ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الرسل حجة الله علي قومهم
الرسل حجة الله علي قومهم
قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)
قوله (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..)(122) قال ابن تيمية (هَذَا وَصْفُ الْمُؤْمِنِ كَانَ مَيِّتًا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ بِرُوحِ الرِّسَالَةِ وَنُورِ الْإِيمَانِ وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمَيِّتُ الْقَلْبِ فِي الظُّلُمَاتِ) .
يقول الحق:(استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) [ الأنفال 24 ] ،(فالقرآن نور وروح، فكلما عظم في قلب العبد هذا النور تبددت الشبهات، وانقشعت الظلمات، وزالت كل المكدرات، وكلما خفي هذا النور كلما التبس الأمر على الإنسان، وضل وأصيب بالحيرة والوسوسة والتيه والاضطراب والتناقض) .
وذكر القرطبي أن أهل الجاهلية كانوا يعملون الأصنام من كل شيء حتى أن بعضهم عمل صنمه من عجوة ثم جاع فأكله ، وقد أشار عباس العقاد إلى أن أهل الجاهلية كان منهم من يأد بنته فيقتلها مخافة أن يلحقه العار ، وقد أنزل الله في ذلك قرآن (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت) ، وقال رسول الله (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ) ، فكانت قلوبهم من القسوة بحيث يفعلون ذلك في بناتهم ، وكذلك عقولهم لم تسلم من السفه حيث كانوا يصنعون أصناما من العجوة فإذا جاعوا أكلوها ، وأحيانا يخبئون عين الصنم الأكبر حتى لا يراهم وهم يأكلون الصنم الأصغر ، وهكذا كانوا في موات كما أشارت الآية ، لكن الله تعالى أحيا هذه القلوب بنور الإيمان والإسلام ، قال ابن القيم (أبصر الحق بعد عماه عنه وعرفه بعد جهله به واتبعه بعد إعراضه عنه ، وحصل له نور وضياء يستضىء به فيمشي بنوره بين الناس وهم في سدف الظلام) .
فلما أعز الله المسلمين بالإسلام تذاكروا ما كان منهم أيام الجاهلية فضحكوا ، فعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ) ، قال العلماء في الشرح (من جملة ما يتحدثون به أنه قال واحد ما نفع أحدا صنمه مثل ما نفعني قالوا كيف هذا قال صنعته من الحيس فجاء القحط فكنت آكله يوما فيوما ، وقال آخر رأيت ثعلبين جاءا وصعدا فوق رأس صنم لي وبالا عليه فقلت أرب يبول الثعلبان برأسه فجئتك يا رسول الله وأسلمت) .
قوله (..وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) قال ابن تيمية (فَالنُّورُ الَّذِي يَمْشِي فِي النَّاسِ هُوَ الْبَيِّنَةُ وَالْبَصِيرَةُ .. وَهُوَ نُورُهُ الَّذِي فِي قَلْبِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ النَّاشِئِ عَنْ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، قَالَ تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) فَهَذَا النُّورُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَشَرْحُ الصَّدْرِ لِلْإِسْلَامِ هُوَ الْبَيِّنَةُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ الْهُدَى)
وهكذا تأثير الإسلام على المؤمن ، فإذا أنار الله له الطريق الإسلام ، وعلم أن القرآن هو ذلك النور فاستضاء قلبه به وانشرح صدره له ، فإنه يفيد غيره بهذا النور فيضيء له الطريق ، ولذلك فإن النبي كان يوصي عليا عندما يخرج للجهاد في سبيل الله بأن يجعل نيته هي الدعوة إلى الله لهذا النور ، فلما أعطاه الراية قَالَ عَلِيٌّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) .
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، الخليفة الثاني للمسلمين فاتح بيت المقدس ومصر .
قال ابن القيم (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء ، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقهم)
وقال صاحب الظلال (. . كانت قلوبهم مواتا ، وكانت أرواحهم ظلاما . . ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز ، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء ، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس ، تهدي الضال ، وتلتقط الشارد ، وتطمئن الخائف ، وتحرر المستعبد ، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد ، الإنسان المتحرر المستنير؛ الذي خرج بعبوديته لله وحده من عبودية العبيد!) .
قوله (..كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا..) هو مثال للكافر الذي يعيش في ظلمات متعددة ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ، فكل ظلمة غشاوة على قلبه وعينيه ، تحول بينه وبين قبول الحق والخروج إليه ، فالكبر ظلمة والشهوات ظلمات ، والكره والحقد والحسد كل ذلك ظلمات ، قال الألوسي (جمعت "الظلمات" لتعددها في الواقع ، فهي إن كانت ظلمة واحدة لكنها لشدتها أستعير لها صيغة الجمع مبالغة ، ومن اللطائف أن الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة والنور حيثما وقع وقع مفردا ، نحو الكفر والإيمان ، فالقليل من الكفر كثير ، والكثير من الإيمان قليل ، فلا ينبغي الركون إلى قليل من ذاك ، ولا الإكتفاء بكثير من هذا ، وأيضا فإن أصل الظلمة - بهذا المعنى- قلوب الكفار ، ولأنها أهواء شتى ، صيغة الظلمة بصيغة الجمع (وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) ، بينما مصدر النور المشرق ، بذلك المعنى قلوب المؤمنين فهي كقلب رجل واحد) .
