ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الاستقامة على إرادة الإصلاح منهج دعوى سورة هود التي شيبت رسول الله
عن ابن عباس قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله : أراك قد شبت ؟ قال : (شيبتني هود والواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)[1].
وعن أبي علي السري يقول : رأيت النبي r فقلت : يا رسول الله روي عنك أنك قلت شيبتني هود قال : نعم فقلت : ما الذي شيبك قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ قال : لا ولكن قوله : "فاستقم كما أمرت")[2]
قال الملا علي القاري (فإن السور التي هي أخواتها ليس فيها ذكر الإستقامة ، فأما أن يقال المقصود من ذكر القيامة والنار وأهوالهما إنما هو تحصيل الإستقامة ، فكأنها مذكورة في جميعها ، فيكون من باب أسلوب الحكيم)[3].
فالاستقامة تعني - بوجه عام - أن الاعتدال من غير إفراط في الطاعة عن حد الاعتدال أو تفريط وتقصير فيها ، وقالما يفعله الناس ، فكثير منهم إما يكون منهمكا في طاعة فيؤدى ذلك الإنهماك فيها إلى التفريط في غيرها أو أن يكون مقصرا في الجميع أو مفرطا في الكثير ، أما الذي استقام على الطريقة فذلكم هم القلة القلة
يقول الملا علي القاري (الإستقامة على الطريق المستقيم، أي : من غير ميل إلى طرفي الإفراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسر جدا) [4].
يعني بذلك أن الاعتدال من غير إفراط في الطاعة عن حد الاعتدال أو تفريط وتقصير قالما يفعله الناس ، فكثير منهم إما منهمك في طاعة ومؤدى ذلك التفريط في غيرها أو مقصر في الجميع ومفرط في الكثير ، أما الذي استقام على الطريقة فذلكم هم القلة القلة .
ومن وجه خاص فإن الاستقامة في شأن النبي r فإنها تعني (صبره على قومه واستقامته على منهج الدعوة ، وعدم التقصير في البلاغ شأنه عظيم عليه ، ولذلك شاب شعره لعظم المسئولية ، ولأن هم الدعوة عظيم) [5] .
قال المناوي (فإن شأن الاستقامة عظيم وخطبها جسيم ، ومن ثم قال الحبر ما نزل على المصطفى r آية آشق من هذه الآية ولا أعظم وهي (فاستقم كما أمرت) [6] ، ولذلك قيل أنه r (ما رئي بعد نزولها ضاحكا إلا تبسما) [7].
وقد وصف العلماء صعوبة الاستقامة وثقلها ، فقال المناوي (الإستقامة خير من ألف كرامة لكونها أصعب من جسر القيامة مع أنها أدق من الشعر وأمر من الصبر وأحد من السيف وأحر من الصيف) [8]
وقال الغزالي (الإستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف .
وعن قال القشيرى : (الإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ،ومن لم يكن مستقيما في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده ، قال : وقيل الإستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة العادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق)[9]
ومما يؤيد صعوبة هذا المرتقى قول النبى r: [اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا][10] ، وفيه قولان : قالهما المناوي (لن تحصوا ثوابها أي الاستقامة أو لن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها)[11]
قال الزمخشري أي (لن تطيقوا الاستقامة في كل شىء حتى لا تميلوا ; من قوله تعالى : "عَلمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوِه ")[12] ، وهو قوله (عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ...) ، أي (ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الإستقامة ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله)[13].
قال ابن دقيق العيد (... ثم قد يقال الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة أن تراب الإنسان عجن بماء النسيان الناشىء عنه العصيان ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون فجنس الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج فلا يتصور منهن الإستقامة على صفة الإدامة وكل ميسر لما خلق له ولا يزول طبع عما جبل عليه) [14].
وقال الملا علي القاري والاستقامة تنقسم إلى استقامة عمل وقلب [15]:-
- فأما استقامة العمل : وهو الإقتصاد فيه غير متعد من منهج السنة ولا متجاوز عن حد الإخلاص إلى الرياء والسمعة أو رجاء العوض أو طلب الغرض .
ويجدر في هذا المقام التنويه والتنبيه إلى أن أعظم أركان استقامة العمل الصلاة بقوله (وخير أعمالكم الصلاة) ولن وفي رواية ولا (يحافظ على الوضوء) بإسباغه وإدامته واستيفاء سننه وآدابه (إلا مؤمن) كامل الإيمان وفيه بيان شرف الصلاة وكونها أشرف الطاعات والمحافظة على الوضوء بمراقبة أوقاته وإدامته وإسباغه والاعتناء بآدابه) [16]...
وقال الغزالي (لعزة الإستقامة والإحتياج إليها في كل حالة أمر الله تعالى عباده بقراءة الفاتحة المتضمنة للدعاء بالإستقامة أمر وجوب في الأوقات الخمسة).
- واستقامة القلب وهي الثبات على الصواب ، وعند المحققين هي استواء القصد في السير إلى الله ، وثبات القوى على حدودها بالأمر والنهي ... ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئاً من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهية معصيته كما في قوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7) ...
والقصص التي تحدثت عنها السورة هي (نوح – هود – صالح – ابراهيم – لوط – شعيب - موسى) ، ويبدو من سرد قصص الأنبياء في سورة هود أن ثمة مؤمنين بجانب الأنبياء لم يذكر لهم دور بارز في حوار النبي مع قومه أو جداله معهم أو تهديدهم له ، وكل ما ذكر في شأنهم نجاتهم مع نبيهم
وفي الختام ذكرت السورة أن الله ينجي المصلحين ، ما يعني أنهم شاركوا أنبياءهم في المنهج الإصلاحي ولو بالقلب إذا لم يكن لهم دور في الإصلاح باللسان ، وقد عجزوا جميعا عن الإصلاح باليد ، فسبحان الله الذي جعل العاقبة للمتقين لمجرد أنهم سلكوا منهج الإصلاح بما يستطيعون أي بالقلب واللسان ، فقبل أن يكيد قومهم أو ينقلبوا عليهم ، قلب الله قراهم لأجل هذه الفئة المؤمنة بالله تعالى ، التي تنكر المنكر بكل ما أوتيت من قوة ، وتعتذر إلى الله بأنها لا تملك من أسباب دفع المنكر غير ذلك ، وليس عن تقصير منهم في العمل ،وإنما هي إرادة الله أن يخلي بينهم وبين الأسباب ليكون التوكل عليه وحده ، ويضرب الله بهم المثال في نصره لعباده المستضعفين نصرا مؤزرا دون أن يملكوا من أسباب القوة المادية شيء غير الصلاة والدعاء .
