المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1950925
يتصفح الموقع حاليا : 403

البحث

البحث

عرض المادة

استقامة نوح في دعوته الإصلاحية على منهج الولاء للمؤمنين وهم قلة ، والبراء من ابنه وهو كافر

د/ احمد نصير

المحور الثاني

استقامة نوح في دعوته الإصلاحية على منهج الولاء للمؤمنين وهم قلة ، والبراء من ابنه وهو كافر

 

قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

 

تصدر ذكر المنهج الإصلاحي لنبي الله نوح بمشهد دعوة قومه لعبادة الله وحده وإظهار الشفقة عليهم والخوف عليهم من أن يصيبهم عذاب الله ، وهو ذات المنهج الذي تصدرت به السورة الكريمة ، ولكن يبدو أن الملأ من قومه الكافرين استكبروا كالعادة عن قبول هذه الدعوة بحجة اعتراضهم على بشرية الرسول ، وعلى أتباعه الذين تزدريهم أعينهم كذلك ، فهم يرون أنه بشر مثلهم وغير مفضل عليهم ، وكذلك اعترضوا على أتباعه بأنهم لا قيمة لرأيهم ولا شأن لهم يوزن بموازينهم ، ولذلك كذبوهم بكل جراءة وفقا لمعايير الدنيا التي يرتبون بها الناس درجات وطبقات ، وكأن الرسالة حكرا على الطبقة الاستقراطية ، ولا يتبوأ مقام الدعوة إلا الأغنياء والأقوياء وليس للفقراء والضعفاء نصيب من العمل لله .

فاستقام نبي الله نوح على المنهج الذي آتاه من ربه ولم يركن لطلبهم ، واستمسك بالفئة المؤمنة ولم يطردهم عن حلقته كما طلب هؤلاء المستعمين عن الحق ، فليس مطلوب منه أن يلزمهم بالحق وهم له كارهون ، فولايته للذين آمنوا ليست محل مساومة ، فهو لم يلزمهم بأن يدفعوا له أجر الاشتراك في هذه الدعوة ، حتى يتجرؤوا على مساومته ليطرد الذين آمنوا ، فالله ينصر دعوته ولا شك ببركة هذه القلة المستضعفة من الذين آمنوا ، كما قال النبي r (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ r هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)[1].

 

 كما أنه لم يعدهم بأنه بمنهجه الإصلاح سوف يفتح لهم خزائن من الأموال ، أو يستنصرون بملكه على اعتبار أن الملائكة الذين يحفونه والذين آمنوا هم له مؤيدون وناصرون ، كما لم يقلل من شأن أخوانه المؤمنين ، ليسترضيهم ، فالله سبحانه أعلم بما في النفوس والقلوب والصدور .

 

هنا انقطع رجاء الكافرين في نبيهم ، وقد ظنوا قبل ذلك أنهم هم الحظوة لو تخلى عن أصحابه وحوارييه ، واستبان ذلك بقولهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (32) ، ولكن المنهج الإصلاحي جعله يعرض عن قولهم ويكل هذا الأمر لله (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (33) ولو حصل ذلك ونزل بهم ما يستعجلون به من العذاب فعندئذ محاولته للإصلاح والتغيير لن تجدي أمام قضاء الله وقدره ، فقال لهم (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (34) بذلك يستبين أن على النبي إرادة الإصلاح ، وليس عليه تحقيق الإصلاح ذاته ، فالله وحده بيده هذا الأمر .

 

وهنا انقلب الذين كفروا على نبيهم نوح عليه السلام وبدأوا حملة التشوية والتكذيب بعدما فشلت محاولتهم استمالته لهم ومساومته في أصحابه ، والبحث عن أي مصلحة دنيوية قد تعود عليهم من اتباعه ، فلما فشلت خططهم للانضمام إليه مقابل هذه الترضيات التي لا يرضى عنها الله ورسوله ، هنا قالوا أنه مفتري على الله ، فتبرأ منهم النبي وأوحى الله إليه (أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) ، ليبدأ عهد جديد من الدعوة الإسلامية ، وهو عهد الشروع في بناء المشروع الإسلامي المعروف على مدار الأزمان بسفينة نوح ، سفينة نجاة المؤمنين ، فلابد لكل دعوة إسلامية في أي زمان من سواعد تشترك معا في مشروع واحد يحقق إرادة الله بجعل العاقبة للمتقين ،والصبر هو الدواء حتى التمام .

 

وعندما شرع نوح في بناء سفينته في الصحراء ، وهو على ثقة بأن الله سبحانه سوف يعينه على ذلك ، فأعانه بعينه سبحانه ، وأخبره بغرق هؤلاء المستعمين جميعا ، ونهاه عن موالاتهم والدعاء لهم ، فقال سبحانه (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) (37) ، ففي هذا المشهد مر عليه قومه وهم يسخرون منه ، أنه يشرع في بناء سفينة النجاة في صحراء لا زرع فيها ولا ماء ، وهنا سخر هو منهم –كذلك - أنهم لا يدركون أن عذاب الله سوف يحيق بهم ، وقد كذبوه وكذبوا بعذاب الله الذي اقترب نزوله عليهم .

 وظل الحال بين الفريقين في مجادلة طيلة شروع المؤمنين في بناء السفينة مع نبيهم حتى صدق الله وحصل الطوفان ، وحمل نبي الله نوح من كل كائن حي زوجين ليظل التناسل مستمرا ، وليبدأ عهد جديد بسفينة تحمل المؤمنين ، أما من كذب بها وسخر صار من المغرقين .

 

من ذلك نفهم أنه لابد من الاستقامة على دوام العمل في المشروع الإسلامي حتى في ظل السخرية منه ، وأن الأسباب الدنيوية تجري عكس ما يؤمن به أهل الحق ، لكنهم يثقون في الله فهو الذي ينجي المؤمنين ، ولذلك جرت السفينة وسط الأمواج تحملهم بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، رغم أن هذه القلة المؤمنة –وفقا لأسباب الدنيا - لا حيلة لهم بصناعة أضخم سفينة في التاريخ ، ولا حيلة لهم بقيادتها في ظل أشد وأعتى أمواج شهدتها البشرية في تاريخها ولن تشهد مثلها .

 

وهذه الاستقامة التي سار على نهجها نبي الله نوح هي أحد ركني عقيدة الحب والبغض في الله ، كما قال النبي r (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَحَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[2] ، وقد بدا من السياق أنه لم يركن للذين ظلموا في شيء ، ما يعني أنه ظل مواليا للمؤمنين رغم تعدد محاولات الكافرين إقصائهم عنه ، فهل استقام نبي الله نوح علي عقيدة البراء كذلك كما استقام على عقيدة الولاء ؟

 هذا هو ما تحدثت عنه الآيات حينما عرضت مشهد الموج وقد حال بينه وبين ابنه وهو علي الكفر ، وقبل هذا المشهد كان يناديه ليركب معه ، ولكنه استقوى بالجبل فلم يعصمه من أمر الله ، وغرق أمام عينيه ، هنا وبعد أن استقرت السفينة على جبل الجودي لم يصدق نوح عليه السلام ما هاله وحصل لابنه أمام عينه ، فتساءل هل هو في الجنة أم في النار ؟ فصدمة الأب في ابنه أدهشته ، والمدهوش له أحكام خاصة ، فقد يغفر له ما لم يغفر لغيره ، فسأل ربه أن يقبل شفاعته في ابنه ، ولكن العتاب جاءه من ربه مباشرا ، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (46) ، وهكذا شيبت هود رسول الله r وهو يقرأها ، وهو يعلم أن الاستقامة على الإسلام وعلى عقيدة الولاء والبراء لابد وأن تكون أحد من السيف ، فاستفاق نبي الله نوح من عتاب ربه ، واستدرك الأمر وقال (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) (47) .

واختتمت القصة برسو واستقرار السفينة على جبل الجودي وهبوط نبي الله نوح والمؤمنين من السفينة بسلام من الله وبركاته عليه وعلى الأمم التي ركبت السفينة معه التي سوف يخلقها الله من ذرية هؤلاء الصالحين ثم يمتعهم الله تعالى في الدنيا ليبدأ الاختبار من جديد .