فالآية تعقد مقارنة بين حال هذا الكافر ، وذلك المؤمن ، قال ابن القيم (جمع -للمؤمن- بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة) ، فالكفر ظلمات قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة : 257]... قال الشعراوي (يترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية؛ فالنور الذي نراه يجعل الإنسان يرى الأشياء ، ..ويوضح الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت ، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية) .
وقد أثار ابن عاشور التساؤل كيف رضوا لأنفسهم البقاء في هذه الضلالات، ولم يشعروا بالبون بين حالهم وحال الذين أسلموا ؛ فإذا كانوا قبل مجيء الإسلام في غفلة عن انحطاط حالهم ، فكيف لما دعاهم الإسلام إلى الحق ونصب لهم الأدلة والبراهين بقوا في ضلالهم لم يقلعوا عنها ، فتجيب الآية بأن ذلك بسبب تزيين الشيطان المعصية لهم .
قوله (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (122) أي (زين لهم أعمالهم من الكفر والمعصية) ، قال أهل السنة ، المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله (زينّا لهم أعمالهم) ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصوله لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فدل ذلك على أن المزين هو الله تعالى) ، يدل عليه قوله (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) (آل عمران 14) .
وقيل أن المزين هو "الشيطان" إذا نسب للعمل لقوله (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) (النمل: 24) ، أي أن الله هو الخالق للفعل ، والإنسان هو المباشر للفعل باختياره .
قال طنطاوي (مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبى وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل الحرام ، وتحريم الحلال وغير ذلك من المنكرات) .
وجمع الشعراوي بين القولين فقال (والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين ، ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم؛ لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرًّا للإنسان) (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29] ، أي أن الله سبحانه يزين لهم أمور بمقتضى "الجبلة" لتكون اختبارا وابتلاء لهم ، ويزين لآخرين أعمالهم السيئة ، وهم في طريق الضلال ليمدهم في طغيانهم يعمون "عقوبة" لهم على اختيار الضلال ابتداءً ، فيكون الاستدراج بالتزيين عقوبة لهم .
قال صاحب الظلال (والذي ينشئ هذا التزيين ابتداء هو مشيئة الله التي أودعت فطرة هذا الكائن الإنساني الاستعداد المزدوج لحب النور وحب الظلمة ، تبتليه بالاختيار للظلمة أو النور ، فإذا اختار الظلمة زينت له؛. . والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور ، يسمع في الظلمة للوسوسة ؛ ولا يرى ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق! . . وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . .وبذات الطريقة ، ولذات الأسباب ، وعلى هذه القاعدة جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . . ليتم الابتلاء ، وينفذ القدر؛ وتتحقق الحكمة؛ ويمضي كل فيما هو ميسر له ، وينال كل جزاءه في نهاية المطاف) .
قوله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ...) (123) أكابر المجرمين هم الذين يعيشون في الظلمات ولا يريدون الخروج منها لتزيين الشيطان تلك الظلمات لهم ، قال ابن عاشور "الجعل" : (بمعنى الخلق ووضع السنن الكونية، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشر في كل مجتمع، وبخاصة القرى) ، وذلك لأن الحياة الدنيا لابد فيها من الابتلاء والاختبار ، ولا يتحقق الاختبار إلا بوجود النقيض ، أي الخير والشر.
قال الشنقيطي (بين المراد بالأكابر في موضع أخر بأنهم هم أهل الترف ، والنعمة في الدنيا، وهو قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [سبأ 34]، وقوله (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف 23])
قال الزمخشري ومعناه : (خصّ الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس) ، يقول الشيخ رشيد رضا (هذه الآية تحكي عن أمر مطَّرد في تاريخ الأمم وسير الدعوات ، إن سنة الله - تعالى - في الاجتماع البشري، قد مضت بأن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة أو كل قرية أو بلدة بعث فيها رسول أو بلدة مطلقاً رؤساء وزعماء يمكرون فيها بالرسل في عهدهم وبسائر المصلحين من بعدهم) .
