 9/161 ( 2853 ) : (( ضبطوا قوله : ( متضعف ) بفتح العين وكسرها المشهور الفتح ، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا ، وأما رواية الكسر فمعناها : متواضع متذلل خامل واضع من نفسه ، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين )) .
[49] ) (( العُتُلُّ )) : الغَلِيظُ الجَافِي . ((وَالجَوَّاظُ )) : بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: وَهُوَ الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقِيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، وَقِيلَ: القَصِيرُ البَطِينُ. رياض الصالحين (تحقيق الدكتور الفحل ج1ص 183)
[50] ) رواه البخاري ج20 ص 343 رقم 6165
[51] ) رواه البخاري ج16 ص 34 رقم 4701
[52] ) رواه أبو داود ج7 ص 162 رقم 2227 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2ص278 رقم 779
[53] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 155 رقم 4117 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 396 رقم 3328
[54] ) التحرير والتنوير ج10 ص 193
[55] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1337 – شهاب الدين الهائم المصري : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص228
[56] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 189
[57] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 204
[58] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 180
[59] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 204
[60] ) رواه البخاري ج14 ص 242 رقم 4306
[61] ) رواه أبو داود ج13 ص 265 رقم 4408 وصححه الألباني : صحيح أبي داود
[62] ) رواه البخاري ج9 ص 148 رقم 2467
[63] ) المباركفوري : مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج8 ص 34
[64] ) رواه البخاري ج8 ص 323 رقم 2269
[65] ) رواه البخاري ج8 ص 369 رقم 2295
[66] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 41
[67] ) رواه البخاري ج18 ص 147 رقم 5379
[68] ) رواه البخاري ج1 ص 174 رقم 97
[69] ) البحر المديد لابن عجيبة ج2 ص 443 الكشف والبيان ج5 ص 88 الدر المنثور ج5 ص 153 بحر العلوم ج2 ص 262 الألوسي ج6ص115 الرازي ج8 ص 133
[70] ) ،( تفسير الرازي ج8 ص 133)
[71] ) رواه مسلم ج9 ص 89 رقم 2332
[72] ) رواه البخاري ج12 ص 378 رقم 3684
-
الاحد PM 03:25
2026-05-24 - 19



