المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1951762
يتصفح الموقع حاليا : 493

البحث

البحث

عرض المادة

أخذ الله القرى الظالمة في الدنيا هو بداية لجمعهم يوم القيامة

د / احمد نصير

المحور التاسع

أخذ الله القرى الظالمة في الدنيا هو بداية لجمعهم يوم القيامة

 

قال تعالى ( ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

 

هذه الآيات هي نواة هذه السورة ، فهي معقبة على ما سبقها من قصص ومبينة سبب هلاك تلك القرى ، وأن ذلك لم يكن إلا جزاءا وفاقا ، لما بدا منها من ظلم للعباد ، فالقصاص من الظالم يقع في الدنيا ويقع كذلك في الآخرة ، ولذلك يقول ابن تيمية (فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى "اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً)[1]

 

 قوله (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ) (هود/100) أي ومن تلك القرى البائدة منها آثار قائمة من جدران وأطلال ، كما في قوله (قال فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (67) ، فهو قائم ليشهد على فناء من كان فيها ، وقد ضيعوا أعمارهم في البناء ، ولم يستفيدوا بأوقاتهم في العبادة ، يقول النبي r (يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا التُّرَابَ أَوْ قَالَ فِي الْبِنَاءِ)[2]لأن الإكثار من البناء عن الحاجة لا يفيد ، إذ يكفي ابن آدم مأوى يأوي إليه هو وأهله بقدر حاجته ، وما زاد فعليه ، يقول النبي r (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ)[3]

 

وقد أوضح النبي r سبب ذلك أنه نوع من التلهي بالدنيا عن طلب الآخرة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ r وَنَحْنُ نُصْلِحُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ مَا هَذَا قُلْنَا خُصًّا لَنَا وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ قَالَ فَقَالَ أَمَا إِنَّ الْأَمْرَ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ)[4] ، ذلك أن البناء يحتاج لكثير من الجهد والعمل ، ولادخار كثير من المال ، فينفقه صاحبه مرة واحدة ، ويتباهى ببنيانه ، وهو مستور الحال في الخيام ، ويوشك أن يفارق  كل ذلك .

 

أما إذا كان الغرض من إصلاح البنيان هو توريثه للغير أو التجارة به ، فلا غرو أن إعمار الدنيا مطلب شرعي ، شريطة أن يخلو ذلك من  التباهي والتفاخر والرياء .

ومنها ما هو كالحصيد (ليس فيه قائم ولا شاخص لاندراسها وذهاب آثارها)[5] كقوله (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس: 24] ، فعن محمد بن كعب ، في قوله عز وجل منها قائم وحصيد قال : « القائم : ما كان من الجدر قائما ، والحصيد : ما وقع بالأرض »[6]، قال الضحاك (الحصيد الذي قد خرب ودمر)[7].

وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ:"قُرًى خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا لاصِقً بِالأَرْضِ، وَلا تَرَى فِيهَا أَثَرًا".

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ:  " مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ "  يَعْنِي بِالْحَصِيدِ"قُرًى خَامِدَةً"[8].

 

وفي ذلك كناية عن شدة غضب الرب حتى أن ديارهم طمست آثارهم لعظم جريمتهم ، وذلك كما حصل في قرى آل لوط ، قال تعالى (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) (82) ، وذلك لطمس آثار هذه الجريمة ، كما في قول رسول الله r (وَمَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ)[9]، وفي رواية قيل (ما بال البهيمة ؟ قال : لا يقال هذه وهذه)[10].

 

قوله (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ..) (هود/101) قال الزمخشري "وَمَا ظلمناهم" بإهلاكنا إياهم "ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ" بارتكاب ما به أهلكوا)[11] ، وهو ما يدل على استحقاقهم للعذاب في الدنيا ، وكذا في الآخرة ، وهو ما يقطع الطريق على أي متفلسف في هذا الموضوع .

 

قوله (.. فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود/101) قال ابن القيم (من اتخذ من دون الله وليا يتعزز به ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده)[12].