 

وقد أشارت الآيات إلى كفار أهل مكة ومن حولها من القرى هم أنفسهم ذرية أجدادهم المؤمنين الذين ركبوا في تلك السفينة مع نبي الله نوح ، فمن أين نشأ الكفر إذن ؟ فعليهم أن ينتبهوا ، فعذاب الله لابد وأن يمس من اعوج عن الطريق المستقيم ، وصار في طريق الشيطان ، فهؤلاء المشركون هم أنفسهم أحفاد المؤمنين ، ولكنهم  اعوجوا عن الصراط المستقيم إلى الشرك وتركوا صراط الله الذي كان عليه آباءهم الصالحين ، ما يعني أن دعوة نبي الله نوح الإصلاحية تتلخص في إرادة الإصلاح وليس عليه تحقيق الإصلاح ذاته .

 

ولذلك جاء التعقيب على هذه القصة ببيان أن الصبر مفتاح الفرج ، وأن العاقبة لابد وأن تكون للمتقين (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49) ، فتحقيق الإصلاح يعني تحقيق إرادة الله سبحانه بأن تؤول عاقبة الأمور كل مرة للمتقين .

 

قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (هود/25) يلاحظ -هنا- أن النذارة جاءت ولم ترادفها البشارة ، بل خلت منها تماما ، لأن الذي يتعرض لخطر النار لابد من دفعه ، لا ترغيبه وتخييره ، قال الشوكاني (واقتصر على النذارة دون البشارة لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به) [3].

 

ولا يخفى كم البشارة التي قدمها نوح لقومه من ذلك قوله (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) (هود 52) ، لكن المقام هنا جاء بتصدير النذارة لأن أجل هذه الأمة قد حان .

 

قوله (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (هود26) قال الشوكاني (جملة "أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين)[4].

 

ويلاحظ -هنا – أن الخطاب الدعوى انحصر في بيان أمر توحيد العبودية ، فهو أولى مقامات البلاغ ، وقد اقترن به إشفاق النبي على قومه ، أن يحيق بهم استئصال الله لهم في الدنيا قبل أن يصيبهم عذاب الآخرة ، أي يهلكهم قبل أن يتوبوا .

 

 و(جملة "إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ" تعليلية)[5]، قال ابن عاشور (تخويفهم بعذاب الدنيا أوقع في نفوسهم)[6]، وأيسر للاحتجاج به عليهم ، وعندها يعتبرون بما حصل للأمم التي سبقتهم ، وكانت من قبلهم .

ولذلك كان النبي r يخاف أن يُهلك الله قومه بذنوبهم ، ويتربص وقوع ذلك بهم بغتة ، ولكن الله سلم ، فعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا رَأَى مَخِيلَةً تَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ فَذَكَرَتْ لَهُ عَائِشَةُ بَعْضَ مَا رَأَتْ مِنْهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ هُودٍ (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)[7].

 

قوله (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا.. ) (هود/27)  هنا نرى مدى العمه والصمم الذي أصابهم ، فالنبي يحدثهم عن عذاب الله ، وهؤلاء يردون عليه بأنه بشر لا يملك حق نصحهم ولا إنذارهم ، ونظير ذلك قوله (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون 24)

 

والحقيقة أن الناس لا ينقادون غالبا إلا لمن تميز عليهم بقوة السلطان أو كثرة المال ، أما أن يدعوهم إلى الله فيستجيبون له ، فذلك محل جدل بينهم ، فبشرية الرسول هي دليل صلاحية المنهج للتطبيق على البشر بشكل عملي مشاهد ، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب21) ، ما يعني أن شرع الله ليس مجرد حكم وآداب مثالية بعيدة عن واقع الناس وحياتهم ، بل سبق وأن التزم هذا المنهج نبي بشري مثلهم ، وتبعه كذلك أصحابه وحوارييه وتبعهم في الاقتداء تابعيهم وتابعي تابعيهم حتى يومنا هذا .

 

قوله (.. وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا[8] بَادِيَ الرَّأْيِ..)  يستشهدون عليه بأتباعه الذين تزدريهم أعينهم ، وتحتقرهم قلوبهم ، وهم عندهم أقل الناس شأنا ، وإن كانوا عند الله أعظمهم قدرا ،يقول رسول الله r  (رُبَّ أَشْعَثَ [9]مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ[10] لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)[11]، ولكنهم لا يعلمون ذلك ويقولون لو كان الرسول حقا لاتبعه أفضل الناس وأغناهم وأعلاهم مكانة بيننا ، ، كما قال فرعون (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) (الشعراء/55) ، ظنا منهم أن الذين ينصرون هذه الدعوة لابد أن يكونوا من أعيان القوم ووجهائها ،  وقد دهشوا لما رأوا أن النبي لا يتبعه إلا أحقر الناس – في ظنهم - شأنا ، وأضعفهم منزلة ، أي من الفقراء والمساكين الذين لا يؤبه لرأيهم ولا لطلبهم .

 

وهكذا يشير القرآن إلى حال أتباع الأنبياء منذ زمن نوح عليه السلام ، وكذلك أشارت السنة النبوية لحال الصحابة الذين لا يرثى لهم من الضعف ، وكيف أن قريش كانت تضطهدهم وتسخر منهم ، ولكن الله مكَّن هذه الفئة المستضعفة التي استنصرت بربها فاستجاب لها .

 فعن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ r الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [12].

 

 قوله (..وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود/27) يحتجون أهل الجدل وأصحاب الأهواء بأن المتبعين للنبي ولأنهم ضعفاء فقراء ، ليس لهم تأثير على الحياة الاقتصادية في البلاد ، ولا وزن لهم في المجتمع ، وكأنهم يتبنون وجهة نظر إقصائية لهذه الفئة القليلة المتبعة للنبي ، فقوله (وما نرى لكم علينا من فضل) يقصدون به (بالمال والشرف والجاه)[13]، قال تعالى (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ/35) ، ولذلك وبعد أن احتقر هؤلاء الكفار المؤمنين ، وظنوا أنهم لا يؤبه لشأنهم لا اجتماعيا ولا اقتصاديا ولا وزن لهم ، كان من المنطقي وفقا لمفهومهم أن لا يقبل قولهم ، بل ويكذبونهم في دعواهم ، ولذلك قال تعالى (قُتل الخراصون) .

 

قوله (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)(هود/28)  بكَّت النبي قومه أن أصروا على عنادهم وكفرهم ، فقوله (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) استعارة، (شبهت الحجة التي لم يدركها المخاطبون ولم تصل إلى عقولهم ، كالعمياء التي لا تصل إليهم ، وهم كذلك لا يصلون إليها ، لأنهم أعمياء ، فلا تصل لهم ولا يصلون لها) [14] .

 

 

قال فاضل السامرائي (فعمّيت، أنلزمكموها، وأنتم لها كارهون) كلها تعود على الرحمة لذا اقتضى السياق تقديم الرحمة على الجارّ والمجرور)[15] ، يشهد لذلك قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) (الفرقان 60)

ويجدر التنويه إلى أنهم قبل أن تعمى عليهم الرحمة قالوا برأيهم أنهم يرون ثلاثة أمور ، فقالوا :-

  • مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا
  • وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ
  • وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود/27)

ولذلك جاء التضعيف في (فَعُمِّيَتْ) التي هي ضد (نرى) التي ذكرت ثلاث مرات لبيان أنهم يزعمون أنهم يرون ، والذي يرونه عمى ، تماما مثل الأعمى ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)[16].

 

قال الطوسي ( وقوله "فعميت" يحتمل أمرين: أحدهما - خفيت عليكم، لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي إليها، والآخر - أن يكون المعنى عميتم عنها، وأضاف العمى إلى البينة لما عموا عنها لضرب من المجاز ؛ لأن المعنى ظاهر في ذلك ، كما يقال: أدخلت الخاتم في يدي والقلنسوة في رأسي، والمراد أدخلت يدي في الخاتم ورأسي في القلنسوة)[17].

