ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تحديد المخاطبين بأحكام الخدمة العسكرية
د / احمد نصير
تحديد المخاطبين بأحكام الخدمة العسكرية
وذلك من خلال اتخاذ اجراءات معينة تتضمن تسريح غير اللائقين بأداء هذه الخدمة ، وتثبيت اللائقين والجديرين بها ، وفي ذلك مسألتان :-
- تسريح أولي الطول من المخلفين من أداء الخدمة العسكرية ، وتجريدهم من شرف الجهاد مع المسلمين .
- التفرقة بين المعتذرين والمعذُورين ، وترتيب أحكامهما وفقا لهذه التفرقة .
المسألة الأولى : تسريح غير اللائقين بالخدمة العسكرية
قال تعالى (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)
قوله (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (81) قال الرازي (فرح المخلفون بالإقامة على كراهة الذهاب) أي (مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار)[1] ، فالنفير للجهاد مشقة كبيرة لا يتحملها إلا مجاهد ، وليس كلمة تقال ، فما قيل عن الجهاد ليس كمن عايشه ، فالجهاد ليس سياحة ترفيهية ولا تجارة أو مرح ، بل هو قلة الطعام وقلة النوم وكثرة الحركة واستنفاد الجهد
ويجب على المجاهد أن ينفر في أي حال وعلي كل ظرف ، ويطوع نفسه وفق الظروف المختلفة ، ففي قصة طالوت وجالوت ، ابتلى الله المجاهدين في سبيل الله بشدة الحر وقلة الماء وقلة العتاد ، حتى يصدق للخروج من هم أهله ، يقول النبي r (المجاهد من جاهد نفسه في الله)[2]، وقد بوب البخاري بابا بهذا العنوان (بَاب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ)[3]، قال المناوي (أي قهر نفسه الأمارة بالسوء على ما فيه رضا الله من فعل الطاعة وتجنب المعصية ، وجهادها أصل كل جهاد ، فانه مالم يجاهدها لم يمكنه جهاد العدو الخارج)[4] .
وقد علق الله سبحانه حصول"الهِداية" للعبد بالجهاد في قوله"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" ، قال ابن القيم (فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا ، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوي وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة فى الله هداه الله سبل رضاه الموصلة الي جنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد)[5] .
أما من يخرج للمغنم فلا شك أن نيته ليست للجهاد في سبيل الله ، فشتان بين من طلق الدنيا وباع نفسه لله ، وبين من اشترى الدنيا بدينه ، فتراه يتخير من الظروف أنسبها وأيسرها للغزو ، فإذا وجد في الجهاد مشقة أو ظن أن في الغزو مهلكة ، فإنه يعزف عن الجهاد بالكلية ، ويدعو غيره من المنافقين للقعود معه حتى لا يظهر تخلفه وحده من بين الناس .
قوله (..قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (81) قال ابن القيم (أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من رافق الراحة فارق الراحة ، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة ، فإنه بقدر التعب تكون الراحة)[6] ، وقال أبو حيان (من تصوّن من مشقة ساعة ،فوقع بذلك التصوّن في مشقة الأبد ، كان أجهل من كل جاهل)[7].
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكريم الكرائم
ويكبر في عين الصغير صغيرها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
وقال ابن القيم (إن بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة ، فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ،ولا نعيم لمن لا شقاء له ، ولا راحة لمن لا تعب له ، بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا ، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد ، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة ، والله المستعان ولا قوة إلا بالله ، وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلا كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل)[8] .
كما قال المتنبي : وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقال ابن الرومي : قلب يظل على أفكاره وئد ... تمضي الأمور ونفس لهوها التعب
قوله (..فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (82) تصور الآية استخفاف المنافقين بأمر الجهاد ، وعدم أخذه مأخذ الجد ، بل والاستهزاء بالصحابة المجاهدين ، فتصورهم وهم يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين الذين يتحملون مشقة الغزو في سبيل الله ، يظنون أنهم قد نجو مما وقع فيه المسلمون من مشقة وتعب ، وظنوا أنهم نجوا من المهلكة ، أما المجاهدون الذين ذهبوا مع رسول الله في تلك الغزوة الشاقة المحفوفة بالمخاطر ، فهم في ظنهم انتحاريون لن يعود منهم أحد ، بل وتمنوا ذلك بالفعل ، والله شاهد على أمنيتهم في قوله (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا)(الفتح/12) .
وفي قوله (فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ) (83) قال ابن عاشور (يجوز أن تكون هذه الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعا في الغنيمة أو نحو ذلك ، ويجوز أن يكون طائفة من المخلفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو، وعلى الوجهين يحتمل أن منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو لمجرد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا ، وما أُمِر النبي r بأن يقوله لهم صالح للوجهين) [9] .
وأرى أن النص على ظاهره ، فيحمل على المنافقين لأنه ورد نهي النبي r على الصلاة على من مات منهم في الآية التي تليها ، وأرى أن ابن عاشور اعتمد في تأويل الوجه الثاني على القياس ، فيأخذ من تاب منهم ذات الحكم من باب الاحتراز وسد الذريعة ، أي التسريح من شرف الخدمة العسكرية .
قال طنطاوي (دليل على أن الشخص إذا ظهر منه مكر وخداع وبدعة ، يجب الانقطاع عنه ، وترك مصاحبته ، لأنه - سبحانه - منع المنافقين من الخروج مع الرسول r إلى الجهاد ، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات)[10].
قال القرطبي (هذا يدل على أن استصحاب المخذّل في الغزوات لا يجوز)[11] ، وقال الرازي (لما بيَّن - تعالى - مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بيَّن - بعد ما عرف به الرسول - أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته لأن خروجهم معه يوجب أنواعاً من الفساد)[12].
قال صاحب الظلال (إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق ، والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب ، فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعيداً عن الصف وقاية له من التخلخل والهزيمة . والتسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة ، ثم يعودون إليه في ساعة الرخاء ، جناية على الصف كله ، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحة المرير . .)[13] .
