المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1977009
يتصفح الموقع حاليا : 246

البحث

البحث

عرض المادة

إظهار شعار الإسلام أبلغ الوسائل لتصحيح التصور الاعتقادي في الله

إظهار شعار الإسلام أبلغ الوسائل لتصحيح التصور الاعتقادي في الله

قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (121)

استظهر هذا المطلب من السورة بعضا من شعائر الإسلام ، وإذ فصّلت سورة المائدة بعض أحكام الذبائح والمطعومات باعتبارها من أظهر شعائر الإسلام، فقد عنيت سورة الأنعام بمجادلة المشركين فيها وتحذير المسلمين من طاعتهم؛ تـأكيداً على أن التمسك بهذه الأحكام هو إقامة للحجة عليهم، وإقرارٌ عمليٌّ بألوهية الله حقًا لا مجرد الاكتفاء بالإقرار بربوبيته.

قوله (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) (118) جعل الله سبحانه ذكر اسمه على الذبائح سببا لحلها ، وبها دخلت عادة الأكل ضمن شعائر الله ، قال تعالى (والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ) ، أي أن الله سبحانه هو صاحب الأمر والنهي ، وهو الذي يحل ويحرم ، فتلك هي حقوق خالصة له ، لا ينازعه فيها أحد.

فالتسمية واجبة في كل عادة ، وبها تصير إلى عبادة ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ النَّبِيَّ  يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يُذْكَرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ) .
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  طَعَامًا لَمْ يَضَعْ أَحَدُنَا يَدَهُ حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ  وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ فَذَهَبَ لِيَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدِهِ ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّمَا تُدْفَعُ فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدِهَا وَقَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ يَسْتَحِلُّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَجَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ يَسْتَحِلُّ بِهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا) .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) .
وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه بابا بعنوان (بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ) وذكر بعده حديث الباب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ  قَالَ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ) .

وقد أثار المشركون شبهة في هذا الأمر لما حرم الله الميتة ، وأحل الذبائح ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَتَى أُنَاسٌ النَّبِيَّ  فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ وَلَا نَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ اللَّهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، قال الخازن (هذا جواب لقول المشركين حيث قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم) .

فالقرآن عرض - هنا - الإجابة قبل أن يذكر الشبهة ، للاهتمام بالبيان ذاته ، والتقليل من شأن هذه الشبهة ، وإنما ذكرها آنفا ليؤكد على أن كل ما يثيرونه من شبهات ليس إلا بغرض الجدال مع أهل الإيمان وحسب ، وبذلك يستبين سبب الإعراض عنهم كما في قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام 106).

قوله (...إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) (118) لأن (الايمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله واجتناب ما حرمه) ، بمعنى أن التزام أحكام الذبح على نحو ما شرع الله تعالى هو في حقيقته توحيد الألوهية ، بفعل ما يأمر الله به ويرضاه ، واجتناب ما ينهى عنه ولا يرضاه .
وقد نوه الشعراوي في هذا الصدد إلى أن من يختار ما أحله الله من حيوان ليذبحه ويترك غيرها مما لم يحله كالخنزير ، فهذا قد ذكر حكم الله بفعله ، لأنه علم أن الله أحل له ذلك وحرم عليه ذاك) .

فتوحيد الألوهية يتحقَّق بإفراد الله تعالى بالعبادة قولاً وفعلاً وقصدًا بجميع أفعال عبادة الظاهرة والباطنة والبدنية والمالية ، سواءٌ كانت عباداتٍ قلبيةً -: من محبَّةٍ وخوفٍ ورجاءٍ وتوكُّلٍ ورغبةٍ ورهبةٍ، أو عباداتٍ قوليةً: من تكبيرٍ وتسبيحٍ وتهليلٍ وتحميدٍ وقراءةِ قرآنٍ وغيرها من الأذكار، أو عباداتٍ فعليةً: - من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ ونذرٍ وغيرها من أنواع العبادات المشروعة، وبإخلاصها له وحده طاعةً له وتقرُّبًا إليه.

قوله (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (119) قال ابن عاشور (ولم يفصح أحد من المفسرين عن وجه عطف هذا على ما قبله، ولا عن الداعي إلى هذا الخطاب، سوى ما نقل أن سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتحرجون من أكل الطيبات، تقشفا وتزهدا عن أكل اللحم ، وهذا يقتضي أن الاستفهام مستعمل في اللوم)

قال الطبري (ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة كف عن أكل ما أحل الله من الذبائح) بيد أن في ذلك قصة مشهورة ، ما روي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ  سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ  عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) ، قال السعدي في هذه الآية (فلامَهُم على عدم التزام الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم؛ وهو أنه تعالى فصل لعباده كل ما حرم عليهم، فما لم يذكر تحريمه فإنه حلال واضح ليس للتوقف عنه محل) .

