المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422043
يتصفح الموقع حاليا : 189

البحث

البحث

عرض المادة

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية - المبحث الثاني- المطلب الثاني

بقلم أ.د عماد العجيلي
استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المطلب الثاني

 نقد القول بالصُدفة في الاتجاه العلمي

قضية وجود الخالق، هذه القضية التي أصبحت مطروحة اليوم بمداخل جديدة تمامًا. فبعد أن كانت الاكتشافات العلمية هي سبب انتصار الفكر المادي في أوائل القرن العشرين، صارت هذه الاكتشافات ذاتها هي التي تثبت اليوم وجود إله خالق للكون.

فقد قام العديد من العلماء بتفنيد فَرضِية الصُدفة في نشأة الكائنات، ويعتبرون القول بها مغالطة واضحة، وبعد عن الحق، وأنّ دقة نظام الكون، والتعقيد فيه، مليء بالدلائل العلمية على تهافت فَرضِية الصُدفة، وهذه جملة من أقوالهم:

يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور "جون وليان كلوتس":" إنّ هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الاتفاق، والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع، والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أنّ العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده"([1]).

وفى موضع آخر يقول: " إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أنّ كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير"([2]).

لقد جعل العلماء من الصورة غير العادية من التعقيد الموجودة في هذا الكون دليلاً واضحًا على فساد القول بالصُدفة " فالتعقيد الهائل في ظاهرة الحياة، والانسجام الباهر، ووضع كل شيء في محله؛ إنِّما يدل دلالة واضحة على علم، وإرادة، وقدرة وراءها موجد أوجدها على هذا النحو"([3]).

فقد أثبتت العلوم الكيمائية أنّ التعقيد الهائل الموجود في أبسط الأشياء يجعل من المستحيل جمعه فجأة بدون تدخل قوة خارجه.

ويرفض كثير من الفيزيائيين المعاصرين القول بالصُدفة، فعندما سُئل اينشتاين عن الله قال: " لست ملحدًا، فالمسألة المطروحة أكبر من أن تستوعبها عقولنا المحدودة " ([4]).

ماذا عن نظرية " التولد الذاتي " لجميع تلك الأنظمة شديدة التعقيد التي يمتلئ بها العالم الحي؟، إذا نظرنا إلي مثال (ُجزيْء واحد من البروتين) وهو: المادة الأساسية لجميع الكائنات الحية المعروفة لنا، فإنَّ خلية واحدة بها من التركيب، والتعقيد ما عجز عن إحاطتها العلماء، بل البروتين الداخل بها وهو أحد أجزائها ما هو أشد تعقيدًا، حيث" إنَّ الخلية الحية هي نظام معقد وجميل كعالم المجرات والنجوم"([5]).

وبتطبيق قانون المصادفة على جزيء البروتين الذي يعتبر المركب الأساسي في جميع الخلايا الحية كانت النتيجة مذهلة.

" إنّ عدد الذرات في جزيء البروتين الواحد يبلغ 40,0000 ذرة محصورة في خمسة أنواع من ذرات عناصر الكربون، والهيدروجين، والأكسيجين، والنيتروجين، والكبريت. وحيث إنّ عدد العناصر المعروفة يزيد على المائة عنصر، فإنّ احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة بالصُدفة لكي تُكوِّن جزيئًا واحدًا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي يجب أن تخلط خلطًا مستمرًا لكي تُؤلف هذا الجزيء، ثم لمعرفة الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد بترتيب معين". ([6])

ولقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلس يوجين بهذه الحسابات، " فوجد أنّ الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد إلى واحد وعن يمينه 160 صفرًا، وهو رقم لا يمكن نطقه! كما وجد أنّ كمية المادة اللازمة لحدوث التفاعل بالمصادفة لإنتاج جزيء واحد هي أكبر مما يتسع له الكون كله ملايين المرات، وأنّ الزمن اللازم لهذا التفاعل بأسلوب المصادفة العشوائي أكبر من عمر الكون ببلايين البلايين من المرات".([7])

هذا كله لكي يتكون جزيء بروتين واحدًا ميت يعجز المجهر عن رصده.

