ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
المحور الأول توصيف مواطن الخلل –إجمالا- عند من اعوج عن الصراط
د /احمد نصير
المحور الاول
تكذيبهم بأركان الإيمان جملة وتفصيلا (البعث وبالقدر وبالرسول وبالقرآن) لتفريغ عقيدة الإسلام من مضمونها والاعوجاج عن الصراط المستقيم
قال تعالى (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)
فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (14) مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)
أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا
أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)
أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (20)
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (21) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (24)
لا يمكن الحديث عن الإصلاح دونما توصيف دقيق للحالة التي تخضع لهذا الإصلاح ، ولو بصورة إجمالية ، ذلك أن مظاهر الفساد والعطب في هذه الحياة كثيرة ، لكن أساسها واحد ، فإذا ما أجملنا أساس هذا العطب سهل بعد ذلك الإصلاح ، أي أن إصلاح العقيدة ذاتها يكفي لإصلاح العبادة ثم الأخلاق والمعاملات بين الناس ، وهكذا يبدأ المنهج الإصلاحي في الإسلام بإصلاح عقيدة المرء أولا ، تلك التي تنبت منها أفعاله وتصرفاته ، ومن ثم استعرض هذا المحور أحوال أهل الدنيا من الدعوة الإسلامية ، وبينت أنهم يكفرون بأركان الإيمان على وجه الإجمال .
بدء من عقيدة البعث واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، وبالرسول الذي أرسل إليهم ، حيث يقللون من شأنه بالنظر لقلة ماله وأنصاره وضعفهم ، كما يكذبون بالقرآن الذي أوحي إليه فيقولون أنه افتراه على الله ، كل ذلك بقصد تفريغ عقيدة الإسلام من مضمونها ليكون سعيهم في الدنيا معوجا على غير صراط الله المستقيم ، فهم أهل اعوجاج ، بينما أهل الإسلام هم أهل استقامة على المنهج الذي أنزله الله وأوحي به لعبده محمد r .
وهؤلاء المعوجون لن يعجزوا الله هربا من عذابه المضاعف ، وقد ضلوا وخسروا كل شيء ، بينما أهل الإيمان وصفهم القرآن بأنهم أصحاب جنة الخلد لأنهم استقاموا على المنهج الموصل إليها ، فلم يستو جزاء الفريقين في الآخرة فريق في الجنة وفريق في السعير ، فريق في السعادة وفريق في الشقاوة .
ولذلك يمكن تقسيم هذا المحور إلى ثمانية مسائل : -
أولا : تكذيب أهل الدنيا بالبعث
ثانيا : تكذيب المتفاخرين بالدنيا بالقدر خيره وشره
ثالثا : تكذيب أهل الدنيا بالنبي r
رابعا : تكذيب أهل الدنيا بالقرآن
خامسا : حال أهل الدنيا بخلاف أهل الآخرة في الدارين وعلى النقيض
سادسا : التعقيب على تكذيب الكافرين من الأحزاب
سابعا : ظالمون يفترون ويصدون لكن لا يعجزون
ثامنا : حال المؤمنين المخبتين بخلاف غيرهم
المسألة الأولى : تكذيب أهل الدنيا بالبعث والحساب والجزاء
قال تعالى (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (8)
وقوله (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) تستظهر الآية موطن الخلاف بين الأنبياء وقومهم ، فالأنبياء يبشرون المؤمنين بالبعث بعد الموت ، ويبشرون بالحياة الآخرة ، أما الكافرون فإنهم يكذبونهم في ذلك ، قال عز وجل (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (التغابن:7)
وبل يفترون عليهم- دوما - بفرية السحر ، حتى يفزع الناس منهم فلا يقربهم أحد مخافة أن تصيبهم لعنة سحرهم ، وبذلك يصونهم عن السبيل بأبسط صورة ، فيكونون أقدر على تشويه الصورة الذهنية للإسلام بذلك التزييف الإعلامي بأشد مما تفعله الحروب الضارية ، وتلك هي أول محاولاتهم لتفريغ عقيدة الإسلام من مضمونها .
فالحديث عن البعث من أولويات الخطاب الدعوي وإصلاح العقيدة ، ولا يمكن أن يخلو منه البلاغ الإسلامي ، ولا ينبغي أن يفوت عن المبلغ ذلك ، لأنه الركيزة الكبرى للاستقامة، التي بها يتحفز الضمير الإنساني ويتأهب إلى الحساب وفقا لميزان العدالة الإلهية في الآخرة ، قال الله تعالى (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ( (الأنبياء 104)
وقوله (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) (8) بيان أمر مجادلة الكفار للنبي r فيما أنذرهم به ، من أن يمسهم عذاب الله في الحياة الدنيا ، بعد أن أغلقوا عليه الحديث في أمر الحياة الآخرة ، فأراد أن يحذرهم مغبة الاسترسال في متاع الدنيا وينذرهم أن أوشك عذاب الله أن يعاجلهم فيها ، لكنهم يجادلونه ، بل ويتحدونه أن يأتيهم به استهزاء وسخرية منه.
والنفس البشرية لا تتصور الخطر المحدق بها إلا إذا ذاقت شرارته أو حرارته قبل أن يصيبها ، فهم يستعجلون عذاب الله – استهزاء – أن يصيبهم في الدنيا ، وقد أراد الله أن يذيقهم بعض بأسه ليحذرهم من عذاب الآخرة .
وقوله (..إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ) أي أن سنة الله تعالى أن يؤخر إنزال العذاب بالقوم المكذبين حتى لا تكون لهم حجة بعد ذلك على الله ، حيث يستطيل وقت نزول العذاب ويتأخر حتى ينقضي لكل أمة أجلها [1]، كما في قوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف/34) وأجل كل أمة ذهاب جيلها ، والإتيان بجيل آخر كما في قوله (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (الأنعام 134)
كما في قوله (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي استطال به النسيان حتى تذكر بعدما تغيرت الأحوال ، كناية عن طول التأخير ، فكما أنه سبحانه لم يستعجل في خلق السماوات والأرض ، فإنه سبحانه لا يستعجل في إهلاك القرى التي حق عليها العذاب ، لكن هذه المدة لا تطول كثيرا لأنها معدودة ، (فما يحصره العد : جرت العادة فى أساليب العرب أن يكون قليلا)[2] ، وهذا يختلف بحسب حال كل أمة .
قوله (..لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ..) يستعجلون العذاب ويطلبونه تجرؤاً علي ربهم ، إذ يخال لهم أنهم في منعة منه ، ولكن سنة الله أنه إذا أقام حجته علي الكافرين أنزل عليهم عذابهم ، لتكون قصتهم عبرة وعظة لمن بعدهم .
قوله (..أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) (8) أي لا أحد يصرف عنهم عذاب الله ، بل يقيم عليهم الحجة بما قدره وقضاه من أقدار ينتصر فيها المؤمنون وينهزم الكافرون ، فليس من سنن الله الكونية أن يظل المسلمون في هزيمة نفسية أو قهر مادي أو إيذاء من الذين كفروا ، وإنما لابد وأن ينصرهم الله كما وعد بذلك (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم 47)
فإذا حقت كلمة العذاب فإنه يحيق بالكافرين ، إما بآية كونية أو بتسخير المسلمين عليهم ليدفع الحق بالباطل ، قال الواحدي (إذا أخذتهم سيوف المسلمين لم تغمد عنهم حتى يُباد –رؤوس- الكفر ، وتعلوَ كلمة الإِخلاص)[3].
