المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1977010
يتصفح الموقع حاليا : 245

البحث

البحث

عرض المادة

تصحيح العقيدة وتأصيل حق الألوهية بمنهج دعوى بليغ

تصحيح العقيدة وتأصيل حق الألوهية بمنهج دعوى بليغ

وفيه ثمانية مطالب بالإضافة إلى مطلب تمهيدي

مطلب تمهيدي "توطئة" : استظهار دلائل القدرة الإلهية كاف لإبطال شبهات الملحدين

المطلب الأول : سرد ضلالات المشركين في الاعتقاد
المطلب الثاني : تصحيح التصور عن الله
المطلب الثالث : ترشيد الجهد الدعوى إزاء عناد المشركين مجادلتهم
المطلب الرابع : إظهار شعار الإسلام أبلغ وسيلة لتصحيح التصور الاعتقادي في الله
المطلب الخامس : الرسل حجة الله علي قومهم
المطلب السادس : مناظرة المشركين في مسألة أن التشريع حق خالص لله ولا لأحد سواه
المطلب السابع : إرشاد الناس للصراط المستقيم باستظهار علة التحريم
المطلب الثامن : استمرار توارث الدعوة رغم صدوف المكذبين وتشيعهم فرقا


مطلب تمهيدي
توطئة : استظهار دلائل القدرة الإلهية كاف لإبطال حجج الملحدين

قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا ‏إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99)

لما ذكر الله تعالى أن الذين يؤمنون بالآخرة هم الذين يؤمنون بالقرآن كان مقتضى ذلك أن ينشغل الدعاة في سبيل الله تعالى بتعريف الناس بركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالآخرة ، وعندئذ يكون الإيمان بالقرآن تبعا للإيمان باليوم الآخر ، لكن لما كان أمر الأخرة من الأمور الغيبية ، وكان أمر الكتاب هو إيمان بما هو مشاهد ، وقد يكون تبليغ الناس بأمور الآخرة أصعب من تبليغهم بأمر الكتاب ، ظهرت الحاجة لأن يصور لنا القرآن أمور الآخرة لاسيما البعث بأمور نشاهدها بأعيننا ليُقَرِّب تصوير أمر الآخرة لآذهان الناس ، فكان في تنزيل هذه الآيات شرحا وافيا لإثبات قدرة الله تعالى على البعث بدلالة قدرته سبحانه على تدبير أمور الدنيا ، ولذلك قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ، أي يفلق الحب ليخرج منه نباتا أخضرا ويفلق النوى فينبت منه الشجر .. وهكذا .

فتضمنت الآيات أبلغ رد من الله تعالى على الملحدين الذين ينكروا وجود الله سبحانه ، ولا يؤمنون بالبعث ، كما أنها تدرجت معهم رويدا رويدا لتنقلهم من لحظة التكذيب وعدم الإيمان المقترن بالإفك والافتراء لتدحض افتراءهم ثم تحملهم إلى التأمل والتفكر في تقدير الله وتدبيره للكون ثم تأطرهم جميعا إلى مرحلة العلم ، حيث يفصل المولى الآيات الدالة علي قدرته تفصيلا كافيا ، فتكون شاهدة على أن الله سبحانه وحده هو المتصرف في هذا الكون وهاديه ، لينتقل الشاك إلى مرحلة الفقه والفهم عندما يتفكر في الخلق ونشأته وقد علم أن الله لم يخلق ذلك عبثا ، ولم يأت شيء إلى الكون مصادفة ، وحينما يدقق النظر بكل صنعة أبدعها الرحمن وكل نبتة صورها وخلقها عندئذ يستقر الإيمان في قلبه .

قوله (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبّ) (95) تشهد هذه الآية بقدرة الله تعالى على البعث والإحياء ، قال ابن عجيبة أي : (يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها ، ويفلق النوى لخروج الشجر منها) ، قال الرازي (إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر ، أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة ، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض)

والمقصد من ذلك أن يتفكر الإنسان في طعامه الذي هو بحاجة له كل يوم ، (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) (عبس 24-28) ، قال أبو حيان قوله : "فالق الحب والنوى" من جنس إخراج الحيّ من الميت لأن النامي في حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله : (يحيي الأرض بعد موتها) ، قال ابن عاشور (فلق الحب ينشأ عنه إخراج الحي من الميت) ، أي أن ذلك كله توطئة للمتفكر في أن يؤمن بالبعث بعد الموت .

قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(95) قال الشعراوي (فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتاً لكن لو نظرت إلى الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة) ، فالموت هنا معنى مجازي لأن الحبة ليست بميت كما أنها ليست بالحي،وإنما بها مقومات الحياة التي أستودعها الله فيها
قال الشيخ طنطاوي والمعنى : (أن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى ، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية ، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد ، وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره) .

وهذا المعنى ظاهر في الحيوان والنباتات ، فجنين الحيوان يتغذى في بطن أمه على مواد أولية مما تتغذى عليه الأم ، وهذه المواد تتحول بقدرة الله تعالى إلى كائن حي ثم يتحول بعد ذلك إلى مولود جديد ، وكذلك النباتات ، فالحبة تتغذى في التربة على مواد أولية وأملاح ومعادن وماء ثم هي تبدأ في الانفلاق كما ذكرت الآية السابقة فينبت من أسفلها الجذر وينبت أعلاه الساق والورق والثمر ، ثم يتغذى هذا النبات على ثاني أكسيد الكربون ليقوم بعملية البناء الضوئي كما نعلم ، وهكذا يكون المقصود مثل (أن يخرج الإنسان من النطفة ، والدجاجة من البيضة ، ويخرج النبات من الأرض ويخرج النطفة من الإنسان)

يقول الدكتور زغلول النجار أن (هذه الآية تشير إلى قدرة الله تعالى على خلق الأحياء من المواد الأولية التي أوجدها مع بدء خلق الكون ، وهي مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة ، وبعد انتزاع الروح من الكائن الحي يعود جسده إلى تلك المواد الأولية التي بدأ خلقه منها ، وهي عمليات مستمرة إلى قيام الساعة ومنضبطة بسنن كونية) .

وقال آخرون (إن الله يخرج من ظهر الفاجر أو الفاسق عالما) ، روي عن عُمَر قَالَ:" " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ " ، يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ" فتأمل سبحان الله .

وفي قوله (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) عن مجاهد قال (الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء ، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً) .
وقال آخرون المقصود مادي ملموس ، وضربوا لذلك الأمثلة منها (حال إثمار النبات والشجر، وإخراج البيض واللبن والمسك واللؤلؤ وحجر"البازهر"من بواطن الحيوان الحي) ، وهذا الذي يخرج من الكائن الحي فيه نفع للناس.

والعلماء عندما تأملوا هذه الآية وبحثوا عن الشيء العجيب فيها ، كما وجدوه في إخراج الحي من الميت ، وجدوا أن ثمة أمور لو تفكر فيها الإنسان لازداد دهشة وتعجبا ، فتوصلوا إلى أن جهاز الإخراج لديه يخرج من جسمه سموما لو ظلت في جسده لافسدته ومات ، فكيف يخلصه الله منها بقدرته سبحانه ؟

فمن المعلوم أن الجسم يطرد العديد من السّموم المتراكِمة بشكلٍ ذاتيٍّ عن طريق الكبد والأجهزة الهضميّة والتنفسيّة والبولية والتعرّق) ، ويُعدّ الكبد أكبر عُضوٍ مسؤول عن التخلُّص من السّموم في جسم الإنسان، فكلّ مادّةٍ تدخل الجسم من أيِّ مكان حتّى الجلد تمرّ عبره، ويُحوّل الكبد الموادَّ السّامة إلى عناصر قابلة للذّوبان في الماء؛ ليستطيع الجسم إخراجها مع البول أو البراز، كما تُخلّص الكليتان الجسم من السّموم النّاتجة عن الأدوية والموادّ الكيميائيّة الأخرى؛ حيث تصفّيان الدّم، وتُخرِجان السّموم مع البول ، وتُخلّص الأمعاء الجسم أيضاً من كميّات كبيرة من السّموم الصّلبة، ويتمّ ذلك عن طريق من خلال عملية الهضم أو البكتيريا النّافعة الموجودة في الأمعاء؛ حيث تحلّل هذه البكتيريا الموادّ غير المهضومة، فتتخلّص الأمعاء من كميّات كبيرة من الدّهون والمعادن الثّقيلة داخلها، ويتخلّص الجهاز التنفسيّ بدوره من الغازات السامّة في الجسم، وذلك عن طريق عملية التنفس، أمّا الجلد الذي يُعدّ أكبر جهاز مناعة ودفاع أوَّليّ للجسم، فإنّ الغُدد العرقيّة فيه تُفرِز العرق المحتوي على موادّ سامّة من مخلَّفات عمليّات الأيض القابلة للذّوبان في الماء، مثل: موادّ اليوريا، وحمض البوليك) .

