المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1950908
يتصفح الموقع حاليا : 414

البحث

البحث

عرض المادة

استقامة هود مع المؤمنين علي البلاغ للمجرمين الجبارين حتى جاء الأمر بالاستبدال واستخلافهم

د / احمد نصير

المحور الثالث
استقامة هود مع المؤمنين علي البلاغ للمجرمين الجبارين حتى جاء الأمر بالاستبدال واستخلافهم

قال تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52) قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

ثنى الله بقصة هود الذي أرسل لقوم عاد بعد أن ذكر قصة نوح ، والغاية من ذكرها هنا هو الاستشهاد به وبقومه الذين وصلوا مبلغا من العناد والتجبر لم يبلغه قوم النبي محمد  ليكون ذلك أدعى أن يتأسى بنبي الله هود في دعوة قومه ، وهم أجلاف الطبع ، كما تأسى بنبي الله نوح في طول مدة الصبر عليهم ، وهو مستمسك بالمؤمنين المستضعفين رغم كثرة محاولات استبدال الكافرين أنفسهم محلهم بعد إقصائهم .

ويبدو من عرض تجربة هود مع قومه أنه ركز في دعوته على عبادة الله وحده ، وأوضح لهم بكل جلاء تجريد الدعوة من أي مصالح أو منافع مادية ، وأنها عمل تبرعي محض ، وإن جاز تصحيح القول بأنه عمل تكليفي مأجور عليه من الله في الآخرة ، ثم ألان لهم الخطاب ورغبهم في الله كعادة الأنبياء جميعا، فوعدهم بإصلاح شأن دنياهم وزيادة قوتهم متى التزموا التوبة والاستغفار ، (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) (52) ولكنهم لم يفقهوا قوله ، بل بارزوه بالسب واتهموه بالجنون واعتبروه ممسوسا بسوء ، فلم يكن منه إلا أن تبرأ من شركهم ، وتحداهم بعدما خال له أنهم يكيدونه ، ويدبرون أمرا بليل للتخلص منه ، ولكن المؤمن الواثق في الله يقول دوما (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم) (56) ، وهكذا بدا المنهج الدعوى في إصلاح العقيدة بالتوكل على الله مستقيما في كل مرة وفي كل موقف ، لا يفارقه .

هنا وكالعادة حين يرى النبي من قومه هذا العناد والإصرار علي الشرك لابد وأن ينذرهم ويهددهم بقرب عذاب الله ، وعندئذ ينفذ الله سنته فينجي المؤمنين ويهلك الجبارين المعاندين ، فيُقصي من الحياة من استوجب اللعن لتظل العاقبة للمتقين .

قوله (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) (هود/50) استهل نبي الله هود دعوته لقومه أن أمرهم بالتوحيد ، بذلك تأكد أن مضمون الخطاب الدعوي في كل رسالة ومع كل نبي واحد ، فهم مرسلون برسالة واحدة وهي رسالة التوحيد ، قال الشعراوي (ونلحظ أن الخطاب هنا خلا من فاء التعقيب التي كان بها الخطاب مع نوح "فقال يا قوم" مما يدل على أن إصرار هود ليس كإصرار نوح ، فلم يبلغ درجته في الإلحاح على قومه) ، ورغم ذلك فإنه بهذا القدر أقام عليهم الحجة في أمر الدعوة .

قوله (..مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) (هود/50) زاد في بيان أمر توحيد الله وإفراده بالعبودية فوصمهم بالافتراء على الله الكذب ، أنهم يشركون في عبادتهم لله غيره ، فيخترعون دين مبتدع يتنافى مع التوحيد السليم ، قال القرطبي أي (ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز)

وهكذا يستبين أن الذين لا يوحدون الله تعالى هم الذين يفترون عليه الكذب ، وقوم عاد عبدوا أهواءهم وعظموا أنفسهم وبيوتهم التي اتخذوها من الجبال ، وقالوا من أشد منا قوة ،(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (فصلت/15) ، قال حقي (إن أنتم إلا مفترون فيما تتخذون الهوى والدنيا معبوداً ومطلوباً) ، وتناسوا أن الله الذي خلقهم قادر على أن يسخر الريح فتهلكهم.