وجاء التعقيب على هذا القصص جميعا ببيان سبب هلاك القرى بظلمهم ، وسبب النجاة من ذلك بالاستقامة على إرادة الإصلاح ، ويجدر التنويه إلى تكرار ذكر لفظ مجئ "أمر الله" أي عذابه وإهلاكه للظالمين ، ما يعني أن ذلك استثناء من قاعدة تأخير العذاب ليوم القيامة ، فيحصل التعجيل بأمر الله ، لتظل الدنيا دار ابتلاء ، إذ لو كان الناس جميعا مقهورين على المعصية فلا معنى هنا للابتلاء ، ولذلك يعجل الله عذابه ليخلي بينه وبين عباده .
ثم اختتمت السورة بجملة وصايا لرسول الله r والمؤمنين معه ، وذلك بحسب المحاور التي تدور حول محورها الرئيسي وهو الاستقامة ، واختتمت بتثبيت قلب النبي r بهذه التسلية ، وقلب كل من يشتغل بالإصلاح بين الناس ، وما الله بغافل عما تعملون .
المقدمة منهج الإصلاح يرتكز على إجمال المطلوب ثم تفصيل المراد
المحور الأول : التوصيف الإجمالي لمواطن الخلل عند من اعوج عن الصراط المستقيم
المحور الثاني : استقامة نوح في دعوته الإصلاحية على منهج الولاء للقلة المؤمنة ، والبراء كافر وإن كان ابنه
المحور الثالث : استقامة هود مع المؤمنين علي البلاغ للمجرمين الجبارين حتى جاء الأمر بالاستبدال واستخلافهم
المحور الرابع : استقامة صالح على الرجاء في الله دون اكتراث لرجاء قومه فيه أو عنادهم معه
المحور الخامس : استقامة ابراهيم علي التزام الدعاء قوبلت بالبشرى ، واستقامته على المجادلة بالحق توافقت مع أمر الله
المحور السادس : استقامة لوط على إنكار المنكر بالقلب والقول وهو في حال الاستضعاف قوبلت بالفرج
المحور السابع : استقامة شعيب على إصلاح الفساد من موطن الاستضعاف حتى جاء وقت المفاصلة بتهديده بالرجم
المحور الثامن : استقامة موسى على الصدع بالحق في وجه فرعون دون اكتراث لعدد الأتباع
المحور التاسع : أخذ الله القرى الظالمة في الدنيا هو بداية لجمعهم يوم القيامة
المحور العاشر : إيصاء النبي محمد r وأصحابه وتابعيهم بالاستقامة
الخاتمة : تثبيت فؤاد النبي r على معنى أن الإصلاح يمنع هلاك القرى
مقدمة سورة هود الآيات ( من 1 حتى 4 )
منهج الإصلاح يرتكز على إجمال المطلوب ثم تفصيل المراد
قال تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (5) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)
استبان من هذه المقدمة أن منهج الإسلام في الدعوة إلى الله يقوم علي الإصلاح علي وجه الإجمال بمعنى بناء الفرد المسلم بإصلاح عقيدته أولا ، ثم الاهتمام بعد ذلك ببعض التفاصيل ، وليس العكس ، فلا ينبغي الانشغال في بناء الفرد بإصلاح أدق تفاصيل كالآداب المرعية ، ولا تزال العقيدة غير راسخة أو فاسدة ، ولذلك لابد من تربية الفرد المسلم على أن يقر في قلبه أنه سوف يحاسب على ما يعمل من عمل ، فيكون ذلك داعيا له بأن يوحد الله تعالى في العبادة ، فلا يعبد إلا هو ، وقد استبان له أن المرجع إليه وحده ، ولذلك كان النبي r يعتمد في إيصال القول علي البشارة والنذارة ، ترسيخا لمبدأ الثواب والعقاب ، أي الحساب والجزاء ، ليعلم الناس أنهم يجازون بالحسنة أضعافها ، وبالسيئة السيئة مثلها ثم لابد كذلك أن تتعضد العبادة بالاستغفار والتوبة إلى الله والرجاء في الله وسؤاله المتاع الحسن في الدنيا ، ذلك المتاع الذي يبلغوا به الدار الآخرة ، وعندئذ يؤتي الله كل ذو فضل فضلا كرما منه وفضلا.
كما التفت الخطاب لبيان حال الذين تولوا عن أهل الدعوة ، فبينت أولا كيف يتعامل المسلمون معهم ؟ وأنهم يظهرون الشفقة والخوف علي قومهم، ويذكرونهم أن المصير إلى الله ، وإليه يرجعون ، واستظهرت حال الذين تولوا عن الدعوة وقد تراءى لهم إشفاق المؤمنين عليهم ورجائهم أن ينجو جميعا من عذاب الله ، إذ تصفهم وهم يغشون ثيابهم مخافة أن يراهم رسول الله r ، وهو يمر بين أيديهم خجلا أن يراهم على الكفر فيأمرهم وينهاهم ، فيشق عليهم إظهار عصيانهم لأمره ، بما يستشف منه أن العلاقة بين الداعي في سبيل الله والمدعو لابد وأن لا تقل عن حد الرجاء ، إما لصلة القرابة أو حسن المعاملة ، حيث تستحيل الدعوة في ظل العداوة المطلقة .