والنتيجة هي أنه من المستحيل تمامًا تفسير وجود الحياة بقانون المصادفة ولا مفر – والحال كذلك- سوى الاعتراف بوجود الذات الإلهية، " فالله وحده هو القادر على خلق ذلك الجزيء البروتيني فورًا ومنحه أسرار الحياة التي لم يعرفها العلم حتى الآن، بالإضافة إلى تجميع تلك الجزئيات ببلايين البلايين لخلق الكائنات الحية"([8]). فمثل هذا لا يمكن، بل يستحيل حدوثه بالصُدفة؛ بل إن الأولى أن يكون دليلًا على وجود الله تعالى.

وثمة العديد من التساؤلات" هل لغة الحمض النووي DNA ([9]) الدقيقة التي تحمل شفرات تكوين ملايين البروتينات([10]) في ملايين الكائنات الحية يمكن أن تظهر عبثًا بخبطات عشوائية متراكمة عبر الزمن؟"([11])

 فقد كشفت الدراسات العلمية وعلى وجو التحديد شريط  (DNA) المبهر المسؤول عن كل صفات الكائن الحي تحتاج في نشأتها، وبقائها، وعلمها إلى ذكاء فلا يمكن للعشوائية، أو الصدفة أن تفسرها، كما أثبت علماء الأحياء أنه " يحتوي على مجلد من المعلومات الوراثية المنظمة، و أظهرت الأبحاث عن طريق التعقيد غير القابل للتصديق تقريبًا للترتيبات اللازمة لإنتاج حياة أنّ الذكاء لابد أن يكون وراء هذه العملية "([12])

 لذا قال "مان فريد إيجن([13]): " إنَّ جميع المياه على كوكبنا ليست كافية لكي تنتج بطريق الصُدفة جزيئًا واحدًا " ([14]).

تم الحديث عن الجزيء داخل الذرة وكيف أنه لا يمكن أن يوجد صدفة ننتقل من الذرة إلي المجرة، فإنها" تتألف- المجرة - من غاز، وغبار، ونجوم يبلغ عددها مليارات المليارات، وكل نجم منها يمكن أن يكون شمسا، وتوجد في كل مجرة نجوم وعوالم.... فما هو حظ الصُدفة إذن من هذا الصنع العجيب؟ لا مجال لها ولا وجود"([15]).

 وبعد كل هذا يمكن القول مع شهادات العلماء إن كل بما فيه من دقائق الأشياء وجليلها لا يمكن يكون قد نشأ ويستمر بعامل الصدقة، يقول الفلكي الشهير "كريسي موريسون": " ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "([16]).

ويقول الدكتور يوسف عز الدين عيسى:" لا يمكن أن تتصور بأي حال من الأحوال أنّ جهازًا دقيقًا معقدًا أشد التعقيد متناسقًا كالمخ، قد تكون من تلقاء نفسه نتيجة المصادفة العمياء". ([17])

ومما يدحض القول بالصُدفة إضافة لما سبق:

 إن لكل شيء قانون حتى المصادفة، لها قانون يتمثل في" أن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانيات المتكافئة المتزاحمة"([18]).

 وتوضيح ذلك: أنه كلما قل عدد الأشياء المتزاحمة، ازداد حظ المصادفة من النجاح، وكلما كثر عددها قل حظ المصادفة، فإذا كان التزاحم بين عشرة يكون حظ المصادفة بنسبة (واحد ضد عشرة)، وهكذا حتى تصبح المصادفة في حكم المستحيل"([19])، فالتزاحم في الكون والكائنات دليل على استحالة المصادفة.