قوله (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (هود51) نفي طلب الأجر جاء هنا ليؤكد تكرار ذات المنهجية مع كل نبي في الدعوة إلى الله ، بتجريدها عن المنافع المادية والمكاسب الدنيوية ، فالتكسب المادي من احتراف أعمال الدعوة يبطل مصداقية الدعاة .

ولذلك يجب التفرقة بين أخذ أجر على العمل الدعوي ، وبين أخذ أجر على استقطاع الوقت للأعمال الدعوية من الوقت الذي يحتاجه العبد للانشغال بالكسب سعيا على رزقا ، وذلك في الوقت الذي انشغل فيه الناس بطلب الرزق ، وعدم تفرغهم لتعليم القرآن حتى وصل الحال بالناس أن عجز الوالدان عن توفير الوقت لتعليم أبنائهم القرآن ، وإن تفرغا لذلك فإنها يكونان في الغالب غير مؤهلين لأداء هذه المهمة .

وعليه فإن جواز أخذ أجرة على العبادة كالإمامة في الصلاة أو الأذان والتفرغ لذلك وتعليم الناس القرآن والرقية الشرعية ... وخطبة الجمعة كل ذلك فيه خلاف كبير بين العلماء ، وأصل الخلاف بين العلماء وجود أحاديث متعارضة في المعني ، الأول ما أخرجه البخاري عن ابن عباس أن النبي  قال (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) ، وذلك كان لقاء رقية رقاها أحد الصحابة لمصاب باللدغ فشفي بها ، فهو صريح في جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن ، استطرد البخاري ذكر أخذ الأجرة على الرقية في هذا الباب فأخرج من حديث أبي سعيد في رقية بعض الصحابة لبعض العرب وأنه لم يرقه حتى شرط عليه قطيعاً من غنم فتفل عليه وقرأ عليه (الحمد لله رب العالمين)، فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة أي علة، فأوفاه ما شرط ولما ذكروا ذلك لرسول الله  قال: قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهماً
ويؤيده –كذلك - ما أتي في النكاح من جعله  تعليم الرجل لامرأته القرآن مهراً لها

ويعارض الأدلة المتقدمة في الجواز ما أخرجه أبو داود عن عبادة بن الصامت قَالَ عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  فَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا) ، فهو صريح في عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن .

قال الصنعاني تعليقا على الحديثين ( فاختلف العلماء في العمل بالحديثين، فذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيراً أو كبيراً ، عملاً بحديث ابن عباس ، وقالوا: أنه محمول على أن عبادة كان متبرعاً بالإحسان ، وأما حديث عبادة فقالوا أنه بالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره  من إبطال أجره وتوعده، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه،وذهب الحنفية وغيرهم إلى تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستدلين بحديث عبادة) .

من هنا أجاز بعض العلماء في عصرنا الحالي أخذ أجر على الرقية وتعليم قراءة القرآن لأجل التفرغ لهذا الأمر ، وإلا ترك أهل القرآن تعليمه لانشغالهم بأعمال الدنيا ، قال ابن باز (أجمع العلماء على أنه لا يُعطَى لمجرد القراءة، يُقال تسمعنا بعض الآيات ولك كذا. هذا ما يجوز، مجرد التلاوة فقط، أما العلم الذي يعلم الناس، يوجههم إلى الخير، يعلمهم كتاب الله، يعلمهم السنة، يدرس في المدارس؛ يعطى رواتب حتى يتفرغ لهذا الأمر، حتى ينشط في ذلك، وهكذا يعالج بالقرآن، يعالج بالدعوات، ويتطبب طبًا شرعيًا، طبًا مباحًا؛ يعطى أجره، لا بأس)

لكن إذا استطاع معلم القرآن أن يستغني بمهنة أخرى عن طلب الأجرة من تعليم القرآن ، وتمكن من توفير الوقت الكافي للجمع بين المهنتين دون تعارض ، هنا لا يستحب له أن يطلب أجرة على التعليم لأجل أن يكون عمله أكثر رواجا وقبولا لدي الناس ، فلا شك أن أعمال التبرع المحض تروج دعويا عن الأعمال التي يدفع لها مقابل .