 

 وفي قوله "أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " (همزة استفهامية ثم جاء الفعل « نلزم » ثم كاف المخاطبة ، وهنا نكون أمام استفهام ، وفعل ، وفاعل مطمور في الفعل ، ومفعول هو كاف المخاطبة ، ومفعول ثان هو الرحمة)[18]، (والاستفهام غرضه إنكاري، أي لا نكرهكم على قبولها، فعلق الإلزام بضمير البينة أو الرحمة)[19] .

 

قال الزمخشري (يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها ، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها)[20] ، والله تعالى يقول (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/256) ، فهذا زيادة في تبكيتهم وصفهم بما هم أهله ، فقوله (وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) بلغ الغاية في تبشيع صورتهم بوصفهم أنهم يكرهون الحق ، قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد/8،9) .

 

وفي قوله (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ ) (هود/29) تنزيه الدعوة من أي نفع مادي قد يعود على الداعية ، والرسول لا يبتغي أجرا إلا من الله سبحانه ، فإذا سأل سائل كيف تنجح دعوة بدون تمويل ؟ أجيب عليه بأن الدعوة الحق عمادها قوة الإيمان ، والعقيدة الراسخة ، فإذا وجد المؤمن الصادق وجدت معه وسائل النجاح الدعوة جميعا بتأييد من الله .

 

 وسيرة النبي شاهدة على ذلك ، فقد ساومه قومه على المال ،وقالوا له لو أردت مالا أعطيناك ، ولو أردت سلطانا ملكناك ، ولكنه رفض هذا وذاك .

وإنما يبغي النبي من دعوته أن يدخل الناس في دين الله أفواجا ، ولو أن يؤمن به رجلا واحدا ، يقول النبي r (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)[21].

 

وفي قوله (.. وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) (هود/29) قال ابن جزي (إنّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم ، كما أرادت قريش من رسول الله r أن يطرد عمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وأشباههم من الضعفاء)[22]، ولكنه لم يقبل طلبهم ، وأعلنها لهم صراحة وما أنا بطارد الذين آمنوا ، في ذلك إعلاء لثوابت هذا الدين ، طرح المساومات والمناقشات في الأرض ، إستعلاء بالإيمان علي الجاهلية البغيضة .

 

 فهؤلاء القوم الذين استهزءوا بالذين أمنوا وقالوا عنهم أنهم (أرازلنا) أي أحقر الناس شأنا ، وسفهوا أراءهم فقالوا (بادي الرأي) أي ليس لهم رأي يؤخذ به ، وليس عندهم كلمة تُسمع لهم ، وزنوا هذه العصابة الضعيفة بمقاييس أهل الدنيا فوجدوهم لا يساوون عندهم شيئا ، فظنوا أن ميزانهم عند نبي الله نوح مثلما هو عندهم ، من هنا أرادوا مساومة (نوح) عليه السلام على طردهم ليستبدلهم بهم ، ولكن النبي r بيَّن لهم أن أمر الدعوة لا تجوز فيه المقايضة على مصالح متبادلة ، فهو لا يسألهم على دعوته أجرا ، وليس لهم أن يأمروه بطرد الذين آمنوا ، ولو كان ذلك مقابل أن يدخلوا الإيمان بدلا منهم ، فدين الله تعالى لكل الناس دونما نظر لمستواهم الاجتماعي ولا لمركزهم الاقتصادي

 

وقد أحسن ابن كثير إذ جمع الآيات التي تتحدث عن كثرة محاولات الذين كفروا من زمن نبي الله نوح عليه السلام حتى زمن النبي r طرد المؤمنين من جانب النبي r ، من ذلك قوله (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: 28] .

 

قوله (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (هود/30) نظيره قوله (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) [الأنعام: 52] ، ذلك أن الإسلام ليس حزبا يختار أناسا معينين لينضموا إليه ، ولا ناديا يجمع طائفة من الناس ذات ميول متقاربة ، أو فريقا رياضيا يختار أكفأ المهارات ، بل هو دين الله ، الذي يتصل فيه المسلمون بالله مباشرة دون وساطة ، ولا يجوز أن يحول دون ذلك كاهن أو حاجب كما يفعل النصارى ، والنبي نفسه لا يملك أن يحول بين الناس وربهم .

لاسيما وقد عوتب النبي محمد r في عبد الله بن أم مكتوم لأنه انشغل بسادة قريش عن مخاطبته والسماع منه ، فأصحاب النبي r في كل زمان ومكان لهم أولوية في الاهتمام والتذكير علي غيرهم ، لأنهم باكورة هذه الدعوة ونواتها الصلبة ، ولابد وأن يسمع منهم النبي r ويجلس معهم أكثر من غيرهم ، فالتربية الخاصة مقام رفيع في الدعوة لا يقل أهمية عن النشر العام للدعوة .

 

قوله (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)(هود/31) تأكيد على مفهوم الدعوة الإسلامية ،وأنها ليست برنامجا اقتصاديا يدر على الدولة عوائد باهظة ، ولا تكهنات احصائية لتتبوأ الدولة مركزا مرموقا بين الدول ، أي لا يعدهم بأن يملأ خزانة الدولة بالأموال ، فالإسلام ليس حزبا سياسيا أو حركة سياسية تسعي لأن تؤول إليها السلطة ، فيتنبأ بكل بساطة من تؤول إليه مقاليد الأمور ، ولا هو ملك عضوض وحوله حاشية من الأغنياء وأصحاب النفوذ وحسب ، فالإسلام وبكل بساطة هو هؤلاء المسلمون الضعفاء الذين لا يملأون أعين الكافرين ، ولا يأبهون لشأنهم .

 

ففي قوله (..وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)(هود/31) (تنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم) [23]، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: 53] ، فالنظام الاجتماعي في الإسلام قائم على  المساواة بين الناس ، يقول النبي r (قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) [24].

 

قوله (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا..) (هود/32) أصابهم الضجر من إصرار نبي الله نوح علي دعوتهم ، ذلك أنه كان يدعوهم لله ليل نهار دون كلل أو ملل ، قال تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (نوح/5-6) ، قال الرازي (وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء)[25] ، قال تعالى (وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل125] ، ما يعني أنه استنفد كافة سبل الدعوة باللسان ،وليس في استطاعته أن يجادلهم بالسيف ، فسبق قدر الله وأهلكهم بالغرق  .

 

قوله (..فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (هود/32) فالعناد شيمة أهل الهوى ، ومن جهلهم أنهم سألوا نبيهم أن يعجل لهم بالعذاب الذي أنذرهم به ، استهزاء صريح منهم بهذا الإنذار ، قال الرازي (التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار)[26].

 

قوله (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (هود/33) قال الزمخشرى يعني (ليس الإتيان بالعذاب إليَّ بل هو إلى من كفرتم به وعصيتموه) ، قوله (إِن شَاء) يعني (إن اقتضت حكمته أن يعجله لكم)[27] .

 

 وفي ذلك دليل على أن النبي ليس له علم بموعد العذاب النازل على قومه ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ r مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف/24) [28].

 

قوله (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (هود/34) قال النبي لهم ذلك لعلمه أن الهداية ليست بيده ، لقوله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص 56)

 قال الزمخشري (إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه ، سمى ذلك إغواء وإضلالاً ، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به : سمي إرشاداً وهداية)[29]

 

قال ابن عثيمين (الله لا يريد الإغواء شرعا، أما كونا وقدرا فقد يريده)[30]، (فالإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه) [31]، (والفرقُ بين الإرادَتَين أنَّ الإرادةَ الكونيَّة تكون عامَّةً فيما يُحبُّه الله ويَسخطُه، وأمَّا الإرادةَ الشرعيَّة فلا تكون إلاَّ فيما يُحبُّه الله ويرضاه، والكونيَّة لا بدَّ من وقوعها، والدينيَّة تقع في حقِّ مَن وفَّقه الله، وتتخلَّف في حقِّ مَن لم يحصل له التوفيقُ من الله)[32] .

 

فإرادة الله الكونية لابد وأن توافق علمه القدري ، ولذلك يقول رسول الله r (فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا)[33] .