قوله (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) (84) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r وَقَالَ أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا ، قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا إِلَى قَوْلِهِ وَهُمْ فَاسِقُونَ) قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَئِذٍ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)[14].
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r فَأَنْزَلَ اللَّه (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)[15].
قال ابن تيمية (الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقَهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ إذَا مَاتُوا وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ r وَالْمَقْبَرَةُ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ يُدْفَنُ فِيهَا كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُنَافِقِينَ مَقْبَرَةٌ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَكُونُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَقْبَرَةٌ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا ، وَمَنْ دُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ)[16] .
قوله (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (85) في الآية حض للمؤمنين أن يغضوا الطرف والنظر عما عند المنافقين من أموال والأولاد ، فلا خير فيهم ولا فيما عندهم مع ما يضمرونه من نفاق ، فلن يخسر الإسلام شيئا إذا ما تم تسريحهم وتجنيبهم المشاركة في الجهاد ، بل سوف يظفر الصف التطهر منهم .
قال ابن عاشور (وقد يثور في نفوس الناس أن المنافقين حصلوا سعادة الحياة الدنيا بكثرة الأموال والأولاد ، وهم أعداء الله ويبغضون نبيه ، فلربما كان في ذلك حيرة لبعض المسلمين، فأعلم الله المسلمين أن تلك الأموال والأولاد وإن كانت في صورة النعمة فهي لهم نقمة وعذاب ، وأن الله عذبهم بها في الدنيا بأن سلبهم طمأنينة البال عليها) [17].
ونظير هذه الآية قوله (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)"التوبة/55" وقيل إن في الآية تقديم وتأخير والمعنى (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة)[18].
قيل والمقصود من هذا التكرار- مع مراعاة الفروق بينهما بحسب موقعهما في السياق[19] – أن (تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده ، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه)[20] .
وقد أشار الخازن إلى فائدة أخرى بأن يعتقد المخاطب أن العمل به مهم قال (وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه ، وهو أن أشد الأشياء جذباً للقلوب والخواطر الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير منه مرة بعد أخرى ، وبالجملة فالتكرير يراد به التأييد والمبالغة في التحذير من ذلك الشيء الذي وقع الاهتمام به)[21] ، أي مهما كان مع المنافقين من أموال وأولاد فلا يجوز إشراكهم في جهاد ولا في اتخاذ القرارات ، فهم وبال على هذه الأمة ولا يجوز الانخداع بهم لأجل أموالهم .
قوله (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)(85) قال الألوسي : (وأصل الزهوق الخروج بصعوبة) [22]أي أنهم يعيشون في ضنك في هذه الحياة الدنيا طالما تلبسوا بالكفر ، وعَنِ السُّدِّيِّ " وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ " قَالَ:"تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[23] ، كما في قوله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه/124]
قال المفسرون أنهم يموتون وهم كفار ، أي تخرج أنفسهم من أجسادهم وهم على هذا الحال من الكفر ، قال ابن كثير (وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه)[24] .
المسألة الثانية : التفرقة بين المعتذرين والمعذُورين وترتيب حكمهما وفقا لذلك
قال تعالى (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)
قال تعالى ( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)
قال تعالى (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)
قوله (وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ..) (86) والسورة المشار إليها هي سورة التوبة ، والمقصود أن فيها الأمر بقتال المشركين ، والحض على جهاد الطلب ، بمناسبة غزوة "تبوك" كما في قوله تعالى (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) "التوبة/29" ، فأُمر الرسول بأن يقاتل الناس – الذين ليس لهم عهد ولا ذمة - حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)[25] ، فالجمع بين الحديث والآية أن الأصل أن يعاهدوا أو يسلموا ، فإن لم يعاهدوا ولم يسلموا فلا مفر من قتالهم ، والمقصودون بالقتال هم المشركون الذين لا يراعون عهدا ولا ذمة .
ورغم أن السياق في شأن جهاد الطلب وهو فرض على الكفاية إلا أن القرآن عاتبهم على التخلف عن الخروج لأن رسول الله r قد كلفهم به ، ولا يجوز التخلف عن القتال متى عينه الإمام على الجميع ، فما بالك إذا كان الرسول هو الذي استنفرهم جميعا له حتى وإن كان جهاد فرض على الكفاية طالما عين الإمام الطائفة التي تخرج معه .
قوله (..اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ) (86) والمقصود بأولي الطول أهل "القدرة والغنى"[26] ، أي "القادرون على تكاليف الجهاد من المنافقين"[27]، عن ابن عباس (أولوا الطول منهم) ، يعني: (الأغنياء)[28].
فلا يمنعهم من الجهاد مرض أو ضعف ، ولا قلة مال يشترون به السلاح أو فرس يركبونه ، وحججهم للقعود والتخلف عن الخروج كثيرة ، وقد سئم المسلمون اختلاقهم لحجج جديدة كل مرة ، والمألوف منها قولهم إن بيوتنا عورة كما قالوها في غزوة الأحزاب ، أي يريدون حمايتها دون أن يكلفهم النبي r بذلك ، هروبا من القتل في سبيل الله وتجنبا لمشقة السفر ومفارقة متاع الدنيا ومخافة الاخشوشان للجهاد .
ولا أظن أن هناك حجة مقنعة –في ظنهم- يمكن أن تلوكها ألسنتهم للقعود مع العجزة والنساء والصبيان غير ذلك ، وإلا كيف يستأذنون بغير تلك الحجة الواهية ، لكنهم ورغم ذلك يفضحون أنفسهم ويحتجون بضعف إيمانهم وأنهم لا صبر لهم على بنات بني الأصفر (الروم) كما في قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (التوبة 49) .