 

قوله (..وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود/101) قال مُجَاهِدٍ: أي "تَخْسِيرٍ" ، وعَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ  قَالَ:"التَّتْبِيبُ: الشَّرّ ُ، قَالَ: وَمَا زَادُوهُمْ إِلا شَرًّا ، وَقَرَأَ  " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتُبَّ "  قَالَ: وَأَمَّا التَّبُّ: الْخُسْرَانُ وَالشَّرُّ مَا زَادُوهُمْ إِلا خُسْرَانًا"[13].

 

 قوله (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود/102) أي ما سبق سرده من حكايات تدل على انتقام الله من الظالمين يستبين منه كذلك علة إهلاكهم واستئصالهم من الوجود ، ذلك أن الظلم لابد وأن يُعاقب علي ظلمه في الدنيا قبل الآخرة ، فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[14] .

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)[15]

 

قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) (هود/103) تعليل لذكر هذه القصص وسردها في القرآن متفرقات بين سورة وأخرى ، قال تعالى (سيذكر من يخشى) (الأعلى/10) ، وقال (إنما أنت منذر من يخشاها) (النازعات/45) ، قال ابن القيم(والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الافهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء)[16] ، (وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه إذا سمع ذلك ، قال لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوة وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية)[17].

 

قوله (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ) (هود/103) ونظيره قوله (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)(التغابن 9) ، وقوله (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ)(المرسلات 77)

 

قوله (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ) (هود/103) قيل المشهود هو يوم القيامة والشاهد رسول الله r يشهد على أمته ،     ومعلوم أن الحساب على مرأى ومسمع من الجميع ، فلا يستر الله في الحساب غير المؤمن ، أما الكافر فيفضحه على رؤوس الخلائق ، قال رسول الله r (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ)[18]

 

بل وتشهد الأعضاء والجوارح والجلود والألسن ، وتنطق بما تشهد ، كما يشهد الأنبياء والرسل على قومهم ، وتشهد الآثار والأماكن في الدنيا تشهد بما وقع فيها ، والله يشهد وكفي به شهيدا على ما فعل ابن آدم .

 

قوله (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) (هود/104) ذلك أن الدنيا لابد وأن يكتمل فيها الابتلاء للإنسان ، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء 35)، والأجل المعدود هو أعمار الناس المحدودة في الدنيا ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ:  " أَجَلٍ "  يَعْنِي"الْمَوْتَ"[19]، فمن مات قامت قيامته .

 

وهذا التأخير  يدل على رحمة الله بعباده ، ليترك لهم الفرصة للتوبة ، لعلهم يستفيدون بها ، قال تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل 61)

 

قوله (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (هود/106) يدل على رهبة الموقف ، كما صوره قوله تعالى (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) (المزمل 17) ، وقوله (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) (النبأ 38) ، فإذا أذن بالكلام كان الشغل الشاغل لهم الاستشفاع بالأنبياء ، فلا يجدون لهم شفيعا إلا محمد r ، هو الذي يؤذن له بالكلام في ذلك الموقف .

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ وَيَقُولُ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا r فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ لِي ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ)[20]

 

قوله (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) (هود/105) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ  (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَى مَا نَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ قَالَ بَلْ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)[21] لا تفيد الجَبْرْ؛ وإنما يعني أنَّ الله سبحانه علِمَ أنّ هؤلاء سيعملون بعمل أهل النار وكَتَبهُمْ من أهل النار، وأنهم لِمَا في نفوسهم من الخُبْثْ سيكونون من أهل النار، فسيتركهم الله ? لأنفسهم؛ يعني سيخْذُلُهُمْ، فإذا خذلهم يُسِّر لهم سبيل الضلال. يعني أنَّ التيسير لأهل الجنة فيه زيادة فضل والتيسير لأهل النار فيه سلب الفضل. وهذا يعني أنْ لا جَبْرَ، وأَنَّ الجميع مُعامَلُون بعدل الله ?، وأنَّ أهل الجنة عاملهم الله ( زيادة على عدله بأن منحهم فضلاً ويَسَّرَ لهم وأعانهم على الخير)[22].