وقد بدا الإشكال على النووي في فهم هذا الحديث ، لاسيما وأنه يتعلق بقدر الله ، والنبي r قال إذا ذكر القدر فأمسكوا ، ومظهر هذا الإشكال أن النووي ربط حصول ذلك بالندرة والقلة ، فقال (المراد بهذا الحديث أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم ثم أنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة ، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة وهو نحو قوله تعالى (إن رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي)[34].

والحقيقة أن وقوع هذا الانقلاب بكثرة أو قلة لا شأن له في تفسيره غير ما ذكر من قوله (فيما يبدو للناس) ، يعني أنه كان من أهل الرياء فانقلب حاله ليكشفه الله للناس قبل وفاته فلا يقتدوا به ، وذلك في قوله r (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)[35].

قال العلماء و(فيه دلالة ظاهرة على أن الأعمال أمارات لا موجبات ، وإن مصيرها إلى ما جرى به المقادير في البداية ، فيعمل بعمل أهل الجنة بأن يستغفر ويتوب فيدخلها ، أقول في الحديث تنبيه على أن السالك ينبغي أن لا يغتر بأعماله الحسنة ويجتنب العجب والتكبر والأخلاق السيئة ، ويكون بين الخوف والرجاء ومسلما بالرضا تحت حكم القضاء ، وكذا إذا صدرت منه الأعمال السيئة فلا ييأس من روح الله تعالى الطيبة ..فإن العبرة بخواتيم الحالات ولا يطلع عليها غير عالم الغيب والشهادات) [36].

 

قوله (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) (هود 35)  هنا جاء وقت إعلان المفاصلة بين النبي المجاهد بكلمة الحق ألف سنة دون ملل ، وقومه الذين يصرون على تكذيبه وعدم تصديقه ، فالنبي في هذه المرحلة لا يدافع عن نفسه فقد بلغ منه الجهد أن ظل يدعوهم وهم يصمون آذانهم عنه ، كما لم يقدم لهم في هذا الموقف حججا جديدة ، فقد أعياه مجادلتهم ، وحقت عليهم الغواية ، ولذلك خاطبهم خطاب الذي يريد أن ينعم بالعيش بعقيدة الإسلام بأمان وسلام ، وفي ذات الوقت يحتفظ بحقه أن يتبرأ مما يعملون ، فأكد لهم أن مبدأه في التعايش معهم وإن كانوا كافرين ، أن يتركوه وأصحابه دون أن يمسوه بسوء ، فقال لهم هب أنني افتريته كما تزعمون (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) أي جرم هذا الذنب عليَّ وحدي ولا شأن لكم به ، فعلام تهددونني ، وكل واحد له مطلق الحرية فيما يعتقد في الله دون إكراه ، أي إن كان ما أدين به لله ليس صوابا –كما تزعمون- فعلي وحدي إثم ذلك ، ولا أضركم في شيء إن تركتموني  وما أدين ، كما في قوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون 6) ، أما إن كان ما تدينون به هو الباطل ، وليس على الحق فإني أتبرأ منكم بعد أن أقمت الحجة عليكم وأظهرت لكم البينات ، وليس علي شيء من الإثم وقد تبرأت من شرككم  ، أي أنكرت منكركم بالقلب بعد أن فرغ اللسان وعجز عن المواصلة في ظل تهديدكم لي بالرجم كما في قوله (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)(الشعراء 116) ، وذلك أضعف هو الإيمان.

 

قال السمرائي وهنا المقام مقام مفاصلة بعدما انغلق عليه باب الدعوة ، لما أوحى إليه ربه (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) انتهت المسألة وصارت مفاصلة لأنه غلق باب الدعوة والتبليغ ، وليس كقوله (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (سبأ 25) فهو في سياق الدعوة ، لأن لا تغلق قلوبهم عنه ، فهو سياق فيه محاجّة يأمل أنهم يعودوا فيستميل قلوبهم)[37].

 

قوله (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (هود/36) قال المفسرون (لما أوحي إِليه هذا ، استجاز الدعاء عليهم)[38] ، فقال (لا تذرْ على الأرض من الكافرين دياراً) [ نوح 26 ] ، فالدعاء غرضه الحفاظ على الإسلام ، لأن الكفر بعدما تجاوز مرحلة المفاصلة تأهب للقضاء على المسلمين جميعا بعد تهديده بالرجم.

 

قوله (..فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (هود 36) وذلك لأن دعوته على قومه شملت ذريتهم ، إذ عزموا عزما أكيد على إضلال ذريتهم ، وإن شئت قلت منعهم من الإسلام ولو كرها ، وقتل من يأبى غير ذلك ، فقال (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح 27) ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟) قَالَ (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)[39] ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ r عَنْ "أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ" فَقَالَ اللَّهُ (أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)[40] .

 

قوله (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا..) (هود37) ، الأمر بصنع السفينة أشار إلى أن تحقيق المعجزة في الأرض يكون بالأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى ، وإن ظن العبد – لأول وهلة- عدم فاعليتها ، لكن طالما أنها مأمور بها شرعا ، فوجب الأخذ بها من باب العبادة لله ، فصنع سفينة في الصحراء أمر مبالغ فيه ، لولا أن الأمر بصنعها من الله تعالى ليكون سببا لتتحقق به المعجزة .

 

 وقوله (..بِأَعْيُنِنَا..) أي بحفظ الله ورعايته [41] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:  " وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا "  قَالَ:"بِعَيْنِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ"[42]، قال ابن كثير أي: (بمرأى منا)[43]، قال الألوسي (إن ملابسة العين كناية عن الحفظ)[44]،(لمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ)[45] ، أي أن الله تعالى لن يترك عبده إزاء افتراءات القوم عليهم وازدراءهم ومن اتبعه ، بل لابد أن ينتصر له ويحفظه من أذاهم ، ويرعاه برعايته .

 

وفي قوله: (..وَوَحْيِنَا..) قال ابن كثير أي: (وتعليمنا لك ماذا تصنعه) [46]، قال ابن عاشور (دلت على أن الله أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه .

 

قال تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) (القمر/9-14) .

 

قوله (..وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) (هود37) نهى الله نبيه أن يشفق على  قومه الظالمين ، ولا تأخذه بهم رأفة في دين الله ، و(المعنى لا تراجعني في تأخير العذاب عنهم)[47] ، والمقصود نهيه عن أن يطَمَع في تأخير عذابهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان) [48]، قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(الأحزاب/36).

 

فعن عَائِشَةَ زَوْجُ رَسُولِ اللَّهِ r أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:"لَوْ رَحِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ أَحَدًا، لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : كَانَ نُوحٌ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ وَغُرِسَ مِائَةَ سَنَةٍ الشَّجَرَ فَعَظُمَتْ، وَذَهَبَ كُلُّ مَذْهَبٍ ثُمَّ قَطَعَهَا، ثُمَّ جَعَلَهَا سَفِينَةً وَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُونَ: يَعْمَلُ سَفِينَةً فِي الْبِرِّ، فَكَيْفَ تَجْرِي ؟ قَالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، فَلَمَّا فَرَغَ وَنَبَعَ الْمَاءُ وَصَارَ فِي السِّكَكِ خَشِيتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَخَرَجَتْ إِلَى الْجَبَلِ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ، فَلَمَّا صَارَ الْمَاءُ عَلَى الْجَبَلِ فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا دَفَعَتْهُ بِيَدِهَا فَرَقًا فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ"[49]

 

قوله تعالى (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) نلحظ أن كل الرسل الذين دعوا إلى التوحيد ، هم في دعوتهم مشغولون بمشروع إسلامي دعوي ، هذا المشروع يعتمد على علوم دنيوية كالنجارة أو الحدادة أو البناء والهندسة أو الزراعة أو الطب ..الخ ، فنوح يصنع الفلك في الصحراء، وإبراهيم وإسماعيل انشغلا ببناء الكعبة ، وموسى يظهر الآيات بعصاه ويديهم فأبطل بقدرة الله سحر الدولة الفرعونية ، وداود كان مشغولا بصناعة الحديد والدروع وهو مشروع عسكري من الدرجة الأولى ، وسليمان مشغول بتسخير الجان لصناعة الموائد العظام يأكل منها كل الناس ، واستخراج اللالئ والياقوت .. وهو مشروع نهضوي واجتماعي يظهر عظمة البناء ويقدم الطعام للمحتاجين والفقراء ، وعيسي يبرؤ الأكمه والأبرص وهو مشروع طبي عظيم الأثر ،...وهكذا يكاد لا يخلو نبي إلا وانشغل زمانه بمشروع إسلامي عظيم.