قوله (..وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (اعتراضٌ - على سبيل الوعدِ لرسول الله عليه الصلاة والسلام والوعيدِ للكفرة - أي (وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم) ، قال تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء 16) ،قال ابن كثير "كما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين والرؤساء ودعاة الكفر والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة"
قال القطان (لا تعجب أيها النبيُّ إذا رأيتَ أكابر المجرمين في مكة يدبّرون الشر ويتفنّنون فيه ، ..فعاقبة هذا المكر والإجرام لاحقة بهم ، منصّبه عليهم) .
يقول الشيخ نايف بن شحود ( فما من دعوة إصلاح إلا وتصدى المجرمون الأكابر لحربها وتصدروا لمقاومتها، ولكنهم في النهاية - ومن حيث لا يشعرون - يسهمون إسهاماً مباشراً وأساسياً في إنعاشها وإحيائها ،بل وفي تقويتها وإكسابها الصلابة والصلادة... كيف...؟!
تأمل هذه الآية، واستعرض تاريخ الرسالات والدعوات، تجد أن أكابر المجرمين يتسببون، فيما يبذلون من الضغوط والملاحقة والمطاردة لنبتات الإيمان المستضعفة، يتسببون في تقوية عودها، وإثراء روافدها، وتكثير المتعاطفين معها، ثم في غربلة عناصرها وتنقية صفوفها من الشوائب ، وقد يعجب المرء من نسبة كل هذه الإيجابيات التي تلحق بالدعوات إلى أفاعيل أعدائهم، ولكن هذا العجب يزول، عندما نعلم أن هؤلاء المجرمين يمثلون أداة الابتلاء التي تُطهر بها الصفوف، وتصهر فيها المعادن ، قال تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله) [آل عمران 179] ، فدعوة الرسل - على مر التاريخ - تبتلى بالمجرمين، ثم تكون العاقبة للمتقين) .
قوله (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) هؤلاء المجرمين وإن شئت قلت أكابر المجرمين لم تكفهم معجزة القرآن الكريم ، وإنما يطلبون أن يأتيهم الرسول بمعجزة من اقتراحهم ، تماثل عصا موسى التي شق بها البحر أو يد عيسى التي تشفي المرضى بإذن الله ..الخ كما في قولهم (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: 5] ، فهم يجهلون (الحكمة الإلهية في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم) .
وحالهم اليوم ليس طلب معجزة مقترحة ، بل أن ينزل الله عليهم الكتاب مباشرة ويكلمهم الوحي كما يكلم الأنبياء ، قال الله (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) [المدثر:52] ، فحالهم من معجزة القرآن كأنهم يستصغرونها لطلبهم غيرها أو يستصغرون النبي المرسل به – استكبارا عن الحق وإعراضا عنه - ، كما في قوله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف 31-32) ، فمعجزة القرآن هي الرحمة التي يُرزقها من يتلمس هذا الكتاب ويسير على نهجه ، ولكنهم غافلون عنها .
قوله (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) قال الشيخ أبو بكر الجزائري (إنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية ، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة) ، قال ابن عجيبة (عَلِم أن محمدًا أهل للرسالة ، فخصه بها ، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها ، فحرمهم إياها) .
وكأن هؤلاء المشركين يستكثرون على النبي محمد أن يكون مرسلا من ربهم ، بل ويطلبون أن تكون الرسالة فيهم هم ، فيكونون هم أصحاب هذه الدعوة ، فيكون لهم الفضل على الناس ، غير آبهين لبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي ، هؤلاء الصحابة الذين ليس لهم نسب من قريش .
والله تعالى يرد على هؤلاء المستكثرين على النبي الرسالة ، بأنه أعلم بحال نبيه ومصطفاه ، فهو من حيث النسب أشرفهم نسبا ، ومن حيث القلب أطهرهم قلبا ، فمن حيث النسب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) .
وعن الْعَبَّاس أن رَسُول اللَّهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ (مَنْ أَنَا) قَالُوا أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ (أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ خَلْقِهِ وَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرْقَةٍ وَخَلَقَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ وَجَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا فَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيْتًا وَخَيْرُكُمْ نَفْسًا) .
قوله (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ)(124) أي أن هؤلاء المجرمين سينالوهم الجزاء من جنس العمل ، فكما استصغروا غيرهم واستكثروا على النبي شرف الرسالة ، فإن الصغار يلحقهم ، قال الرازي (وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد عليه الصلاة والسلام طلباً للعز والكرامة ، كما في قوله (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) (مريم 81-82) ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان) .