قال الدكتور فاضل السامرائي (فإذا جاءهم عذاب الله المستعجل فإنه يلازمهم ولا يصرفه عنهم صارف ، بل يحيق بهم من كل جانب ، وبقدر استئزائهم ، وذلك منتهى عدل الله في شأنهم) [4]، بيد أن ذلك كله موقوف على انتهاء الأجل الذي قدره الله لهم حتى تستبين الآيات وتقوم الحجة .
المسألة الثانية : تكذيب المتفاخرين بالدنيا بالقدر خيره وشره
قال تعالى (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (9) لما أخبر الله تعالى - فيما تقدم - أن متاع الدنيا له أجل مسمى ولأيام معدودة ، وقد علمنا أنها لا تعدل جناح بعوضة ، فإن عطاء الكافر منها لم يكن شيئا ، ولكنه عطاء مشروط بالشكر ، فإن لم يشكر ، فإنه سبحانه لا يعاجله بالعقوبة ، وإنما يؤجل عذابه حتى تتم حجته ، من هنا تجلت حكمة الله أن يبتلي الإنسان بالشر والخير فتنة ، ليكون ابتلاءه بالرحمة استظهار لمتاع الله له في الدنيا لأجل مسمى وأيام معدودة لعله يشكر ، وابتلاؤه بالضر هو نوع من تعجيل العذاب الأدنى له حتى يتقي العذاب الأكبر ، فلا يستعجله استهزاء ، هذا من وجه .
ومن وجه آخر قد يبتليه ليكفر عنه سيئاته فيمشي في الأرض وليس عليه خطيئة ، وهذا خاص بالمؤمن ، كما في الحديث (فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)[5] ، لكن في كل الأحوال لا ينبغي لعبد أن يسأل الله أن يبتليه بالضر ليخفف عنه العذاب يوم القيامة ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ قَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قَالَ (فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ)[6]
ومن هنا ينظر الله تعالى فيما يفعله الإنسان إزاء ابتلاءاته له سواء بالرحمة أو بنزعها منه ، فعندما يبتليه بالبأساء والضراء فإنه يطلع علي صبر الإنسان على اختبار ربه ، وليحمله تذوق هذا الضر على أن يرتدع عن استعجال العذاب ، لكن قليل من الناس من ينتبه لهذه الحكمة ، والله يعلم حال الإنسان على وجه العموم ، وأنه حين يختبر بالضر فإنه يكون يئوسا كفورا ، فعَنْ قَتَادَةَ: " إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ " يَقُولُ:"إِذَا ابْتَلَى بِبَلاءٍ ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ"[7] ، أفلا يعجب الكافر من حاله ، وهو لا يصبر على بلاء صغير في الدنيا ، فكيف به يستعجل عذاب الله في الآخرة ، قال الطبري (فيئوس من روح الله، قنوطٌ من رحمته، كذلك المرء المنافق والكافر)[8].
والمؤمن حاله بخلافه ، فهو يرضى بقضاء الله وقدره خيره وشره ، لقول النبي r "عجبت للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له"[9]، لعلمه علي وجه العموم أن الابتلاء بالضر له مقاصد كثيرة وحكم جليلة ، فمن مقاصده سبحانه من ابتلاء عبده بالضر بعد نزع الرحمة منه أن يباهي بعباده ملائكته في صبرهم على قضائه ورضاهم به وحمدهم لله على كل حال ، كما في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)[10]
كذا من مقاصده سبحانه من أن يبتلي عباده أن يُرِيهم لملائكته كيف أنهم شاكرين على نعمائه صابرين على بلائه ، لا يفارقون عبادته على أية حال ، وذلك هو حال المؤمن دوما ، بين الشكر والصبر ، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله r "يتعاقبون فيكم إذا كانت صلاة الفجر نزلت ملائكة النهار فشهدت معكم الصلاة جميعا وصعدت ملائكة الليل ومكثت معكم ملائكة النهار فيسألهم ربهم وهو أعلم ما تركتم عبادي يصنعون فيقولون جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون" ، فإذا كان صلاة العصر نزلت ملائكة الليل فشهدوا معكم الصلاة جميعا ثم صعدت ملائكة النهار ومكثت معكم ملائكة الليل قال فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم فيقول ما تركتم عبادي يصنعون قال فيقولون جئنا وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون], قال فحسبت أنهم يقولون فاغفر لهم يوم الدين"[11]، فلم يشغلهم بلاء أو مصيبة عن الصلاة .
وهكذا تتجلى حكمة الله تعالى من تنوع الابتلاء حتى يعلم العبد أن له ربا هو رازقه ، وهو حاميه من المصائب ومنجيه ، فيضطر لأن يلجأ لربه ، لا لغيره ، وهو يعلم أن الله أرحم الراحين ، وأنه مهما اشتد بلاؤه فلم يجد أرحم من الله عليه ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ r سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ r أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)[12].
قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (10) كقوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ) [فصلت : 50] ، فمن عادة الإنسان أن يفرح حينما تزول عنه الغمة ، وهذا الفرح طبيعي لا شية فيه ، لكن أن ينضم لهذا الفرح فخر بتجاوز المحنة فهذا من غرور الإنسان ، وعدم الشكر لربه ، إذ لولا أن الله تعالى أزال عنه الضر لما انفك عنه ، وقد أراد الله تعالى أن يبتليه بهذا الضر كي يصبر ، فالصبر نصف الإيمان ، فإذا تجاوز المحنة صار واجب الوقت عليه هو الشكر ، وهو النصف الآخر من الإيمان ، فالإيمان نصفه صبر ونصفه شكر ، لكنه تفاخر بالنعم ونسي شكر المنعم ، فيكون نسيان الشكر في هذا الحال نوع من الكفر ، لأنه أغتر بالنعمة ، ونسي أن الله هو الذي أنعم بها عليه ، يقول ابن عاشور (فلا يتفكر في وجود خالق الأسباب وناقل الأحوال، والمخالف بين أسبابها) [13].
قوله (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (هود/11) استثناء من هاتين الصورتين المذمومتين ، وهو حال المؤمن ، لا حال من يكفر بعد اليأس من ضر أصابه ، أو يفرخ ويتفاخر بالنعمة دون أن يشكر الله عليها ، فمحل الاستثناء من صبر وعمل صالحا ، وهؤلاء يقلبون بصبرهم المحن إلى منح ، فعن عبد الله (الصبر نصف الإيمان) [14]، فيزدادون نعمة حتى وإن كان في ظاهرها مصيبة ، فتكون الزيادة في النعم وسيلة لمزيد من الشكر ، فجمعوا بين الصبر والشكر .
وأصحاب هذا الحال يتقلبون بين المغفرة والأجر الكبير ، فعن النبي r قال (ما رزق عبد خيرا له ولا أوسع من الصبر)[15] ، وفي رواية قال رسول الله r (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ)[16] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ r قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ)[17] .