 

قوله (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) (هود/38)  امتثل النبي لأمر الله تعالى رغم علمه أن ما يفعله من الشروع في صناعة سفينة في الصحراء ليس أمر منطقي أو مستساغ عند قومه ، فأصول صنعة السفن أن تصنع قرب الشاطئ ليسهل نقلها على زلاجات خشبية إلى البحر ، أما وأنه يصنعها في الصحراء فذلك يدعو إلى التهكم منه ، حيث قالوا إما أن يحملها من الصحراء إلى البحر أو يأتي بالبحر إليها ، ولذلك قالوا إنه لمجنون ، فهو موهوم أن تتغير قوانين الطبيعة وتمطر السماء في الصحراء ماء يحيلها إلى بحار وأمواج ، ورغم أنه يعلم أنه سوف يلقي منهم السخرية ما لا يرضاه ، لكنه كان واثق في وعد ربه ، واستمر في صناعتها دون أن يبالي بسخريتهم ، فهو يعلم أنهم مغرقون كما أخبره الله بذلك ، ولهذا فهو يضمر السخرية منهم في نفسه ، لأنه يضحكون ويسخرون ولا يدركون أنهم مغرقون .

 

وهنا نلحظ أن الله تعالى لم يشفق عليهم ، إذ بلغوا الغاية في الطغيان ، وليس بعد ذلك إلا المفاصلة والمفارقة ثم المخاصمة في الله متى تظاهروا عليه ، وصار الأمر منهم استهزاء بالمسلمين ودين الإسلام .

 

قوله (.. قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) (هود/38)  وسخرية الكافرين من المسلمين لابد وأن يقابلها سخرية المسلمين من أعدائهم ، فهجاء الأعداء غرض مشروع متى كان بقصد الرد على سخريتهم وافتراءاتهم ، والذود عن دين الله تعالى ، ولذلك كلف الرسول r حسان بن ثابت بالرد على هجاء قريش .

 

فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي فَأَتَاهُ حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ لِحَسَّانَ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى قَالَ حَسَّانُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ

 

وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ.. هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا - رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ ..فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ..ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا - تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ .. يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ

عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ ..تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ - تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ .. فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا

وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ .. وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ - يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ.. وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا

يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ ..وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا - هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ .. لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ

سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ .. فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ – وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ .. وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا

وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ[50]

 

فاستخدام الشعر في الرد علي سخرية الكافرين واستهزائهم بالمؤمنين هو ميدان للجهاد بالقول مثل الجهاد بالسيف لاسيما إذا كان الهجاء في موطن الدفاع عن الأنبياء والمقدسات ، ولذلك كان النبي r حريصا على تبييض وجهه من افتراءات المشركين والذب عن نفسه اتهاماتهم ، وكان يجند أصحابه للدفاع عنه إعلاميا .

 

قوله (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) (هود/39) هذا الرد الإلهي بمثابة هجاء لهم ردا على سخريتهم ، في ذلك الوقت هو إنذار لهم بسوء العاقبة ، فالعلم المشار إليه في الإية هو إنذار إليه ، وكأنه إشعار لابد وأن يصل لهم في الدنيا أو إنذار لتوقي حصول العذاب قبل أن يأتيهم في الآخرة ، ولابد وأن يصل هذا الإنذار للناس كافة ليقيم الحجة عليهم ، وتتحقق العبرة به لمن بعدهم ، وتلك هي إرادة الله .

 

 فوقوع العذاب بالأقوام السابقين بمثابة النذير الذي به تقوم حجة الله على البشر جميعا ، قال سبحانه (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء/15) أي رسولا ينذرهم ويعلمهم ويقيم الحجة عليهم ، فلا يحتج أحد بعد ذلك على الله تعالى بعدم العلم بعاقبة المكذبين .

 

قوله (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ..) (هود/40) يعني ما أمرنا به من زيادة الماء وإغراق الكافرين من قوم نوح[51] ، (وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) (النساء 47)، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) (الأحزاب 38)

 

قوله (..قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ- إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ- وَمَنْ آمَنَ ، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود/40) وهكذا تستمر الحياة رغم الطوفان العظيم ، حيث تحمل سفينة نوح أركان التناسل في هذا الكون ، من كل شيء زوجين ، ذكر وأنثى ، فما من هلاك عام حصل في البشرية ، إلا والذي جاء بعده خير ، فانتشر الإسلام في الكون ، وعم الخير أرجاءه .

 

قوله (..إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ..) جملة اعتراضية ، مستثناه ممن صدر الأمر بحملهم في السفينة ، والمستثنون هم الذي قضى الله في علمه السابق وقدره أنهم مغرقون ، فلم يستثن من ذلك إلا من سبق عليه القول بالكفر – في علم الله-.

  فعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ؟

فَقُلْتُ بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ قَالَ فَقَالَ أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا قَالَ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ فَقَالَ لِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا") [52]، معنى أن القدر موافق لحكمة الله وعلمه الأزلي بما سيكون من اختيار العباد ، قال د سفر الحوالي (والحساب يكون على ما اختار العبد وعمل، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر)[53].

 

قوله (..وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود/40) أي بعد جهد دعوي استطال لمدة ألف سنة إلا خمسين عاما متواصل ليل نهار تكون النتيجة ألا يؤمن معه إلا عدد قليل من الناس مقارنة بالكثير الكافر به ، ما يعني أن نبي الله نوح عليه السلام لم يقصر في الجهد ولم يقصر في الإخلاص لله ، ولكن النتيجة صارت هكذا ، فالبركة تحل بالإيمان حتى وإن كان أتباع المؤمنين قليل .

 

 لكن بعد حصول هذا الإغراق ونجاة المؤمنين ، انتشرت ذرية هؤلاء المؤمنين في ربوع العالم حتى كانت منها أمة محمد r أكثر أهل الجنة يوم القيامة ، فالقليل لابد وأن يبارك الله فيه ليكون هو الكثير الذي يباهي الله بهم الأمم على رؤوس الأشهاد ، قال رسول الله r (أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ )[54]، وقال رسول الله r (وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا)[55]

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ)[56]

 

قوله (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (هود/41) فمحال أن تسير سفينة في طوفان مُدَمِّر وسط الأعاصير وفي ذات الوقت ينزل الماء من السماء منهمرا ، ثم تنجو بسلام ، ولكنها إرادة الله ومشيئته أن تجري باسم الله ، وترسو باسم الله ، فهذه السفينة تجري وترسو بمشيئة ربانية ، وهي في حماية الله ورعايته ، وقد سخر الكون له لهذه المشيئة في ظل الطوفان الكبير ، والرياح العاتية والأمطار الرعدية والأعاصير من كل جانب ، قال تعالى (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) (القمر11- 14) ، ولكنها رعاية الله للذين آمنوا ، وحفظه لمشروعهم الإسلامي الذي صنعه أهل هذه الدعوة بأيديهم وبأمر الله ، وهكذا تواجه هذه السفينة الأمواج العاتية والعواصف المدمرة دون أن يحصل لها شيء .

وللتسمية شأن عظيم في مستهل أي عمل ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان التسمية على كل حال ، وقد ورد في السنة النبوية أن التسمية عند الطعام وعند فتح الباب وغلق الباب وعند الجماع وعند الصيد وعند الذبح ...الخ ، فالتسمية دليل على صحة النية لله وتوجه القلب في هذا العمل لله تعالى ، فالتسمية تعني الاستعانة بالله عند الشروع في العمل ، وتذكر القلب بأن الباعث على هذا العمل هو مرضاة الله ، ولا شيء غير ذلك ، ليتخلى القلب عن كل محظوظاته ، فيتجرد عن الثناء والمدح ورياء الناس ، ولا شك أن الله لا يقبل إلا عملا خالصا لوجه الكريم ، وبذلك تحل البركة على العمل ،ويشعر المؤمن بالطمأنينة بأنه يتبغي بعمله وجه الله وحده لا شريك له .