وللصغار صور عدة أقلها أنهم بعد أن كانوا يصدون عن السبيل ويحاربون أهل الإسلام يتغير حالهم ويصالحون المسلمين على أداء الجزية ، (فعند الحنابلة عندما يدفع الكافر الجزية يشعر بالامتهان ، لاسيما أنه لا يقبل منهم إرسالها ، بل يحضرونها ، فيؤديها الذمي وهو "صاغر" غير "متكبر"، فالتزامهم "الجزية" يعني جريان أحكام المسلمين عليهم) ، قال ابن عاشور (هم أذلاء وهذه حال لازمة لإعطاء الجزية عن يد، والمقصود منه تعظيم أمر الحكم الإسلامي وتحقير أهل الكفر) ، وإن كان الفقهاء قد أصلوا لمفهوم الجزية ، بما يجعلها بدلا للتجنيد الإجباري ، إذ لا يستعان بمشرك في قتال قوم من ملتهم.
قوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) فحقيقة الهدى انشراح الصدر لكلام الله ، فيقبل أحكامه وأوامره ونواهيه وهو مستسلم لها غير منزعج منها ولا متأفف ، ولذلك قال العلماء « لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعاً لما جاء به النبي » ، قال الشعراوي (أي يصبح ما يشتهيه موافقاً لمنهج الله ، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوي) .
قال إسماعيل حقي "شرح الصدر" (كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة بحلوله ، صافية عما يمنعه وينافيه) ، فالمعنى : (من أراد الله منه الإيمان قوَّى صوارفه عن الكفر ودواعيه إلى الإيمان وجعل قلبه قابلاً لحلول الإيمان مهيئاً لتحليه به صافياً خالياً عما ينافيه ويمنعه) .
فعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ
لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)
ونظير ذلك قوله تعالى (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ )(الزمر 22) ، قال العلماء (وعلامة هذا النور التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله) .
قال ابن تيمية في هذه الآية (تلك هي الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ) ، وقال ابن تيمية (فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية والارادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعا ودينا) .
وقد أراد الله أن يكون محمد نبيا ورسولا ، ولذلك فقد شرح الله صدره لهذه الرسالة منذ الصغر ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) .
قال ابن حجر (كان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في اكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه ، وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك) .
والمعنى أن الله تعالى اصطفى محمد بالرسالة وطهره وزكاه لها ، فيسر الله له هذا الطريق حتى وصل إلى درجة النبوة ثم يسر له طريق الدعوة حتى بلغ الرسالة ، وهكذا تكون معية الله بعباده المتقين ، كما في قوله سبحانه لنبيه موسى وهو في المهد (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (القصص 39) .
قوله (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ..) (125) أي في الفرض العكسي لما تقدم ، فالذي يختار طريق الضلال ابتداءً ينذره الله ويرسل له الرسل ، فإن أبى وعاند واستكبر ، أمده الله في طغيانه حتى العمه ، كما في قوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5)، فيشعر بثقل في صدره من أحكام الله والتكاليف الشرعية ، يقول الإمام البيهقي (يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع ، وذلك حيث يقول (وما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول : (ليس في الإسلام من ضيق) ، وذلك مثل قول نوح عليه السلام لقومه : (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) .
وإرادة الضلال هنا معناها الإرادة الكونية ، أراده كونا ولم يرده شرعا ، قال تعالى (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر 7) ، (والإرادة الكونية مرادفة للمشيئة) قال - تعالى - "لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [التكوير:28-29] ، و(الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أن الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله) .
قال ابن عثيمين (الإرادة الكونية أعم مطلقاً لأن كل مراد شرعي وقع فهو مراد كوناً ، وليس كل مراد كوني وقع مراداً في الشرع ، فإيمان أبي بكر رضي الله عنه مثلاً تحقق فيه الإرادتان ، وما تحققت فيه الإرادة الكونية فقط مثلاً كفر أبي جهل ، وما لم يتحقق فيه الإرادة الكونية وإن كان يراد شرعاً إيمان أبي جهل) .
قوله (..يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (125) فالآية تُشَبِّه حال الكافر عندما يرى أحكام الإسلام بمن يصعد جبلا ، فيشق عليه صعوده ، فكلما صعد ضاق صدره لصعوبة التنفس وقلة الأكسجين كما هو ثابت علميا ، أي أنه لا يسعد بدين الله ويضيق صدره من التوحيد وأحكام الإسلام ، ويشعر بالاشمئزار وكآبة من أخلاق الإسلام وآدابه وتعاليمه ، كما ذكر تعالى فقال (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) (الزمر 45)
قال أسعد حومد (فَإِذَا طُلِبَ إِلَيْهِ التَّأَمُّلُ فِيمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ دَلاَئِلِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ ، وَجَدَ فِي صَدرِهِ ضِيقاً عَنْ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ مِثْلُهُ فِي ضِيقِ الصَّدْرِ مَثَلُ مَنْ يَصْعَدُ إلى الطَّبَقَاتِ العُلْيا مِنَ السَّمَاءِ إِذْ يَشْعُرُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ ، وَكُلَّمَا تَزَايَدَ صُعُودُهُ تَزَايَدَ شُعُورُهُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ ، وَكَمَا يَجْعَلُ اللهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلاَلَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَوا الإِيمَانَ ، فَيَغْوِيهِ ، وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) .