المسألة الثالثة : تكذيب أهل الدنيا بالنبي r جعله في حيرة من أمره في ترتيب أولويات البلاغ
قال تعالى (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (12)
قوله (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ..) (هود/12) فلم يكن رسول الله ليترك شيئا مما أنزله عليه ربه ويمتنع عن بلاغه لقومه ، ولكنها الحيرة التي أصابته في ترتيب أولويات البلاغ ، وفي ذلك تصوير للحالة النفسية والحيرة الشديدة التي أصابت النبي r وهو يريد أن يبلغهم ما أُنزل عليه من ربه جملة واحدة ، في الوقت الذي يرى أن قومه يكذبونه ويفترون عليه ، بل ويعايرونه بأنه ليس ملكا وليس صاحب مال حتى يستميلهم بنفوذه أو ثروته ، فكان يتحير في ترتيب أولويات البلاغ ، وتحديد أنجع سبل إيصال الدعوة لهذه الأفئدة وقد غُلفت بحب الدنيا واشرأبت لها .
ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ) ، وذكر بعده قول النبي r لعائشة (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ)[18] ، وَعن عَلِيٌّ (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)[19].
وقد ترك النبي r كثير من الأحكام الشرعية لم يلزم بها حديثي عهد بإيمان حتى يستقر في قلوبهم ، عَنْ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ قَالَ اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ r أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا)[20]
وعَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ-من قبيلة ليث- ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ r فَأَسْلَمَ عَلَى أَنْ لا يُصَلِّيَ إِلا صَلاتَيْنِ ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ)[21]، وفي رواية (صلاة واحدة)
بل إنه r قبل إسلام الكاره ، لغلبة حبه للإسلام على كرهه ، على أمل أن يصح إسلامه فيما بعد ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلِمْ قَالَ (أَجِدُنِي كَارِهًا) قَالَ (أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا)[22]
وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها[23]
قوله (..إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (هود/12) وقد علمه الله سبحانه كيف يجمع شتات أمره فيما يجب أن يبلغه لقومه ، فجعل من أولويات البلاغ عن الله أن ينذرهم عذابه ، ويرشدهم إلي طرق نجاته ، وفي ذات الوقت يظل متوكلا على ربه ، فلا يهتم لنتيجة بلاغه ، وقد أوكل بركة دعوته على الله سبحانه .
وقد ثبت أن النبي r ترك البشارة لأمته بثواب الموحدين مخافة أن يتكلوا ، وأكثر من النذارة من الشرك مخافة أن يركنوا إلى الأسباب ثم حياة الدعة ويتركوا العمل ، فعَنْ أَنَس بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ r وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ يَا مُعَاذُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ "إِذًا يَتَّكِلُوا" ، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا)[24] .
قال الثعالبي (سَببُ هذه الآية : أَنَّ كفَّار قريش قالوا : يا محمَّد ، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا ، وتسفيه آبائنا ، لَجَالَسْناك واتبعناك ، وقالوا له : ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله ، ونحو هذا من الأقوال ، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة ، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها ، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك ، فَزُجِرَ عنه ، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه ، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به ، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان)[25].
المسألة الرابعة : تكذيب أهل الدنيا بالقرآن
قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (14)
قوله (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) (هود/13) زادوا في الطعن في الدين مطعنا آخر ، فبعد فرغوا من شبهة الطعن في الرسول ، فطعنوا في الكتاب الذي أوحي إليه ، وزعموا أنه مفترى أي من اختراع البشر وليس وحي من الله ، فتحداهم الله أن يأتوا بشيء مثله .
قوله (قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود/13) فاء الرد من الله سبحانه على هذه الشبهة بتحديهم أن يأتوا بمثله ، فالتقليد هو من عادة البشر ، والذي يعجز الناس عن تقليده هو المعجزة التي ليس لها مثيل ، ولذلك قال ابن جزي (تحداهم أولاً بعشر سور فلما بان عجزهم تحداهم بسورة واحدة فقال : فأتوا بسورة من مثله ، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه)[26] ، والعلماء توصلوا إلى أن وجه المماثلة المطلوبة أشمل من ذلك ، فقد استبان أن القرآن الكريم أعجز البشر في منهجه باعتباره المنهج الأصلح لحياتهم وواقعهم ، فما من مشكلة إنسانية إلا وقد استبان أن القرآن الكريم قد وضع علاجا لها ، ولكن البشر ضلوا عن ذلك .
ولعل القصد من تحديهم بعشر سور هو حثهم على قراءة أكبر قدر من القرآن وتدبر معانيه ، والتأمل في نظمه وإعجازه وفصحاته وعلومه ، كما أن الطلب يتضمن أن يستعينوا بخبرائهم وعلمائهم في كافة التخصصات في مقارعة القرآن ، وذلك بقصد استهداف أن يجمعوا أكبر عدد من العلماء ليشهدوا بأنفسهم على إعجازه .
قوله تعالى (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (هود/14) أي إذا لم يستجيبوا للإسلام بعدما عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، فذلك وإن كان ردا لشبهة أنه مفترى على الله ، لكنه ليس –وحده - بكاف لإقناعهم بصلاحه لهم ، بل عليهم أن ينتبهوا إلى ما في القرآن الكريم من أحكام مثل الدرر ومواعظ غنية ، لأن ما فيه مشتمل على علم الله الخبير بما صنع ، ليستخرج منه العلماء اللآلئ ويظهرونها للناس .
قال ابن القيم (والمعنى أنزله مشتملا على علمه فنزوله مشتملا على علمه هو آية)[27]، قال الشوكاني (ومعنى "أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله" أنه أنزل متلبساً بعلم الله المختص به ، .... ، لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر)[28] ، وفي ذلك دليل على أن إعجازه اشتمل على ما يصلح للبشر بحسب أحوالهم ومعاشهم ، فهو وحده العالم بهم وهو سبحانه الذي يُنزِّل لهم ما يصلح شئونهم ، قال سبحانه (لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا) (النساء/166) ، فالقرآن كتاب الله المشتمل على علم الله تعالى ، ويترتب على ذلك التسليم لأحكامه والاعتبار بقصصه والتدبر لمعانيه ، والانقياد لأوامره ، والتعظيم لحروفه وكلماته وجمله ونظمه ، فهو كلام الله المشتمل على علمه سبحانه ، فلا يجادل في علمه الواسع أحد ، ولا يباريه علم المخلوقين .
قوله (..وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (هود/14) أي باليقين أن القرآن مشتمل على علم الله الذي أنزله لخلقه يتحقق معنى توحيد الألوهية ، ففيه تحضيض لقبول الإسلام بهذا المعنى، كما في قوله (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان/6) ، وعلة جعل الخطاب للمسلمين رغم أن المقصود به على وجه الخصوص الذين لا يستجيبون لدعوة الإسلام هو تثبيت المسلمين على الحق ، فلا يزلزلهم تكذيب الكفار به ، ولا يربكهم تلكؤ الناس عن الإيمان به ، فليمضوا في طريق الحق وليعلموا أنه سوف يأت يوم يتبعهم الناس في هذا الطريق ، طالما استمسكوا هم به ولم يحيدوا عنه ، كما حصل في فتح مكة .
قال الزمخشري (من جعل الخطاب للمسلمين فمعناه : فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه ، وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد)[29] ، فمن أقوى دعائم الدعوة الإسلامية أن يرسخ الإيمان به في قلب النبي r وأصحابه ، فكلما قوي إيمان الصحابة ومن تبعهم كلما كانوا أقدر على تبليغ الدعوة ، لعل الله يشرح صدور الناس به ، ودون حاجة لأن يلتفتوا المبلغين عن الله لعدد متبعيهم ، ووقت حصول هذه الاستجابة .