من هنا نفهم أن محل اللوم هو تحريم ما أحله الله بالتحرج من أكله تقشفا،وظنا أن ذلك يدخل في دائرة العبادة ، وهو ليس كذلك ،بل في ذلك مخالفة صريحة لحق الله الخالص في الحل والتحريم ، وإقحام الهوى في المسألة ، والحق واجب الاتباع مع تجريد الهوى ، قال رسول الله  (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ)

قال صاحب الظلال (كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة ، حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها الله؛ ويحلون ذبائح حرمها الله - ويزعمون أن هذا هو شرع الله! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على الله ، فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع ، ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم ، ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد) .

قال ابن تيمية (أصل الدين أمران أحدهما عبادة الله وحده ، وضده الشرك وهو كثير عند النصارى ، والثاني حل الطيبات التي يستعان لها على المقصود وهو الوسيلة ، وضدها تحريم الطيبات ، وهو كثير عند في اليهود ، وهما جميعا في المشركين ) .
أما في الإسلام فنحن نعبد الله وحده بفعل ما أحبه ، ونستعين على ذلك بما أحله ، ففي الحديث [أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ] ، كما قال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) ، وهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه ، فإنه محبوب لكل أحد ، فإنه يتضمن الأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب ، والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتحليل الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة) .

مما تقدم نتعلم درسا تربويا في فائدة التمتع بالحلال ، ذلك أن من يأتي الحلال امتثالا لأمر الله تعالى هو من يجتنب الحرام ، ومن يضيق على نفسه في الحلال فقد يضطر - فيما بعد - أن يأتي الحرام ، لأنه أهمل النظر فيما أحله الله له على أنه رزق طيب ، ولا يزال جسده بحاجة إلى متطلبات خلقها الله فيه وفقا للميول الحيوانية ، فيميل إلى تلبيتها ، ولكن في غير ما أحل الله ، وهذا من تزيين الشيطان الباطل والبدع له ، بأن يحمله على الزهد عن الطيبات ، فيزين له الشهوات ، ثم يميل إليها لأنه قد زهد قبل ذلك عن الطيبات التي أحلها الله له .

قوله (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ...) (120) أي أن الواجب على المكلفين فعله اجتناب ما نهى الله عنه وليس الامتناع عما أحله لهم ، فالامتناع الواجب فعله هو عن الحرام ، وهذه القضية لابد وأن تكون الشغل الشاغل لكل مكلف ، ولا حاجة لأن يخترع دينا غير دين الله سبحانه يحرم فيه ما أحله الله له .

فكل ما نهى الله عنه هو إثم سواء في ظاهره أو باطنه ، قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [ الأعراف : 33 ] ، قال أبو السعود (أي ما يُعلن من الذنوب وما يُسَرّ) ، قال ابن عاشور (ظاهر الإثم ما يراه الناس، وباطنه ما لا يطلع عليه الناس ويقع في السر، وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي) .

وعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) .

قال القرطبي (وهذه المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن) ؛ كما قال: (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا)[المائدة: 93] ، وهذا لا يتاتى إلا بإصلاح القلب .
قال الغزالي (لله عليك مع الفرائض الظاهرة فرضا باطنا هو تصحيح السرائر واستقامة الإرادة وصدق النية ومفاتشة الهمة ونقاء الضمير من كل ما يكره الله ، وعقد الندم على جميع ما مضى من التواثب بالقلب والجوارح على ما نهى الله عنه) .

قوله (..إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (120) والاقتراف في الإساءة أكثر استعمالا ، كما في قوله (وليقترفوا ما هم مقترفون) ، (وأموال اقترفتموها) ، فظاهر النَّصِّ يدلُّ على أنَّه لا بُدَّ وأنْ يُعَاقب المُذنب على الذَّنب ، إلا أنَّ المُسْلِمين أجْمَعُوا على أنَّه إذا تاب ، ولم يُعاقب ، وأهْل السُّنَّة زادُوا شَرْطاً ، وهو أنَّه - تبارك وتعالى- قد يَعْفُو عن المُذْنِب) ؛ لقوله تعالى (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) [النساء 48].

قوله (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ..) (121) المقصود هو النهي عن أكل الميتة ، قاله ابن عباس وسعيد بن الجبير ، لأن الذبيحة المذكاة يذكر اسم الله عليها عند التذكية ، قال ابن عاشور (الفقهاء تأولوا قوله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بأنه أراد به الميتة ، وبناء على فهم أن يكون قد ذكر اسم الله عليه عند ذكاته دون ما ذكر عليه اسم غير الله، أخذا من مقام الإباحة والاقتصار فيه على هذا دون غيره ، وليس في الآية صيغة قصر، ولا مفهوم مخالفة ، ولكن بعضها من دلالة صريح اللفظ ، وبعضها من سياقه ، وهذه الدلالة الأخيرة من مستتبعات التراكيب المستفادة بالعقل التي لا توصف بحقيقة ولا مجاز، وبهذا يعلم أن لا علاقة للآية بحكم نسيان التسمية عند الذبح، فإن تلك مسألة أخرى لها أدلتها وليس من شأن التشريع القرآني التعرض للأحوال النادرة) .