قوله (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا..) (126) عن عبد الله في قوله عز وجل (الصراط المستقيم) قال : (هو كتاب الله) ، فالمعنى يتضمن الإرشاد للاعتصام بكتاب الله ، فعن سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ) ، قال العلماء (متى استقام القلب على معرفة الله وخشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكل عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارح كلها على طاعته ، فإن القلب ملك الأعضاء وهي جنوده ، فإذا استقام الملك استقامت) ، قال القشيري (الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها) .
فـ(الاستقامة وسط بين طرفين ، فهي الاعتدال بلا اعوجاج كما قال الله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا) [الكهف:1-2] أي: (ليس فيه عوج، لا في يمين ولا في يسار، وليس فيه هبوط ولا صعود، بل اعتدال واستقامة) .
وتتطلب "الاستقامة" "الاستعانة" بالله ، فعن أَبي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
قوله (..قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (126) أي (بيناها ولم نترك فيها إجمالاً ولا التباساً) ، (وكأن الآيات كانت شيئاً غائباً عنهم لم يذكروها فلما فُصِّلت تذكروها)
والمخاطب بذلك قوم يذكرون ، قال ابن كثير أي: (لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله) ، قال الشعراوي (ولم يقل فصلنا الآيات لواحد ، بل قال « لقوم » فكلنا متكافلون في التذكير ، وهذا التكافل يعصم كل مؤمن من نفسه؛ فإن حصل قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى عند فلان يعدله غيره) .
والمعنى أنه (لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بيّن طريق الهدى ، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز) .
وقد ورد في ذات السورة نظير هذه الآية في قوله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وقوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وقوله (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99) ، فجاء وصف القوم تارة بأنهم (يعلمون) ، وتارة بأنهم (يفقهون) ، وهنا وصفهم أنهم (يتذكرون) ، قال الشوكاني (فإن من تذكر اعتبر ، ومن اعتبر ، استدلّ على المطلوب) .
قوله (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (127) جعل سبحانه "السلام" لفظا يدل على "الطمأنينة" وقوله " وَهُوَ وَلِيُّهُمْ " زاد من الطمأنينة وأكدها ، فالمعنى أن "السلام" تصاحبه "الطمأنينة" ، قال الرازي (بين أنه تعالى وليهم بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة) .
وقد حقق الشعراوي معنى دار السلام بمقارنتها بدار الدنيا ، فأشار إلى أن هناك فارق بين دار الدنيا ودار السلام في الآخرة ، (ففي الدنيا قد يناوئك غيرك فيها ويعاديك ، وقد تأتي لك مكدرات كالمرض ، ومعكرات كالأعداء ، كل ذلك ينغص الأمن والسلام في الدنيا) ، بينما في الآخرة فإنها موصوفة بأنها دار السلام ، فلا يكدرها شيء من ذلك.
وقد أرشد الله إلى أن الولاية جزاء العمل ، ويفسره قول النبي (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) .
قال الرازي قوله (وَهُوَ وَلِيُّهُم) يدل على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضاً يفيد الحصر ، أي لا ولي لهم إلا هو ، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد .. فهؤلاء الأقوام عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو .. ، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا إليه ، وما كان توكلهم إلا عليه ، وما كان أنسهم إلا به ، وما كان خضوعهم إلا له ، فلما صاروا بالكلية ، لا جرم قال تعالى (وَهُوَ وَلِيُّهُم) وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ، ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات) .
قوله (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ..) (128) قال الحسن أي (أضللتم كثيرًا من الإنس) ، قال الألوسي (بأن جعلتموهم أتباعكم بإغوائكم إياهم وتزيين اللذائذ الجسمانية لهم) ، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) [مريم 83] ، وقد فصل ابن تيمية (هذا الأمر تفصيلا في كتابه دقائق التفسير) .
وهو ما عزم عليه الشيطان (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا) (الإسراء 63) ، وقد صدق في عزمه وأنفذه (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ)(سبأ 21)
قال ابن القيم (يعني قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم .. وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطاني ، فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن ، وإنما هم من أولياء الشيطان أطاعوه في الإشراك ومعصية الله والخروج عما بعث به رسله وأنزل به كتبه ، فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان ، فوالى أعداء الله وعادى أولياءه ، وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول وما جاء به ولم يدعها لأقوال المختلفين وآراء المتحيرين وشطحات المارقين وترهات المتصوفين )
قوله (..وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ..) (128) أي (انتفع كل من الجن والإنس بخدمة الآخر ، فالشياطين حسنت لهم القبائح وأغرتهم بها) ، والجن شاركوهم في الأموال والأولاد لما أطاعوهم واستجاب الإنس لهم ، ولم يستعيذوا بالله منهم ، وفي ذلك تصريح من الإنس بجريمتهم أنهم استعاذوا بالجن ليجلبوا لهم النفع والشهوات ، ويدل على استخفافهم بجرمهم .