قوله (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ ..) (87) فهؤلاء المنافقون رضوا لأنفسهم التخلف عن رسول الله r في الغزو فرحين بما فتنوا به من متاع الدنيا رغبة ألا يفارقوا شيئا منه ، رضوا بأن يجمعوا الثمار ويقاربوا الزوجات ويلهون ويمرحون ، وأخوانهم يذهبون ليقاتلوا عدوهم في السفر البعيد والمشقة والحر الشديد.
وهو رضاء بالحياة الدنيا كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يونس 8) ،فيصور الله ما هم فيه من الدناءة والخسة ، وقد تركوا الجهاد مع الرجال وارتضوا لأنفسهم أن يقعدوا مع النساء ، قال ابن عجيبة (وهو استئناف لبيان ما هو السبب لاستثنائهم من غير عذر ، وهو رضاهم بالدناءة ، والانتظام في جملة النساء والصبيان؛ إيثار للدعة والكسل)[29] .
قوله (..وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) (87) فالذي دفعهم لتلك الحالة من الضعف والخسة عدم التفقه في الدين ، ومعرفة فقه المآلات ، والتمييز بين العزة والدناءة ، سيما وقد أشرفت قلوبهم كثير من الفتن حتى خربت وصارت على هذا الحال ، أي حتى طُبِّعت على الكفر ، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)[30] .
فقوله "كالحصير" يعني أن الفتن تحيط بالقلوب فتصير القلوب كالمحصور المحبوس ، وقوله " عُودًا عُودًا " أي مرة بعد مرة ، ومعنى "أشربها" قبلها وسكن إليها ، وقوله "نكت فيه" أي ظهر فيه أثر ، وقوله "حتى تصير على قلبين" يعني القلوب ، و"الصفا" الحجر الأملس ، وقوله "مربادا" المرباد والمربد الذي في لونه ربدة وهي لون بين السواد والغبرة كلون النعامة ، وقوله "كالكوز مجخيا" المجخي المائل ، والمعنى مائلا عن الاستقامة منكوسا)[31].
وقد كان الصحابة يستقلون لأنفسهم أن يُستخلفوا على المدينة بدلا من أن يخرجوا إلى الجهاد ، رغبة منهم في تحصيل أجر الجهاد كاملا ، وشوقا للشهادة في سبيل الله ، وذلك بالرغم من أن الله لم يفرض الجهاد على الكافة ، كما في قوله تعالى (ما كان المؤمنين لينفروا كافة) ، وبالرغم من ذلك فإنهم كانوا يعدون ملاقاة العدو أعظم في الأجر .
فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي)[32]جاء في الشرح (خلّف علياً في المدينة ليكون قائماً بشئون أهل بيته ، ومن بقي في المدينة من أهل الأعذار، ولما خرج الرسول r وأصحابه نظر علي وإذا به وحده مع النساء والصبيان ، مع أنه من أهل الشجاعة رضي الله عنه ، ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولا يريد أن يتخلف عن رسول الله r، أي(إني خلفتك في المدينة حتى أرجع كما خلف موسى أخاه هارون حتى يرجع)[33].
قوله تعالى (..لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (88) استدراك بيان بعقد المقارنة بين هؤلاء المتخاذلين عن نصرة دين الله ، وفريق المؤمنين المؤيدين لنبيهم والذين يجاهدون معه في كل ساح ، قال أبو حيان (لما ذكر أنّ أولئك المنافقين اختاروا الدعة وكرهوا الجهاد ، وفروا من القتال ، وذكر ما أثر ذلك فيهم من الطبع على قلوبهم ، ذكر حال الرسول والمؤمنين في المثابرة على الجهاد ، وذكر ما لهم من الثواب)[34] .
قال ابن جزي أي (إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه)[35] ،كقوله تعالى (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين) [ الأنعام : 89 ] ، قال حقي (لم يختل أمر الجهاد بتخلفهم)[36] ،وقال الزمخشري أي (إن تخلف هؤلاء فقد نهد – أي نهض[37]- إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقداً) [38].
قوله (..وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (88) فالجهاد كله خير ، قال تعالى (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة/41) ، وقال تعالى (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف/11) ، ويكفي من ذلك كله أن يقترن الجهاد بالإيمان بالله ، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ)[39]
ويقول النبي r (طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ) [40].
("طوبى" يعني الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة لهذا العبد)[41] ، رغم أنه جاء في الحديث ما يدل على عدم اهتمام الناس به وأنه لا يزكى عند الناس ولا يشفع ، ولكنه ورغم ذلك يعيش هانئا طيبا في الدارين
قال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض[42].
طوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه ... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه
رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما وَسْمُه
ما زال يستحقرُ الأُولَى بِهمَّته ... حتى ترقّى إلى الأخرى به هِمَمُه
فداك أعظمُ من التاج مُتّكئاً ... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه
يقول الدكتور سلمان العودة (ليس للمسلمين طريق للعزة إلا طريق الجهاد في سبيل الله، فربما يقول بعض الناس بعدما ينتصر ، لعلنا نستريح قليلاً، ولعل الدماء تتوقف ، ولكني أقول: إن الأنبياء جاهدوا في سبيل الله، وأوذوا في سبيل الله، واستشهد كثير من خير أمة أخرجت للناس، في سبيل الله، وسفكت دماؤهم، وجاهدوا في سبيله، وعانوا وأوذوا وأخرجوا، أنريد نحن اليوم أن نستريح ، وربنا سبحانه وتعالى يريد لنا الخير في الجهاد؟!)[43] ، فالخير في الدنيا يتمثل في العزة والكرامة والمغنم والكلمة العليا ، وفي الآخرة بالجزاء والرضوان والفلاح
قال الشوكاني ("الخيرات" جمع خير ، فيشمل منافع الدنيا والدّين)[44] ، وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ r وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ لَهَا هَبِلْتِ أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى)[45]
وقد وصف آخر الآية المجاهدين بأنهم هو المفلحون ، يقول سيد قطب (... الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم)[46]، وهو وصف يدل على تجدد الخير ، وعدم نضوبه ، فكلما أفلح الفلاح في الأرض كلما شق الأرض وبذر البذر وسقي الزرع ، فنبت وأثمر واقتطف من ثماره ، وكلما اقتطف ثمرة نبتت ثمرة أخرى ..وهكذا يظل يفلح في الأرض فيثمر الزرع ويقتطف ويأكل ..الخ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا يَقُولُ حَتَّى أُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا يَرَى مِمَّا أَعْطَاهُ مِنْ الْكَرَامَةِ)[47]
قوله (أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (89) وقد فهم هذه الآية عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ صاحب مقولة (بخ بخ ..فقال (إنها لحياة طويلة) ، روي أنه لما دَنَا الْمُشْرِكُونَ يوم بدر فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) قَالَ يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ نَعَمْ قَالَ بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ)[48].