وقد لاحظ فاضل السامرائي الفارق بين قوله تعالى (يخرج) ، (مخرج) فقال (استعمل لفظ (يخرج) مع الحي والحركة ، و(مخرج) اسم فاعل مع الميت) ، قال تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة 28]


وصدق الله إذ قال (..ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(95) الإفك معناه : (الكذب المتعمّد) ، والمعنى أن الذي ينكر قدرة الله في البعث هو كاذب متعمد ، إذ كيف يظل "الملحد" على إلحاده والله ينجيه كل يوم من تلك السموم التي لو أمسكها فيه لما استطاع أن يظل على إفكه ونشر إلحاده .

دخل ابن السماك على الرشيد يوماً فبينما هو عنده إذ استسقى ماء، فأتى بقلة من ماء- وفي الإحياء: فقال لابن السماك عظني- فلما أهوى بالماء إلى فيه ليشربه قال له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت هذه الشربة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب، هنأك الله، فلما شربها، قال له: أسالك بقرابتك من رسول الله  لو منعت خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السماك: إن ملكاً قيمته شربة ماء وبولة لجدير ألا ينافس فيه! فبكى هارون.(

قوله (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) عن ابن عباس في قوله (فالق الإصباح) قال : (يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر بالليل) .
الإصباح هو وقت الصبح ، وهو قبيل طلوع الشمس ، أي قبل طلوعه وقريب من ذلك ، حيث يسبق ضوء النهار طلوع الشمس فيفلق ظلمة الليل ، كما قال الشاعر
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي . . . بصبح وما الإصباح منك بأمثل

يستظهر المولى أية أخرى تدل على قدرته في تدبير الكون ، ليقسر الملحد علي أن ينتقل من مرحلة الإفك والكذب المتعمد إلى مرحلة التفكر في تقدير العزيز العليم لو أنه تفكر في هذه الآية ، فعندما يتأمل كيف تسير دورة الكون ابتداءً من طلوع الفجر حيث يفلق ضوء الصبح ظلمة الليل ، وذلك كل يوم جديد ، فإنه لابد وأن يعلم أن البعث مثل ذلك ، وليس بعيي على الله أن ييحي الموتى ، كما أحيا الصباح بعد سكون ليل حالك.

قوله (..وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا..) أي جعل الليل ظرفا زمانيا لتأوي الكائنات إلى أوكارها ، حيث يعود للكون السكون والظلام من مرة أخرى بعد نهار طويل مملوء بالنشاط والحيوية ، حتى تستيرح الكائنات النهارية من تعب العمل ونصب السعي للرزق بما يتوافق مع ساعتها البيولوجية .

وفي قوله (..وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) أي أن حركة الشمس والقمر بحساب محكم ، قال الرازي (حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما) قال الشعراوي (لم يقل (بحسبان) لأنها هي في ذاتها حساب وليست محسوبة ، أي أن حسابها آلي) ، وهكذا تظهر الشمس صباحا والقمر ليلا في أوقات معينة وبحساب محدد وتقدير محكم ، ليتفكر الملحد في تقدير الله، ألذي يفعل ذلك قادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم ؟


قال إسماعيل حقي (إنه تعالى قدر حركة الشمس بمقدار من السرعة والبطئ بحيث تتم دورتها فى سنة وقدر حركة القمر بحيث تتم الدورة فى شهر ، وبهذا التقدير تنتظم المصالح بالفصول الأربعة كنضج الثمار وأمور الحرث والنسل ونحو ذلك مما يتوقف عليه قوام العالم وباختلاف منازل القمر وتجدد الأهلة فى كل شهر تُعلم آجال الديون ومواقيت الأشياء)

 