ولذلك قال رسول الله (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) ، ذلك أن الذي يسعى وراء الشهوات تزيد شهواته ولا تنقضي ، وكلما انقضت شهوة تبعتها شهوة أخرى ، فيستزيد منها بلا حد ولا ضابط ، وكلما رغب في شهوة ليست قريبة المنال بحث عن وسائل تحقيقها فيزين له الشيطان أنه قادر على أن يجلبها له ، ويشترط عليه طاعته حتى ينالها ، وهكذا يعقد الشيطان مع أوليائه عقود ولاء وطاعة ، فكلما سفل بالمعصية كلما أرضى شيطانه.
وقد أشار زيد بن عمرو بن نفيل في شعره إلى هذا الشرك بالجن فقال :-
حنانيك إن الجن كانت رجاؤهم ... وأنت إلهي ربنا ورجاؤنا
فأما استمتاع الإنس بالجن فهذا ظاهر من استعاذتهم بهم دون الله لتسخيرهم في خدمتهم كما يفعل الساحر ، ولكنهم يزدادون بتلك الاستعاذة رهقا ، كما قال تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن 6)
وأما استمتاع الجن بالإنس فذلك ثابت في قوله (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (الإسراء 64) ، ذكر المفسرون عن التابعي (مجاهد بن جبر (تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير مشاركة الشيطان في الأولاد: "إذا جامع الرجل ولم يسمِّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه)
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا) .
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ) .
قال الشيخ ابن عثيمين أي (قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء لأن هذا البيت ، وهذا العشاء حمى بذكر الله عز وجل حماه الله تعالى من الشياطين وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء ، أي أن الشيطان يشاركه المبيت والطعام لعدم التحصن بذكر الله) .
قال ابن القيم (وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم في معصية الله وعبادتهم لهم دون الله ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم فإنهم كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم ويذبحون لهم وبأسمائهم ويوالونهم من دون الله كما هو شأن أكثر المشركين من أولياء الشيطان ، فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض ، ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة وقد جمع العابدين والمعبودين ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) (سبأ 41) ، فهؤلاء عباد الجن وأولياء الشياطين وأكثرهم يعلم ذلك ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده وكثير منهم ملبوس عليه ، فهو يعبد الشيطان ولا يشعر) .
قوله (..وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا..) (128) هذا إقرار منهم أن لذة الدنيا قد انقضت وانتهى وقتها بلا عودة ، ولو أنه سبحانه مد لهم فيها لظلوا على شركهم وكفرهم ، لكن قد حان أجلهم فوجدوا من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور 39) .
قوله (..قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (128) الاستثناء الوارد في الآية هو موضع إشكال عند جميع المفسرين ، قال ابن عاشور (حيث تقرر في الكتاب والسنة وإجماع الأمة أن المشركين لا يغفر لهم وأنهم مخلدون في النار بدون استثناء فريق ولا زمان) ، ونظير هذه الآية قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)(الرعد ) .
وقد أجاب الرازي على هذا الإشكال بأنه استثناء من الماضي يعني المدة السابقة على دخولهم النار ، فقال (منذ يبعثون "إِلا مَا شَآءَ اللَّه" من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم)
وقال الطبري (ومن الجائز أن يكون هذا الاستثناء المراد به من كان منهم من أهل التوحيد ودخل النار بالفسق والفجور وكبير الذنوب بإغواء الشياطين له فإنه يخرج من النار بإيمانه) .
ولا يخلو هذا الاستثناء من فائدة ، قال أبو بكر الجزائري (استثناء لبيان إرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء ، إذ لو شاء أن يخرجهم من النار لأخرجهم أي ليس هو بعاجز عن ذلك)
قال الشيخ سيد طنطاوي (وفى إيراد هذا المعنى بتلك الصورة ، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها إلى مشيئة الله ، وأن خلود المشركين فى نار جهنم إنما هو بمحض مشيئته ، ولو شاء غير ذلك ما خلدوا) .
قال صاحب الظلال (لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي ، فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور ، والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد ، ولا في مقرراتها هي ، يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم؛ ينفرد بهما الحكيم العليم . .) .
قوله (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (129) قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس ، قال مقاتل (فولى الله ظلمة الإنس ظلمة الجن ، وولى ظلمة الجن ظلمة الإنس بأعمالهم الخبيثة ، فذلك قوله : (بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) ، يعنى يعملون من الشرك) .