وهنا جاء القرآن ليصحح منهج الرجاء والحياء ، فكما أنهم استحيوا من رسول الله ، فأولى بهم أن يستحيوا من الله ، فلا يكون الرجاء إلا لله ولا الحياء إلا منه ، وليس ذلك فحسب بل ينبغي أن يستكمل العبد أركان التوحيد ليعلم أن الرزاق هو الله ، وأن الخبير هو الله ، والمدبر لهذا الكون بسماواته وأرضه هو الله ، فالله هو خالق الزمان ومقدر الأكوان ، وخالق المكان ، ليكونا ظرفا الزمان والمكان هما الاختبار الذي يختبر فيهما الإنسان ، لينظر الله أيكم أحسن عملا ، ولذلك فإن حياء الكفار أن يراهم النبي r وهم متلبسون بالمعصية ، أمر يمهد الطريق لأن يتأمل الناس في تدبير الله الكون ، فيزدادون طمعا في رضاه ، وأملا فيه إحسانهم العمل ، وهو يتوكلون على الله ، وهكذا يصلح الإسلام عقيدة الفرد المسلم .
كما يستظهر الغاية من خلق هذه الدنيا برمتها ، والتي تتلخص في كلمة (ليبلوكم) أي يختبركم ، فالناس يعيشون على هذه الأرض في هذه الدنيا لأجل أن يختبروا ، فيرى الله منهم من هو أحسن عملا ، فهو سباق يفوز فيه المحسنون .
قوله (الَر) هذه أحد الراءات الست في بستان القرآن ، وهذه الزهرة التي في البستان لها عطرها الخاص ولونها المميز ، حتى شاب شعر النبي r منها وانتشر بياض رأسه ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)[17].
والشيب كناية عن كبر السن ، وكثرة الهموم هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فهو كناية عن تتابع المواعظ ، وتحصيل الكثير من خبرات الحياة ، وسبب شيب رسول الله r أنه نزلت عليه هذه السور ، وقد ورد فيها الأمر بالاستقامة على الحق ، قوله (فاستقم كما أمرت) كما ورد في الحديث المتقدم ذكره[18].
ويبدو الجمال الصوتي في الحروف (ألر) بتقطيع صوتي يشد السمع ويوقظ انتباه المستمع ببروز أصوات الألف واللام والراء المتتالية ، كما أن تنوع المخارج للحروف الثلاثة : أدى إلى تنوع الصفات بين همس الألف، وجهارة اللام، وتكرير الراء، مما يعطي جرساً متوازناً.
إذ نلحظ أن المقطع الصوتي في الحروف المقطعة (ألف لام راء) جاء من مخارج متنوعة ، فنجد أن "الألف" مخرجها من الحلق ، ثم تجد أن مخرج "اللام" من أدنى حافتي اللسان إلى منتهاها مع ما يحاذيها من لثة الأسنان العليا، ويُعد من أوسع مخارج الحروف، وفي "اللام" مد حرفي مخفف ست حركات ، ثم يأتي حرف "الراء" ليقطع الصوت من مخرج منحرف ، فالبقعة التي يحتبس فيها الصوت غير البقعة التي يجري فيها، أي أن صوت حرف الراء يميل عن مخرجه الأصلي عند النطق به، حيث ينحرف الصوت إلى ظهر اللسان بدلاً من طرف اللسان ، والسبب في ذلك هو اعتراض طرف اللسان لتدفق الصوت، مما يجعله يميل إلى الخلف.
قوله (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (1) قال الواحدي " أُحْكمتْ آياته" بعجيب النَّظم ، وبديع المعاني ورصين اللَّفظ "ثمَّ فصلت" بُيِّنت بالأحكام من الحلال والحرام ، وجميع ما يحتاج إليه)[19] ، فالإحكام هو نوع من الحبك يتضمن الإجمال ويسبق التفصيل لزوما ، أي أن آيات الله (محكمة في لفظها، مفصلة في معناها)[20] ، فمن الآية الواحدة تستنبط الكثير من الأحكام والعبر والمواعظ ، وهذا من إعجاز القرآن ، ذلك أن (آياته كاملة في نوع الكلام ،سلمت من مخالفة الواقع ، ومن إخلال المعنى واللفظ)[21] .
جاء في تفسير البغوي "أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ" قال ابن عباس: لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به، "ثُمَّ فُصِّلَتْ" بُيِّنَتْ بالأحكام والحلال والحرام ، وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ثم فُصِّلَتْ بالوعد والوعيد)[22].
بذلك يتميز البيان الدعوي بإجمال الكلام للمخاطبين وبأسلوب محكم بديع لا يحتمل التأويل ليختصر عليهم الموعظة بأقل عبارات ، فيكون الحديث بقدر الحادث ، ويكون الكلام المجمل محكما بمعنى أنه يتضمن المبادئ الأساسية والأصول الكلية للدين ، ثم يثني بالتفصيل لما تم إجماله ، ويُزاد علي التفصيل تفصيلا بحسب كل واقعة أو حادثة ، فيؤتى بالمثال للاعتبار والقصص للتذكرة والتشبيه والتمثيل والتعقيب ..الخ ، من هنا كانت الحاجة لأن ينزل القرآن منجما بحسب الحوادث ، أي أنه نزل بحسب الوقائع التي حصلت في زمن رسول الله r ليكون معالجا لواقع حقيقي وليس مجرد منهج نظري ، فيكون التفصيل مُطَبَّقا على واقع حي ومشاهد ، وهذا هو منهج القرآن في البيان لهذا الدين.
قوله (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ ..) (هود/2) هذا هو التوحيد الذي أحكمه كتاب الله [23]، وعليه مدار أحكام الشرع ، فما من عمل صالح إلا وينبغي أن تخلص فيه النية لله ، وتفصيل ذلك له صور كثيرة ، منها توحيد الله بالحب والخوف والرجاء ، والاستعانة به وحده ، والتوكل عليه وحده ، والاستنصار به سبحانه ...الخ ، بهذا يلقن الله العباد أن العبادة توجه له وحده ، ولا ينبغي صرف أحد أوجه العبادة لغير الله تعالى .
قال ابن عاشور (عبارة " أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ " تفسيرية لما في معنى (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل، ولذلك تكرر الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن، وأن أول آية نزلت كان فيها الأمر بملابسة اسم الله لأول قراءة القرآن في قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1][24].