قال العلماء في تفسير ظاهرة تغير الفصول الأربعة أنها تعتمد علي ميلان محور الأرض، حيث إن للأرض محوراً وهمياً يقطعها من نقطة القطب الشمالي إلى نقطة القطب الجنوبي مروراً بمركزها ، وافترضوا أنه من الممكن أن يعمل هذا الميلان مع دوران الأرض حول الشمس في اختلاف زاوية الأشعة الساقطة على الأرض، ومن ثم في اختلاف الأحوال المناخية طوال العام، لتتشكّل بذلك ملامح الفصول المختلفة.
فالثابت علميا أن الأرض تدور حول الشمس مرة كل 365 يوماً تقريباً بمحور مائل، فيتسبب هذا الدوران مع ميلان محورها إلى اختلاف كمية الأشعة الواصلة إلى نصفي الكرة الشمالي والجنوبي ، ومن العوامل المهمة لحدوث هذه الظاهرة ثبات محور الأرض في ميلانه، بمعنى أنه يميل في اتجاه واحد طوال دورته حول الشمس، ونتيجة لهذا الثبات، فإن القطب الشمالي يكون مواجهاً للشمس في إحدى مراحل الدورة ليحظى النصف الشمالي بنصيب وافر من الأشعة الشمسية، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الشمالي والشتاء في النصف الجنوبي ، وبعد نصف دورة حول الشمس وبسبب ثبات المسألة في اتجاه ميلانه، يكون القطب الشمالي غير مواجه للشمس فيما يكون القطب الجنوبي هو المواجه، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الجنوبي والشتاء في النصف الشمالي، وفي أثناء تحرك الأرض بين هاتين النقطتين تحدث الفصول الانتقالية وهي الربيع والخريف) .

(فلو فرضنا – جدلا - دوران الأرض حول الشمس بمستوى عامودي ، فإن مؤدى ذلك إختفاء ظاهرة الفصول المتتالية ، وستثبت الأحوال المناخية على حالها طوال العام، حيث ستسقط أشعة الشمس بشكل عامودي على خط الاستواء طوال العام، وبالتالي ستكون هناك مناطق صيفية دائمة، ومناطق شتوية دائمة، ومناطق انتقالية فيما بينهما، كما سيتساوى طول الليل والنهار في أي مكان على سطح الأرض كون الأشعة الشمسية تسقط عامودية بذات الدرجة على منتصف الأرض طوال العام، مما يخل بنظم الطقس والمناخ على الأرض، فتفاوت الفارق الحراري بين المناطق على دوائر العرض المختلفة سيعمل على خلق فارق كبير في مقدار الضغط الجوي ، ومن ثم في سرعة الرياح وأنماط الهطول، مما يعني أن أحوال المناخ ستكون كارثية) .

قوله (..ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) تذييل الآية ، كقوله تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) [الفرقان: 2] ، وقد عقب ابن الجزي عليه فقال (ما أحسن ذكر هذين الإسمين هنا لأن العزيز يقلب كل شيء ويقهره ، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء ، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة) .

فكل شيء مقدر في هذا الكون لحكمة ، ولا شيء يسير عرضا أو مصادفة ، من ورقة الشجر التي تسقط على الأرض إلى الشمس والقمر الذين يجريان بحسبان كل ذلك بتقدير العزيز العليم ، يقول الشعراوي (فالكَوْن من يسير بأمر خالقه ، منضبطًا لا يتخلف عن أمره ، دليل ذلك أن السنة الشمسية 365 يوما تقريبا ، وفي كل يوم تطلع الشمس من مطلع معين ، ومعلوم دورة الفلك الميلادية 28 سنة ، يتكرر خلالها أيام الأسبوع بنفس تواريخ الأشهر الميلادية تماماً) .
وقد سجل العلماء خلالها كل الظواهر ،فإذا رصدت مطلع الشمس في يوم من أيام السنة ، ثم جئت السنة التي تقابلها في الدورة الفلكية لترصد مطلعها في ذات اليوم لوجدتها تطلع من ذات المطلع ، أي في ذات اليوم وذات المكان بدقة متناهية ، فسبحان الخالق ، ومن ذلك حدَّد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حَلْقي ، فإذا ما تابعته وجدته منضبطاً تماماً في ذات موعده ، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه؛ ولا تدخلُّ لنا فيه) ، فالذي قدر على كل ذلك وأعاد الأيام والأسابيع هي ذاتها والظواهر الكونية في ذات ميعادها ، ألا يقدر على أن يبعث البشر بعد موتهم.