ويقول بول دافيز ([20]): " لا أصدق أنّ وجودنا في هذا الكون هو مجرد صدفة غريبة حدثت، أو حادث عرضي في التاريخ، أو شذوذ عارض في المشهد الكوني العظيم، وجودنا مرحب به جدًا. إنّ (وجودنا مقصود حقيقة".([21])

وقال الفيزيائي فريماندايسون ([22]): " عندما ننظر في الكون، ونعرف عدد الصدف الفيزيائية والفلكية التي عملت معًا لمنفعتنا فهنا يبدو الأمر، وكأن الكون قد علم بطريقة ما بأننا قادمون"([23])، يقصد أنّ الكون مهيأ، ومسخر لخدمة الإنسان سلفًا، ولا يمكن أن يكون الكون، وما فيه من تهيئة للحياة فيه كان عن طريق الصُدفة.

فالكون نفسه فيه من الدلائل العلمية ما يؤكد على وجود خالقه وموجده المدبر الحكيم.

يقول الدكتور ايرفنغ وليام نوبلوتشي ([24]): " ولكني أؤمن بوجود الله، إنني أعتقد في وجوده؛ لأنني لا أستطيع أن أتصور أنّ المصادفة وحدها تستطيع أن تفسر لنا ظهور الإلكترونات، والبروتونات الأولى، أو الذرات الأولى، أو البروتوبلازم الأول، أو البذرة الأولى، أو العقل الأول"([25])

هذا وإذا كانت نظرية التطور والتي كانت داعمة الإلحاد قد ثبت علميًا بطلانها فقد كانت من حجج القائلين بالصُدفة يقول سير آرثر كيت:" إنَّ نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأنّ الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهو مالا يمكن حتي التفكير فيه" ([26]) أي أن هذا الملحد يري أن الإيمان بنظرية التطور حتي مع عدم ثبوتها علميًا هي السبيل من التخلص من فكرة الألوهية.

يقول أنور الجندي عن داروين: " وجاءت الحفريات المتوالية مُكذبة لدعواه، ومؤكدة أنّ الإنسان خُلق خلقًا مستقلًا تمامًا عن عالم الحيوان منذ اليوم الأول" ([27]).  

وبالرغم من تبني العلم ولفتره طويلة للفكر التطوري، وتبني المفاهيم الخاصة به، ومنها مفهوم المصادفة التي تقصي التصميم الغائي، فإنه قد تم الرد على دارون بعد "أنّ تم اكتشاف الحمض النووي (DNA) الخلية للمرة الأولى حيث اكتشف العلماء للمرة الأولي عالم كامل داخل الخلية، وأنها أبعد ما تكون عن البساطة، فليس من الممكن أن يكون هذا التعقيد الهائل تم بمحض الصُدفة؛ بل يبدو أنه تم تصميمه عن عمد من قبل مصمم ذكي خارق "([28])

 وفي الواقع أنّ نظرية "التطور" بطبيعته -وبغض النظر عن درجته في التعقيد أو الحقبة الزمنية التي استغرقها- لم تستطع أن تنتج إنسانًا له مشاعر، وإحساس، وإدراك، وعقل؛ وإنما كان حديثهم على أنه مجرد حيوان مثالي، قادر على التحرك داخل الجماعة بكفاءة عالية لتحقيق هدف البقاء المادي. هذا وقد كانت نظرية التطور قد قدمت العديد من المفاهيم، والفرضيات التي أصبحت أكثر رواجًا على الساحة العلمية لفترة من الزمن؛ إلا أنّ الإنجازات العلمية الرفيعة المستوى جعلت العلماء يرفضون الكثير من هذه المفاهيم التي أصبحت مثار لمخالفات والاعتراضات الشديدة، ومنها حدوث التطور في إطار النوع الواحد.

فالاعتقاد بأنّ نظرية التطور بمفاهيمها المختلفة طرحت بديلًا مقبولًا عن التصميم كفكرة أساسية في البيولوجيا لم يكتب لها النجاح، وخاصة بعد تقدم العلم، واكتشاف الكثير من المعطيات عن طبيعة الحياة، والكائنات الحية حيث أصبحت نظرية علمية تحت مسمى (التصميم الذكي) للكون.