قوله (..إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (هود/51) التعبير عن التماس الأجر من الفاطر كما أنه يدل على التجرد من المكسب الدنيوي فإنه يوحي –كذلك -بيقين نبي الله هود عليه السلام بأن الذي خلق الخلق لم يتركهم هملا ، بل تكفل برزقهم ورعايتهم كما في قوله (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) (هود 6) بما يربط أول السورة بوسطها.
وأصل الفطر الشق ، واستعير هنا لبيان الخلق من العدم ، روى مجاهد عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى آتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : (أنا فطرتها أنا ابتدأتها) ، قال الألوسي (استعمل فعل "الفطر" -الذي هو الإيجاد والإبداع- لكونه أبعد من أن يتوهم نسبته إلى شركائهم) ، وليقر له بالفضل الأول والنعمة ، أن أوجده من عدم .
وقال الراغب : (الفطر) الشق طولاً ثم تجوز فيه عما تقدم وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضاً ، ووجه المناسبة أن السماوات والأرض والمراد بهما العالم بأسره ، .. كأنه تعالى شق العدم بإخراجهما منه) .

قوله (..أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (هود/51) تشديد على أنه لا يبتغي الأجر منهم ، وأن الأجر الذي يلتمسه من الله كاف لامتناعه عن هذا الطلب ، إذ العاقل هو الذي يعي ذلك ويفهمه ، ولذلك قال النبي  لعلي بن أبي طالب (ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) .

فالأجر الذي يتمناه أي نبي من دعوته ما أخبر عنه النبي  بقوله (غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ)

قوله (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) (هود 52) حضهم على الاستغفار علي ذنوبهم وقد تلبسوا بالكبر بسبب قوتهم التي أنعم الله بها عليهم ، فلم يكن لهم نجاة مما هم فيه إلا بالاستغفار.

قال الطبري (والاستغفار هو الإيمان بالله في هذا الموضع ، لأن هودًا  إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [نوح 3 - 4] ، فإذا آمنوا بالله لم يكن لهم أن يستكبروا علي خلق الله ، ويتباهوا بقوتهم كما كانوا يفعلون ، فإن حصل منهم ذلك فقد تابوا وقبلت توبتهم ، وزادت البركة في أرزاقهم والقوة في أبدانهم .

قوله (..يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ..) ذكرهم بجائزة الاستغفار في الدنيا ، وهي توسعة الرزق ، وهي جائزة كل المستغفرين وليست خاصة بهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ، قال الشنقيطي (رتب إرسال السماء عليهم مدرارا على استغفارهم ، وهذا يدل على أن الاستغفار والتوبة والعمل الصالح قد يكون سببا في تيسير الرزق) .

وأهل الاستغفار ليس همهم الدنيا ، بل هم في غنى بفضل الله عن ذلك ، لأنهم مشغولون بالذكر والاستغفار فكفاهم الله هم الانشغال بهموم الدنيا كلها ، قال رسول الله  (مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ ، جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ) .

ولا يخفى ما للاستغفار من آثار تُصلح القلب ، وينصلح بها حال العبد ، وقد روي في الأثر (إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار) ، فإذا انصلح حال القلب مع الله أصلح الله شأن العبد كله ، وظهر أثر نعمة الله على عبده ، ونظير ذلك قوله "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً "

قال أبو حيان (الاستغفار من الذنب أول حال الراجع إلى الله ، فناسب أن يرتب عليه صلاح حال الدنيا ، والتوبة هي المنجية من النار ، وبها يدخل العبد الجنة ، فينصلح حال الآخرة له كذلك) .

قوله (..وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) (52) فمجرد التولي عن الإيمان بالله هو ضرب من الإجرام ، والتولي يعني الإعراض أي (الإعراض عن التوحيد إلى الشرك) ، ولا يوجد وصف أدق لحالة المعرض عن ذكر الله من وصف القرآن له بالإجرام ، فمن الإجرام التولي عن جناب الله إلى ضيعة الدنيا الفانية .