قوله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (97) جعل الله النجم وسيلة السائر في الصحراء والبحر ليهتدي به في الليل فيعرف الطريق ، وذلك لا يتأتى إلا عن دراسة لمواقعها ومعرفة بأشكالها ، (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، فالذي يقدر على الاهتداء بالنجم ليعرف الطريق ألا يقدر على الاهتداء بها ليعلم أن الله هو الذي حدد للنجم موقعه ومسلكه ، هو العليم القدير.

تخيل لو أن تائها في الصحراء لا يعرف الاتجاهات ، وكذلك تائها في البحر لا يعرف الشمال من الجنوب كيف يسير وإلى أين يهتدي ، يقول الدكتور الدوغان: «لا نستطيع أن نتصور أهمية النجوم في الاستهداء عند العرب، إلا إذا تمثلنا رهبة الصحراء، وشح الماء، وانعدام المعالم، وانقطاع الطريق، وبعد الشقة، وتوهج الحرارة أو شدة البرودة، حينئذ نعرف كيف تمثل لهم النجوم، وكيف تصبح هي المعالم والأدلة التي لا تخطئ، والسراجات التي تضيء الطريق؟ وكم كانوا - حين يتيهون في أسفارهم - يسرون بصفاء السماء ، وكم كانوا يحزنون إذا غامت وانطمست معالمها، لأن ذلك يؤدي إلى المتاهة المحققة والهلاك المؤكد. ولذا سموا الصحراء المهلكة)
آلَ المُظفَّرِ أنتمُ النجمُ الذي .. لا يهتدي البازي –الصقر- بغيرِ ضِيائِهِ


فمن الذي رتب النجوم على تلك الأشكال التي يعرفها العلماء ، ويحسبون بها سحاباتهم الفلكية ، لا شك أنه الله

قال صاحب الظلال (الاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها ... كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم . . فالاهتداء هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية ، وفي ظلمات العقل والضمير . . والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي ، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها ، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى؛ وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه ، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم . .) ، ولذلك قال الرسول  (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم) .

قوله (..قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (97) فهذه آيات كونية مفصلة لمن تدبر وتفكر وتعلم ، فلابد وأن يهتدي بهذه الآيات إلى صراط الله المستقيم .
قال الشاعر : -
وما الناس دون العلم إلا بظلمة .. من الجهل لا مصباح فيها ولا نجم
فهل يهتدي إلا بنجم سمائه ... إذا ما بدا من أفقه ذلك النجم
فهذا أوان القبض للعلم فلينح.. عليه الذي في الحب كان له سهم
فليس بمبقى العلم كثرة كتبه ..فماذا تفيد الكتب إن فقد الفهم
قال طنطاوي أي (لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعلمون بموجب علمهم ، ويزدادون إيمانا على إيمانهم) .

قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (98) عن ابن عباس في قوله (فمستقر ومستودع) قال : ("المستقر " ما كان في الرحم ، وقال تعالى (وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى) ، و"المستودع" ما استودع في أصلاب الرجال والدواب) ، روى الحاكم عن ابن عباس قال (المستقر في الرحم والمستودع في الصلب) .

وعن ابن مسعود قال : (المستقر الرحم ، و"المستودع" المكان الذي تموت فيه) ، قال تعالى(وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ) ، قال الألوسي (أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو في القبر أو موضع استقرار) .
قال ابن عطية : (والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه ، وليس بمستقر فيه استقراراً مطلقاً لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار ، فيستقر في أحدهما استقراراً مطلقاً ، .... وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الظرفين « مستقر » بالإضافة إلى التي قبلها و« مستودع » بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد)
أي أن ماء الرجل الذي هو مستقر في صلبه هو ذاته مستودع لكثير من النطف ، فإذا ما انتقل إلى المرأة بالزواج والاتصال بالأنثى ولقح بويضتها عندئذ يتكون منهما المشيج المسمى بـ (الزيجوت) ثم يتطور ليكون جنينا مستقرا في رحم الأنثى ، فيكون مستقر في الرحم ومستودع فيها إلى مرحلة الولادة ، وتلك المراحل مذكورة في قوله تعالى(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف 189) ، ثم إذا استقر في الأرض وأمضى حياته الدنيا ثم انتقل إلى القبر كان القبر مستودعه إلى الآخرة .