أما عن نظرية التولد الذاتي، فإنها مرفوضة بالبرهان العقلي، والدليل العلمي:

وتعني هذه النظرية أنّ الكون كان في البداية بمثابة مادة راكدة، وفجأة وقع فيها محرك حركها من ركودها المطلق، ثم تولت المصادفة إنتاج جميع الوقائع والحوادث التالية. والسؤال لهم من أحدث هذا المحرك؟ فأجابوا المصادفة.

لقد سقطت هذه النظرية على ضوء المعطيات العلمية للقرن العشرين.

والاعتراض هو أين كانت تلك المصادفة؟ مع أنّ المحرك الذي حدث لم تكن له أسباب لا في داخل المادة الراكدة ولا خارجها، وكل سبب يؤدي إلى واقعة سبقتها.

وشيء آخر: "أنّ هذا الكون، إذا كان قد وُجد نتيجة سلسلة من المصادفات فكيف اتفقت كل هذه المصادفات لتنتج لنا كونًا منظمًا بديعًا؟ ولم لا تعمل الصُدفة دائمًا إلا في اتجاه النظام؟ ألم يكن من الممكن أن يحدث عكس ما حدث تمامًا، فتتصادم النجوم، وترتطم الكواكب بعضها ببعض، وتتحطم وينتهي كل شيء؟ وبعد حدوث الحركة في المادة، أما كان من الممكن أن تبقى مجرد " حركة" دون أن تصبح حركة ارتقائية تجري سلسلة مذهلة من العمل التطوري لإبداع تلك العمارة الكونية الهائلة؟

وهل لدى أصحاب التفسير الميكانيكي للكون تفسيرًا لصفة " اللزوم" التي التزمت بها وقائع مادية غير عاقلة حدثت في زعمهم بمحض المصادفة؟"([29])

والسؤال الأهم: من الذي أوجد تلك المادة الراكدة أصلًا والتي تألف منها فيما بعد الكون؟ لابد من وجود مبدأ، أو علة للسكون أو الحركة، وهو ما يتنافى مع نظرية المصادفة التى لا تربط بين الأحداث وعللها، أو أسبابها.

إن العقل لا يقبل – والأمر كما أوضحنا- سوى وجود قوة خارجة عن الكون، وليست من نوعه، أى ليست مادة مثله، وإنما هي قوة مطلقة، وعاقلة ومريدة، أوجدته ورتبت حوادثه كلها على نحو ما يصلح وينفع.

هذا وتم تفنيد نظرية " التولد الذاتي " علميًا فقد " كُشف زيف ذلك الزعم على يد العالم الفرنسي الأشهر باستور الذي أثبت في عام 1865م، وأمام قضاة أكاديمية العلوم في فرنسا، إنّ الدود المتكون، وكذلك البكتيريا لم تتولد ذاتيًا من الطبيعة – أي من شيء غير حي - ؛ وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تستطع العين مشاهدتها، وقام بتقديم الدليل التجريبي على ذلك فأتى بطعام، وعزله عن الهواء تمامًا فما تكونت بكتيريا ولا فسد الطعام، وهي ذات الفكرة التي قامت عليه -فيما بعد - عملية ضغط المأكولات بتعليبها" ([30])

وقد أثبت المنهج العلمي أنّ المادة التي لا حياة فيها، لا تتولد فيها الحياة بالتطور الذاتي، وأنّ الكائن الحي فيها لا يأتي إلا نسلًا لحي سابق عليه." فالمادة والحياة أصلان منفصلان في هذا الكون، وليست المادة أصلًا مستقلًا للحياة. وأنّ وجود الحياة في المادة أمر حادث جدًا بالنسبة إلى مادة الكون الأولي"([31]).