قوله تعالى (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (هود/53) استمروا في العناد والاستكبار عن قبول دعوة الإسلام ، وأنكرو البينات التي جاءتهم رغم وضوحها عن جحود وكبر ،

فقولهم (..وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا..) يدل على شدة التعنت والتعصب لمذاهبهم الضالة ، ومدى الإصرار على الكفر بالله دون أدنى محاولة منهم للسماع منه ووزن قوله وتعقل الأمر ومقارنة حالهم بما يدعوهم إليه ، إنما هو مجرد التعصب الأعمى وإعلان الانحياز لوجهة نظرهم وإن كانت خاطئة ، ويدل ذلك كذلك على قدر المعاناة التي يعانيها النبي في تبليغ دعوته .

وقولهم (..عَن قَوْلِكَ..) يدل على أن كل ما يملكه النبي في إيصال الدعوة هو مجرد قول ، وأنه لا يملك شيئا غير ذلك ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ، وقد أمر الله بالقول الحسن فقال (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً)(البقرة 83) .


قوله (..وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (هود/53) حاولوا أن يقنطوه منهم فأكدوا بهذه المقولة علي أنهم يملكون حرية الاختيار لعقيدتهم ،ولا إكراه عليهم في شيء ، فإما أن يؤمنوا بما يقوله النبي أو يكفروا به ، ولكنهم اختاروا الكفر على الإيمان ، بل ضموا إلى كفرهم محاربتهم لله ورسوله بالافتراء علي رسوله .

قوله (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ) هذه محاولة منهم للصد عن سبيل الله ، بالتشكيك في شخص الرسول وقدراته العقلية حتى يصرفوا الناس عنه ، قال السعدي (فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة، التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن الله حكاها عنهم) .

قوله (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) (هود/54) (مِن دُونِهِ ) هنا أعلن النبي التبرؤ من قومه ، وتلك أول صور المخاصمة منه لهم ، وأشهدهم- ههنا - على تبرؤه حتى تكون بينه وبينهم مفاصلة ، إذا أصروا على الباطل وهو يدعوهم إلى الحق ، فإشهادهم تضمنى معنى إنكار المنكر عليهم ، قال رسول الله  (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) .

ولذلك ورد نهي النبي  عن ملاينة المشركين ،وأمر بتعميق هذه المفاصلة حتى تيئيسهم من محاولة مساومته في أمر العقيدة والدين قال تعالى ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ (الأنعام: 56)

والبراءة من المشركين تشمل البراءة من شركاءهم ، أي فعل الشرك ذاته ، كما في قوله قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) (فاطر 40)
وقال تعالى (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) (النحل 86) قال أبو حيان (وسمي الأصنام شركاءهم من حيث أن لهم نسبة إليهم بتسميتهم إياهم آلهة وشركاء الله تعالى) ، والمعنى أنهم لما اتخذوا هذه الأصنام آلهة ، كان من الواجب أن يذعنوا لأوامرها ويستجيبوا لقولها ، ولكنها لا تتكلم ولا تعقل ، وإنما الذي يتكلم عنها الجني المتلبس بها ، وهو لا يتكلم إلا بما يتماشى مع أهوائهم المائجة ورغباتهم الجامحة وشهواتهم المشتعلة ، فكأن تأليههم لهذه الأصنام هو في الحقيقة تأليه لرغباتهم وشهواتهم وأهوائهم كما قال الله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) من هنا جاءت تلك النسبة .

ولأجل ذلك عد النبي  مفارقتهم من أركان بيعته ، لأن عقيدة الولاء لا تكتمل إلا بالبراء ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  أُبَايِعُهُ فَقُلْتُ هَاتِ يَدَكَ وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالشَّرْطِ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَنْصَحَ الْمُسْلِمَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكَ) ، ورتب على ذلك عدم جواز مساكنتهم ، فقال  (لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ) .
وقوله (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ) (هود/55) هنا أعلن النبي بكل ثبات ثقته في الله ، ويقينه به ، فاحتسب أمره عليه سبحانه ، وأضحى لا يبالي بما قد يصدر منهم من كيد حتى وإن تحزبوا عليه جميعا، فإنه لا يسترجيهم ولا يطلب منهم أن يمهلوه ، فقد وثق بربه أنه كافيه ، قال تعالى (وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة/137)