وفي قوله تعالى (قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) يقول الشيخ الشعراوي (والتفصيل يعني أنه جاء بالآيات مرة مفصلة ومرة مجملة؛ لأن الأفهام مختلفة ، وظروف الاستقبال للمعاني مختلفة ، فتفصيل الآيات أريد به أن يصادف كل تفصيل حالة من حالات النفس البشرية؛ لذلك لم يترك الحق لأحد مجالاً ألا يفقه ، ولم يترك لأحد مجالاً ألا يتعلم ) .

ونلحظ أن تذييل الآيتين المتتابعتين مختلف مرة (لقوم يعلمون) ، ومرة (لقوم يفقهون) .. أراد الحق في قوله : "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" الدعوة للنظر في آيات خارجة عن ذات الإنسان (الشمس والقمر والنجوم ) ، وهنا في قوله سبحانه : "لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ" لفت للنظر والتدبر في آيات داخلة في ذات الإنسان) .

قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99) تحمل هذه الآية الإنسان التفكر في خلق الله وتقديره وتدبيره للكون ، ما يحمله على الإقرار بالإيمان بالله تعالى ،فشأن التفكر في خلق الله تعالى عظيم ، والتفكر هو أقصر الطرق للاستدلال على الله تعالى.

قال أبو حامد الغزالي (الفكر فهو أشرف العبادات إذ فيه معنى الذكر لله تعالى وزيادة أمرين أحدهما زيادة المعرفة إذ الفكر مفتاح المعرفة ، والثاني زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ولا تنكشف عظمة الله سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ومعرفة قدرته وعجائب أفعاله، فيحصل من الفكر المعرفة ، ومن المعرفة التعظيم، ومن التعظيم المحبة ، فالمحبة سببها المعرفة) .
قال ابن الجوزي (تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي "عادات" ، فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية ، فإن الغافل يقول سبحان الله "عادة" ، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق ، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله) .

(ولو أن إنسان تفكر في رمانة ، فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم ، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة ، والآدمي في حشا الأم ، إلى غير ذلك من المخلوقات، لأوعزه هذا الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله، وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر؛ فهذا تسبيح المتيقظين) .

قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ..) قال أبو حيان (أشار إلى أن السبب واحد والمسببات كثيرة) ، وهذا يذكرنا بقوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء 30) ، فهذه الآية وحدها كافة وشاهدة على الخالق القدير ، لاسيما وأن الماء يمثل من 70 _ 90 % من جسم الإنسان البالغ ، بل إنه ليشكل ما يقرب 99 % من الجسم الزجاجي للعين ، و90 % من الدم و79% من القلب و75% من العضلات و75% من المخ ، و30 % من العظام و 1.8 % من مينا الأنسان ، ويساعد الماء على امتصاص الغذاء من الأمعاء ومرونة وليونة الجلد وامتصاص الصدمات داخل الأعضاء والحبل الشوكي ، وموازنة درجة حرارة الجسد ، كما يساعد على طرد السموم من الجسد ، وتنشيط الدورة الدموية والمحافظة على الطاقة والحيوية ، وتعزيز الجهاز المناعي .


كما تعتبر الزراعات التي تعتمد على الأمطار الأصل فى الزراعة لأنها تمثل 83 % من زراعات العالم، فى حين تمثل الزراعات المروية 17% فقط .

قوله تعالى (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) فرق الشعراوي بين أخضر وخَضِرًا فقال (« خضرا » فيها أشياء كثيرة؛ فيه « لون » متعلق العين ، و« غضاضة » نعرفها بالحس ، وفيه "نعومة" نعرفها باللمس) ، فعلماء النفس يرشحون اللون الأخضر لإراحة النفس فهو يبعث السرور ويضيف البهجة والفرح والأمل ، ولذلك تجد الطبيب في العمليات الجراحية يرتدي اللون الأخضر لأنه يوحي بالطمأنينة والهدوء ، فسبحان الذي زين الأرض باللون الأخضر .

 

وقوله تعالى (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا) دعوة أخرى للنظر إلى تفاصيل النبات الأخضر الذي يخرج الله منه الحب: وهو ثمر النبات، كالبر والشعير ، والنظر إلى انتظامه بشكل هندسي عجيب ، فقوله (متراكبا) المتراكب: الملتصق بعضه على بعض في السنبلة، مثل القمح وغيره .

قال ابن الجوزي ("حبا متراكبا" كالسنبل) ، فمن الذي ركبها على هذه الهيئة ، فسبحان الله .

