المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1977004
يتصفح الموقع حاليا : 250

البحث

البحث

عرض المادة

إرشاد الناس للصراط المستقيم الذي به تستبين مقاصد الإسلام الكبرى المعروفة في كل ملة

إرشاد الناس للصراط المستقيم الذي به تستبين مقاصد الإسلام الكبرى المعروفة في كل ملة


قال تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(153)

في ذات السياق الذي تضمن الحديث عن شبهة تحريم ما أحله الله ، والتشريع الوضعي الذي يعدل التشريع الإلهي بغير حق انتقلت الآيات إلى إجمال المحرمات عموما ، مبينة علة التحريم ، فشملت أوامر عشرة ، قال الشعراوي (هذه الأوامر متفق عليها في جميع الرسالات وفي جميع الأديان ، ويسمونها : «الوصايا العشر») لقوله تعالى (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) ، أي أنها مرعية في كل ملة ، فعن عبد الله قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد  التي عليها خاتمة أمره فليقرأ "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.." الآيات الثلاث) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الآية ، قال ابن عاشور (المحكم مالا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام) .

قوله (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..) (151) قال الشعراوي (لفظ « تعال » -هنا - يأخذ بفهم أعمق من مجرد الإِقبال ، فأنت تقبل على أوامر الله لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية) .

فتلك الوصايا العشر هي المرعية في كل ملة ، وبالعمل بها لا يصير أهل القرى في غفلة ، بل يأمنون من أن تنزل بهم المهلكة ، قال طنطاوي (والمتأمل فيها يراها قد وضعت أساس العقيدة السليمة فى توحيد الله - تعالى - وبنت الأسرة الفاضلة على أساس الإحسان بالوالدين والرحمة بالأبناء ، وحفظت المجتمع من التصدع عن طريق تحريمها لانتهاك الأنفس والأموال والأعراض ، ثم ربطت كل ذلك بتقوى الله التى هى منبع كل خير وسبيل كل فلاح) ، قال الشعراوي (ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا ، وهي جامعة لكل شيء) ، وهي كما يلي : -
الوصية الأولى : عدم الشرك بالله

قوله (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا..) تضمن النهي عن الشرك أمرا جازما بتوحيد العبادة لله ، وإخلاص التوجه إليه ، ويقتضي تجريد التوكل والاستعانة والاستعاذة له سبحانه، دون التفات القلب إلى الأسباب أو الركون إليها أو الاعتماد عليها ؛ ركوناً يمحو الخوف من المخلوقين ، وبذلك يخلص الدين كله لله: خوفاً ورجاءً، وتوكلاً وإنابة، وتنقطع حبال الآمال عما سواه.

يقول سبحانه (يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء 48) ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ النبيَّ  أيُّ الذنبِ أعظمُ عند اللهِ؟ قال(أنْ تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلَقَكَ) .
و عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رِدفَ النبيِّ  على حمارٍ فقال لي: «يا معاذُ، أتدري ما حقُّ اللهِ على العبادِ وما حقُّ العبادِ على اللهِ؟» قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: «فإنَّ حقَّ اللهِ على العبادِ أن يعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئاً، وحقَّ العبادِ على اللهِ أن لا يُعذِّبَ من لا يُشرِكُ به شيئاً ( .

الوصية الثانية : الاحسان للوالدين

قوله (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) تضمن الأمر بالإحسان إليهما عدم الإساءة لهما بأي نوع من أنواع الإساءة المعنوية أو المادية ، والأمر بالرفق بهما ، والتذلل لهما ، كما في قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء 24)

وأداء هذا الواجب فيه دلالة على شكر الله تعالى لقوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)(لقمان14) ، وقوله  (مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ) ، فأولى الناس بالشكر الوالدين ، ومن ليس فيه خير لوالديه ليس فيه خير لأحد من الناس ، ومن كان مقصرا معهما كان مع غيرهما أشد تقصيرا ، ومن أحسن إليهما فإنه يرجى منه الإحسان للآخرين ، قال

الوصية الثالثة : النهي عن قتل الاولاد

قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) تضمن النهي القيام على نفقتهم ورزقهم ورعايتهم ، قال رسول الله  (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول) ، يضيعهم بالقتل أو يضيعهم بالإهمال في النفقة أو يضيعهم بالإهمال في التربية والرعاية أو يضيعهم بالشح والبخل العاطفي كما قال النبي  للأعرابي الذي تعجب من تقبيل النبي  للحسن والحسين ، فسأل متعجبا أتقبلون صبيانكم ؟ فوالله ما نقبلهم وفي رواية (تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ  أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) .

فتلك هي أول أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة ،وهي أمانة الولد ، لاسيما البنات (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير9) ، فقد انتشر في الجاهلية وأد البنات مخافة العار وعموما الأولاد مخافة الفقر ، قال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء 31) ، وقَالَ النَّبِيُّ  (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) .