فعمير بن الحمام فهم أن تلك التمرات تعوقه أو تؤخره عن دخول الجنة فتركها حتى يدخل الجنة ولا يتأخر عن دخولها حتى يأكل منها ، ونحن -الآن- مشغولون بالدنيا ، ولا شك أننا إذا أردنا الجنة لابد وأن نتجرد من شواغل الدنيا لنقبل على الله تعالى بشواغل الآخرة ، وخير ما يقربنا للآخرة الجهاد في سبيل الله .
قوله (وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (90) (شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة)[49]
قوله (..الْمُعَذِّرُونَ..) (90) أي (المعتذرون ادغمت التاء في الذال فصارت الْمُعَذِّرُونَ)[50]
قال أبو السعود (من الأعراب أو من المعذّرين ، فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره) [51].
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ "وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ" قَالَ:"وَهُمْ أَهْلُ الْعُذْرِ"[52] ، أي أن من هؤلاء القوم منهم أصحاب أعذار
، وعَنِ مجاهد " الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ" قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا فلم يُعذرْهم الله)[53].
قوله (..وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ..) (90) أشارت الآية إلى أن منهم من كذبوا الله ورسوله ، فعن الحسن كَانَ يَقْرَأُ " وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ " قَالَ:"اعْتَذَرُوا بِشَيْءٍ لَيْسَ بِحَقٍّ"[54] ، " قال الألوسي (والمُعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجِدَّ ، وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له)[55].
ولفظ (وقعد) يوحي بأنهم لم ينتظروا إجابة رسول الله r لاعتذارهم عن الجهاد ، بل قعدوا قبل أن يقبل عذرهم ، ما يدل على عدم المبالاة ، وأنهم قدموا الأعذار ليبيضوا وجوههم أمامه ، ويكون ذلك سببا لدفع شبهة النفاق عنهم ، وإن لم يقبل عذرهم .
قوله (..سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (90) وهؤلاء الذي قعدوا نفاقا لا تكاسلا ، فسماهم الله كافرين ، وهؤلاء يتهددهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[56] ، يعني: (أصابه بعذاب أو بمصيبة يحصلها في الدنيا قبل يوم القيامة عقوبة له على كونه ما غزا ولا ساعد في الغزو ولا خلف غازياً في أهله بخير)[57] ، وقد وصف الله المنافقين من قبل بالكفر ، وتهددهم هنا بالقارعة لتخلفهم عن الجهاد ، كما تهدد الذين كفروا في قوله (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (الرعد 31) .
قوله (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (91) هؤلاء ليسوا بأصحاب أعذار ، فلا يليق أن يأتوا الإمام ليتعذروا منه ، بل هم معفون من الخروج للقتال على الدوام، لأنهم غير لائقين للجهاد لعدم اللياقة البدنية والصحة الجسدية ، أي من لا يقدر على الجهاد لضعف أو مرض ، أو من ليس له مال ليشتري به ما يركبه في الغزو ، قبل أن تتولى الدولة تأسيس جيش نظامي مدرب مسلح بتجهيزات خاصة ، قال المفسرون ، يعني بالضعفاء : (الفقراء؛ لأنَّ حضورهُم يكون كلاًّ ووبالاً على المجاهدين)[58] .
وكذا العجزة وأصحاب الأمراض المزمنة التي تسبب عجزا كليا أو جزئيا بسبب عاهة مستديمة ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَكُنْتُ أَكْتُبُ بَرَاءَةَ، فَإِنِّي لَوَاضِعٌ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِي إِذْ أُمِرْنَا بِالْقِتَالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ r يَنْظُرُ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ، إِذْ جَاءَ أَعْمَى، فَقَالَ: كَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَعْمَى ؟ فَنَزَلَتْ: " لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ " قَالَ:"نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي غَيْرِهِ"[59].
ولذلك لم يضعهم الله ضمن أصحاب الأعذار ، لأن علي الإمام واجب أن يكشف بنفسه عن عدم لياقتهم للجهاد ، وهذا في إطار التحول من جيش يتم استنفاره بحسب الحاجة في كل مرة ، إلى تأسيس جيش نظامي دائم مستعد للقتال ومتأهب له في كل وقت ، فيستبعد الإمام الضعفاء والمرضى من الانخراط في صفوف المجاهدين المقاتلين ، لكن يجوز له أن يكلفهم بأعمال غير قتالية ، ولعل من أهمها رفع الروح المعنوية للجند بالنصيحة والحض على الجهاد وبيان أحكامه لهم ، هذا إن كان منهم أهل للعلم أو القيام بأعمال الخدمة العامة كالتمريض أو تحضير الطعام للجند أو نقله إن كانت حالتهم الصحية تسمح بذلك ، ولذلك أتى الله تعالى بأبسط مثال لمن لا يقدر على هذه الأعمال وهي النصيحة ، فهي واجبة في حق الكهل العجوز الذي لا يقدر على السير ، ولكنه قادر على إسداء النصيحة ولو على فراشه ، وذلك حتى لا تتخلف عنه نية الجهاد ولو بالكلمة وهو قعيد الفراش لا يتحرك ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
قوله (..إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ..) (91) يعني أنه يرفع عنهم الحرج في الخروج للقتال بشرط أن يكون لهم دور موازي للجهاد في حماية الجبهة الداخلية ، بأن يكون لهم دور تربوي ودعوي ومعنوي في شحذ همم الناس للقتال ، وتحريضهم على الجهاد والاستعداد له ، وتربية النشء على ذلك ، فهؤلاء يستبدلون ما يبذلونه من جهد تربوي محل فريضة الجهاد التي سقطت من عليهم .