والسؤال من الذي أوجد الحياة؟ هل المادة الصماء العمياء أنشأت الحياة؟ هل وجدت الحياة من عدم مطلق؟ العقل يحيل هذين الاحتمالين لأنّ المادة فاقدة الحياة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

والعقل يرفض أن تنشأ الحياة وترتقي إلى الكمال ارتقاءً ذاتيًا، إذ المادة ناقصة، وكل ما في الكون يتجه نحو الدقة والكمال " وصنع الناقص – المادة – لما هو أرقى منه نظير تحول العدم إلى الوجود تحولًا ذاتيًا، لأنّ القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضا، والعدم المحض لا يخرجه إلى الوجود إلا قوة مكافئة له، أو أقوى منه. والمادة العمياء الصماء الجاهلة لم تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حيّة مريدة ذات وعي وإحساس، بل هي أقل قيمة منها، فهي إذن عاجزة بداهة عن انتاج ما هو خير منها"([32]).

وهذا يدل عقلاً على أنه لا بد من وجود موجد أزلي فوق المادة العمياء الصماء الجاهلة، وهذا الموجود هو الخالق للمادة وللأحياء، وهو الذي أتقن كل شيء صنعًا، وهو المتصف بالكمال المطلق، وخلق وأتقن وأبدع كل شيء.

إن فروع العلم كلها تثبت أنّ هناك نظاما للكون أساسه القوانين، والسنن الكونية التي لا تتغير، فمن الذي سن هذه القواعد، وأودعها في كل ذرة من ذرات الوجود؟ ومن الذي صمم وأبدع وقدّر فأحسن التقدير؟ هل المنظم والمبدع هو الله الحكيم العليم؟ أو الصُدفة العمياء؟

كيف يمكن للمصادفة إذن التي تعني الفوضى، واللاقصد، والتشويش، أن تنتج هذا النظام الدقيق، والتناسق العجيب البديع؟ وما مبعث ذلك إلا نفور عقولهم من تقبل فكرة مسبب عن سبب ومعلول عن علة.

إن القول بفَرضِية الصُدفة مرفوض بمنطق العلم، القائم على أساس وجود قوانين موضوعة تحكم كل شيء في هذا العالم باتفاق عن علم ووجود حقيقي لذات قادرة مريدة.

كما أنّ الصُدفة تفتقر إلى الزمن،" والذي يفتقر إلى شيء يأتي بعده، وبالتالي الصُدفة جاءت تالية للزمن؛ لأنّ الزمن شرط وجودها، وكوننا ظهر من اللازمان أي من اللاصدفة، كما تفتقر إلى المادة التي ستطبق نفسها عليها، فالمادة سابقة على الصُدفة؛ لأنّ شرط وجود الشيء سابق عليه، فكيف يفسر ظهور مادة الكون بالصُدفة؟ مع أنّ الصُدفة لن تظهر إلا بعد ظهور مادة الكون، والكون كله ظهر من اللامكان"([33]).

والعلوم الطبيعية كالأحياء، والكيمياء، والفلك وغيرها تنفي القول بالصُدفة، فملاءمة الأرض للحياة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة.

إذ على التسليم الجدلي - تنزلاً معهم - أنّ الكون نشأ صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة دون تنظيم، أو تخطيط سابق، فهذا لا ينفي وجود خالق للكون، ومكون للكون؛ لأنّ الصُدفة ليست فاعلة، ولكنها صفة للفعل، والفعل لا يكون بدون فاعل.

 ويأتي السؤال مرة ثانية، من أين جاءت المادة الأساسية التي أوجدت الكون بالمصادفة؟ ومن الذي خلقها، وأودع فيها كل هذه الإمكانات؟

علاقة الجانب المادي بالجانب العلمي:

يحتكر الفكر المادي الحقائق على نفسه، ويعتقد أنّ الحقيقة المطلقة هي ما كانت متولدة من مضامينه ومعانيه، يقول العقاد:" يجيء الماديون في الزمن الأخير، فيحسبون أنهم جماعة تقدم، وإصلاح للعقول، وتقويم لمبادئ التفكير، والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة، يرجعون القهقري إلى أعرق عصور القدم" ([34])، بل تدعي المادية أنها تملك العلم في صورته النهائية.