قوله (..إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) (هود/2) أي أن التأهب لتوحيد العبادة يتطلب تعويد القلب على الحذر والطمع في آن واحد ، بمعنى أن يعلم ما عند الله من العقوبة فيحذر معصيته ،ويعلم ما عنده من الأجر والثواب فيطمع في رحمته ، وهذا يتطلب الجمع بين أسلوبي الترهيب والترهيب في الدعوة إلى الله ، لأن أسلوب الترهيب يوجه مباشرة لمن غفل عن أصل فطرته التي فطر الله الناس عليها ، واتبع الشر تبعا لهواه ، مخالفا ما كانت عليه فطرته ، فيأتي خطاب الشرع لينذره بأسلوب الترهيب لينتبه ويرتدع عما انحرف إليه ، كذلك يتلون الخطاب الشرعي بالبشارة ، فتأتي البشارة لمن مال إلى أصل فطرته السليمة فاتبع الخير ، فيأتيه الخطاب بالبشري ليزيده هدى علي هدى ، يقول رسول الله r (بشرى الدنيا الرؤيا الصالحة) [25] ، ولعل رؤية النصر من بشرى الدنيا التي يمن الله بها على عباده ، لاسيما حين يرى دخول الناس في دين الله أفواجا ، وقد استعمله الله لذلك .
فتأصيل مفهوم الثواب والعقاب عند المسلم هو أساس العقيدة الإسلامية ، وبذلك تتميز هذه العقيدة عن غيرها من العقائد الباطلة التي تنكر فكرة الثواب والعقاب ، ويطلقون للحرية العنان ، كما أن المسلم نفسه يحتاج دوما إلى من يذكره فيرهبه من عذاب الله ، ويبشره بثوابه ، لأن القلوب تتقلب بين الذكر والغفلة ، وبين الحينة والحينة يحتاج إلى مثل ذلك ،ولذلك يقول النبي r (إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة ، فمن كانت -فترته[26]- إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)[27]، قال ابن الأثير في قوله (فمن كانت فترته إلى سنتي) أَي (قصد الطريق المستقيم)[28] أي أن لكل عمل طاقة قصوى ، ثم يلي بعد الوصول لقمة المنحنى – وهو ما يسمى بشِرَّه) في طاقة العمل هبوط وانحدار ، وهو ما يسمى بـ (فترة) أو فتور بعد قوة ، (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ)[29].
قوله تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ) استكمال لتفصيل الشرط والأمر المأمور به ، إذ يعضد التوحيد السليم العبادة الصحيحة ، وأساس العبادة الصحيحة الدعاء إلى الله ، لقول النبي r (الدعاء هو العبادة)[30] ، وخير الدعاء الذي فيه استغفار وتوبة ، قال المناوي ( خير الدعاء الإستغفار )[31] المقرون بالتوبة لأنه إذا استغفر بلسانه وهو مصر فاستغفاره ذنب يوجب الإستغفار)[32]، (وتسمى توبة الكذابين)[33]
ولا يستغنى عبد عن الاستغفار والتوبة ، حتى النبي r فقد كان أكثر الناس استغفارا ، فعن رَسُول اللَّهِ r قَالَ (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)[34] ، والغين كناية عن الشغل بما لا ينبغي للنبي أن ينشغل به عن الذكر والدعوة والبلاغ ، قال الخطابي (أصله من الغين , وهو الغطاء وكل حائل بينك وبين شيء فهو غين , ولذلك قيل للغيم – السحاب- غين)[35]، قال عياض (المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه ان يداوم عليه فإذا فتر عنه لامر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه)[36] .
قوله تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا) قال أبو حيان (قصد هود أول هذه السورة استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوة ، لأنهم كانوا أصحاب زورع وبساتين وعمارات حراصاً عليها أشد الحرص ، فكانوا أحوج شيء إلى الماء ، وكانوا مدلين بما أوتوا من هذه القوة والبطش والبأس مهيئين في كل ناحية) [37].
قوله تعالى (..يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى..) (هود/3) تلك هي المكافأة التي يعد الله بها الذين يستجيبون لدعوة التوحيد ، بأن يمتعهم متاعا حسنا ، قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح/10-12) ، والمعنى المقصود (تخصيص المؤمن بطيب العيش لرجائه في الله ورضاه بقضائه ، دون الكافر لأنه قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق لكنه لا يهنأ بطيب العيش) [38] .
والمقصود بالمتاع الحسن المذكور في الآية هو أن يطيب اللسان بذكر الله ، ويتعلق قلبه بالمساجد ، ويشغل أوقاته بالطاعات ، قال ابن القيم ( كفى -بالدنيا- مدحا ، وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذى لا يشبهه نعيم ، بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والإشتغال به عمن سواه ، وفيها –أي الدنيا - كلامه ووحيه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده)[39] .
ولهذا فضل كثير من العارفين هذا النعيم أي الأنس بالله والفرح بقربه على كل نعيم في الدنيا ، فقالوا (هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم ، وحقه أفضل من حقهم) وقالوا (والايمان والطاعة أفضل من جزائه) [40]، بهذا استحسنوا العبادة ولم يجدوا في التكليف بها أية مشقة ، بل اللذة والسرور ، كما كان النبي r يقول عن الصلاة (يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا ) [41]، وفي الصحيح: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"[42]
أما المتاع الذي يشترك فيه الكافر والمؤمن في الدنيا ، فهو ما أحله الله من الطيبات ، والله تعالى اختص المؤمن - من هذا المتاع - بالمرأة الصالحة ، يقول النبي r (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) [43] ، وقد فهم أعداء الإسلام قوة المرأة الصالحة في تكوين شخصية الفرد المسلم المتوكل على الله ، فجعلوا معظم خططهم في محو هذه الصورة من المجتمع المسلم ليكونوا أقدر عن تنكيد الحياة على المسلمين ، ولذلك أتبع الله تعالى وعده بهذا المتاع بأنه موقوت بأجل مسمى ، وهو الموت ، وذلك لكي يتحقق الاختبار والابتلاء ،بالشر والخير فتنة ، فالدنيا وإن كانت متاع إلا أن هذا المتاع ما جُعل إلا للاختبار والابتلاء .
قوله (..إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى..) عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: " أَجَلٍ " مُنْتَهًى، يَقُولُ:"أَجْلُ حَيَاتِكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، وَأَجَلُ مَوْتِكَ إِلَى أَنْ تَبْعَثَ، فَأَنْتَ بَيْنَ أَجَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ) [44].