المسألة الخامسة : حال أهل الدنيا بخلاف أهل الآخرة في الدارين وعلى النقيض تماما
قال تعالى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (16)
إذ لا ينبغي التجرد للدنيا ، ولا ينبغي الانشغال بها عن طلب الآخرة ، ويكفي للعبد أن لا ينسى نصيبه منها ، أما من كان عبدا للدنيا ، فإنه ولا شك ليس له نصيب من الآخرة ، ومن انشغل بشيء من الدنيا عن طلب الآخرة فإنه ينقص نصيبه من الآخرة بقدر انشغاله بمتاع الدنيا ، ولذلك قال النبي r (مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى)[30]،
فقوله (من أحب ديناه أضر بآخرته) لأن حبها يشغله عن تفريغ قلبه لحب ربه ولسانه لذكره (ومن أحب آخرته أضر بدنياه) فهما ككفتي ميزان فإذا رجحت إحدى الكفتين خفت الأخرى ، وقوله (فآثروا ما يبقى على ما يفنى) ومن أحبها صيرها غايته)[31].
وقال المناوي (فإن راعى دنياه أضر بآخرته وإن راعى آخرته أضر بأمر دنياه إذ هما ضرتان فاهتمامه بأموره الدنيوية بحيث لا يخل بشئ من المطلوبات الأخروية صعب عسير إلا على من سهله الله عليه ولا يعارضه الأخبار الواردة بذم الدنيا ولعنها وإن الدراهم والدنانير مهلكة لأن الكلام هنا في الاهتمام لما لابد منه في مؤنة نفسه ومن يعوله ، وذلك محبوب بل واجب فهو في الحقيقة من أمر الآخرة)[32]
وقوله (من أحب دنياه أضر بآخرته) لأن من أحب دنياه عمل في كسب شهوتها وأكب على معاصيه فلم يتفرغ لعمل الآخرة فأضر بنفسه في آخرته ومن نظر إلى فناء الدنيا وحساب حلالها وعذاب حرامها وشاهد بنور إيمانه جمال الآخرة أضر بنفسه في دنياه يحمل مشقة العبادات وتجنب الشهوات فصبر قليلا وتنعم طويلا ، ولأن من أحب دنياه شغلته عن تفريغ قلبه لحب ربه ولسانه لذكره فتضر آخرته ولا بد كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا ولا بد كما قال (ومن أحب آخرته أضر بدنياه) أي هما ككفتي الميزان فإذا رجحت إحدى الكفتين حفت الأخرى وعكسه وهما كالمشرق والمغرب ، ومحال أن يظفر سالك طريق الشرق بما يوجد في الغرب وهما كالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، فالجمع بين كمال الاستئصال في الدنيا والدين لا يكاد يقع إلا لمن سخره الله لتبديل خلقه في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء ، أما غيرهم فإذا شغلت قلوبهم بالدنيا انصرفت عن الآخرة وذلك أن حب الدنيا سبب لشغله بها والانهماك فيها وهو سبب للشغل عن الآخرة فتخلو عن الطاعة فيفوت )[33].
قوله (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) (هود/15) بوب البخاري بابا بعنوان هذه الآية وأورد تحته حديثا عن أبي ذر قال رسول الله r (إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَخ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا)[34] ، قال ابن بطال (هذا الحديث يدل على أن كثرة المال تئول بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة ، إذا لم ينفقه فى طاعة الله ، فإن أنفقه فى طاعة الله كان غنيًا من الحسنات يوم القيامة)[35] ، (وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا أن يستغني ويتكبر ويعرض عن طاعة الله، لأن الدنيا تلهيه فيكون مكثرا في الدنيا مقلا في الآخرة)[36] .
فالاستثناء الوارد بالحديث فهو للذي (ضَرَب يَدَيه فيه بالعَطاء)[37]، أي أعطي كل ماله ثم ضرب كفيه كناية عن أنه لم يبق شيئا إلا وقد أنفقه ، فهذا هو المكثر وليس بمقل ، حيث تزيد حسناته بالإنفاق كلما كثر ماله .
ولفظ (نفخ) الوارد بالحديث يدل علي سهولة الإنفاق في سبيل الله تعالى .
ولفظ (يمينه وشماله وبين يديه ووراء) كناية عن تعدد جهة الإنفاق في سبيل الله دون اكتراث لأن يقل المال ، وتنوع العطاء على كل صورة .
وقوله (وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا) يدل علي أن من صور العطاء كذلك تنمية المال لأجل الإنفاق منه في سبيل الله ، فيكون إنفاقا مضاعفا .
قوله (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (هود/16) ذلك أنهم أُطعموا بحسناتهم في الدنيا متاعا ، فوفيت أجورهم في الدنيا من أعمال الخير التي لم تصل لله ، فلم يبق شيئا يجازون عليه خيرا في الآخرة ، وحبط كل عمل صنعوه في الدنيا من أعمال الخير والبر ، وبطل ثوابه ، كما في قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور 39) ، وقوله (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) (لقمان 24)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)[38]، أي (بما فعله متقربا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية كصلة الرحم والصدقة والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها)[39].
المسألة السادسة : مقارنة بين تصديق أهل الكتاب النبي r ، وتحزب المكذبين ضد الدعوة الإسلامية
قال تعالى (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) (هود 17)
فقوله (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ..) ذكر ابن عجيبة أن في الآية تقدير بمعنى (أفمن كان على بينة من ربه ،أفمن كان على معرفة من ربه ، وولاية وسلامة وكرامة ، ..حتى برز من وجهه نور الله الساطع ، ويراه كل صاحب نظر ، كمن هو في الضلالة والجهالة؟)[40].
وفي ذلك إشارة إلى حال المتوكل على ربه في طريق دعوته ، الذي ألقى الحمل كله على الله ، وهو واثق في ربه ، بل هو على بينة من أمر ربه ، فقد حاز ما يكفي من الدلائل على الله ، فهو يعلم أن الأمر كله راجع إليه ، وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وليس عليه بعد ذلك شيء ، فلا يرى إعراض الناس عنه بشيء ، وقد أدى ما عليه من واجب الدعوة ، ولا يرى أنه قد قصر في شيء طالما أنه مكلف بالبلاغ وحسب ، فلا ينتظر نتيجة جهده ، وقد أمره الله تعالى بتفويض النتائج إليه سبحانه ، فالله سبحانه هو الذي يهدي من يشاء .
ومعنى البينة : (البرهان العقلي والأمر الجلي) ، قال ابن جزي (والمراد بمن كان على بينة من ربه : النبي r والمؤمنون لقوله بعد ذلك (أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، فالبينة هي ذلك الشعور القلبي الذي يستقر في قلب المؤمن على أن أمر معين هو الحق ، مهما خالفه الناس جميعا فإنه موقن بأنه على الحق لأنه رأي نور الله وهدى الله ، فكيف به بعد ذلك أن يثق في غير الله.
قال أهل الإشارة : (لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران :-
أولهما : التوبة النصوح
والثاني : الزهد التام . فإذا تحقق فيه الأمران كان بينة من ربه .
وهي درجات:-
أولها : بينة ناشئة عن صحيح النظر ولاعتبار ، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية ، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب ، وهم : أهل الدليل والبرهان .
وثانيها : بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات ، .. فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان)[41].