وتخصيص النهي عن القتل بالأولاد وإن كان النهي عن قتل النفس بوجه عام يغني ، إشارة إلى مدى بساطة هذه الجريمة عند من قست قلوبهم فلم يفرقوا بين قتل أولادهم أو قتل الناس عموما ، وإشارة من جهة أخرى إلى أن الأمر شاع بمكان حتى أضحى سهلا علي المجرم في الجاهلية أن يقتل أولاده دون أن يلتفت إليه أحد أو يطالب القود القصاص أو الفدية ، بخلاف ما لو اعتدى على غيره ، فإن أهل القتيل يطالبون بالدم انتقاما منه .

ومن جهة أخرى فإن القتل الأبناء له صور أخرى مستترة ، حيث يأمن الجاني من العقاب ، من ذلك إجهاض الجنين دون أن يتمكن أحد باتهامها تعمد ذلك ، كما قد يكون القتل بالإهمال ، وهو الأكثر شيوعا ، فثمة أفعال سلبية قد تؤدي إلى ذات النتيجة الاجرامية ، ومن أمثلة الجريمة السلبية التي تؤدي إلى القتل كما هو معروف في الفقه الجنائي القتل عن طريق الامتناع ، مثل امتناع الأم عن ارضاع الصغير حتى يموت ، أو امتناع الأب الانفاق على الصغار حتى الموت ، ففي هذين المثالين نجد أنه قد يتعذر إثبات الجريمة ، لاسيما وأن الطفل أو الرضيع لا يستطيع الشكوى ...، فمن يستطيع أن يثبت إهمال الأم في هذه الحالة ، وكذلك لو أهمل الأب في الانفاق على أبنائه حتى الموت جوعا .

قوله (..نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) قاطع الدلالة على أن سبب الفاقة ليس كثرة الولد ، فكل ولد يولد ومعه رزقه ، بل الحاصل هو العكس ، فقد ضمن الله رزق العباد برزق ضعفائهم ، فقال  (ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) .

الوصية الرابعة : النهي الفواحش الظاهرة والباطنة

قوله (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) فعن ابن عباس (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية ، فحرَّم الله الزنا في السر والعلانية) ، قال الرازي (وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا "الزنا" ، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح) .

قال ابن عطية: قال بعض الناس الفاحشة متى وردت في القرآن معرفة فهي "الزنى" يريد أو ما يشبهه كما في قوله: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) [االأعراف:80] (ومتى وردت منكرة فهي المعاصي) ، ولذلك قيل النظرة بريد الزنا ، وقيل (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس)

وإذ تضمن النهي عن الاقتراب من الفواحش الحذر من أسباب المعاصي سواء أكانت صغائر أم كبائر ، فكل صغيرة قد تؤدي إلى كبيرة ، فالاقتراب من الصغائر وسيلة للوقوع في الكبائر
كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر

قال رسول الله  (وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن) .

والتشريعات الوضعية تجرم الزنا إذا وقع في مكان عام بما يخدش الحياء ، ولا تجرمه إذا كان في مكان مغلق لا يطلع عليهما أحد ، بينما الإسلام يجرم الزنا كفعل مجرد بصرف النظر عن مدى علاقة هذه الجريمة بخدش الحياء العام في المجتمع من عدمه ، لأن الإسلام ينظر إلى الزنا علي أنه معول لهدم للأسرة التي هي اللبنة الأولى في المجتمع ، ومتى انهارت الأسرة تفكك المجتمع وفقدوحدته وبناءه القوى , ويصبح المجتمع مكون من أفراد لا نسب بينهم ولا علاقة قربى تربطهم ، فيفقد أهم مقوماته النفسية وهو الدفئ الأسري ، فإذا كان حال المجتمع لا يسر من التفكك ، فإن الجيوش التي جندنها أبناء هذا المجتمع لن يكون حالها بأفضل منه ، ذلك أنه متى فقد الناس الشعور بالإنتماء للأسرة فإنهم كذلك يفقدون الشعور بالانتماء للمجتمع ثم الدولة والأمة بأسرها .


الوصية الخامسة : النهي عن قتل النفس

قوله (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) فقد تضمن النهي عن القتل عموما النهي كذلك عن كل فعل إيجابي من شأنه التعدي على الآخرين بالإيذاء ، فالذي يسعى لإيذاء الناس ابتداءً يكون القتل أخر جرائمه ، قَالَ رسول الله  (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ)
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ فَقِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ الْهَرْجُ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)
وعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) .

والاستثناء من (النفس التي حرم الله) الوارد بالآية في قوله (إِلَّا بِالْحَقِّ) يقصد به القصاص في القتلى وكذلك إقامة الحدود على مستحقي القتل حدا كالحرابة أو زنى المحصن وكذلك جهاد الصادين عن سبيل الله .

قوله (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (151) قال الشعراوي (نجد في هذه الوصايا خمسا منها قال فيها : "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ، وأربعاً قال فيها "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" ، والعاشرة يقول "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ")، ذلك أن الأشياء الخمسة الأولى كانت موجودة في بيئة نزول القرآن ، حيث كانوا يشركون بالله ويعقون والديهم ويقتلون الأولاد ويقارفون الفواحش ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها ، فأوضح لهم أن النهي عنها ينزجر به من كان يعقل : فقال (لعلكم تَعَقَّلُوها) .

