ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
هل سمعت بقصة حاطب رضي الله عنه
هل سمعت بقصة حاطب رضي الله عنه
الشيخ خالد بن عثمان السبت
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمّا بعد:
فسلامُ الله عليكم ورحمتُه وبركاته.
نواصل الحديث، أيها الأحبة، فيما يتصل بهذا الموضوع الشأن الخطير كما أسلفنا، وذلك بإيراد بعض الأسئلة التي أرجو أن نخلص في آخر هذا الحديث بنتيجة، وهي أن هذا الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها بعض من غُمَّ عليه الأمر.
وأورد هذا الحديث أولًا، المشهور المخرج في الصحيحين، حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد جاء من حديث علي رضي الله تعالى عنه، وفيه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: «ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب. فأخرجته من عقاصها، يعني من ضفائر شعرها، بالغت في إخفائه. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعض أهل العلم قال: هذا في السنة السادسة، في عمرة النبي صلى الله عليه وسلم التي صُدَّ عنها في الحديبية، وبعضهم يقول: كان ذلك في السنة الثامنة في فتح مكة، حيث عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وأطلع نفرًا من أصحابه، فكتب إلى هؤلاء المشركين يخبرهم بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سر عسكري حربي يتعلق بجيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب، ما هذا؟». قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، يعني حليفًا لهم ولم يكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق». فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فأنزل الله عز وجل:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾.
لاحظوا الآن هذا الحديث المشهور: الفعل الذي صدر من حاطب رضي الله عنه ما توصيفه في الشرع؟ هو موالاة للمشركين ومودة لهم، وهو بالاتفاق سبب نزول هذه الآية من سورة الممتحنة، التي تدور حول موضوع الولاء والبراء.
ومع ذلك، فإن الآية صدرت بخطاب المؤمنين: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وحاطب رضي الله عنه منهم، فلم يخرجه فعله من الإيمان. والقاعدة أن سبب النزول قطعي الدخول في العموم، ولا يجوز إخراجه بالاجتهاد.
ثم أيضًا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بكفره، بل لما اعتذر قال: «صدق».
فما المانع من تكفيره بهذا الفعل؟ هل هو شهوده بدرًا؟ الجواب: لا، لأن شهود بدر عمل صالح، ولو وقع الإنسان في الكفر لحبط عمله، كما قال تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. فبقاء عمله دليل على أنه لم يكفر.
فالنتيجة التي نريد الوصول إليها: أن موالاة المشركين لا يُقال إنها مخرجة من الملة بإطلاق، بل هي أنواع: منها ما يكون معصية، ومنها ما يكون كبيرة، ومنها ما يكون كفرًا، لكن لا بد في الحكم بالكفر من تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
فمن الذي يستطيع أن يميز هذه الأمور؟ ومن الذي يستطيع أن يحدد تحقق الشروط وانتفاء الموانع؟ ومن الذي يحكم على الناس بالكفر ثم ينفذ هذا الحكم؟
على أي أساس؟
فقد يأتي من يفكر بنفس الطريقة ويكفرك أنت، ثم ينفذ الحكم عليك! فيتحول الأمر إلى فوضى، كل من اختلف مع غيره حكم عليه بالكفر ثم قتله.
وهذا ليس من دين الله في شيء، ولم يعرف عبر العصور أن علماء الأمة أو طلابهم أو عامة المسلمين كانوا يفعلون ذلك.
أين وجد هذا في الصحابة؟ أو التابعين؟ أو في أي قرن من القرون؟ لا يوجد.
أقول لهذا الشاب: رفقًا بنفسك، هي نفس واحدة، لا تغامر بها. ليس هذا هو الطريق، بل هذا طريق على رأس كل سبيل منه شيطان يدعو إليه.
فإذا رأى في العبد غيرةً دينية دخل عليه من هذا الباب فأهلكه، وهذا الطريق أخطر من غيره.
الإمام الشافعي رحمه الله يقول:
«ليست الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يُحذَّر من المسلمين كفرًا بيّنًا».
وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: قد تحصل للرجل مودة لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرًا، كما حصل لحاطب رضي الله عنه.
فهل أنت أفقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحكم بخلاف حكمه؟
هذه المسائل الدقيقة ليست من شأن عامة الناس، بل من شأن العلماء الراسخين.
تعلم العلم، وتدرج فيه، واعلم أن هذه المسائل من أواخر ما يُبحث، لا من أوائله.
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: إن فعل حاطب نوع موالاة، ومع ذلك لم يُكفَّر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدق»، فدل على أنه لم يخرج من الإيمان.
ويقول شيخ الإسلام: إن التكفير لا يكون بالأمور المحتملة، لأن هذا من التسرع في التكفير.
فبأي حق يُقتل الناس بالظنون والتوهمات؟
قد يكون من تقتله أعظم منك إيمانًا وتقوى.
حتى لو كان فاسقًا، فهل يجوز قتله؟
إن حديث حاطب يدعو إلى التوقف والتريث والتفكير ألف مرة قبل الإقدام على أمر قد يذهب بدنيا الإنسان وآخرته.
أين العقول إن لم يوجد العلم الشرعي؟
بل حتى العقل يدرك ما في هذه الأفعال من المفاسد العظيمة التي لا مصلحة فيها، إلا انكشاف باطل أصحابها.
وكذلك ينكشف المنافقون الذين يستغلون هذه الأحداث للطعن في الدين والعلماء.
وأقول أيضًا: كثير من الكتابات في هذه القضايا ليست على الجادة، حتى من غير هؤلاء، فبعضهم يميل إلى الإرجاء، وبعضهم إلى التشدد، وكل يأخذ من النصوص ما يوافق هواه.
والصواب: جمع النصوص وفهم كلام العلماء كاملًا، لا أخذ جزء وترك جزء.
كما أن كثيرًا من الفتاوى هي في وقائع معينة، فلا يجوز تعميمها.
والفرق كبير بين كلام العالم في التنظير، وكلامه في واقعة بعينها لها ظروفها الخاصة.
لذلك سننظر في هذه النصوص تباعًا، سؤالًا بعد سؤال، حتى يتبين في النهاية أن الأمر ليس كما يتصور هؤلاء الشباب.
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يهدينا جميعًا للحق، وأن يفتح بصائرنا، وأن يعصمنا من الفتن.
وأقول لك أيها الشاب: اجعل لك منبهًا تستيقظ به لصلاة الفجر، وحافظ على الأذكار، واجعل لك وردًا من القرآن، وسلِم الناس من لسانك ويدك، ثم أبشر بخير إن شاء الله.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
-
الثلاثاء PM 04:36
2026-04-21 - 34



