ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
المواد
قضية إثبات وجود الله تعالى ليست من مقاصد الرسالات السماوية، ولم تكن قضية مركزية في القرآن الكريم، فلم يكن هم الأنبياء منصرفًا إلى إثبات وجود الله سبحانه، فقد كان هذا أمرًا مفروغًا منه ومسلمًا به لدى أقوامهم، إنما كان أكبر همهم تنقية الإيمان بالله مما شابه من أدران الوثنية ونجاسة الشرك الذي أفسد عقول البشر، وجعلهم عبيدًا لبعض الأشياء التي سخرها الله لهم، وجعلهم سادة عليها.
كان لبعض المعاصرين موقف من قضية إثبات وجود الله تعالى يؤكد ما ذكرناه سابقًا.
الإلحاد لغة مصدر من ألحد يلحد إلحادًا، بمعنى مال عن القصد وعدل عنه. والملحد العادل عن الحق، المدخل فيه ما ليس فيه، يقال: قد ألحد في الدين ولحد، أي حاد عنه وعدل عنه.
كان العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرون بوجود الله عز وجل.
قال الجوهري رحمه الله تعالى: رب كل شيء مالكه، والرب اسم من أسماء الله عز وجل، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك.
مما يؤيد فطرية توحيد الربوبية عند البشر، أن الوثنيين الذين أشركوا مع الله غيره لم يقولوا بوجود ربين متماثلين في جميع الصفات والأفعال.
من الشبه التي قد يذكرها بعض الناس، فيقول: إن فرعون وقومه لم يعتقدوا في وجود الصانع سبحانه، بل ادعى فرعون لنفسه الربوبية، بدليل ما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: وما رب العالمين، وقال: فمن ربكما يا موسى، وقال: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وقال: لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين.
بما يذكرنا الرسل، لقد جعل الله تعالى من وظيفة الرسل أنهم يذكرون الناس، ومن معاني هذا التذكير: تذكيرهم بالعهد القديم، الميثاق الذي أخذه عليهم، والفطرة التي فطرهم عليها.
فيما يلي نذكر جواب بعض الشبه التي قد يستدل بها على أن القرآن الكريم أثبت عن بعض الكفار جحود الصانع.
إن قيل: قد جاء في القرآن ما يدل على أن من الكفار من أنكر وجود الله سبحانه، فقد قال الله تعالى في الدهريين: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون
إذا رأيت إنسانًا عاقلًا يرى آيات الله الكونية والنفسية والآفاقية، وآياته التنزيلية القرآنية، وتعرض عليه كل أنواع الأدلة والبراهين التي من شأنها أن تقود إلى الإيمان والتوحيد،
لو أبيح للإنسان أن يلحد وينكر وجود الخالق عز وجل، لكان هذا أمرًا فوق طاقة البشر، ولا يحتمله العقل ولا يستطيعه، فإن الإقرار بالخالق عز وجل ضروري فطري بديهي أولي، ولا يمكن أن يتجاسر إنسان على دعوى إنكار وجود رب العزة سبحانه وتعالى إلا إذا كان مجنونًا فاقد العقل، أو عاقلًا لكنه جاحد معاند مستكبر يدعي بلسانه، وعقله وفطرته يكذبان.
يقول الإمام المحقق ابن قيم الجوزية مبينًا أنواع الشرك: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
إن معرفة الله تعالى تكون بتوحيده لا بمجرد الإقرار بوجوده، لأن بعض المتكلمين قد يطلق معرفة الله عز وجل على مجرد الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى، وإذا تسامحنا في هذا الإطلاق باعتبار أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإن ما لا يمكن التسامح فيه أن يوصف من يقر فقط بوجود الله تعالى بأنه مؤمن في مقابلة الملحد.
لقد جعل العلماء من عناية الله تعالى بالكون دليلًا واضحًا على فساد القول بالصُدفة، فالكون المادي يسوده النظام، وهذا الدليل شائع ومنتشر، بين فلاسفة الإسلام، والمتكلمين على اختلاف فرقهم.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وأنزل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ في الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأنّهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [ إبراهيم: 32 –33].
وكما هو معلوم علميًا ودينيًا، أنّ هذا الكون بما فيه من مادة، وطاقة، كل ما فيه بمقدار محدد، وتحكمه قوانين متنوعة ومتعاضد منذ نشأته، والفرق بين المؤمن، وبين القائل بالصُدفة يتمثل في: أن المؤمن يقول إنَّ الله هو الخالق والمدبر لتلك القوانين، والنظم الثابتة في الكون.
نقد القول بالصُدفة في الاتجاه العلمي قضية وجود الخالق، هذه القضية التي أصبحت مطروحة اليوم بمداخل جديدة تمامًا. فبعد أن كانت الاكتشافات العلمية هي سبب انتصار الفكر المادي في أوائل القرن العشرين، صارت هذه الاكتشافات ذاتها هي التي تثبت اليوم وجود إله خالق للكون.