 

قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (هود/106) أهل الشقاوة هم أهل الشقاء في الآخرة ، وليس هم أهل الشقاء في الدنيا ، يقول النبي r (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ)[23].

 

قال ابن عباس ( "الزفير" : الصوت الشديد ، و"الشهيق": الصوت الضعيف)[24]، وفي ذلك تهويل لعذاب أهل النار ، بأن أنفاسهم التي يأخذونها عذاب ، وذلك أحسن ما لهم في النار ، فيعدون الأنفاس كما نعد نحن الأيام والشهور والسنين ، لصعوبة العذاب فيها وشدته ، وكأن الدهر يمر عليهم في كل نفس .

 

قوله (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود/107) الله أعلم في هذا السياق بمراده من ديمومة السماوات والأرض ، وهل هو مجاز أم على الحقيقة بأنهما السماء والأرض المبدلتين ، قال قتادة : (الله أعلم بثنياه)[25].

 

قال الطبري بأن المعنى أنهم يمكثون فيها (بقدر ما مكثوا في النار قبل دخُولهم الجنة ، قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة)[26]، فإذا كان ذلك كذلك  ، كان حجة قوية لمن حمل معنى "الخلود" علي المكث الطويل في النار ، لا الديمومة لا إلى نهاية ، وهو ما رجحه كثير من المفسرين[27].

 

قوله (إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ) هو استثناء على الحقيقة –ولاشك – قال ابن زيد : أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: "عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" ، لم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار)[28].

 

 لكن الأدلة والأحاديث النبوية تدل على أن المعنى أن ثمة من يخرجهم الله من النار ، قال الضحاك : (إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة)[29]  ، قال قتادة (ثم استثنى ، فقال : (إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ) ، يعنى الموحدين الذين يخرجون من النار)[30].

 

وقد فهم الشعراوي من قوله "( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات) [ إبراهيم : 48 ] " أن المقصود في قوله " مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ " هو السماوات والأرض المبدلة ، فقال (ونلحظ أن الحق جاء في أمر خلود الأشقياء بالمشيئة فقال : (إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) ، فكأن خلود الأشقياء في النار تنقضه وتضع نهاية له مشيئة الله؛ لأن الأشقياء ليسوا هم الكفار فحسب ، بل منهم بعض المؤمنين العصاة الأشقياء ، وهؤلاء المؤمنون العصاة سيدخلون النار على قدر حظهم من المعاصي ، وساعة تقوم الساعة ويأتي الجزاء يدخلون النار ويأخذون جزاءهم ، لكن بعد أخذ الجزاء يخرجون ، إذن ، فسينتهي الخلود من آخر الزمن ، فيكون المعنى : (إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ) أن يستمروا في النار إلى وقت محدد) .

 

قوله (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا ) وصف الله أهل الجنة بالسعداء رغم ما سبق أن مر بهم من شقاء وحزن وهم وغم ، حتى قالوا (الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن) ، ذلك أن غمسة في الجنة تكفي لإذهاب كل هذه الآثار ، قال رسول الله r (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) [31].

 

قوله (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) (هود/108) قال ابن تيمية (أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى r أنه قال : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسَقْفُه عرش الرحمن) ، وقال بعض العلماء فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء105] ، هى أرض الجنة ، وعلى هذا، فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التى هى سقف الجنة، إذ كل ما علا فإنه يسمى فى اللغة سماء، كما يسمى السحاب سماء، والسقف سماء)[32] .