قوله (..وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ..) قال الأصفهاني ("تلى": أي تبعه متابعة ليس بينهم ما ليس منها ، وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم ، فقوله (ويتلوه شاهد منه) أي يقتدى به ويعمل بموجبه ، والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراءة ، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهى وترغيب وترهيب) .
وقال ابن جزي (الضمير في " وَيَتْلُوهُ" للبرهان ، وهو البينة ولمن كان على بينة من ربه ، والضمير في "منه" للرب تعالى ، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه ، والشاهد : يريد به القرآن ، فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن ، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته)[42].
أي يتلو هذا القرآن ويتبعه ، والمقصود بذلك النبي r فهو أول من تلاه واتبعه ، كما في قوله (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزمر 12) ، وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: " وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ " يَعْنِي"مُحَمَّدًا r شَاهِدًا مِنَ اللَّهِ"[43]، وقد جعله الله بعقيدته الراسخة وعبادته المخلصة وأخلاقه الحسنه شاهدًا على صحة القرآن الذي أنزل إليه ، فقد كان خلقه r القرآن ، كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها أخ، ، فقد روي عن سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أنه سأل أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَتْ (أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ r كَانَ الْقُرْآنَ)[44].
فالدليل على أن هذا الكتاب من عند الله تعالى ، وهو اتباع النبي r لمنهج القرآن ، وكأنه قرآن يمشي على الأرض ، فإذا كان سلوك النبي r وأخلاقه هي أخلاق القرآن ، فإنه بأخلاقه تلك شاهد على صحة ما في القرآن الكريم وأنه منزل من عند الله ، وقد مدحه قومه لحسن خلقه .
قال مفتي الديار سيد طنطاوي (القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه r ليكون معجزة له شاهدة بصدقه ، والضمير فى قوله (من ربه) يعود إلى النبى r وفى قوله (وَيَتْلُوهُ) يعود إلى القرآن الكريم ، وفى قوله (منه) يعود إلى الله - تعالى - ، وعلى هذا القول يكون المعنى : (أفمن كان على حجة واضحة من عند ربه تهديه إلى الحق والصواب فى كل أقواله وأفعاله ، وهو هذا الرسول الكريم وأتباعه ويؤيده ويقويه فى دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن الكريم المعجز لسائر البشر . .أفمن كان هذا شأنه كمن ليس كذلك؟)[45]
والمعنى المراد إيصاله أن النبي كان -دوما- شاهدًا على تنزيل الكتاب ، وكان الكتاب -دوما-شاهدا على صدق النبي r ، فإذا قامت الحجة على الناس في أحدهما تبع ذلك لزوما ومنطقا أن تقام عليهم ذات الحجة في الثانية ، أي أنه إذا كنت على بينة من أخلاقه وصدقه ، فتلك حجة عليكم أن تؤمنوا بما جاء به من عند الله من كتاب .
قوله (وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً) أي كما أن موسى عليه السلام عُرف بالنبوة قبل الكتاب ، فإنكم يا أهل مكة وما حولها قد عرفتم النبي r وأمنتموه على أموالكم وتجارتكم ، كيف - بعد ذلك - لا تستجيبون له في أمر دعوته لكم إلى الإسلام
قوله (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) إشارة إلى أهل الحق ، وما يتميزون به ليكونوا علامة لغيرهم على طريق الحق ، والمقصود بالخطاب هنا أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون حول أكناف بيت الله الحرام ، وما حوله ولا يزالون على الحق ، وقد آمنوا بمحمد r بعد ذلك مثل عبد الله بن سلام ، قال القرطبي (الإشارة إلى بني إسرائيل، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك)[46]، قال مقاتل بن يسار (يعنى أهل التوراة يصدقون بالقرآن)[47] كقوله : (والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ) [ الرعد : 36 ] .
وهكذا يتحقق الإيمان بالقرآن من حيث يتحقق اليقين الاعتقادي والاتباع المنهجي والتطبيق العملي لكل أحكامه ، قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (البقرة/121) ، فربط الإيمان به بتلاوته حق تلاوته أي بتطبيق أحكامه واتباع شرعه .
وفي قوله (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فالنار موعده) قال قتادة (الكفار أحزاب كلهم على الكفر)[48] ، قال ابن عاشور هذه الجملة عطف على قوله (أفمن كان على بينة من ربه) ، فلما حرض أهل مكة على الإسلام بقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود: 14]، وأراهم القدوة بقوله: (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، عاد فحذر من الكفر بالقرآن بهذه الآية)[49].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله r (ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار) ،فجعلت أقول أين تصديقها في كتاب الله وجدت هذه الآية (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) قال (الأحزاب الملل كلها)[50] ، وفي ذلك دليل على من قال أن الكفر كله ملة واحدة في حرب الإسلام والمسلمين ، فقد وصف الله الكافرين بالأحزاب لأنهم يتحزبون معا لمواجهة الإسلام ، كما قال الله تعالى (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) (البقرة217).
قوله (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه) (الخطاب للنبي r والمراد به جميع المكلفين )[51] ، أي (فلا تكن في مرية مما وعدك الله به من النصر على أعدائك)[52]، فذلك حاصل ولا شك ، ولا يستبطئ المسلمون قدوم النصر ، فهو قادم لا محالة ، وليكونوا على الدرب المستقيم حتى يأتيهم اليقين .
قال صاحب الظلال (وما شك رسول الله r فيما أوحي إليه ، ولا امترى وهو على بينة من ربه ، ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد هذه الدلائل والشواهد يشي بما كان يخالج نفس رسول الله r من ضيق وتعب ووحشة من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين ، تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت ، كذلك ما كان يخالج قلوب القلة المسلمة من ضيق وكرب يحتاج إلى برد اليقين يتنزل عليهم من ربهم الرحيم)[53].
قوله (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) هذا هو شأن المتجرد في طريق الدعوة ، فهو لا ينتظر أن يتبعه أحد ، بل هو ماض في طريق دعوته وإن كان يأمل أن يتبعه الناس
وأهل الحق يعلمون أنهم على الحق ولو كثر مخالفيهم ، لأنهم يعلمون أن قضاء الله وقدره أن يتبعهم أقل الناس وليس أكثرهم ،ونظير ذلك قوله (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف103]، وقوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ) [الأنعام 116]، وقوله (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) [الصافات71] .
المسألة السابعة : الظالمون يفترون ويصدون لكنهم لا يعجزون
قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (20) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (21) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22)
قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا..) (هود/18) إشارة إلى طريقة الكافرين في الصد عن سبيل الله تعالى ، وصرف الناس عن دين الإسلام ، حيث يعمدون إلى اختراع طريقة مبتكرة لدين جديد يضاهي دين الإسلام في ظنهم ، يجمع ما استحسنته أمزجتهم من دين الإسلام ويتركون ما لم تستحسنه أهواءهم ، فيفترون على الله تعالى دينا مخترعا ، لينصرف الناس عن الاهتمام بالدين الحق ، ولذلك عدهم الله تعالى أنهم أظلم الظالمين ، لأنهم بهذه الخطة الخبيثة يصدون عن سبيل الله ، ويلبسون الحق بالباطل .
قوله (..أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود/18) أي أن أولئك الآفاكون يفضحهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، فعَنْ النَّبِيَّ r يَقُولُ يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أَعْرِفُ يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فَيَقُولُ سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ أَوْ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [54] .