بهذا نفهم أن المجتمع كله يجب عليه أن يجاهد في سبيل الله ، فمن لم يقدر على الجهاد بالسيف ، يجاهد بالكلمة والنصيحة ، ولا يبغي لأحد أن يسكت أو يقعد ليس له دور في المجتمع المسلم ، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)[60] ، قال أبو حيان (وشرط في انتفاء الحرج النصح لله ورسوله ، وهو أن يكون نياتهم وأقوالهم سراً وجهراً خالصة لله من الغش ، ساعية في إيصال الخير للمؤمنين ، داعية لهم بالنصر والتمكين)[61].
والنصيحة واجبة في كل مكان وعلى كل أحد ولكل فرد في الأمة سواء أكان جنديا أو قائدا ، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)[62].
قال المناوي (بولغ فيه حتى جعل الدين كله إياها )[63]، وما ألطف قول الشاعر : -
نزه لسانك عن نفاق منافق ......... وانزع فإن الدين نصح المؤمن
وقَالَ r (حق المسلم على المسلم ست قيل ما هي يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له..)[64].
قال ابن الأثير (النصيحة : كلمة يُعَبِّرُ بها عن جملة هي إرادة الخير للمَنْصوح له وليس يُمكنُ أن يُعَبَّر هذا المعنى بكلمة واحدة تَجْمَع معناه غيرها ، وأصل النُّصْح في اللغة : الخُلوص . يقال نَصَحَتُه ونَصحتُ له . ومعنى نصيحةِ اللَّه : صِحَّةُ الإعتقاد في وَاحْدانِيتِّه وإخلاصُ النِيَّة في عبادتِه
والنصيحة لكتاب اللَّه : هو التصديق به والعمَلُ بما فيه
ونصيحة رسوله : التصديق بنُبُوَّته ورسالتِه والانْقياد لما أمَر به ونَهَى عنه
ونصيحة الأئمة : أن يُطِيعَهم في الحق ولا يَرى الخروجَ عليهم إذا جارُوا
ونَصيحة عامّة المسلمين : إرشادُهم إلى مصالِحِهم) [65]
ولا غرو أن تصل نصيحة أصحاب الأعذار لأهل الأعذار المقيمين معهم ، ولهم الحق في الخروج كذلك لإيصال نصحهم لأهل الجهاد كذلك سواء قبل الخروج للغزو أو بمشاركتهم معهم الخروج ونصيحتهم في الغزو ، فلا يمنع صاحب العذر من الخروج متى أمكنه ذلك ، قال أبو حيان (ونفي الحرج لا يتضمن المنع من الخروج إلى الغزو ، فلو خرج أحد هؤلاء ليعين المجاهدين بما يقدر عليه من حفظ متاعهم أو تكثير سوادهم ولا يكون كلاًّ عليهم ، كان له في ذلك ثواب جزيل) [66].
فهذا عمرو بن الجموح ، كان رجلا أعرج شديد العرج فكان له بنون أربعة يشهدون مع رسول الله r المشاهد أمثال الأسد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له : إن الله قد عذرك ، فأتى رسول الله r فقال : يا رسول الله ، إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ، فقال رسول الله r « أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك » ، وقال لبنيه : « لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة » فخرج معه فقتل يوم أحد)[67].
وهذا ابن أم مكتوم شهد معركة القادسية وهو أعمى وحمل اللواء ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : اسْتَخْلَفَ رَسُولُ الله r ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ)[68].
قوله (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ)(92) هذا قبل أن يؤسس المسلمون جيشا نظاميا مدربا محترفا متأهبا للقتال كل الوقت ، ويُنفق عليه من بيت مال المسلمين ، ولا يحتاج إلى مساهمة الجند لتجهيز أنفسهم للقتال ، بل تكفل الدولة تجهيزهم ، وهو ما يكشف لنا عن صعوبة الجهاد في سبيل الله في زمن رسول الله r حيث كان الجهاد بالمال يسبق الجهاد بالنفس .
وهذه الآية تبين أصحاب الأعذار الحقيقية الذين نووا الجهاد في سبيل الله لكن حال بينهم اللحوق بالمسلمين عذر مادي يتمثل في قلة النفقة ، وعدم امتلاك وسيلة النقل أو السلاح للفقر ، ذلك أن غزوة تبوك كانت بعيدة المنال ، ولم يكن جيش رسول الله r يصل إليها إلا بعد أيام عديدة تتجاوز الشهر ، فلم يكن يقبل رسول الله r في تلك الغزوة مترجلا ، وإنما محاربا على فرسه أو بغلته ، فمن لم يكن معه دابة لم يتمكن من اللحوق بالنبي r ، وكان منهم من يشتاق لمصاحبة النبي r في تلك الغزوة ، فلما لم يجدوا راحلة وقد تخلفوا عن الجهاد لأجل ذلك رقت أعينهم بالدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقونه لعدة الجهاد ، ومثلهم في ذلك أصحاب الأمراض والضعفاء من الكهلة والعجزة .
فقد كان النبي r يرد بعض الناس عن الغزو معه لأجل أنه لا يوجد بعير – جمال أو أحصنة – ليحملهم عليها ، فلما أوتي بمال أمر الذين ردهم بأن يأتوا ليشتروا بهذا المال بعيرا فيركبوه ليحقوا به في الغزو ، ولذلك سميت بغزوة العسرة لأن كل ظروف القتال كانت عسيرة في تلك الغزوة ، مما استبان منها الصادق من المنافق .
فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ " وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ r وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ r وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ r فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَبْتُهُ فَقَالَ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ r يَدْعُوكَ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ إِنَّ اللَّهَ أَوْ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ " فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ r يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ r لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالُوا لِي وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ r مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى) [69].
أما الذين لم يجدوا شيئا من البعير ليركبوه ، فتخلفوا لأجل ذلك عن رسول الله r كانوا ينوون مشاركته ، ولكن منعهم قلة الحيلة ، فهؤلاء يأخذون أجرهم بنياتهم وهمهم لا بأعمالهم التي قصرت عن ذلك ، فعَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)[70] .
فالله تعالى لم يحرمهم الأجر ، بل جعل أجرهم عليه سبحانه ، أي ضمنه وكأنهم شاركوا أخوانهم الغزو لصدق النية ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r ( ِإنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[71] ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[72]، وفي رواية (حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ)[73].
قوله (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (93) أي العتاب واللوم ينصب على الأغنياء الذين يجدون سعة في المال وقوة في الجسد ولكنهم يستأذنون النبي ليتخلفوا عن غزوة تبوك ، فهؤلاء حالهم بخلاف حال المؤمنين الذين لا يجدون ما ينفقون فيبكون أن تخلفوا اضطرارا لعذر لهم
فشتان بين هؤلاء المتخلفين وبين من استعملهم الله لنصرة دينه ، حيث إن مساهمات الصادقين وإن قلت أبرك من بخل الأغنياء المنافقين ، ولن ينتظر المسلمون مساهمتهم وهم في شح مطاع وهوى متبع ، وفي ذات الوقت يتسارع أصحاب النبي r لتجهيز جيش العسرة ، وقد حضهم النَّبِيُّ r على الإنفاق لتجهيزه فقال (مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ ، وَقَالَ مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ)[74] ، وعن أبي هريرة قال : (اشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه الجنة من النبي r مرتين بيع الحق ، حيث حفر بئر معونة وحيث جهز جيش العسرة)[75] .
فمثل هذه المنقبة من عثمان ابن عفان لم تجعله يكتف بذلك ويتخلف عن الغزو ، وإنما جاهد مع رسول الله r في تلك الغزوة ، وعن عبد الرحمن بن سمرة قال (جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي r بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبي r) قال فجعل النبي r يقلبها ويقول (ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم قالها مرارا)[76].
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ شَهِدْتُ النَّبِيَّ r وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُ مِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَنْزِلُ عَنْ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ)[77]، يعني أنه كان يتصدق بحسب حاجة الجيش للتجهيز ، فلما تصدق بمائة ثم حض الرسول على الزيادة تصدق هو بالزيادة فبلغ مائتين ، ثم لما حض على الزيادة كل ذلك على أن حاجة الجيش لا تزال ناقصة فتصدق بثلاثمائة فكانت كافية .
وفي مقابلة هذه الصورة من التضحية والفداء والبذل والعطاء ترى صورة تخاذل بعض الأغنياء عن نصرة الإسلام ، وهم يتقلبون في الصحة ونعم الله ، فهؤلاء المنافقون هم الذين طبع الله على قلوبهم وهم لا يعلمون ، ولعل هؤلاء هم الذين ظهر نفاقهم حين حاصروا عثمان وقتلوه غيرة منه ، وكانوا شهداء على أنه جهز جيش العسرة ، وقد ذكرهم عثمان بالذي كان منه حتى يرق لهم جفن ، فقال (فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن رسول الله r قال من يجهز جيش العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالا ولا خطاما ، قالوا "نعم" قال اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد) [78]، ففي الشرح (أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله.. الحديث)[79]لكنهم لم يرق منهم أحد له ، فقتلوه ، فعُلم أن الله طبع على قلوبهم وهم لا يعلمون .
قوله (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (94) تلك هي سياسة المداراة والتقية التي ينتهجها المنافقون ولا تنطلي على المؤمنين الصادقين ، فقد منَّ الله عليهم بالبصيرة والفهم ، ذلك أن علامات النفاق ظاهرة عليهم ، ومهما حاول المنافق أن يداري سوأته فإنها مشكوفة للمؤمنين ، كما في قوله (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) "محمد/30" ، وقول النبي r (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)[80]وفي رواية (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[81]
لكن من صحابة رسول الله r ممن تخلف عن الغزوة تكاسلا وليس نفاقا ، فلما رجع رسول الله r من تبوك لم يعتذر له مثلما اعتذر المنافقون ، بل كان صادقا في توبته ، واعترف بذنبه ، فابتلاه الله في صدقه أشد ابتلاء ، وهو كعب بن مالك ، كشف الله به وجه الكذب والنفاق الذي فضح به المعتذرون بغير حق .
فعَنْ كَعْبِ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ r ضُحًى ... وَنَهَى النَّبِيُّ r عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ r أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ r فَأَكُونَ مِنْ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ r ... حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا ... وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ)[82] .
قوله (..قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ..) (94) أبطل كل محاولاتهم للحلف الكذب ، وأبطل استهزائهم بالنبي r لما قالوا هو (أذن) ، فهو يسمعهم لكنه لا يصدقهم ، هو يسمعهم وما يقولون لأنه مكلف بالسماع ، فصدره رحب للجميع ، لكنه لا يصدقهم لأن المؤمن كيس فطن ، فالمؤمن ليس بالخب ولا الخب يخدعه .
قوله (.. قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ..) (94) تأكيد على أن الله تعالى أخبر نبيه بحال المنافقين ، وأنه بعد ما تقدم منهم من معصية التخلف عن الغزو ليس أمام النبي r غير إصلاح شأنهم بتعليمهم التوبة ، فيختبرهم بالعمل الصالح مستقبلا ، والله ورسوله سوف يرى أعمالهم إن كانت صالحة ولوجه الله أم غير ذلك ، فالميدان هو ميدان العمل ، وعفا الله عما سلف .