يقول جوناثان ويلز([35]):" لو أنّ ما يفعله الدارونيون الدجمانيون يقتصر على تشويه الحقيقة فقط لكفى بذلك سوءًا، ولكنهم لم يتوقفوا عن هذا الحد؛ بل تعدي الأمر إلى استخدام مراكزهم العلمية للسيطرة على العلوم الحيوية في العالم المتحدث بالإنجليزية؛ ولمناوأة كل الذين يخالفون وجهات نظرهم" ([36])

ويقول عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية الدكتور (لتراوسكار لندرج):" إنّ المشتغلين بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، إذ أنّ كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله، ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في هذا الكون" ([37])

يقوم الإلحاد العلمي المعاصر على ادعاء أنّ قوانين العلم التجريبي تغني عن الإيمان بوجود الله، وتدل على أنّ الطبيعة كموجود مكتف بذاته، وإذا كان قد تسجى برداء بعض الفرضيات العلمية، الهدف منها انكار الدين، والإيمان بالمادة، إلا أنه ليس لديه دليل علمي قد تم التحقق منه يثبت به أنّ الحياة تشكلت عن طريق الصُدفة، فهو يجعل الصُدفة بديلاً عن الخالق المدرك العاقل دون دليل، الصُدفة إذن، تساوي العبث والتبعثر وليس النظام.

والتفسير بالصُدفة يتنافى مع المنهج العلمي، ولا يجوز طرح " صدفة" داخل العلم، لأنّ الصُدفة لا تتصل بالعلم.

ولهذا، كان الملحدون والقائلون بالصدفة هم" من غير المحققين في العلم في هذا العالم، بل من الناكصين عن الاستجابة لما يطلبه العقل من تفسير نهائي وصحيح، وشامل للكون والحياة، أو من المخالفين للحق على علم به، أو الذين لا يريدون أن يسيروا في تفكيرهم،وحياتهم بحسب ما تقضي به المعرفة بالإله وحكمته"([38])، إذ المنهج العلمي إما (أن نفسر)، أو نكتفي بعبارة (لا نعلم السبب حاليًا).

 

([1]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ص 46.

([2]) المرجع نفسه، ص 48.

([3]) سعيد حوى، الله جل جلاله، دار السلام للطباعة والنشر، ط3/ 1990م- 1410ه، ص43.

([4]) والتر ايزاكسون، اينشتاين حياته وعالمه، ترجمة: هاشم أحمد، راجعه: مجدي عبدالواحد، القاهرة: زهراء مدينة نصر، ط1/1431ه- 2010م ص 95-96.

([5]) كارل ساعان، الكون، ترجمة نافع أيوب، مراجعة: محمد كامل عارف، سلسلة عالم المعرفة، العدد 178-ربيع الأول 1414هـ-1993م مطابع السياسة الكويتية، ص52-53.

([6]) د. صبري الدمرداش، للكون إله... قراءة في كتابي الله المنظور والمسطور، ص، 536.

([7]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام والشرق، ص 77.

([8]) د صبري الدمرداش، للكون إله، ص 535، 536.

([9]) الحمض النووي: جزيء دقيق، يتواجد داخل خلايا كل الكائنات الحية، يحتوي على المعلومات الوراثية التي تسمح بعمل وتكاثر، وتطور هذه الكائنات، راجع: أحمد إبراهيم اختراق عقل دلائل الإيمان في مواجهة شبهات الملحدين والمتشككين، الرياض- المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك فهد، ط1/ 1437ه، ص159.

([10]) البروتينات: جزيئات حيوية ضخمة تتكون من سلسلة أو أكثر من الأحماض الأمينية. راجع : معجم مصطلحات علم الأحياء كمال الحناوي، ص 399.