قوله (..أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) قال ابن بطال (ولعنة الله الإبعاد من رحمته ، والظلم محرم فى كل أمة ، وقد جاء فى الحديث : (أن دعوة المظلوم لا ترد ، وإن كانت من كافر) ، ومعنى ذلك أن الله تعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن ، وأخبر تعالى أنه لا يظلم الناس شيئًا ، فدخل فى عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر)[55].
ولذلك قيل أن هذه الآية نزلت في مدعي النبوة مثل (مسيلمة الحنفي[56] والأسود العنسي[57])[58]، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ)[59].
قال ابن حجر (تأول السوارين عليهما لوضعهما في غير موضعهما ، لأنه ليس من حلية الرجال ، وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه ، وفي كونهما من ذهب إشعار بذهاب أمرهما)[60] .
قال ابن بطال (النفخ فى المنام إزالة الشىء المنفوخ فيه ، وإهاب له بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ ، والنفخ دليل على الكلام ، وكذلك أهلك الله الكذابَين صاحب صنعاء واليمامة بكلامه عليه السلام ، وأمر بقتليهما)[61]
قوله (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (هود/19) أي أن ما سلف ذكره من أخلاقهم الذميمة –والتي منها الظلم والافتراء على الله- يتمحض إلى صد عن سبيل الإسلام ، ودعوة إلى الاعوجاج عن الصراط المستقيم ، وتحريض علي إنكار الحياة الآخرة ، الأمر الذي يستتبعه تحول الناس عن الإسلام والانشغال بالحياة الدنيا بطريقة نفعية محضة ، أي بطريقة انتهازية حتى يؤول الأمر إلى ظلم وبغي على حقوق الناس ، وتلك هي النتيجة الحتمية للكفر بالآخرة .
ففي قوله (..وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ..) (19) قال الجزائري أي (أنهم يريدون من الاسلام أن يوافقهم في أهوائهم وما يشتهون حتى يقبلوه ويرضوا به دنيا)[62]، وذلك حال أهل الكتاب على وجه الخصوص ، وهم الذين ذمهم الله بأنهم يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، وهم هم الذين يلبسون الحق بالباطل ، قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (آل عمران 99)
قوله (..وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (هود/19) معلوم أن الكافر يكفر بالله وبرسله وبكتابه وبالقدر خيره وشره لكن ذكره هنا بأنه كافر بالآخرة وتكرار الضمير (هم) للتأكيد على هذا المعنى ، وقصر الكفر بالآخرة على الكافرين ، لاختصاصهم به[63] ، أي إنهم هم الكافرون حقا ، وفي ذلك إشارة إلى أن الذين يريدون الاعوجاج عن منهج الله هم الذين يكفرون بالآخرة ، وهم هم الذين لا يرجون لقاء الله ، وهم الذين لا يرجون حسابا .
قوله (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) (هود/20) نفي أن يكون قد مضي زمن أعجزوا الله هربا من قضائه أو فرارا من عذابه ، أي أنهم لم يكونوا يوما معجزين الله في الأرض ، ولكن الله يترك الظالم حتى يملي له ، لكن إذا أخذه لم يفلته ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)[64] ، قال العلماء (والنفي على التأبيد)[65] .
قوله (..وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء..)(20) وذلك كقوله (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (الشورى 8) ، أي أن جميع أسباب الاستقواء ووسائل التمكين وكل الأصحاب الموالين والأتباع الناصرين ليس لهم نفع يوم القيامة ، وذلك حال العرض على الله الخالق الجبار ، ما لم تكن هذه الولاية لأجل مرضاة الله سبحانه ، ولذلك يقول تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الشورى 9)
والولاية لا تكون إلا لله ، ومن يوالي غير الله يقطع صلته بالله ، فلا تجتمع مع ولاية الله ولاية غيره ، قال تعالى (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً) [النساء: 119].
قوله (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) قال الشنقيطي في سبب التضعيف أنهم ( يعذبون على ضلالهم وعلى إضلالهم)[66]، قال تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل/88].
قوله (مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) أي (القبول والعمل به، لأنه مسبب عن السمع، فهنا أراد أنهم لفرط تصامّهم عن استماع الحق وكراهتهم له كأنهم لا يستطيعون السمع ، لأنهم لو سمعوا ووعوا لاهتدوا، لأن الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها ، فسماعه كاف في حصول الاهتداء) [67] , وفي ذلك تعليل لتضعيف العذاب بهم ، ذلك أن الله أعطاهم نعمه ولكنهم جحدوا بها فلم يستعملوها كما أراد الله ، وعطلوا أجهزة الاستقبال
قال الواحدي (فكانوا صُمَّاً عن الحقِّ فلا يسمعونه ، وعمياً عنه فلا يبصرونه ، ولا يهتدون)[68] ، قال ابن تيمية (عدم هذه الإستطاعة كان بتفريط وعدوان –الكافر- ..) ومن هذا قوله سبحانه (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) ( الأنعام 11) وقال تعالى (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون )(البقرة 88) وقال (وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (النساء 155)[69].
يعني أنهم عطلوا آلة السمع عن سماع الآيات والمواعظ وآلة النظر عن رؤية الآيات الكونية وإبصار مصارع الغابرين والاعتبار بها ، فكان حالهم كالعمي والصم ، لا يهتدون ، قال سبحانه (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ)[الأحقاف/26] ، وقال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/179) ، فذمهم الله تعالى وقال (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج 46)
قال الشنقيطي (والظاهر أن عدم الاستطاعة المذكور في الآية إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) [البقرة/7] ، وقوله (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً)، ونحو ذلك من الآيات ، وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم على مبادرتهم إلى الكفر ، والاسترسال في أسبابه .
قال رسول الله r (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)[70]
قوله (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (هود 21) خسروا أنفسهم إذ باعوها للشيطان ،ولم يبيعوها لله ، والله اشترى ، ولكنهم عقدوا صفقتهم مع الشيطان ، قال رسول الله r (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)[71]، قال النووي (فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أى يهلكها)[72] ، وقال القاضي أبو الفضل عياض أي (من باعها من الله أعتقها ومن باعها من غيره أوبقها)[73]، قال المباركفوري (فهو بائع أي باذل نفسه، فمن بذلها في طاعة الله فهو معتقها، ومن بذلها في هوى نفسه فهو مهلكها)[74]
وخسارة النفس تعني أنهم (بَخَسُوهَا حُظُوظَهَا ، وَصَرَفُوا أَعْمَارَهُمْ فِيمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى العَذَابِ)[75] ، واستتبع ذلك الخسارة ضلال سعيهم في الدنيا والآخرة .
قوله (..وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (هود 21) تصوير لمشهد انهيار الآمال الزائفة ؛ فبدلا من أن تنجدهم آلهتهم المزعومة، تلاشت وكأنها لم تكن، مما يضاعف حسرتهم وعذابهم النفسي ، فالتعبير بكلمة "ضلّ" يوحي بالضيّاع والغياب التام وقت الحاجة ، وهكذا تخيب آمالهم فيمن كانوا يستمسكون به ويدعونه من دون الله ، ووصف آلهتهم الباطلة بـ "الافتراء" يبين أنهم كانوا ينسبون لها زورا ما لا يحق لها من التقديس والتعظيم ،وكان الواجب عليهم أن يعظموا ربهم ، ويوقروه .