 

وقوله (..إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)(41) قال ابن كثير (مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين ذكْرُ أنه غفور رحيم، كما قال: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: 167]، وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) [الرعد: 6] .

 

ولعل المناسبة تبدو -كذلك- عندما نعلم أن العمل البشري لا يخلو من تقصير ، والله تعالى يخبرنا بمغفرته ورحمته بعد الفراغ من عمل الدعوة ، ما يعني أن الله لم يهلك الذين آمنوا مع نوح بما فعل السفهاء ، – لاسيما وأن وعملهم وواجبهم الدعوي لم يخلو من تقصير – بل غفر الله لهم ورحمهم ، فنجاهم وأكرمهم ، وذلك كدعاء موسى ربه لما أخذتهم الرجفة ، كما في قوله (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف 155)

 

وقوله (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) يدل على أن الله تعالى أعطى لها فاعلية تفوق قدرتها بأضعاف ، وهكذا يُفَعِّل الله تعالى الأسباب الضعيفة فيغير من خصائصها لتصبح قوية ، ويُضْعِف أسباب قوية فلا تكون لها أية فاعلية ، مثلما أضعف النار التي تحرق إبراهيم عليه السلام ، متى أضحت أسباب النجاة بلا فائدة في أيدي المؤمنين وقد استفرغوا كل طاقتهم لأجل الله سبحانه .

 

ففي هذا الموضع جعل سبحانه سفينة نوح قادرة على مواجهة الطوفان العظيم والأمواج الهائجة كالجبال في ارتفاعها ، وليس لسفينة بدائية ، هي مجرد ألواح خشبية ودسر - أي مسامير- أن تتحمل ذلك الضغط الهائل من كل اتجاه إلا أن تكون في حفظ الله ورعايته ، وهكذا كل مشروع إسلامي استنفذ أبناؤه بناءه واستفرغوا كل طاقتهم فإن الله يكفيهم ويغنيهم ويجري لهم أسباب النجاح من فضله.

 

قوله (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ -وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ- يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) (هود/42) تصوير لحالة نوح عليه السلام وهو يرى ما يفجعه ، فيرى ابنه عازل نفسه عن الفئة المؤمنة ، ولا ينخرط معها ، ومعلوم أن الانعزالية هي أول خطوات استحواذ الشيطان على الإنسان ، فعن النبي r قال (عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)[57]

 

وتصوير القرآن لحالة انشغال نوح بإنقاذ ابنه لينجيه من الغرق ، يدل على أن لدعوة الأهل والأقربين أولوية على دعوة غيرهم ، لقوله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء214) ، وتخصيص وقت لنصحهم واجب شرعا ، لقوله (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه 132) ، وتفضيلهم في بذل المجهود الدعوي وإيصال كلمة الحق لهم على غيرهم من المدعوين هو أولى أوليات الدعاة إلى الله تعالى .

 

 قوله (وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) هو ختام نصيحة نوح لابنه ، وآخر أمر ونهي وجملة إنشائية قالها له ، وبعدها فارق بينهم الموج ، أي إذا كنت منعزلا –ولابد - فاعزل نفسك عن الكافرين ، ولا تكن معهم ، قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام/68) ، لكن نوح تأسف على حال ابنه ، وهو يراه منضما للفئة الكافرة المكذبة بوعد الله ، ولم يكن لنصيحته صدى أو مردود عند ابنه.

 

قوله تعالى (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود 43) لم يطع الابن أباه ، فهو غير مقتنع بنصيحة أبيه له ، ما يعني الفجوة النفسية بينهما كبيرة  ، وقد ظن بجهالته أنه ناج من عذاب الله إذا ارتكن لجبل يحميه من الماء ، وتناسى قدرة الله العلي العظيم ، وأن الله تعالى جعل هذه السفينة هي وسيلة نجاة المؤمنين ، وليس الجبل يقوى على ذلك ، فظن أنه ليس بحاجة لأن ينضم لأبيه مع المؤمنين ، وتناسى أن الأسباب الشرعية تكمن في ركوب هذه السفينة ، لكنه العناد وحسب ، ورغم أن المصيبة أصابته ، فإنه لا يزال يجادل أبيه في أمر نجاته ، وظل مستعصما بالأسباب التي يراها في مخيلته قوية ، ويظنها أقوى من الأسباب التي شرعها الله للنجاة ، تلك السفينة ونسي التوكل على الله .

 

قوله (..قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ..) (هود 43) وهنا صاح الأب بأعلى صوته وأطلق جملة خبرية تضمنت نفيا قاطعا وجازما (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ) ، ولم يكد يخفت صوته حتى حال الموج بينهما ، فصار الأمر على خلاف ما كان يظن الابن ، فعذاب الله لا مفر منه ولا محيص ، قال  تعالى (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) (الأنبياء/11) .

 

وفي قوله (..وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود 43) تصوير للحظة الفراق بين الأب وابنه ، وكم هي لحظة محزنة أن يرى الأب ابنه قد مات على الكفر ، وقد حال عذاب الله دون أن يتصل الأب بابنه ، ليزيد من تحذيره وإرشاده ونصيحته ، فيغلق الموج الستار بينهما ، فيصير النبي من أهل الجنة ويصير ابنه من أهل النار .

 

قوله (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء ) (هود/44) بيان لسرعة نفاذ أمر الله تعالى في التو واللحظة، قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر 50)  ، فما يحدث في الكون من أهوال ينطفي أثره في لحظة واحدة ، قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82).

 

قوله (..وَقُضِيَ الأَمْر..) (هود/44)كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (العنكبوت/14-15) .

 

قوله (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ..) (هود/44) إشارة إلى بداية جديدة لحياة جديدة ليس فيها غير المؤمنين الناجين مع نوح ، فليس معنى أن الطوفان أغرق من علي الأرض جميعا أن الحياة قد انتهت ، بل لابد من استقرار وبداية جديدة ، وعهد أفضل ، قال تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) (النساء 133) .

 

قوله (..وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود/44) جاء هذا الاستبعاد للذين يصدون عن سبيل الله ، ويقفون حائلا دون إيصال كلمة الحق ليخلي الله بينه وبين عباده ، فلا يعوقهم عائق للوصول إليه، قال الشوكاني (وصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك)[58].

 

قال إسماعيل حقي (الدعاء عليهم بذلك ، وهو تعليم من الله تعالى لعباده أن يدعوا على الظالمين ، أي : ليبعد القوم بعداً وليهلكوا)[59] .

 

قوله (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود/45)  اندهش نوح لسوء خاتمة ابنه ، وانزعج انزعاجا شديد لذلك ،  ومن شدة اندهاشه جادل ربه في مصير ابنه وهو يعلم أنه كافر ، (فسأله أن يبين له مصيره ،  ولم يصرح بمطلوبه تأدبا مع الله) [60]، (إذ ظن أن الله سوف ينجيه وأهله) [61]، ولعله لم يعلم كفره إلا في تلك اللحظة ، أو تمنى على الله أن يهدي ابنه في آخر لحظة .

 

قوله (..وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ..) (هود/45) ظن نوح أن ابنه علي دينه ، وأنه ناج لهذا السبب ، فلما وجده قد غرق ، هاله الأمر ، وقد قال الله له (احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك) ، فظن أن ابنه داخل ضمن الموعود لهم بالنجاة ،ولم يدرك معنى الاستثناء (إلا من سبق عليه القول) ، قال الرازي (إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين ، وكان حكم المؤمنين "النجاة" ، وحكم الكافرين "الغرق" ، وكان ذلك معلوماً ، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفياً وكان ابن نوح منهم ، وكان يجوز فيه كونه مؤمناً ، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافراً ، بل على الوجوه الصحيحة ، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة ... وهذا أيضاً لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافراً ، فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن ، فطلب من الله تعالى تخليصه .. ، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق ، وأنه ليس من أهل دينه)[62].