قال السعدي (العمل هو ميزان الصدق من الكذب، وأما مجرد الأقوال، فلا دلالة فيها على شيء من ذلك)[83]، قال الشعراوي أي أن (الله فتح باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه ، فانتهزوا هذه الفرصة ؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل ، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم)[84].
فعلى المؤمن أن يتحرى نية الإخلاص لله في كل عمل ، بأن تقتصر نيته على أن يرى الله ورسوله عمله فقط ، ولا يهتم برؤية الناس له ، فيكفيه ما رآه الله ورسوله من صدق توبته ، أما من كان يهتم برؤية الناس أعماله الصالحة فعمله مردود عليه ، يقول النبي r (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ)[85].
كشأن كعب بن مالك ومن تاب معه من المتخلفين ، ولذلك قال الله في شأنهم (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة 118) .
وكما أنه سبحانه تاب على هؤلاء الثلاثة من الذين تخلفوا ، فمن باب أولى أن يتوب علي الذين لم يتخلفوا ، ولذلك يلي هذه الآية قوله سبحانه (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) ، فالجميع يرى الله أعمالهم ويجازيهم بما عملوا .
قوله (..ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (94) حيث يكون الإنباء في الآخرة لا بحسب الأعمال وحسب ، وإنما بقدر النوايا وصدقها ، فالأعمال هي عالم الشهادة ، أما النوايا فهي غيب الذي لا يعلمه إلا الله ، ولذلك فإن الله يطلعهم يوم القيامة على أعمالهم الظاهرة والباطنة على السواء ، فيقبل ما رضي عنه ويبطل ويحبط ما لم يكن منها له ، (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) [86].
قوله (سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ ) (95) أي يلجئون كل مرة للحلف الكذب ليتقوا عقوبة المسلمين لهم ، ولو كانت عقوبة نفسية معنوية كما حصل لكعب بن مالك وصاحبيه ، فيدفعون خطأهم بأعذار واهية ويحلفون بالله لتصدقوا كذبهم ، ليظل اعتبارهم عند المسلمين قائما .
قوله ( فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (95) أي (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِعْرَاضَ الاحْتِقَارِ وَالاسْتِصْغَارِ ، لاَ إِعْرَاضَ الصَّفْحِ ، وَقَبُولِ العُذْرِ) [87]، وقد علق الشافعي فقال: أمر الله بقبول ما أظهروا ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم خلاف حكم الأيمان، وهم يُعرفون بأعيانهم، منهم من تقوم عليه البينة بقول الكفر، ومنهم من تقوم عليه الدلالة في أفعاله، فإذا أظهروا التوبة منه والقول بالإيمان حقنت دماؤهم، وجمعهم ذكر الإسلام، فجعل حكمه عليهم جلّ وعزّ على سرائرهم، وحكم نبيه r عليهم في الدنيا على علانيتهم بإظهار التوبة)[88] .
قوله (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (96) فقد أشارت السورة إلى تكرار حلفهم على أمر واحد عدة مرات ، وهو اعتذارهم عن التخلف عن الغزو ، وهم كاذبون فاسقون ، قال ابن العثيمين (هؤلاء في سخط الله ولو رضى عنهم الناس، فلا ينفعهم رضى الناس حتى لو رضى عنهم النبي أشرف الخلق ما نفعهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)[89] .
في حين أن المسلمين الصادقين لم يكن ليكذبوا على رسول الله r لما تخلفوا عن الغزو بغير عذر ، فعَنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ r أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ الْفَاسِقِينَ)[90] ، فقد عزم على الصدق ، فكان ذلك دليل توبته ، فتاب الله عليه .
وقد استطرد هذا الصحابي الجليل في وصف حاله حين تخلف ، بأنه لم يكن عنده عذر ، فقد كان في قوة وشدة ورخاء ، فاعترف بذنبه ، وندم عليه ندما شديد ، قَالَ كَعْبٌ (وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ r فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمْ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[91].
[1] ) تفسير الرازي ج8 ص 109
[2] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج11/5 وصححه الألباني :الجامع الصغير 1/1163 رقم11625 ، ومثله في الترمذي6/163رقم1546
[3] ) صحيح البخاري 20/154
[4] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 879
[5] ) الفوائد ج1 ص 59
[6] ) مدارج السالكين ج2 ص 167
[7] ) البحر المحيط ج6 ص 214
[8] ) مفتاح دار السعادة ج2 ص 15
[9] ) التحرير والتنوير ج10 ص 169
[10] )
[11] ) لقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 8، ص 218.