قوله (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) (هود/22) حيث يستتبع خسارة أنفسهم وضلال سعيهم في الحياة الدنيا أن يحصل لهم خسران آخر في الآخرة ، قال تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر/15) .
كأن المعنى حقيق على هؤلاء أن يكونوا هم الأخسرون في الآخرة ، ولابد أن يحصل ذلك[76] ، ذكر ابن الأنباري أن «لا» رد على أهل الكفر فيما قدَّروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة ، والمعنى : (لا يندفع عنهم عذابي –بل يحق بهم- ، ولا يجدون ولياً يصرف عنهم نقمتي)[77].
المسألة الثامنة : حال المؤمنين المخبتين بخلاف غيرهم
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (24)
قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (هود/23) القرآن يعقد مقارنة –كعادته- بين فريقين ، فإذا ذكر مصير الكافرين تبعه ذكر مصير المؤمنين ، فذكر هنا فريق المؤمنين بصفة "الإخبات" أي الذين اطمأنوا إلى ربهم ، واستجابوا لأوامره بالكلية حتى أضحت التكاليف الشرعية عاداتهم التي استراحوا بها ، قال الألوسي (وأصل الإخبات نزول الخبت ، وهو المنخفض من الأرض ، ثم أطلق على اطمئنان النفس والخشوع تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه)[78] ، أي الذين تطامنوا وخشعوا لربهم بطاعته وخشيته ، قال الزمخشري (أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة)[79].
قال ابن القيم (والإخبات جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر) [80]، ولذلك فإن مقام الإخبات هو مقام الموحدين بالله تعالى ، الذين صحت عقيدتهم على التوحيد وعبادتهم على الإخلاص ، قال تعالى (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الحج 35)
وقد كان النبي r حريصا في دعائه أن ينال مقام المخبتين ، فعن بن عباس قال : سمعت النبي r يدعو بهذا (رب أعني ولا تعن علي ، وانصرني ولا تنصر علي ، وامكر لي ولا تمكر علي ، ويسر لي الهدى ، وانصرني على من بغى علي ، رب اجعلني شكارا لك ذكارا راهبا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا ، تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي) [81].
ويشرح الشيخ خالد السبت معنى الإخبات بصورة عملية فيقول أن (ينصرف قلب الإنسان عن الأمور المشينة ولا يلتفت إليها ، ويتذكر مباشرة عظمة الله وجلال الله ورقابة الله، فلا تتحرك نفسه للمعصية أو الوقوع في الريبة والدخول في أمور وطرائق ليس له أن يدخل فيها.. 'حرست قلبي عشرين سنة وحرسني عشرين سنة ثم وردت عليّ وعليه حالة صرنا محروسين جميعاً' معنى هذا الكلام : أنه كان في مكابدة في عشرين سنة حتى استقام قلبه ، فحرسه عشرين سنة، ثم مرت عليه أحوال صار قلبه محروساً، وصارت جوارحه محروسة حينما تروضت على طاعة الله عز وجل، فالعين لا تنظر إلا إلى ما يرضي الله، وصار السمع المحرم الذي يعشقه كثير من الناس وتميل إليه قلوبهم صار قلبه ينفر منه وصارت أذنه تمجه لا يجد له لذة وحلاوة يجدها أولئك الذين مرضت قلوبهم ولهذا إذا أردت أن تربي نفسك فعليك أن تحرس قلبك أولاً ثم يحرسك هذا القلب ثم تكون بعد ذلك محروساً معها، لا يكفي أن نعلم الناس بعض الأمور الظاهرة لا يكفي أن تعلمهم بعض الآداب- مع أنها مطلوبة- بل لابد أيضا أن نربي القلوب على الإخبات والخوف والمحبة والخشية والمجاهدة والصبر واليقين وما إلى ذلك من المعاني )[82]
قوله (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (هود/24) ذلك أن الذين عطلوا آلاتهم وحواسهم ليس كمن استعملوها واستفادوا منها ، قال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ) (غافر/58) ، فالاختلاف بين الفريقين شديد ، والفوارق بينهما ظاهرة ، ولا مجال للتوسط بينهما ، فإما إبصار وسمع أو عمى وصمم ، وإما النور أو الظلمات ، هكذا لابد وأن يفهم المؤمن الفارق بينه وبين من حاد عن طريقه ، فيتذكر نعمة ربه عليه أن منَّ عليه بنعمة الإيمان .
قال ابن القيم (ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم ، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن ، وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه، فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات ، والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله هل يستويان مثلا) [83] .
[1] ) في هذا المعنى تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2422
[2] ) الوسيط لسيد طنطاوي
[3] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 334
[4] ) لمسات بيانية للدكتور فاضل السمرائي مذاع على قناة الشارقة : 23/12/2009
https://www.youtube.com/watch?v=wUIs15mEC98
[5] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 142 رقم 9775 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص179 رقم 3402
[6] ) رواه مسلم ج13 ص 194 رقم 4853
[7] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 131
[8] ) تفسير الطبري ج15 ص 256
[9] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج2 ص 507 رقم 728 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 146 رقم 147
[10] ) رواه الترمذي ج4 ص 154 رقم 942 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 175
[11] ) رواه ابن حبان ج5 ص 410
[12] ) رواه البخاري ج18 ص 405 رقم 5540
[13] ) التحرير والتنوير ج11 ص 214
[14] ) رواه الطبراني في الكبير : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 178 رقم 3397
[15] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 449 رقم 3552 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 447 رقم 448
[16] ) رواه البخاري ج5 ص 318 رقم 1376
[17] ) رواه الترمذي ج8 ص 421 رقم 2325 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 401
[18] ) رواه البخاري ج1 ص 215 رقم 123
[19] ) رواه البخاري ج1 ص 217 رقم 124
[20] ) رواه أبو داود ج8 ص 261 رقم 2630 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 509
[21] ) الشيباني : الآحاد والمثاني ج2 ص 146
[22] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 28 رقم 1454
[23] ) أبو فرج أحمد ابن رجب الحنبلي : جامع العلوم والحكم ص 84
[24] ) رواه البخاري ج1 ص 218 رقم 125
[25] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 219
[26] ) التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
[27] )التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 308
[28] ) فتح القدير للشوكاني ج3 ص 432
[29] ) الكشاف ج 3 ص 73
[30] ) رواه أحمد ج 32 ص 470 رقم 19697
[31] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 750
[32] ) فيض القدير ج2 ص 7
[33] ) فيض القدير ج6 ص 40
[34] ) رواه البخاري ج20 ص74 رقم 5962