الوصية السادسة : النهي عن مال اليتيم

قوله (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) وهذه الصفة من مكارم الأخلاق عند العرب ، وكانوا يقومون بحفظ مال اليتيم من باب المروءة ، وتعزى هذه الوصية من الله لكي تستمر أخلاق الناس على ما سلف من خير ، ولكي ينتبهوا من المنافقين الذين تسول لهم أنفسهم العدوان على مال الضعفاء ، لأن اليتيم ضعيف ولا يستطيع أن يحافظ على ماله بنفسه ، والتغول على ماله أمر يسير ، فوصى الله أولياء اليتيم بأن يحسنوا في ماله ، فإن لم يكن بمقدارهم استثماره لتنميته والإنفاق عليه بالرشد دون إسراف ، تسقط ولايتهم عنه وتعطى لمن يقدر على الإحسان له ، والغاية في حفظ مال اليتيم حتى يبلغ الأشد أي حتى يقدر على إدارة ماله برشد وحكمة ، فعندئذ ترد إليه أمانته ، وتفصيل ذلك مذكور في سورة النساء .
أما من يتحايل علي ماله ليأكل منه لنفسه بغير حق فقد ظلم ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء 10) .

كما يدخل في مقتضيات هذا النهي التوصية بحفظ جميع الأمانات عموما ، لاسيما وإن كانت هذه الأمانة تخص الضعفاء كاليتامى والنساء ، ولا رقيب عليهم غير الله ، قال رسول الله  (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) .

الوصية السابعة : الوفاء في الكيل والميزان

قوله (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، الغاية من الأمر أن ينضبط الميزان التجاري ، ويسود العدل في الأسواق ، ويسلم المتعاملون من الغش التجاري والخداع والغبن ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) ، وعن ابن عباس رضي الله عنه (ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عليهم الرزق)

أما الاستثناء من التكليف الوارد في الآية في قوله (إِلَّا وُسْعَهَا) يرفع الإثم عما هو معفو عنه مما لا يمكن الاحتراز منه ، فقد يتفاوت الكيل أو الوزن شيئا غير ملحوظ بغير قصد لا يمكن جبره إلا بزيادة مفرطة ، فيعفى عنه لأن المشقة تجلب التيسير ، مثال ذلك تصفية اللحم من الدهون ... ودرجة نقاوة الزيت ... وتصفية العسل من الشمع ...الخ .

الوصية الثامنة : العدل في القول والشهادة

قوله (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) ، وذلك يتضمن الصدق في القول بإطلاق ، وعدم جواز كتمان الشهادة ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء 135) ، وقال تعالى (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة 283) .


الوصية التاسعة : الوفاء بعهد الله

قوله (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) إضافة العهد إلى الله للتشديد على وجوب الوفاء به ، وفي ذلك ضمان لأن يسلم المتعاملون مع المسلمين من أي غدر أو إيذاء معنوي أو مادي ، قال تعالى (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(المائدة 8) ، قال رسول الله  (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) ، قال العلماء (لأنه أصبح في الأحكام الذاتية والمالية كحكم المسلم؛ لأن ولي أمر المسلمين أعطاه أماناً، وعاهده على الأمن والحفظ، فأصبح في ذمة ولي أمر المسلمين، فمن اعتدى على معاهد يكون قد خفر ذمة ولي أمر المسلمين) ، ومن لم يوف بذلك فقد خان وغدر ، وليس ذلك من الإسلام.

قَالَ النَّبِيَّ  (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) .
قال رسول الله  (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) ، ولذلك قال تعالي (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (58) أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع فيكون الفريقان في علم ذلك سواء ، قال ابن حجر (أي اكشف لهم الأمر في نقض ما بينك وبينهم)

قوله (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) قال الشعراوي (هذه « الأربع » ، هم كانوا يفعلونها ويتفاخرون بها ، ففي التي كانوا يعملونها من القيام على أمر مال اليتيم والوفاء في الكيل والميزان والعدل في القول والوفاء بالعهد قال "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" أي إياكم أن تغفلوها ؛ فإذا كنتم تفعلونها وأنتم على جاهلية ؛ فافعلوها من باب أولى وأنتم على الاسلام ) ، ولذلك قال النبي  (خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا) .
وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ  أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ)

الوصية العاشرة : (الاستقامة على صراط الأنبياء اتباعا لا ابتداعا)

قوله (وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) فالمقصد التزام الشرع وعدم الحيد عما شرعه الله تعالى ، فعن سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا)
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ  فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ فَقَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)

وعن رسول الله  قال : (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ، ولا تتفرجوا ، وداع يدعو من جوف الصراط ، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، والصراط الإسلام ، والسوران حدود الله تعالى ، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل ، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم) .


( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )

قوله (ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام : 153 ] ذكر هنا التقوى لأنها وصية جامعة ، قال الشعراوي (لأن هذه الوصية تستوعب كل الأحكام إيجابًّا وسلبًّا ، نهيًّا وأمراً) .

  • الاربعاء PM 05:35
    2026-09-16
  • 37
Powered by: GateGold