قوله تعالى (..وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) (هود/3) قال ابن عاشور (سمي فضلا لأن الغالب أن فاعل الخير يفعله بما هو فاضل عن حاجته) [45]، كما في قوله (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة 219) ثم صار الفضل بمعنى إعطاء الخير، فقلما تجد من يؤثر غيره على نفسه ، فجاء الخطاب على وجه العموم .
فجاء لفظ "الفضل" هذا من باب الإجمال ، وتفصيله كما روي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله (ويؤت كل ذي فضل فضله) قال : (ما احتسب به من ماله أو عمل بيديه أو رجليه أو كلامه ، أو ما تطوّل به من أمره كله)[46] .
والمعنى أنه يعطي سبحانه وتعالى كل صاحب فضل في الدنيا من بر وصدقة وإحسان فضله تعالى يوم القيامة في دار الكرامة الجنة دار الأبرار ، ذلك كما قال الزمخشري لأن (الدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات)[47]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله (ويؤت كل ذي فضل فضله) قال : من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات ، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات ، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذت من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ، ثم يقول : هلك من غلب آحاده أعشاره)[48] .
وفضل الله واسع ويؤتى لأهل الفضل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ) [49]، قال المباركفوري قوله ( سلوا الله من فضله ) أي بعض فضله فإن فضله واسع وليس هناك مانع ( فإن الله يحب أن يسأل ) أي من فضله لأن يده تعالى ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار (وأفضل العبادة انتظار الفرج ) أي ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء )[50].
وفي قوله (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)(هود/3) تتمة في تفصيل النذارة ، والمخاطب بها من تولى عن الطريق المحفوف بالبشارات ، فمن لم يستجب لها لن تنفعه غير النذارة بالعذاب الشديد ، لإخراجه من غفلته ، فكان لابد من تغليظ الخطاب معه .
وقد تضمنت الآية مظهرا من مظاهر إشفاق النبي r علي قومه أن ضلوا طريق الحق رغم أنه ظاهر وواضح أمامهم ، يقول النبي r (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي) [51]، "الحُجزة" هي موضع شد الإزار (الوسط)، وأخذ النبي بها مجاز عن شدة حرصه ومنعه للناس من السقوط في النار .
وفي قوله (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(هود/4) تهون الدنيا برمتها في أعين المؤمنين الذي يعلمون أن نهاية سعيهم في الدنيا هو الرجوع إلى الله ، فالمآل إليه والمرجع إليه سبحانه ، وإليه المصير ، قال سبحانه (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) (النجم/42) ، وما الدنيا والسعي فيها إلا لأجل هذا الختام ، والإيمان بذلك هو تتمة البلاغ عن عقيدة الإسلام.
قال ابن القيم (فالدنيا فى الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها ، وهى قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار ..، فهى مبنى الآخرة ومزرعتها ، ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الايمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته ، وخير عيش ناله أهل الجنة فى الجنة إنما كان بما زرعوه فيها)[52].
وفي قوله تعالى (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (هود/5) أي ينحنون على صدورهم ويغطون رؤوسهم بثيابهم[53] ، يفعلون ذلك خجلا من النبي r أن يراهم على الكفر عندما كان يمر عليهم ، فيغشون وجوههم بثيابهم لكي لا يراهم ، حرصا على ما بينهم من قرابة ، وملالا أن يعظهم كلما رآهم ، كما كان يفعل قوم نوح مع نبيهم ، فاشتكى لربه صنيع قومه معه فقال (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح 7).
والله يعاتبهم أنهم لا يخفون على الله وإن كانوا يخفون بما يفعلون عن أنبيائهم ، وعن النبي محمد r على وجه الخصوص ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"يَسْتَغْشُونَ" (يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ)[54] ، قال الثعالبي (إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إِذا لقيهم النبيُّ r تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم؛ كالمتستِّر ، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم ، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم ، تباعداً منهم ، وكراهيةً للقائه ، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه ، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ ، وقيل : هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ عليه)[55] ، ونظير ذلك قوله (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (الحج 9) ، فهي طريقة للإعراض عن أهل الحق والابتعاد عنهم ، فيها شيئ من التلطف وإن كانت تدل على الاستكبار عن سماع الموعظة أو السآمة منها .
فعاتبهم الله بفعلهم هذا ، بقوله (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) ، كما في قوله ( ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ . . ) ، قال الشعراوي (هم إن داروا على محمد r فهل هم قادرون على المداراة على رب محمد؟ والذي لا يدركه بصر محمد فربُّ محمد سيُعلمه به)[56].
ونلمح من ذلك تلطف بعض المشركين مع النبي r رغم ما يضمرونه في صدورهم من عدم الاقتناع بالدعوة ، أو بعض الحسد له ، وبعضهم يخفي البغض لها ، لأنهم لا يريدون أن يظهروا له العداوة – في الفترة المكية – لما بينهم من صلة الأرحام ، أو لما أحسوه من صدقه r لكنهم ولأجل عصبيتهم للقبيلة يميلون إلى قومهم وليس لنبيهم ، ومن هنا ظهر منهم الخجل عند رؤيته r مخافة أن يُحزنوه وهو يراهم على الكفر ، إلا أنهم – ورغم ذلك – كانوا أقرب المرشحين لأن يسلموا ، فعاتبهم الله على ذلك أنهم يخجلون من محمد r ولا يخجلون من ربه سبحانه ، وسبحان الله فقد أسلم من هؤلاء المعاتبين قوم بعد فتح مكة ، ومنهم من أسلم قبل ذلك ، بما يعني أن التلطف في الخطاب الدعوى واجب لقوله سبحانه (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة/7) .