قوله (..وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ..) (121) أي قصد عدم ذكر اسم الله على الحيوان تعمدا عند ذبحه ، أو ذكر اسم غيره عليها ، قال أبو السعود (فإن الفسقَ ما أُهل به لغير الله) ، قال ابن كثير (الضمير عائد على الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه أو الذبح لغير الله) .
ثم ذكر حديث طعام الجن المسلم الذين قرأ عليهم القرآن ثم سألوه الزاد فَقَالَ (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا)
وحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ)
بهذا يستبين أن التسمية تحل طعام الجن المسلم ، وتحل كذلك ذبائح أهل الكتاب متى ذكاها بالطريقة الإسلامية بأن أنهر الدم بقطع الودجين .
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" : " الأصل في جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب قوله تعالى : ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) فسر ابن عباس الطعام بذبائحهم ، وهو أحد التفسيرين للآية ، والكتابي إذا ذبح ذبيحة فإن علمنا أنه ذكر اسم الله عليها جاز أكلها ، وإن علمنا أنه ذكر اسم غير الله فلا يجوز أكلها ، لعموم قوله تعالى : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ، وقوله سبحانه في المحرمات : ( وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) ، وإن جهلنا فلا ندري هل ذكر اسم الله عليها أو ذكر اسم غيره ، فالأصل في ذبائحهم الحل ".
فإذا عُلم أن الكتابي يذكر اسم غير الله ويقول : باسم الأب والابن وروح القدس ، لم تحل ذبيحته ؛ لأنها مما أهل بها لغير الله ، ولا يفيده أنه يقصد بالأب الله - كما في سؤالك - لأن قوله : والابن وروح القدس إهلال لغير الله ، والتقدير : وباسم الابن ، وباسم روح القدس ، فلا تحل الذبيحة مع هذه التسمية) .

قوله (..وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (121) فعن بن عباس قال (يوحي الشيطان إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ، فقال (إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه) .

فوحي الشيطان يعني إلقاء تلك الشبهة ، قال الماوردي (يعني المجادلة في الذبيحة) ، قال ابن عاشور (والمراد هنا المجادلة في إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره، مثل قولهم: كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله الله) ، وهذه الشبهة التي يليقها الشيطان ليجادل أهل الإيمان نابعة عن جهل بأن الله تعالى هو الذي أمات في الحالين ، وليس الأمر مقصورًا على حالة منهما ، فالمباشر للذبح ليس هو الذي أمات ، بل هو مجرد سبب ، وليس له فاعلية ولا قدرة إلا بإذن الله ، مثلما طرح إبراهيم عليه السلام ابنه ليباشر الذبح – بأمر من الله - ولكن الله لم يجعل للسكين قدرة على ذلك روي ابن جرير الطبري أنه - أي إبراهيم حينما أقبل على ابنه- (..ثم إنه جرّ السكين على حلقه، فلم تَحِكِ السكين) أي (فلم تنحر) .

قوله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) قال العلماء (وجه الشرك هنا هو الطاعة في التشريع، بتحليل الميتة التي حرم الله أكلها ؛ فإن من أطاع من حلل الحرام ، فقد جعله شريكا لله في التشريع، كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه) (الشورى 21) ،وقد كان المشركون يرون حل الميتة، ويُثيرون شبهة في ذلك، وهو أن الميتة قد ذبحها الله! فأخبر الله أن من أطاعهم في تحليل هذا الحرام: كان مشركا، وهذا الشرك في الطاعة عام في كل من أطاع غيره في تحليل الحرام المجمع عليه، أو تحريم الحلال المجمع عليه) .

ولذلك ذم الإسلام طاعتهم واتباعهم ، فقال رسول الله  (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ) ، قال ابن حجر (ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه) ، قال المناوي (والمقصود أن هذه الأمة تتشبه بأهل الكتاب في كل ما يفعلونه حتى لو فعلوا هذا الذي يخشى منه الضرر البين لتبعوهم فيه) .

كما أمر الإسلام بمخالفتهم في العادات ، فأضحت مخالفتهم في عاداتهم عبادة لله ، قال رسول الله  (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى) ، وقال  (ليْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ) ، وسواء في المظهر أو في المخبر ، قال  (صلوا في نعالكم ولاتشبهوا باليهود) .

 

 

  • الاربعاء PM 05:21
    2026-09-16
  • 36
Powered by: GateGold