[12] ) مفاتيح الغيب ج16 ص 120
[13] ) في ظلال القرآن ج4 ص 57
[14] ) رواه البخاري ج5 ص 155 رقم 1277
[15] ) رواه البخاري ج14 ص 235 رقم 4302
[16] ) مجموع الفتاوى ج7 ص 217
[17] ) التحرير والتنوير ج10 ص 172
[18] ) الرازي ج1ص2236 الطبري 12 /295 ابن أبي حاتم 7/285 وابن حيان والماوردي وابن الجوزي والعز بن عبد السلام وغيرهم
[19] ) قال الرازي (اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ فأولها في الآية المتقدمة قال فَلاَ تُعْجِبْكَ بالفاء وههنا قال وَلاَ تُعْجِبْكَ بالواو وثانيها أنه قال هناك أَمْوالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ وههنا كلمة لا محذوفة وثالثها أنه قال هناك إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة أن ، ورابعها أنه قال هناك وَقَالَ إِنَّمَا وههنا حذف لفظ الحياة وقال فِى الدُّنْيَا فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ثم نذكر فائدة هذا التكرير
أما المقام الأول فنقول
أما النوع الأول من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله فَلاَ تُعْجِبْكَ بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب فقال فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو
وأما النوع الثاني وهوأنه تعالى قال في الآية الأولى فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم
أما النوع الثالث وهو أنه قال هناك إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وههنا قال إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه ( أن ) كقوله وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ ( البينة 5 ) أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله
وأما النوع الرابع وهو أنه ذكر في الآية الأولى وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ وههنا ذكر فِى الدُّنْيَا وأسقط لفظ الحياة تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم(مفاتيح الغيب ج16 ص 124)
[20] ) البحر المحيط ج6 ص 216
[21] ) تفسير الخازن ج3 ص 323
[22] ) تفسير الألوسي ج7 ص 260
[23] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 285
[24] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 163
[25] ) رواه البخاري ج1 ص 42 رقم 24
[26] ) النكت والعيون ج2 ص 132
[27] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2020
[28] ) تفسير الطبري ج14 ص 412
[29] ) البحر المديد ج2 ص 436
[30] ) رواه مسلم ج1 ص 349 رقم 207
[31] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 259
[32] ) رواه البخاري ج13 ص 325 رقم 4064
[33] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 37
[34] ) البحر المحيط ج6 ص 218
[35] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 622
[36] ) تفسير حقي ج5 ص 127
[37] ) تفسير النيسابوري ج4 ص 191
[38] ) الكشاف ج2 ص 458
[39] ) رواه النسائي ج8 ص 354 رقم 2522 صححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 27 رقم 2737
[40] ) رواه البخاري ج10 ص 11 رقم 2673
[41] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 1905
[42] ) جامع الأحاديث للسيوطي : مسند عبد الله بن مسعود ج37 ص 204 (ابن أبي الدنيا في العزلةوالانفراد ج1ص129 ، 153) (كنز العمال 8715) شعب الإيمان للبيهقي ج2 ص 271 رقم 1729 ، سنن الدارمي ج1 ص 92
[43] ) دروس الشيخ سلمان العودة ج71 ص 8 دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
[44] ) فتح القدير ج3 ص 298
[45] ) رواه البخاري ج20ص 231 رقم 6082
[46] ) في ظلال القرآن ج4 ص 59
[47] ) رواه الترمذي ج6 ص 225 رقم 1585 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 161 رقم 1661
[48] ) رواه مسلم ج9 ص 500 رقم 3520
[49] ) تفسير الألوسي ج7 ص 328 تفسير أبي السعود ج3 ص 198
[50] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 98
[51] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 198
[52] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 371
[53] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 198
[54] ) تفسير ابن حاتم ج7 ص 372
[55] ) تفسير الألوسي ج7 ص 328
[56] ) رواه ابن ماجة في سننه ج8 ص 261 رقم 2752 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص123 رقم 2231
[57] ) شرح سنن أبي داود : عبد المحسن العباد ج13 ص 391
[58] ) اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 341 ، الخازن ج3 ص 326 ، الرازي ج8ص121 ـ النسفي 1/459 ـ الألوسي روح المعاني ج10 ص 158 ، النيسابوري : الكشف والبيان ج5 ص80 ، البغوي ج4 ص 84 ـ البحر المحيط ج6 ص 220
[59] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 373
[60] ) رواه البخاري ج1 ص 98 رقم 55
[61] ) البحر المحيط ج6 ص 220
[62] ) رواه مسلم ج1 ص 182 رقم 82
[63] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 30
[64] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 319 رقم 925 ورواه مسلم ج11 ص 127 رقم 4023
[65] ) النهاية في غريب الاثر ج5 ص 142
[66] ) البحر المحيط ج6 ص 220
[67] ) رواه أبو نعيم الأصبهاني : معرفة الصحابة ج14 ص 156 رقم 4444
[68] ) رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج24 ص 440 رقم 11894 ، أحمد البوصيري : إتحاف الخيرة المهرة ج2 ص 91
[69] ) رواه البخاري ج13 ص 324 رقم 4063 – ومثله رواه مسلم في صحيحه ج8 ص 443 رقم 3110
[70] ) رواه البخاري ج20 ص 140 رقم 6010
[71] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 265 رقم 2755 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 123 رقم 2233
[72] ) رواه البخاري ج13 ص 334 رقم 4071
[73] ) رواه مسلم ج10 ص 21 رقم 3534
[74] ) رواه البخاري ج12 ص 28
[75] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3 ص 115 رقم 4570 ، وقال صحيح الإسناد و لم يخرجاه - تعليق الذهبي قي التلخيص : عيسى بن المسيب ضعفه أبو داود وغيره
[76] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 110 رقم 4553 والترمذي ج12ص 162 رقم 3634 وحسنه الألباني :صحيح الترمذي ج8ص201 رقم 2920
[77] رواه الترمذي ج12 ص 161 رقم 3633 وضعفه الألباني : ضعيف سنن الترمذي ج1ص495
[78] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج4 ص 95 رقم 6433 وصححه الألباني : صحيح سنن النسائي ج 8 ص 178رقم 3606
[79] ) ناصر الدين ابن المنيّر : المتواري على أبواب البخاري ج1 ص 158 – عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج21ص138 بدر الدين الحنفي – فتح الباري لابن حجر ج1 ص 288
[80] ) رواه البخاري ج1 ص 58 رقم 32
[81] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[82] ) رواه البخاري ج14 ص 248 رقم 4309
[83] ) تفسير السعدي ج1 ص 348
[84] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3695
[85] ) رواه البخاري ج20 ص 153 رقم 6018
[86] ) رواه مسلم ج14 ص 254 رقم 5300
[87] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1331
[88] ) الشافعي، الأم، ج 7، ص 296 و297، بحث الشافعي ذلك في مقدمة كتابه (إبطال الاستحسان) عند قوله تعالى"الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان"
[89] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 59
[90] ) رواه البخاري ج14 ص 240 رقم 4305
[91] ) رواه مسلم ج13 ص 345 رقم 4973 ورواه البخاري ج13 ص 328 رقم 4066
-
الاحد PM 03:14
2026-05-24 - 24