وقد روي عنه  أنه قال (ولو اجتمع الخلق أن يضروك بشيء لك يكتبه الله في أم الكتاب لم يستطيعوا فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا واليقين فافعل وإن لم تستطع فإن الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) ، وفي لفظ (لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)

قوله (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (هود/56) جملة (إِنِّي تَوَكَّلْتُ) تعليل لمضمون (فَكِيدُونِي) بقصد التعجيز والاحتقار لشأنهم ، يعني (أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله) ، وإن بدا في الظاهر تقلبهم في البلاد ، فذلك وضع مؤقت لابد وأن ينقلب إلى وضعه الصحيح ، وهو ظهور دين الإسلام على الدين كله ، فالمتوكل على ربه لا يسأل الله متى هو ، قل عسى أن يكون قريبا .

قوله (..مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا..) فيه تمثيل ، فالأسير يقاد بناصيته ، وكذلك الفرس ، والعرب تصف الإنسان بالذلة والخضوع بقولهم (ما ناصية فلان إلا بيد فلان) كناية على أنه مطيع لمن يمسك بزمامه ، حيث يصرفه كيف يشاء) .

فعلام يظن الإنسان أنه قادر على معصية ربه ، وهو يحاول السير بخلاف ما يأمره ربه ، وكل المقادير بيده ، قال ابن القيم (وكون كل دابة تحت قبضته وقدرته ، وهو آخذ بناصيتها ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد المخلوقات شيء بغير مشيئته وقدرته ، وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه ولا يفعل إلا بأقداره ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى ) .

قال ابن القيم (أخبر الله عن عموم قدرته تعالى ، وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته ، وأنه آخذ بنواصيهم فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم ثم عقب ذلك بالإخبار عن تصرفه فيهم وأنه بالعدل لا بالظلم وبالإحسان لا بالإساءة وبالصلاح لا بالفساد .
فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم ولا حاجة إليهم ولا بخلا عليهم بل جودا وكرما ولطفا وبرا
ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب لهم يستحقونه عليه .
ويعاقبهم عدلا وحكمة لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما كما يعاقب الملوك وغيرهم بل هو على الصراط المستقيم وهو صراط العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه)

قوله (..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (56) فقدر الله عدل ، ولا يفوته رزق عبده ، ولا يدفعه شيء ، قال ابن القيم (المراد أنه في تصرفه في ملكه يتصرف بالعدل بمجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ولا يظلم مثقال ذرة ولا يعاقب أحدا بما لم يجنه ولا يهضمه ثواب ما عمله ولا يحمل عليه ذنب غيره ولا يأخذ أحدا بجريرة أحد ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه ، فيكون من باب له الملك وله الحمد ومن باب ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك) .

قال ابن عاشور جملة (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) تعليل لجملة (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ) ، أي توكلت عليه لأنه أهل لتوكلي عليه، لأنه متصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله ، و"عَلَى" للاستعلاء المجازي، مستعارة للتمكن المعنوي، وهو الاتصاف الراسخ الذي لا يتغير ، و"الصراط المستقيم" مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأن العدل يشبه بالاستقامة والسواء ، قال تعالى: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) [مريم: 43]، فلا جرم لا يسلم المتوكل عليه للظالمين) .

قال ابن القيم (تأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله "إني توكلت على الله ربي وربكم" أي هو ربي فلا يسلمني ولا يضيعني وهو ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني فإن نواصيكم بيده لا تفعلون شيئا بدون مشيئته فإن ناصية كل دابة بيده لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه فهو المتصرف فيها .
ومع هذا فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها ونفوذ قضائه وقدره فيها على صراط مستقيم لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة ، ولو سلطكم عليَّ فله من الحكمة في ذلك ماله الحمد عليه لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة) .