 

قوله ( ..إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ..) (هود/108) يقول الشعراوي ( نلحظ بالنسبة للجنة في قوله ( إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ )  فالاستثناء يكون من البدء ، لماذا؟ لأن المؤمن الذي عصى الله لن يدخل الجنة من البداية ، وإنما سيقضي فترة في النار ثم يدخل الجنة ، إذن فالخلود في الجنة بالنسبة له قد نقص من أوليته)[33] .

 

قوله (..عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ، أي: غير مقطوع ، ولا محدود ، ولا بقدر أعمالهم ، بل هو بقدر رحمة الله بهم .

 

وقد ألمح الشعراوي إلى فائدة ربط عطاء الله بديمومة السماوات والأرض الإشارة إلى تغيير قوانين الآخرة عن قوانين الدنيا ، وأسباب عطاء الدنيا بعطاء الآخرة الذي لا يرتبط بأسباب ، فيقول (السماوات والأرض الآن؛ تختلف عن السماوات والأرض في الآخرة ، إن السماوات والأرض في الدنيا هي أسباب ومعاش ، أما في الآخرة فنحن لا نأكل بالأسباب ، إنما بالمسبب ، نحن نحيا في الآخرة بكلمة «كن» ، ولا نعيش بأسباب الحرث والزرع والمطر . إن الحق يبدل السماوات والأرض في اليوم الآخر ، واقرأ إن شئت قول الحق : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات) [إبراهيم : 48] .

 

 

 

 


 

[1] ) مجموع الفتاوى ج28 رقم 63

[2] ) رواه الترمذي ج9 ص 23 رقم 2407

[3] ) رواه مسلم ج10 ص 448 رقم 3886

[4] ) رواه أحمد ج13 ص 251 رقم 5213 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص115 ، وانظر صحيح وضعيف الجامع الصغير ج16 ص 101 رقم 7454 بلفظ (عريشا كعريش موسى ثمام وخشيبات والأمر أعجل من ذلك) تخريج السيوطي  عن أبي الدرداء وقال حسن

[5] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 190

[6] ) التفسير من سنن سعيد بن منصور ج3 ص 496 رقم 1048

[7] ) الدر المنثور ج6 ص 341

[8] )   تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 259

[9] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 466 رقم 2554 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص82

[10] )  ابن قدامة : المغني ج20 ص 82 ، الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 179

[11] ) الكشاف ج3 ص 119

[12] ) إعلام الموقعين ج1 ص 155

[13] ) تفسير  ابن أبي حاتم ج8 ص 260

[14] ) رواه البخاري ج14 ص 268 رقم 4318

[15] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 24 رقم 29 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1ص14

[16] ) زاد المهاجر ج1 ص 72

[17] ) الفوائد ج1 ص 131

[18] ) رواه مسلم ج13 ص 343 رقم 4972

[19] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 262

[20] ) رواه البخاري ج20 ص 229 رقم 6080

[21] ) رواه الترمذي ج10 ص 379 رقم 3036 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 111 رقم 3111

[22] )  الشيخ صالح بن عبد العزيز  آل شيخ : إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل ج17 ص2

[23] ) رواه مسلم ج13 ص 411 رقم 5021

[24] ) تفسير الماوردي : النكت والعيون ج2 ص 504

[25] ) مختصر تفسير البغوي ج4 ص 101 لعبد الله بن أحمد بن علي الزيد

[26] ) تفسير الطبري ج15 ص 487

[27] ) البحر المحيط ج4 ص 170 ، ابن كثير ج2 ص 381 ، تفسير أبي السعود ج2 ص 187 ابن القيم : التفسير القيم لابن القيم ج1ص230

[28] ) مختصر تفسير البغوي ج4 ص 101 لعبد الله بن أحمد بن علي الزيد

[29] ) مختصر تفسير البغوي ج4 ص 101 لعبد الله بن أحمد بن علي الزيد

[30] )  تفسير مقاتل ج2 ص 135

[31] ) رواه مسلم ج13 ص 411 رقم 5021

[32] ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 308

[33] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 405

  • الاربعاء PM 03:40
    2026-09-02
  • 7
Powered by: GateGold