قوله (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا..)(6) ما أجمل أن يُطمئن الله العباد الذين استجابوا لله ورسوله بأن يقر في قلوبهم أنه وكيل عنهم ، وأنه ضمن لهم بتلك الوكالة أبواب الرزق جميعا ، فليستيقن المتوكلون بأن أبواب الرزق عند الله مفتوحة ، ولا يعوقهم لقبول الإسلام بالكلية شيء ، بل عليهم أن يتخلوا عن كل العوائق لأجل الإسلام ، فلا يخافون من فوات متاع دنيوي ، ولا يتربصون مصلحة متوهمة أو ينتظرون رزق معلقا على حصول شيء من أسباب الدنيا أو يظل تفكيرهم مشغولا بأحادث يتوقعون حصولها في مستقبل ، فالمسلم لابد وأن يتجرد من كل ذلك ، ويستسلم لله ، وبالجملة لا يتذلل لغير الله في طلب الرزق ، فعقيدة التوحيد تجعل المسلم يعقد العزم في الطلب علي الله الاستعانة بالله وحده ، فلا يسأل غيره ، يقول النبي r (احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) [57].
والمعنى المراد إيصاله أن الله تعالى أوجب على نفسه أن يتكفل سبحانه بالرزق لعباده ، وعلى العباد أن يثقوا في الله بأن الرزق سوف يأتيهم لا محالة من عند الله ، يقول النبي r (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)[58] ، (فمن قصد الله تعالى بالتوكل عليه ، والثقة به لم يصبه عيلة ، والعيلة اختلال الحال ، والحاجة إلى الناس)[59].
فالتماس أسباب الرزق هو عين التوكل على الله ، لأن الله سبحانه هو الذي شرع الأسباب ، وأمر العباد بأن يعملوا ليكسبوا فيرزقهم ، أي أنه سبحانه رتب النتائج على الأسباب ، كما قال (وجعل بعضهم لبعض سخريا) ، فالتماس أسباب الرزق بالعمل المشروع هو العبادة المطلوبة شرعا ، مع ضرورة اليقين بأن الأسباب لا تعدو كونها أسبابا شرعها الله تعالى ، ليس لها فاعلية في ذاتها إلا بإذن الله ، ليكون التوكل عليه حق توكله ، قال المباركفوري (فالله هو المسبب ، وهو الفاعل على الحقيقة ، لتعلموا يقينا أن لا فاعل إلا الله ، وأن لا معطي ولا مانع إلا هو)[60] .
قوله (.. وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا[61] كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)(6) فالإنسان بين عالمين أحدهما مستقر والآخر مستودع :-
فأما المستقر فهو يعني أن هناك حركة دؤوب تسبق ولابد الاستقرار ، فقبل أن يستقر الكائن إلى مأواه ليرتاح فإنه يتحرك ويسعي لكسب رزقه ثم يأوي ليرتاح ثم يعاود الحركة مرة أخرى ثم يستقر ثم يتحرك وهكذا يكدح في الحياة ويكابد ثم يتمتع بما صنع حيث المستقر كناية عن الحياة الدنيا
ويشهد لذلك قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ ) [ الأعراف : 24 ] حيث البيت والمأوى والمأكل والملبس ...الخ ، وخير مستقر هو الآخرة ، ولذلك يقول الحق ( أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ) [ الفرقان : 24 ] .
أما المستودع ، فهو عالم السكون حيث لا حراك ، فهي مرحلة انتقالية إلى عالم الحركة ، فنحن في أصلاب آبائنا كنا في نطفة وفي أرحام أمهاتنا كنا علقة ، وكذلك نكون بعد الموت حيث المستودع في حياتنا البرزخية أي في القبر حتى البعث ، فتكون الأرض مستودع الأجساد ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ:"الْمُسْتَوْدَعُ: الْمَكَانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ"وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ هَذَا، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ مِثْلُهُ)[62].
ويشهد لهذا المعنى ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِذَا كَانَ أَجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ أَوْثَبَتْهُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ قَبَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَتَقُولُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي) [63]، قال القرطبي : قال العلماء وهذا تنبيه للعبد على التيقظ للموت والاستعداد له بالطاعة والخروج من المظالم وقضاء الدين والوصية بماله وعليه في الحضر فضلا عن الخروج إلى سفره ، فإنه لا يدري أين كتبت منيته من البقاع.
وسميت الأرض مستودعا لأن منها يخرج الناس حيث تنبت الأرض من دفن فيها عند البعث كما تنبت الحبة بقلها ، ففي الحديث عما بين النفختين أربعين قال رسول الله r (ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[64]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَجْبُ الذَّنَبِ)[65].
أما الأرواح فمستودعها في علم الله ، فأرواح الأبرار في عليين ، وأرواح الفجار تحبس في سجين ، وقد علمنا أن مستقر أرواح الشهداء في حواصل طير تسرح في الجنة حيث تشاء حتى يأتي يوم القيامة ، كما ورد في الحديث عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)[66].
قوله (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً...)(هود/7) هذه المعلومة كثيرا ما يرددها القرآن الكريم أي أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام للتأكيد على أن المنهج الحركي للدعوة الإسلامية لايمكن أن يقوم بين عشية أو ضحاها ، فالله سبحانه قادر على أن يخلقهما في لحظة واحدة ، ولكنه سبحانه صبور ، ويريد أن يتخلق العباد بذلك الخلق ، فالصبر نصف الإيمان ، ودائما يأتي النصر بالصبر .
وقوله (..وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء..)(7) دليل على أن الله تعالى لم يخلق شيء قبل ذلك ، وأنه بائن من خلقه ، لأن الماء هو أساس الحياة ومنه خلق الله كل شيء حي ، قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء/30) ، فإذا كان الأمر كذلك ، وأن أصل الكون ماء ، فإن الله تعالى يشير بخلقه للعرش والماء قبل خلق السماوات والأرض إلى أنه خالق وليس بمخلوق ، قال تعالى (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (البقرة/117) ، عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)[67] .
فمن أعجب ظواهر الماء الفيزيائية الخاصية الشعرية التي تجعله يتسلق الأنابيب الضيقة في النبات ضد الجاذبية الأرضية ليصل إلى قمة الأشجار الطويلة ، وخاصية التوتر السطي التي تتيح للحشرات أن تطفو فوق سطحه وتسير مثل البعوضة ، وخاصية التحول الفيزيائي من الحالة السائلة إلى الغازية ،ومن الحالة السائلة إلى الصلبة والعكس ، وخاصية الكثافة المتغيرة حيث يتمدد عند التجمد ويصبح أقل كثافة فيطفو الثلج على الماء بدلا من أن يغوص
كما أن الماء عالي الكثافة فيتطفو عليه السفن المحملة بالبضائع ، كما أن الماء يتحدى الحواجز فيستطيع أن ينفذ من أقل الأماكن ضيقا ويتسرب وهو مائع يتأثر بالضغط بسهولة ، تلك هي أهم خواص الماء الفيزيائية .