وقال ابن القيم (فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة وكمال الملك ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان .. فإنها من كنوز القرآن ولقد كفت وشفت لمن فتح عليه بفهمها فكونه تعالى على صراط مستقيم ينفى ظلمه للعباد وتكليفه إياهم ما لا يطيقون وينفى العيب من أفعاله وشرعه ويثبت لها غاية الحكمة والسداد .. فهو سبحانه على صراط مستقيم في عطائه ومنعه وهدايته وإضلاله وفي نفعه وضره وعافيته وبلائه واغناه وإفقاره وإعزازه وإذلاله وانعامه وانتقامه وثوابه وعقابه وإحيائه وإماتته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه وفي كل ما يخلق وكل ما يأمر به ، وهذه المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ولورثتهم) .

قوله (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)(هود/57) هنا يؤكد النبي  لقومه أنه بذل ما عليه من واجب البلاغ ، ولم يدخر جهدا لذلك ، فإن هم تولوا –بعد البلاغ - فليس عليه غير ما فعل ، وهنا لابد وأن تتدخل القدرة الإلهية لتعيد البشرية إلى جادة الصواب ، فلا ينبغي أن يظل المتخاذلون عن نصرة النبي هم المستخلفين في الأرض ، وإنما لابد وأن تتحقق فيهم سنة الاستبدال ، ليستخلف الله تعالى قوما آخرين ، وليس ذلك على الله بعزيز ، فالله تعالى هو الحافظ لهذا الدين ، وهو الذي يؤيده بالمؤمنين .

أما الذين انشغلوا بالدنيا عن واجب الاستخلاف في الأرض وتولوا عن وظيفتهم التي خلقهم الله لأجلها ، لابد وأن يُستبدلوا ، يستبدلوا لكي يظل الدين قائما لله ، وتظل كلمة التوحيد تلهجها الألسنة ، فعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) ، قال ابن علان أي (بمنزلة الخلفاء عنه في التصرف فيها ، فلا تتصرفوا بما لم يأذن لكم به) ، وقال النووي (معنى مستخلفكم فيها جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم) ، قال المناوي في قوله (فناظر كيف تعملون) يعني (أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله خلقها وخولكم إياها وخولكم الاستمتاع فيها وجعلكم خلفا بالتصرف فيها، فليست هي بأموالكم حقيقة بل أنتم فيها بمنزلة الوكلاء ، فناظر هل تتصرفون فيها على الوجه الذي يرضى به المستخلف أو لا ،والمراد مستخلفكم فيما كان بأيدي من قبلكم بتوريثكم إياهم فناظر هل تعتبرون بحالهم أو لا) .

قوله (...وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ..)(57) قال ابن جزي أي لا تنقصونه شيئاً ، إذا أهلككم واستخلف غيركم) ، وفي الحديث القدسي : قال الرب " يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي " ، قال المناوي (لأني الغني المطلق والعبد فقير مطلق) .
قال ابن علان أي أن (ونفع عباداتهم إنما يعود عليهم) فلا حاجة له بذلك ، وهو غني عن عبادتهم ، ولذلك قال (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) .

قوله (...إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)(57) أي أن الحكمة من هذا الاستبدال والاستخلاف هي حفظ هذا الدين ، والله خير حافظا ، قال الألوسي (فالحفظ كناية عن المجازاة ، ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي ..، ومن شأه ذلك كيف يضره شيء) ، قال الثعلبي ("على" بمعنى اللام ، أي لكل شيء حافظ ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء) .

قوله (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (هود/58) فهذه النجاة سنة ربانية كشف عنها قوله تعالى (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم/47) ، وقوله سبحانه (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء/88) ، من هنا نفهم أن الله تعالى لا يرضى لعباده أن يصيبهم عذاب في الدنيا ، إلا أن يكون ذلك بقدر الاختبار والابتلاء والتمحيص ، بأن يبتليهم بالشر والخير فتنة ، ولكنه سبحانه – وفي كل الأحوال - ناصرهم ومؤيدهم على الذين كفروا ، وذلك حين يجيء أمره ، مثل قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) ، وقوله: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) .

وأمر الله قد يتأجل ، وذلك حتى تستوف شروط الولاية والاستخلاف في الأرض ، فإن حصلت الولاية كان حقيق علي الله أن ينجي أهل ولايته وينصرهم ثم يستخلفهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) .