قال القرطبي (وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر ، ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم)
وقال فضيل بن عياض (إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجبا)
وقال ابن عباس (إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم) .
قال الشاعر :-
وما من يد إلا يد الله فوقها ...ولا ظالم الا سيبلى بظالم
قال تعالى (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء 227) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)
قال طنطاوي أى : (ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من التناسب والمشاكلة ، نولى بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بأن نجعلهم يزينون لهم السيئات ، ويؤثرون فيهم بالإغواء) .
قال ابن عجيبة أي : (نَكَّل بعضهم إلى بعض)
قال الأعمش (إذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شرارهم) .
وقال أبو بكر الجزائري (لا مانع من حمل هذا اللفظ عل تسليط الظالمين بعضهم على بعض)
وذلك حاصل كذلك يوم القيامة ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، حيث تنقلب هذه العلاقة الآثمة بين الإنس والجن إلى عداوة ، فيتبرأ كلا منهما من الآخر ، كما قال سبحانه (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) (الأنعام 64)
قوله (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (130) هذا تعاب وحساب ، استظهارًا لعدل الله تعالى ، أنه لا يعاقبهم إلا بعد التحقيق والحساب وإظهار الحجج والبراهين ، حتى أن المذنب يقر بذنبه يوم القيامة ولا يستطيع أن ينكر ذنبه بعدما تشهد عليه جوارحه ، قال تعالى (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور 24) ، وقال سبحانه (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت 20) ، والعلة في ذلك إظهار الحجة عليهم وهم في موقف العرض والحساب والمحاكمة .
قوله (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (131) بيان لسبب هلاكهم ، وأنهم ما هلكوا إلا بعد أن قامت الحجة عليهم ، قال الشنقيطي (والمعنى أنه لا يهلك قوماً في حال غفلتهم ، أي عدم إنذارهم ، بل لا يهلك أحداً إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه)
ونظير ذلك قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [17 15] ، وقوله (وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً) [ طه : 134 ] ، وقَالَ تَعَالَى : (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
فهذا من أعظم الأدلة على أن أهل "الغفلة" ما يقصه الرسل لهم من البلاغ والنذر ، وهو ما ينفي "الظلم" عن الله تعالى في أنه خلق عبيده وابتلاهم بالخير والشر ، وأنه سوف يحاسبهم على ذلك دون أن يكونوا مؤهلين لهذا الاختبار ، فمناط الحساب البلاغ ، فإذا تعذر البلاغ سقط الحساب ، وهذا الحكم مبسوط على أحكام الدنيا والآخرة قال ابن تيمية (الْعُقُوبَاتِ –في الدنيا- لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) ، وقال ابن تيمية في ذلك (بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده - ورأفته بهم ، وكرمه معهم) .
وأما في الآخرة فكذلك ، فعن نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ (أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا ، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا) ، وفي رواية (وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا) .
قال ابن تيمية (كثير من الناس يكون معه من الإيمان بالله وتوحيده ما ينجيه من عذاب الله وهو يقع في كثير من هذه الأنواع – المعاصي والشرك- ولا يعلم أنها شرك بل لا يعلم أن الله حرمها ولم تبلغه في ذلك رسالة من عند الله والله تعالى يقول (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فهؤلاء يكثرون جدا في الأمكنة والأزمنة التي تظهر فيها فترة الرسالة بقلة القائمين بحجة الله ، فهؤلاء قد يكون معهم من الإيمان ما يرحمون به وقد لا يعذبون بكثير مما يعذب به غيرهم ممن كانت عليه حجة الرسالة ، فينبغي أن يعرف أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ الرسالة في أصل الدين) .
قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (132) قال أسعد حومد (جَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ بِعِلْمِ اللهِ ، يُحْصِيهَا وَيُثبْتُهَا عِنْدَهُ لِيَجْزِيَهُمْ بِهَا ، فَهُوَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْ شَيءٍ مِمَّا يَعْمَلُونَ)
قال المفسرون (درجات أهل الجنة إلى علو ، ودرجات أهل النار إلى سفل) ، (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) [الإسراء 21] ، فكما أن العمل سبب من أسباب التفاوت بينهم في الدنيا ، فإنه كذلك سبب للتفاوت بينهم في الآخرة.
فالأصل أن يطلق لفظ (درجات) على أهل الجنة ، بينما يطلق لفظ (دركات) في السفول لأهل النار ، إذ قيل : (الجَنَّةُ دَرَجَاتُ) و(النَّار دركات) ، ولكن أطلق هنا لفظ (درجات) للاثنين على جهة التغليب من جهة أهل الجنة.