وقوله (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) يشحذ الذهن للنظر ف طلع النخل والتأمل في منظره ، والتفكر في صنع الله ، فـ(الطلع أول ما يخرج من ثمر النخل) ، قال ابن الجوزي (القنوان عذوق النخل) ، وفي المعجم (هو العذق بما فيه من الرطب) ، قال ابن عاشور (والقنو: عرجون التمر، كالعنقود للعنب، ويسمى العِذق ويسمى الكِباسة) (القنوان هو الفرع الصغير ، وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر) ، قال ابن منظور (العَذْقُ كل غصن له شُعَب) ، دانية (أَي قريبة المُتَناوَلِ والقِنْوُ الكباسة)

فعن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال : أمر رسول الله  بصدقه فجاء رجل من هذا النخل بكبائس ...) جاء في المعجم "كَبائس" (جمع كِباسة وهو العِذْق التامُّ بشماريخه ورُطبه) ، فهذه الصورة التي يصفها القرآن للنخل تثير الدهشة والاستعجاب بعدما لفت انتباهنا إلى تراكيب الحب في السنبلة واصطفافه بعضه فوق بعض بشكل يحمل على التأمل فيه ، ثم يصف هنا فروع النخلة التي تحمل التمر ، وهي تتدلى من فروع متعددة وتحمل أوزانا من التمر دون أن تنقطع ، كيف ذلك ؟ سبحان الله الذي خلقها .

قوله تعالى (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) هذا تنوع بين ثمار شتى من عدة وجوه ، اللون والمذاق والمضغ ، فالعنب يتميز بأن طعمه حلو المذاق ، وبه مزازة ، والزيتون مذاقه لاذع شيئا ما ، وليس بحلو وفيه مرارة ، والرمان لاذع حلو ، كذلك في اللون ، فإن العنب أخضر وأحمر وأسود ، والزيتون أخضر وأصفر وأسود ، والرومان أحمر ، قال ابن الجوزي (مشتبها في المنظر وغير متشابهة في الطعم) ، فسبحان الله .

و"المشتبه" الملتبس بحيث يختلط بعضه ببعض في الظاهر وهو مختلف عنه في الحقيقة ، ويقصد به التشابه بين النوع الواحد من الثمار ، وعدم التشابه في الصفات ، فعلى سبيل المثال هناك أكثر من 1000 صنف من الزيتون متشابهة في الشكل والمكونات مما يشتبه بعضها ببعض لكنها في الحقيقة غير متشابهة من الناحية الجينية، الأمر الذي حدا بالعلماء لوضع قواعد بيانات لها لكبر حجم المعلومات عن كل صنف .

) وضع المجلس الدولي OleaDB للزيتون قواعد بيانات متطورة تشتمل على أكثر من 1200 إلى 1800 صنف (سلالة وراثية) من الزيتون المستزرع (Olea europaea L.). تُصنف هذه الأنواع علمياً بناءً على خصائصها المورفولوجية (الشكلية) والجينية، ونسب الزيت فيها، والغرض من استخدامها ، وأهم أوجه المقارنة الأساسية بينها أمران :-
الحجم واللب: الأصناف المخصصة للمائدة (مثل سيرينولا والتفاحي) تمتلك ثماراً ضخمة ونسبة لب سميكة لسهولة الأكل. أما الأصناف الزيتية (مثل كورونيكي) فتكون ثمارها صغيرة لأن التركيز يكون على استخلاص الزيت وليس اللحم.
طبيعة الزيت: الزيوت الناتجة عن أصناف مثل كوراتينا وبيكوال تتميز بمدة صلاحية طويلة جداً وحدّة في الطعم (لاذعة) بسبب محتواها الهائل من مضادات الأكسدة الـ (Polyphenols). بينما أصناف كـ أربيكينا تعطي زيتاً ناعماً وحلواً يناسب من لا يفضلون طعم المرارة.
لغرض. تلخص الجدول التالي مقارنة شاملة بين 10 من أشهر وأبرز أصناف الزيتون في العالم من عدة أوجه: [1]
بلد المنشأ الأصلي الغرض الرئيسي من الاستخدام نسبة الزيت في الثمرة شكل وحجم الثمرة الخصائص والمميزات النكهية اسم الصنف

  • الاربعاء PM 04:53
    2026-09-16
  • 68
Powered by: GateGold