([11]) ستيفن هوكينج: أقوي براهين، جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، جمعه وعلق عليه: أحمد حسن (أبو حب الله)، الدار العربية للطباعة والنشر، مكتبة مؤمن قريش، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1/ 1437ه، ص 302.

([12]) انتوني فلو، هناك إله كيف غير أشرس الملاحدة رأيه؟ علق عليه: مرتضى فرج، وترجمة: صلاح الفضلي، 2/1438ه، ص 167

([13]) من معهد ماكس لكيمياء الطبيعة الحيوية " جوتنجن بألمانيا، والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1968م.

([14]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام والشرق، ص 77.

([15]) كارل ساعان، الكون، ص 23.

([16]) كريسي موريسون، العلم يدعو للإيمان، ترجمة: محمود صالح الفلكي، دار وحي القلم، سوريا، ط1، 1434هـ، 2013م، ص 56.

([17]) مجلة عالم الفكر، العدد الرابع من المجلد الثالث نقلا عن . د يحي هاشم، ص 58

([18]) نديم الجسر، قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم و القرآن، ص 293.

([19]) صالح إسحاق صالح، الإلحاد وآثاره في الحياة الأوربية الحديثة، ماجستير تحت إشراف: محمد الغزإلى، جامعة أم القرى، سنة 1401ه، 2001م، 59.

([20]) عالم بريطاني متخصص في علوم الكون، ولد في عام 1946م، راجع: عمرو شريف، رحلة عقل، ص 90.

([21]) عمرو الشريف، رحلة عقل، ص 90.

([22]) أستاذ الرياضيات والفيزياء النظرية مهتم بالهندسة النووية ولد عام 1923م. راجع: عمرو شريف، رحلة عقل، ص 95.

([23]) عمرو شريف، رحلة عقل، ص 95.

([24]) أستاذ العلوم الطبيعية، وأخصائي وراثة النباتات، والحياة البرية، راجع : الله يتجلى في عصر العلم، ص 57.

([25]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ص 60 .

([26]) المرابط ولد محمد لخديم الشنقيطي، (دين الفطرة استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية)، دار المعراج، 2014م، ص 34.

([27]) أنور الجندي: أهداف التغريب في العالم الإسلامي، الناشر: الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، 1987م، ص130، 129.

([28]) مايكل بيهي: صندوق دارون الأسود، تر: مؤمن الحسن، دار الحسن للنشر والتوزيع، ط1، مصر، 2014م، ص 221.

([29]) د صبري الدمرداش، للكون إله، ص 531

([30]) د .صبري الدمرداش، للكون إله، ص 527.

([31]) عبد الرحمن حبنكة، كواشف زيوف في المذاهب المعاصرة، ص 541.

([32]) المرجع السابق، ص 541.

([33]) عبد الله بن سعيد الشهري، من وحي كتاب: ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، ط1/2014م، ص14.

([34]) عباس محمود العقاد، كتاب الله، أشرف عليه: داليا محمد إبراهيم، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط4/2005م، 56.

([35]) جوناثان ويلز، دكتور البيولوجيا الجزيئية، والدراسات الدينية، وُلد في عام 1942م، وهو من أشهر دعاة التصميم الذكي المؤمنة لا الملحدة، عمرو شريف، 2011، ص 197.

([36]) عبد العليم عبد الرحمن خضر، الإنسان في الكون بين القرآن والعلم، جدة، المملكة العربية السعودية، عالم المعرفة للنشر والتوزيع، ط11403ه- 1983م، ص 117.

([37]) المرابط ولد محمد لخديم، دين الفطرة، ص 33.

([38]) محمد عبد الهادي أبو ريدة، الإيمان بالله في عصر العلم، عالم الفكر، الكويت، 1970م، ص 125.

 

  • الخميس PM 02:39
    2023-06-08
  • 945
Powered by: GateGold