[35] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج10 ص 163
[36] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 533
[37] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 199
[38] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022
[39] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 150
[40] ) البحر المديد ج3 ص 39
[41] ) البحر المديد ج3 ص 38
[42] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 692
[43] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 141
[44] ) رواه مسلم ج4 ص 104 رقم 1233
[45] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2186
[46] ) تفسير القرطبي ج9 ص 17
[47] ) تفسير مقاتل ج2 ص 120
[48] ) الدر المنثور ج5 ص 285 ، تفسير الطبري ج15 ص 280
[49] ) التحرير والتنوير ج11 ص 226
[50] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 372 رقم 3309
[51] ) النكت والعيون للماوردي ج2 ص 192
[52] ) قال الواحدي (من هذا الوعد) ص 336
[53] ) في ظلال القرآن ج4 ص 206
[54] ) رواه البخاري ج14 ص 266 رقم 4317
[55] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج3 ص 548
[56] ) في أواخر عهد النبي محمد r ، ادعى مسيلمة النبوة وكذب على الناس، وكان يتقول أسجاعاً تشبه القرآن الكريم، وكتب للنبي يطالبه بأن يشاركَه في أمر الأرض ويجعل له نصف الأمر، فرد عليه النبي برسالة يرفض فيها باطله ويلقبه بـ "الكذاب"، وحاول مسيلمة تقليد معجزات النبي r ففشل ذريعاً؛ فعندما حاول أن يبارك في ماء بئر أو يشفي مريضاً، جف الماء وفقدت البئر عذوبتها وعمي من مسح على عينيه، مما أثبت لكثير من قومه بطلان دعواه
وبعد وفاة النبي r ، استفحل أمر مسيلمة وتجمع حوله عدد كبير من قومه بني حنيفة، فوجه إليه الخليفة أبو بكر الصديق جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه ودارت معركة شرسة سنة 12 هجرياً عرفت بمعركة اليمامة (أو حديقة الموت)، وانتهت بانتصار المسلمين ومقتل مسيلمة الكذاب على يد وحشي بن حرب رضي الله عنه
[57] ) خرج الأسوَدُ العَنْسيُّ -واسمُه عَبهلةُ بنُ كَعبِ بنِ غَوثٍ- في آخِرِ حياةِ رَسولِ اللهِ r في سَبْعِمائةِ مقاتلٍ، فكَتَب إلى عمَّالِ النَّبيِّ r : أيُّها المتمَرِّدون علينا، أمسِكوا علينا ما أخَذْتُم مِن أرضِنا، ووفِّروا ما جمعتُم؛ فنحن أَولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثمَّ توجَّه مع مقاتِلِيه إلى نجرانَ فأخَذَها، ثمَّ قَصَد صنعاءَ، فخرج إليه شَهرُ بنُ باذامَ فتقاتلا، فغَلَبه الأسوَدُ وقتَلَه وتزوَّج بامرأةِ شَهرِ بنِ باذامَ، وهي ابنةُ عَمِّ فيروز الدَّيلميِّ، واسمُه آزاذُ، وكانت مؤمنةً باللهِ ورَسولِه r ، ومِن الصَّالحاتِ، واحتَلَّ العَنسيُّ صنعاءَ، فذهب معاذُ بنُ جبَلٍ وأبو موسى الأشعريِّ إلى حَضرَموتَ، وانحاز عُمَّالُ رَسولِ الله r إلى الطَّاهِرِ، ورجَعَ عُمَرُ بنُ حرامٍ وخالِدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ إلى المدينةِ، واستوثقَت اليمَنُ للأسودِ العَنسيِّ، وجَعَل أمرُه يستطيرُ استطارةَ الشَّرارةِ، واشتَدَّ مُلكُه، واستغلظ أمرُه، وارتَدَّ خَلقٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، وعامَله المسلمون الذين هناك بالتَّقِيَّةِ فبعث رَسولُ اللهِ r حين بلغَه خَبَرُ الأسودِ العَنسيِّ كِتابَه مع قيسِ بنِ مكشوحٍ يأمرُ فيه المسلمين الذين هناك بمُقاتلةِ العَنْسيِّ ومُصاولتِه، فقام معاذُ بنُ جَبَلٍ بهذا الكتابِ أتمَّ قيامٍ، واتَّفَق معاذُ بنُ جبَلٍ ومَن التَفَّ حولَه مِن أهلِ اليَمَنِ، وقيسُ بنُ عبدِ يغوثَ أميرُ جندِ الأسوَدِ، وفَيروز الدَّيلميُّ؛ على الفتكِ بالأسوَدِ وقَتْلِه، وتعاقدوا عليه، فلمَّا كان الليلُ دَخَلوا عليه البيتَ؛ تقَدَّم إليه فيروز الدَّيلميُّ، وكان الأسوَدُ نائمًا على فراشٍ من حريرٍ، قد غَرِقَ رأسُه في جَسَدِه، وهو سَكْرانُ يَغطُّ، والمرأةُ جالسةٌ عنده، فعاجله وخالَطَه، وهو مِثلُ الجَمَلِ، فأخَذَ رأسَه، فدَقَّ عُنُقَه ووَضَع رُكبتَيه في ظَهْرِه حتى قَتَلَه، وجلس قيسٌ وداذويه وفيروز يأتمرونَ كيف يُعلِمونَ أشياعَهم، فاتَّفَقوا على أنَّه إذا كان الصَّباحُ ينادون بشِعارِهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلمَّا كان الصَّباحُ قام أحَدُهم -وهو قيس- على سُورِ الحِصنِ، فنادى بشِعارِهم، فاجتمع المسلِمون والكافِرون حول الحِصنِ، فنادى قيسٌ: أشهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وأنَّ عَبهلةَ كذَّابٌ، وألقى إليهم رأسَه، فانهزم أصحابُه، وتَبِعَهم النَّاسُ يأخُذونهم ويرصُدونهم في كلِّ طريقٍ يأسِرونَهم، وظهر الإسلامُ وأهلُه، وتراجَعَ نوَّابُ رسولِ اللهِ r إلى أعمالِهم، واتَّفَقوا على معاذِ بنِ جَبَلٍ يصلِّي بالنَّاسِ، وكتبوا بالخَبَرِ إلى رَسولِ الله r ، وكانت مُدَّةُ مُلكِه منذ ظهر إلى أن قُتِلَ ثلاثةُ أشهُرٍ أو أربعةُ أشهرٍ.
https://dorar.net/history/event/6103
[58] ) تفسير النيسابوري ج3 ص 312
[59] ) رواه البخاري ج21 ص 416 رقم 6515
[60] ) فتح الباري لابن حجر ج12 ص 424
[61] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 551
[62] ) أيسر التفاسير ج2 ص 256
[63] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 332
[64] ) رواه البخاري ج14 ص 268 رقم 4318
[65] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان ج2 ص 234
[66] ) أضواء البيان للشنقيطي ج2 ص 175
[67] ) فهد بن عبد الله الحبيشي : ري الظمآن في بيان القرآن ص5
[68] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 337
[69] ) جامع الرسائل ج1 ض 246
[70] ) رواه مسلم ج1 ص 349 رقم 207
[71] ) رواه مسلم ج2 ص 3 رقم 328
[72] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 102
[73] ) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ج1 ص 107
[74] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج2 ص 3
[75] ) علي بن نايف الشحود : الخصال الموجبة لدخول النار ج2 ص 28
[76] ) قال الفراء : «لا جرم» كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، فجرت على ذلك ، وكثر استعمالهم إِياها حتى صارت بمنزلة «حقا» ، قال الزجاج : ومعنى «لا جرم» : «لا» نفي لما ظنوا أنه ينفعهم .
[77] ) ابن الجوزي : زاد المسير ج3 ص 333
[78] ) تفسير الألوسي ج8 ص 206
[79] ) الكشاف ج3 ص 77
[80] ) مدارج السالكين ج1 ص 136
[81] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 232 رقم 665 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 250
[82] ) أعمال القلوب ج1 ص 19
[83] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 479 – إعلام الموقعين ج1 ص 183
-
الاثنين PM 02:29
2026-08-31 - 42