قال الثعالبي (وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ) ، وفي ذلك دليل على تفريد المسئولية ، وأن كل منا محاسب على عمله ، وأن حسابه على قدر التكليف ، ولا أحد مسلط على أحد ، فلكل منا أهليته للتكليف ، فلما كان التكليف بقدر الاستطاعة كان الحساب كذلك على قدر المستطاع من العمل ، أما ما كان خارج الإمكان فإنه لا يقع عليه الحساب ، وما كان من التكليف بقدر الاستطاعة كان الحساب على قدر ذلك ، والله وحده سبحانه يعلم مقدار استطاعة المرء ، وهو سبحانه وحده القادر على حساب الناس بقدر ذلك .
كما في المثال المشهور البغي التي غفر الله لها ، قَالَ النَّبِيُّ (بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ) ، فهل يسأل الله تعالى لماذا غفر لها ؟ ولماذا لم يعاقبها على البغاء ؟ فالله أعلم بحال عبيده وهو وحده القادر على حسابهم.
قوله (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ) (133) والمعنى أن غناه اقتضى استغناءه عمن استغنى عن طريق الحق ، ورحمته اقتضت أن يأت بآخرين يسيرون على طريق الحق لا يحيدون عنه ، لتظل دعوة الله قائمة ، ورحمته قد بلغت جميع خلقه ، وعليه يكون أساس الاستبدال واستخلاف آخرين هو القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى وعدم القيام بها ، قال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران 104)
لاسيما وأن من أوسع أبواب الدعوة إلى الله الإنفاق في سبيل الله ، قال تعالى (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد 38) ، وفي ذلك (إثبات لغناه –تعالى- عن تلك الأعمال والعاملين لها وعن كل شيء ، ورحمته في التكليف والجزاء وغيرهما) .
قوله (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) تأكيد على مضي الدعوة وعدم توقفها على أحد غبر الأزمان ، فما من جيل مضى إلا وتوارثوا الدعوة عمن قبلهم وإن تخلف عن حملها بعضهم .
قال ابن عاشور (والتشبيه في إنشاء موجودات بعد موجودات أخرى، لا في كون المنشئات مخرجة من بقايا المعدومات كما أنشأ البشر نشأة ثانية من ذرية من أنجاهم الله في السفينة مع نوح عليه السلام، فيكون الكلام تعريضا بإهلاك المشركين ونجاة المؤمنين من العذاب) .
قوله (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (134) تهديد صريح لمن تخلف عن المضي في طريق الحق ، والتخاذل عن نصرة النبي في بدء الدعوة ، وقد علموا أنه الحق ، ولكن غرتهم الحياة الدنيا كما أوضحت ذلك الآيات ، قال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء 77) ، ولذلك يتهددهم الحق سبحانه بأنهم لن يمضوا في هذه الدنيا التي غرتهم إلا قليلا .
قوله (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (135) قال طنطاوي أى : (إنى عامل على مكانتى ، ثابت على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه) ، فالمسلم واثق في رب ويكل عاقبة أمره ، وهو تلقين لأهل الحق بأن يخاطبوا من أصر على الكفر والتخاذل عن نصرة النبي ، وسلك غير طريق الحق ، خطاب الثابت على الحق ، محافظا على واجب الدعوة الذي مكنه الله من عمله ، مخبرا لهم بأنهم لن يتخاذلوا عن دعوة الإسلام وتبليغها للناس ، وتضمن تبشير لأهل الحق بأن العاقبة لهم .
قال ابن كثير (وقد أنجز موعده له، صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه، رضي الله عنهم أجمعين) ، قال الله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة : 20] .
قوله (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) تضمن تقرير أفاد التيئيس من حال الذين حلت فيه سنة الاستبدال بغيرهم إذا ما أصروا على مكانتهم من الدعوة ، حيث الصد عن سبيل الله والظلم لأنفسهم بالشرك ، وظلم المستضعفين ممن حولهم بحملهم بالتبعية لهم إجبارا ، فهؤلاء لن يفلح سعيهم ولا مرادهم ولا مطلوبهم أبدا .
قال طنطاوي أى : (لن يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم ، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر) ، (ووضع الظلم موضع الكفر ، إيذاناً بأن امتناع الفلاح يترتب على أى فرد كان من أفراد الظلم ، فما ظنك بالكفر الذى هو أعظم أفراده)
قال الإمام البقاعي أي (الغريقون في الظلم كائنين من كانوا ، فلا يكون لهم عاقبة الدار ، فالآية من الاحتباك : ذكرُ العاقبة أولاً دليل على حذفها ثانياً ، وذكر الظلم ثانياً دليل على حذف العدل أولاً) أي من الظالم لا عاقبة حسنة له ، ومن لا عاقبة حسنة هو هو الذي لم يعدل بل ظلم .
-
الاربعاء PM 05:25
2026-09-16 - 36