 

قوله (..وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود/45) تضمن تفويض الأمر لله في ابنه ، وأنه لا يعلم قدر ما يعلمه الله عنه ، وكل ما يفعله الله لحكمة ، قد ندركها وقد لا ندرك منها شيئا ، فهو يقر بأن ابنه غرق لحكمة الله يعلمها ، فآمن بحكمته وقدرته ، رغم أنه اندهش -قبل ذلك- من سوء المنظر ، لكن قلبه ظل مؤمنا بالله وحكمته فيما قدره في شأن ابنه وقضاه  .

قال حافظ إبراهيم : -  

لا يُهولَنَّكَ صَرْفُ الدَّهْرِ في عَرَبٍ   ....  فالخَرْقُ يُصْلِحُهُ مَنْ يَخْلُقُ العَرَبَ[63]

قال رسول الله r  »لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه «[64]

 

قوله (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود 46) جاء الاستدراك من الله تعالى ففي قوله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) إعادة لترتيب العلائق في إطار الرابطة في الله تعالى ، فمن ليس موصول بالله يخرج عن إطار الموالاة ، وإن كان موصولا بغيره ، فالابن لو لم يكن على الإيمان بالله فليس من أهل المرء ، وليس من عيشيرته وإن حمل اسمه .

 

والمقصود هنا هو ضبط الولاية بحيث لا تمتد لمن كفر بالله تعالى وإن كان من الدرجة الأولى في القرابة ، وليس المعنى هو أنه ليس له أي حق يتعلق بصلة الرحم ، بل يظل حق البر قائما بينهما لا مساس له ، كما ثبت في الحديث عَنْ أَسْمَاءَ قَالَ قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ r مَعَ ابْنِهَا فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ)[65].

وقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)[66] (هود 46) تعليل لجملة "إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ"[67] ، قال البيضاوي (وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة)[68] ، (لقطع الولاية بين المؤمن والكافر)[69]، واستبان ذلك المعنى بقراءة الكسائي : قرأها (عَمِل) على صيغة الفعل الماضي ، والمعنى (إن ابنك عمل عملاً غير صالح يعني أشرك وكذب)[70].

 

قال الشعراوي (فالإيمان ليس نسبا ، ولا انتماء لبلد ما ، أو انتماء لقوم ما ، إنه العمل ، فمن يعمل بشرع أي رسول يكون من أهل هذا الرسول ، إنَّ النسبة للأنبياء لا تأتي للذات التي تنحدر من نسب النبي ، بل يكون الانتساب للأنبياء بالعمل الذي تصنعه الذات)[71].

 

وكأن الله سبحانه قد أطلع نبي الله نوح على حقيقة ابنه ،وأنه عمل غير صالح وإن بدا له في الظاهر أنه عمل صالحا ، كما في الحديث (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)[72] ، أي فيما يبدو لهم أنه عمل صالح لكن الله يعلم أنه عمل غير صالح ، قال (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فيختم الله عمله بعمل غير صالح ليكون ذلك كاشف لعاقبة أمره .

قال ابن عاشور (أطلق على الكفر "عمل" لأنه عمل القلب ، ولأنه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان)[73] .

 

 قوله (..إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود 46) فنوح لا علم له فيما غاب عنه من علم الله تعالى بشأن مصير ابنه وما قدر له ، قال البغوي عن الجهالة التي عوتب لأجلها نبي الله نوح أنه (أنه دعا بهلاك الكفار ثم سأل نجاة كافر منهم)[74]، إذ قال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) (القمر/10) ، فذلك يتعارض مع قوله (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي)، لكنه لم يكن يعلم ذلك ، إلا بعدما بدا له من عمله قبل أن تُختم سيرته بما شاهده منه ، ولذلك قال ابن العربي : (وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين ، ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين )[75] .

 

قال المحققون : الظاهر أن ابنه كان منافقاً ، فلذلك اشتبه أمره على نوح ، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة ، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق ، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول  ،كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ، ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً لابد أن يخلص من الغرق لا محالة ، ولما لم يصبر على تبيان الحال توجه إليه العتاب على ترك الأَوْلى ، فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً "رب إني أعوذ بك أن أسألك" فيما يستقبل من الزمان "ما ليس بن علم")[76]

قوله (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) (هود/47) (والمراد بنفي العلم نفي المعلوم)[77]، قال الطبري أي : (أستجير بك أن أتكلف مسألتك ما ليس لي به علم ، مما قد استأثرت بعلمه ، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك)[78].

 

 قال الرازي (فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره ، بل اجتهد في ذلك ، وكان يظن أنه مؤمن ، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد ، لأنه كان كافراً فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد)[79] .

 

وقوله (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) يدل على أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر ، وإنما العصمة التي تلحقهم من الشرك والكبائر ، دون بعض الصغائر ، قال شيخ الإسلام (الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ بَلْ هُوَ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَّا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ)[80]

 

قوله (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(هود/48)  هنا كلف الله الفئة المؤمنة بالاستخلاف لإعمار الكون ، لتبدأ الحياة مرة أخرى بالسلام والبركة من الله تعالى ، وهما العنصران اللازمان لحياة هانئة ، تلك الحياة التي أنعم الله بها على آمنوا .

 

 لكن هذا المتاع موقوت بالحياة الدنيا ، أي في حدودها ، ومرهون بالدوام على الطاعة والإسلام ، ولذلك أعقبه ذكر حال أمم قد متعهم الله تعالى بعد نوح لكن حق عليهم أن يمسهم العذاب لما تركوا الطاعة والشكر لله

 

قوله (..ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(هود/48) أي استحقوا العذاب بعدما  انتكسوا وارتدوا على أعقابهم ، وقد كانوا على الفطرة ، أي رغم أن السفينة كانت تحمل المؤمنين ولم ينج غير المؤمنين ، لكن جاءت من ذريتهم طائفة من الناس استحقوا العذاب الأليم ، من هنا تعلم أن البشرية ولدت على الفطرة ،وأنهم جميعا جاءوا من أصل مؤمن ، أي المؤمنين الذين نجو على ألواح ودسر ، فمن أين تطرق لهم الشرك والكفر بالله ؟

 

فحديث رسول الله r يؤكد أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه او ينصرانه أو يمجسانه ، ومن ثم فقد انتفى فرض تطبيق شطره الثاني في شأن سفينة نوح عليه السلام ، لأنها لم تحمل غير المؤمنين ، فمن أين دخل الكفر بين الناس ، بعد الطوفان العظيم والتطهير الكوني للشرك والاستئصال الرباني له ؟

 

أجاب على ذلك حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ)[81].

 

قوله (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49) تعقيب على هذا القصص بأن العبرة من حكايتها للنبي r أن يقتدي بصبر الأنبياء قبله على قومهم في أمر الدعوة ، ويستبشر بالخير في العاقبة .

 

قوله (..مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا..) قال أبو حيان (دليل على نبوّة رسول الله r إذ أخبر بغيوب لم يطلع عليها إلاَّ من شاهدها ، أو : من قرأها في الكتب السابقة ، أو : من أوحي الله إليه بها ، وقد انتفى العيان والقراءة ، فتعين الثالث وهو الوحي من الله تعالى)[82].

 

 وأهل الكتاب شاهدون على ذلك ، قال ابن عاشور (وإعجازه لعامة الناس أن تجيء تلك العلوم من رجل نشأ أميا في قوم أميين، وإعجازه لأهل الكتاب خاصة إذ كان ينبئهم بعلوم دينهم مع كونه أميا، ولا قبل لهم بأن يدعوا أنهم علموه لأنه كان بمرأى من قومه في مكة بعيدا عن أهل الكتاب الذين كان مستقرهم بقرى النضير وقريظة وخيبر وتيماء وبلاد فلسطين، ولأنه جاء بنسخ دين اليهودية والنصرانية، والإنحاء على اليهود والنصارى في تحريفهم فلو كان قد تعلم منهم لأعلنوا ذلك وسجلوا عليه أنه عقهم حق التعليم)[83]

 

قوله (..فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)(49) قال ابن القيم (والمراد : العاقبة في الدنيا قبل الآخرة ، أي عاقبة النصر لك ولمن معك كما كانت لنوح عليه السلام ومن آمن معه )[84]، قال تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر/51) .