أما خواص الماء الحيوية فقد جعل الله منه كل شيء حي ، حيث يتميز بقطبيته العالية، وقدرته الفائقة كمذيب عام، وسعته الحرارية الكبيرة التي تحافظ على ثبات درجة حرارة الكائن الحي.
فهذه الخصائص تجعله الأساس الذي تقوم عليه الحياة، حيث ينظم حرارة الكائنات الحية ويسهل التفاعلات الكيميائية داخل الخلايا ، ينقل الغذاء والأكسجين والعناصر الغذائية والفضلات عبر الدم والأنسجة.
أما بالنسبة للتركيب الكيميائي للماء ، فالصيغة الكيميائية لجزيء الماء من ذرتي هيدروجين مرتبطة بذرة أكسجين بروابط تساهمية ، مما جعله يتميز بخاصية قطبية عالية : لأنه يمتلك زاوياً 105 درجة يجعل جانب الأكسجين سالباً وجانب الهيدروجين موجباً.
كما تتواجد روابط الهيدروجينية بين جزيئات الماء ببعضها
والماء النقي متعادل كيميائيا لأن عدد أions الهيدروجين (\(H^{+}\)) يساوي أ ions الهيدروكسيد (\(OH^{-}\)). ، مما يجعله مذيبا جيدا : حيث يذيب العديد من المركبات الأيونية والقطبية مثل الأملاح والسكريات ، ويتفاعل مع الفلزات النشطة (مثل الصوديوم والبوتاسيوم) لينتج هيدروكسيد الفلز وغاز الهيدروجين، ومع أكاسيد الفلزات ليننتج قلويات .
والمتأمل في عبادات الإسلام والتي من أهمها الصلاة يجد أن شرطها الوضوء ، والوضوء عبادة تسبق الصلاة باستخدام الماء ، حيث يغسل المتوضئ يديه إلى المرافق ووجهه ويمسح برأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين ، ولذلك فإن الوضوء طهارة حكمية وحسية في آن واحد
كما أن الغسل شرط لازم لطهارة المؤمن بعد الحدث الأكبر ، ولذلك جعل الله الماء طهورا ، أي طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره من الخبث والحدث كذلك ، كما أن ماء المطر يذهب الهم والغم والحزن ، ولذلك لما ابتلى المؤمنون في غزوة أحد أنزل الله عليهم ماء المطر ليطهرهم من رجز الشيطان أي وساوسه .
وقوله (..لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (7) بيان لعلة خلق الكون على هذه الكيفية ، لتكون هذه الحالة هي موطن الاختبار ومكانه ، أما مناطه فهو إحسان العمل ، بأن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وتلك الأمور أمور قلبية لا يطلع عليها إلا الله ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ)[68].
قال الشنقيطي (ولا شكّ أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خُلِق من أجلها هي أن يُبتلى أي يُختبر: بإحسان العمل ، فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار)[69] ، فإذا علم أن الاستقامة هي الطريق الموصل لذلك استقام على الطريق ولم يحد عنه ، وذلك هو إحسان العمل ، فليس يحسن الذي ينحرف عن الطريق المستقيم ، فينبغي للعبد أن لا يفارق ذهنه صورة ربه وكأنه يراه في كل عمل ينوي أن يعمله ، كما في حديث جبريل لما سأل النبي r عن الإحسان فقال (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) [70]، قال ابن عطاء أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات [71]
قال العلماء "المُرَاقَبَةُ الَّتي هِيَ مِنْ أَعلَى أَعْمَالِ القُلُوبِ هِيَ التَّعَبُّدُ لِلّاهِ بِاسْمِهِ الرَّقِيبِ الشَّهِيدِ، فَمَتَى عَلِمَ العَبدُ أَنَّ حَرَكَاتِهِ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ قَد أَحَاطَ اللّاهُ بِعِلمِهَا، وَاسْتَحْضَرَ هَذَا العِلْمَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، أَوجَبَ لَهُ ذَلِكَ حِرَاسَةَ بَاطِنِهِ عَنْ كُلِّ فِكْرٍ وَهَاجِسٍ يُبْغِضُهُ اللّاهُ، وَحَفِظَ ظَاهِرَهُ عَنْ كُلِّ قَولٍ أَو فِعْلٍ يُسْخِطُ اللّاهَ، وَتَعَبَّدَ بِمَقَامِ الإِحْسَانِ "[72].
قال القشيري ("المراقبة" علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه، وهذا أصل كل خير له، ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة، فإذا حاسب نفسه على ما سلف له، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقب الله تعالى في عموم أحواله، فيعلم أنه سبحانه عليه رقيب، ومن قلبه قرب، يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله ، ومن تغفل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة)[73].
قال القاسمي تعليقا على كلام الغزالي (المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ، ويعنى بها حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه وأما المعرفة فهي العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت .
ثم للمراقب في أعماله نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل ، أما قبل العمل فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق ، فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها
وأما النظر الثاني للمراقبة عند الشروع في العمل فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه ، وهذا ملازم له في جميع أحواله لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في معصية أو في مباح
فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات ، وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير ، وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها
ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا بد له من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض الله تعالى عليه )[74].