قوله (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود/59) جحدوا بها -ظلما وعلوا- وإن استيقنتها أنفسهم ، فالمعصية التي بدرت من عاد تمثلت في شقاقهم لله ولرسوله ، و الطاعة التي امتثلوا لها كانت للجبارين المعاندين ، فكانت عليهم خيبة وخسرانا ، (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم/15)

قوله (..وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (59) أي اتبعوا الجبارين خوفا من بطشهم ، ولم ينتهجوا نهج الإسلام الذي يرفض التجبر كما يرفض الخنوع له ، بل ويأمر المسلمين أن يجاهدوا الجبارين باليد واللسان والقلب ، كل بحسب استطاعته ، وفي كل الأحوال يرفض الرضى بظلمهم ومتابعتهم ، قال البغوي أي: (واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد) ،(والجبار: المتكبر، والعنيد: الذي لا يقبل الحق)

يقول الشيخ علي بن نايف الشحود ( حمل القرآن حملة شعواء على المتألهين في الأرض، وحمل على الشعوب التي تتبع هؤلاء، ولذلك قال عن قوم فرعون: (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً) وقال عن عاد قوم هود: (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، فلا يجوز للأمة أن تتبع.. وقال عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) حمَّل الشعوب المسؤولية، لأن الشعوب يجب أن تتحمل تبعاتها في علاقتها بالحاكم ، لا أن تكون قطيعاً يسوقه الحاكم بجبروته .

فهذا الأمر ليس خاصا بمعاملة الكفار وحسب ، بل كذلك بمعاملة كل ظالم جبار وإن كان مسلما ، فيجب على المسلم أن يرفض ظلمه ولا يُقهر به ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا)

ونلحظ أن صفة العناد عُطِفت على صفة الجبار ، وأن هاتين الصفتين هما سببا اتباع قوم عاد لهؤلاء الجبارين المعاندين في محاربة أهل الحق لأجل الحصول علي الاقتراب من مجد السلطة وثروة المال ،فالتابعون لهؤلاء الجبارين هم فسقة – كما ذكر البغوي – يعبدون المال ويخشون السلطان ، فاتخذوا من بيده السلطة والمال أربابا من دون الله ،يقول النبي  (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) .

قوله (وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود/60) قال ابن عجيبة (جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين؛ في الدنيا أهلكتهم ، وفي الآخرة أحرقتهم) ، وفي ذلك شفاء لصدور الذين آمنوا برؤية مصارع الجبارين وعتاة المجرمين ، وقد لحقتهم دعوات المظلومين عليهم ، قال السدي:"وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عَادٍ إِلا لُعِنَتْ عَادٌ عَلَى لِسَانِهِ" ، فلما استجاب الله لهم أذهب غيظ قلوب انتكسرت لما ظُلمت ، وأحيا أملها لما يئست ، برؤية النصر ، (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف/110) .

ومن مظاهر هذه اللعنة يوم القيامة أن يتشاجر الضعفاء مع الجبارين الذي كانوا قادة لهم وهم لهم تبعا ، قال تعالى (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) (غافر/47-48)

قوله (أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ) (هود/60) تعليل لاستحقاقهم اللعن في الدنيا والآخرة ، فالكفر سبب كاف لاستحقاق اللعن والهلاك ، قال (إن لإفادة التعليل) لجملة (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) تعريضا بالمشركين ليعتبروا بما أصاب عادا) .

قال طنطاوي أى : (ألا إن يوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم ، ألا سحقا وبعدا لهم عن رحمة الله ، جزاء جحودهم للحق ، وإصرارهم على الكفر) .

قوله (أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود/60) قال البغوي (للبعد معنيان: أحدهما ضد القرب ، والآخر: بمعنى الهلاك) ، قال ابن عجيبة (دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؛ للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له ، مستوجبين لما نزل بهم؛ بسبب ما حكي عنهم ، وإنما كرر « ألا » وأعاد ذكرهم؛ تفظيعاً لأمرهم ، وحثاً على الاعتبار بحالهم)

  • الاثنين PM 03:03
    2026-08-31
  • 37
Powered by: GateGold