 

قال ابن عجيبة (فاصبر على مشاق التبليغ مع إذاية قومك ، كما صبر نوح عليه السلام ، إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة)[85] ، وقال أبو السعود (أي فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه القصة) ، قال ابن عطية الأندلسي (ومعنى ذلك أن النبي r مطالب بأن يصبر على قومه كما صبر نبي الله نوح ، وليستيقن أن العاقبة له مهما طال الزمان كما كانت لنوح بعد ألف سنة إلا خمسين عاما) [86]


 

[1] ) رواه البخاري ج10 ص 25 رقم 2681

[2] ) رواه أحمد ج27 رقم 419 رقم 13372 وصححه شعيب الأرنؤوط وقال صحيح على شرط الشيخين ـ انظر مسند أحمد بتعليقه ج3 ص 272 رقم 13902

[3] ) فتح القدير ج3 ص 440

[4] ) فتح القدير ج3 ص 440

[5] ) فتح القدير ج3 ص 440

[6] ) التحرير والتنوير ج11 ص 203

[7] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 362 رقم 3881 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 337 رقم 3139

[8] ) أي أخسنا وأقلنا منزلة وشأنا وهم سفلة الناس وأكثرهم دناءة ووضاعة ، قال ابن جزي (أرذل) جمع أرذل وهم سفلة الناس ، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم ، جهلاً منهم واعتقاداً أن الشرف هو بالمال والجاه ، وليس الأمر كما اعتقدوا ، بل المؤمنين كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا ،التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 695

[9] ) قوله ( رب أشعث ) أي ثائر الرأس مغبرة قد أخذ فيه الجهد حتى أصابه الشعث وعلته الغبرة ( مدفوع بالأبواب ) فلا يترك أن يلج الباب (التسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 55)

[10] ) قوله (مدفوع بالأبواب) أي لا قدر له عند الناس فهم يدفعونه عن أبوابهم (السيوطي : الديباج على مسلم ج5 ص 543 )

[11] ) رواه مسلم ج13 ص 60 رقم 4754

[12] ) رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309

[13] ) تفسير الخازن ج3 ص 449

[14] ) في هذا المعنى ابن عاشور التحرير والتنوير ج11 ص 244 مع بعض التصرف 

[15] ) لمسات بيانية ج1 ص 515

[16] ) د فاضل السامرائي : برنامج أفلا يتدبرون القرآن :  لمسات القرآن البيانية
هود/107 ﴿فَعُمِّيَتْ عليكم ﴾ 28، وقرئت "عَمِيَت"، ما دلالة كل منها، وما دلالة استعمال ﴿فَعُمِّيَتْ﴾؟

 https://www.youtube.com/watch?v=B4-ED6P0ra8

[17] ) التبيان الجامع لعلوم القرآن : تفسير الشيعة الإثنى عشرية ت 460 هـ ،

https://www.altafsir.com/Tafasir.asp?tMadhNo=4&tTafsirNo=39&tSoraNo=11&tAyahNo=28&tDisplay=yes&UserProfile=0&LanguageId=1

[18] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4180

[19] ) التحرير والتنوير ج11 ص 243

[20] ) الكشاف ج2 ص 81

[21] ) رواه البخاري ج10 ص 198 رقم 2787

[22] ) التسهيل لعلوم التنزيل ص 1303

[23] ) تفسير البيضاوي ج3 ص 84

[24] ) رواه الترمذي ج12 ص 471 رقم 3891 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 254 رقم 3101

[25] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2436

[26] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2436

[27] ) الكشاف ج3 ص 84

[28] ) رواه البخاري : الأدب المفرد ج1 ص 313 رقم 908 ، ورواه في صحيحه ج10 ص 482 رقم 2967 

[29] ) الكشاف ج3 ص 84

[30] ) القول المفيد على كتاب التوحيد ج1 ص 320

[31] ) ابن العثيمين شرح العقيدة السفارينية ج1 ص 254

[32] ) عبد المحسن بن حَمَد العبَّاد البدر:  قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة القيرواني ج1 ص 93

[33] ) رواه مسلم

[34] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 192

[35] ) رواه البخاري 10 ص 28 رقم 2683

[36] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج1 ص 356

[37] ) لمسات بيانية ج1 ص 1100

[38] ) زاد المسير ج3 ص 339

[39] ) رواه البخاري ج20 ص 265 رقم 6110

[40] ) رواه البخاري ج20 ص 263 رقم 6108

[41] ) أقوال الثقات للكرمي ص 147

[42] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 162

[43] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 319

[44] ) تفسير الألوسي ج8 ص 230

[45] ) أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني : اللباب في علوم الكتاب ج9 ص 99

[46] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 319

[47] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 340

[48] ) تفسير ابن كثير ج5 ص 473

[49] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 165 وقال الألباني : والخلاصة : أن كون رجال هذا الإسناد ثقاتاً ، لا يعني أن إسناده صحيح ، فيه علة خفية ، وهي أن شبيباً هذا ، وإن كان ثقة من رجال البخاري ، فقد تكلم فيه إذا كانت روايته من طريق ابن وهب عنه

[50] ) رواه مسلم ج12 ص 284 رقم 4545

[51] ) الإنصاف للباقلاني ص 25

[52] ) رواه مسلم ج13 ص 109 رقم 4790

[53] ) دروس سفر الحوالي درس رقم 34 ص 14 تفريغ الشبكة الإسلامية

[54] ) رواه مسلم ج1 ص 452 رقم 290

[55] ) رواه البخاري ج14 ص 383 رقم 4372

[56] ) رواه البخاري ج17 ص 473 رقم 5270

[57] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج5 ص 458 ورواه النسائي ج3 ص 363 رقم 838 ، وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 102 رقم 427 ، صحيح سنن أبي داود ج3ص58 رقم 556 وصحيح وضعيف سنن النسائي ج2 ص 491 رقم 991

[58] ) فتح القدير للشوكاني ج3 ص 450

[59] ) تفسير روح البيان ج4 ص 84

[60] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2213

[61] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 325 ، تفسير الطبري ج15 ص 339

[62] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2448

[63])  لا يُهولَنَّكَ: لا يُفزعك ولا يخيفك.

صَرْفُ الدَّهْرِ: تقلبات الزمن ومصائبه وشدائده.

الخَرْقُ: الفساد والتمزق والضعف.

يَخْلُقُ العَرَبَ: يقصد الخالق عز وجل الذي أنشأهم وأوجدهم.

[64] ) رواه الترمذي ج8ص36 رقم 2070 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 101

[65] ) رواه البخاري ج18 ص 276

[66] ) قال ابن جزي (فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور : أحدها : أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه ، والثاني : أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره : إنه ذو عمل غير صالح ، والثالث : ان يكون الضمير لابن نوح ، وعمل : مصدر وصف به مبالغة كقولك : رجل صوم ، وقرأ الكسائي « عمل » بفعل ماض « غير صالح » بالنصب ، والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال)

[67] ) الكشاف ج3 ص 90

[68] ) تفسير البيضاوي ج3 ص 94

[69] ) تفسير البيضاوي ج3 ص 94

[70] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2446

[71] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1018

[72] ) رواه البخاري ج10 ص 28 رقم 2683

[73] ) التحرير والتنوير ج11 ص 271

[74] ) تفسير البغوي ج4 ص 181

[75] ) فتح القدير للشوكاني ج3 ص 453

[76] ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج4 ص 27

[77] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 1887

[78] ) تفسير الطبري ج15 ص 352

[79] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2448

[80] ) مجموع الفتاوى ج4 ص 319

[81] ) رواه البخاري ج15 ص 225 رقم 4539

[82] ) البحر المحيط ج3 ص 243

[83] ) التحرير والتنوير ج1 ص 126

[84] ) إغاثة اللهفان ج2 ص 185

[85] ) البحر المديد ج3 ص 53

[86] ) المحرر الوجيز ج3 ص 432 

  • الاثنين PM 02:35
    2026-08-31
  • 42
Powered by: GateGold