قال ابن القيم (كلما اشتدت هذه المراقبة اوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع و الخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها فالمراقبة اساس الاعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به ولقد جمع النبي ص - اصول اعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة وفي قوله في الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من اعمال القلوب كيف تجد هذا اصله ومنبعه)[75]
[1] ) رواه الحاكم ج2 ص 374 رقم 3314 صححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 26
[2] ) رواه البيهقي : شعب الإيمان ج2 ص 472 رقم 2439
[3] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 291
[4] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 291
[5] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 291
[6] ) فيض القدير ج1 ص 636
[7] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج13 ص 234 رقم 35497، الزهد لهناد ج1 ص 271 ، غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 572 بلفظ (وفي صفته ما رئي ضاحكا مستشيطا أي ضحكا شديدا ، تفسير القرطبي ج17 ص 122
[8] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 291
[9] ) ابن دقيق العيد : شرح الأربعين نووية ج1 ص 57
[10] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 326 رقم 273 وص 237 رقم 274 وصححهما الألباني صحيح سنن ابن ماجة ج1 ص52
[11] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 297
[12] ) الفائق في غريب الحديث والأثر 1 ص 287
[13] ) مرقاة المفاتيح ج1 ص 208 ، عون المعبود ج10 ص 233 ، ابن دقيق العيد : شرح الأربعين نووية ج1 ص 57
[14] ) ابن دقيق العيد : شرح الأربعين نووية ج1 ص 57
[15] ) وقيل وروح لكنني لا ارى وجها لهذه القسمة فاكتفيت بالعمل والقلب
[16] ) فيض القدير ج1 ص 636
[17] ) رواه الترمذي ج11 ص 106 ص 3219 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 2 رقم 15
[18] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج2 ص 472
[19] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 333
[20] ) ابن كثير ج4 ص 303
[21] ) التحرير والتنوير لابن عاشور ج11 ص 199
[22] ) تفسير البغوي ج4 ص 156
[23] ) البحر المديد ج3 ص 26
[24] ) التحرير والتنوير ج11 ص 200
[25] ) رواه الطبراني ، أخرجه أيضًا : الطيالسى (ص 131 ، رقم 976) ، والحميدى (1/193 ، رقم 391) ، وابن أبى شيبة (6/173 ، رقم 30452) ، وأحمد (6/445 ، رقم 27550) ، والترمذى (4/534 ، رقم 2273) وقال : حسن . والحاكم (4/433 ، رقم 8179) وقال : صحيح على شرط الشيخين .(جمع الجوامع للسيوطي 1/10501 ) وصححه الألباني : الجامع الصغيرج1ص514
[26] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 188 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 13 ص 56
[27] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج3 ص 399 رقم 3878 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 392 رقم 3915
[28] ) النهاية في غريب الأثر ج 1 ص 165
[29] ) رواه الترمذي ج8 ص 493 رقم 2377 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الترمذي ج5 ص 453
[30] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 249 رقم 714 وصححه الألباني صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 259
[31] ) انظر تخريج السيوطي : الجامع الصغير من حديث البشير النذير ج1 ص 381 وضعفه الألباني مرفوعا
[32] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 1066
[33] ) فيض القدير ج3 ص 628
[34] ) رواه مسلم ج13 ص 216 رقم 4870
[35] ) شرح أبي داود للعيني ج5 ص 426
[36] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 101
[37] ) البحر المحيط
[38] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 683
[39] ) عدة الصابرين ج1 ص 143
[40] ) عدة الصابرين ج1 ص 143
[41] ) رواه أبو داود ج13 ص 165 رقم 4333 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 1386 رقم 13851
[42] ) رواه النسائي ج12 ص 289 رقم 3879 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1ص544رقم 5435 والسلسلة الصحيحة المجلدات
[43] ) رواه مسلم ج7 ص 397 رقم 2668
[44] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 115
[45] ) التحرير والتنوير ج11 ص 202
[46] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 115 ، الدر المنثور للسيوطي ج5 ص 274
[47] ) الكشاف ج2 ص65
[48] ) الدر المنثور للسيوطي ج5 ص 274
[49] ) رواه الترمذي ج11 ص 488 رقم 3494 وضعفه الألباني : لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا إسرائيل تفرد به حماد بن واقد ولا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد
لكن له شواهد لجملة (سلوا الله من فضله) كما في قوله (وقال ربكم ادعوني استجب لكم)
[50] ) تحفة الأحوذي بشرح الجامع الترمذي ج10 ص 17
[51] ) رواه مسلم ج11 ص 400 رقم 4236
[52] ) عدة الصابرين ج1 ص 143
[53] ) قال الماوردي فيه خمسة أقاويل : أحدها : يثنون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله تعالى ، قاله مجاهد . الثاني : يثنونها على عداوة النبي r ليخفوها عنه ، قاله الفراء والزجاج ، الثالث : يثنونها على ما أضمروه من حديث النفس ليخفوه عن الناس ، قاله الحسن ، الرابع : أن المنافقين كانوا إذا مرّوا بالنبي r غطوا رؤوسهم وثنوا صدورهم ليستخفوا منه فلا يعرفهم ، قاله أبو رزين ، الخامس : أن رجلاً قال إذا أغلقت بابي وضربت ستري وتغشيت ثوبي وثنيت صدري فمن يعلم بي؟ فأعلمهم الله تعالى أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون (انظر النكت والعيون ج2 ص 189
[54] ) رواه البخاري ج14 ص 261 رقم 4315
[55] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 218
[56] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4129
[57] ) رواه الترمذي ج9 ص 56 رقم 2440 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج6 ص 16 رقم 2516
[58] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 199 رقم 4154 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 404 رقم 3359
[59] ) بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار للكلاباذي ج1 ص 210 رقم 139
[60] تحفة الأحوذي ج7 ص 7
[61] ) نقل ابن كثير وقوع إشكال في تفسيرها ج2 ص 306
[62] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 124
[63] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 315 رقم 4253 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة السلسلة الصحيحة ج3 ص222
[64] ) رواه البخاري ج15 ص 261 رقم 4554
[65] ) رواه مسلم ج14 ص 202 رقم 5255
[66] ) رواه مسلم ج9 ص 472 رقم 3500
[67] ) رواه البخاري ج10 ص 464 رقم 2953
[68] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 173 رقم 4133 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجةج2 ص400 رقم 3342 ورواه مسلم ج12 ص 427 رقم 4651
[69] ) أضواء البيان ج2 ص 171
[70] ) رواه البخاري ج1 ص 87
[71] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 397
[72] ) إصلاح القلوب ج1 ص 40 نقلا عن السعدي : المجموعة الكاملة ج3 ص 242
[73] ) الرسالة القشيرية ص 87
[74] ) محمد جمال الدين القاسمي : موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين ص 452
[75] ) إعلام الموقعين ج4 ص 204
-
الاثنين PM 02:20
2026-08-31 - 49



