ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
نشأة التشيع و جذوره
نشأة التشيع و جذوره
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد، ففي خطبة الحاجة دائمًا ما نكرر: وكل محدثة بدعة. هذا عموم يعم كل ما أحدث في الدين، وأولى ما وصف بالبدعة ما كان متعلقًا بالعقائد وأصول الإيمان.
ونحن حينما نتتبع جذور رسالة رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن جميعًا نقطع بأنها بدأت يوم نزل الوحي عليه في غار حراء، وأمره جبريل عليه السلام قائلًا: اقرأ باسم ربك الذي خلق، إلى آخره.
وحينما أيضًا نتتبع جذور وأصول وبداية المنهج السلفي، أو منهج أهل السنة والجماعة، أو منهج الفرقة الناجية، فإن من الخطأ الفاحش أن نوجه هذا السؤال إلى أهل السنة والجماعة، بحيث نقول: متى نشأ مذهب أهل السنة والجماعة؟ لا يجوز أبدًا أن يوجه هذا السؤال لأهل السنة والجماعة، لأن وصف الإسلام لا يتعارض إطلاقًا مع الوصف بأن الإنسان من أهل السنة والجماعة، أو أنه سلفي، أو كذا.
لأن العلاقة، كما تقول، العلاقة بين التفاح والفاكهة مثلًا، هل هي علاقة تضارب أم علاقة خاص بعام؟ كذلك مثلًا أنت سكندري ومصري، ما فيش تعارض بين أن يكون مصريًا وأن يكون سكندريًا، هذه تخصيص بعد تعميم. فكذلك العلاقة بين الإسلام وبين الانتماء لأهل السنة والجماعة، لا كما يدندن كثير ممن لا يتحرون صحة كلامهم: هذا تفريق للأمة، ولماذا لا نسمي أنفسنا بالمسلمين؟ فهو ناشئ من عدم إحسان هذه المسألة، وهي أنه لا تعارض إطلاقًا بين كونك مسلمًا وبين كونك سلفيًا أو من أهل السنة والجماعة.
بل كما ذكرنا من قبل أن السلفية هي منهج ملزم لكل مسلم في الواقع، ليس كل الناس، دي قضية أخرى، الفرق وهذه الأشياء. لكن الذي أريد أن أصل إليه هو أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوز أن يسأل عن بدايته، وهو مذهب غير قابل لأن يوجه له هذا السؤال: متى نشأ هذا المذهب؟ لماذا؟ لأنه هو الأصل، هو الامتداد الطبيعي لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لكن الذي يصح أن يوجه له هذا السؤال: متى نشأ مذهب كذا؟ هو المذاهب التي تنسب إلى بشر أو إلى أشخاص، أو أي مذهب من الفرق الأخرى الضالة عن مذهب أهل السنة والجماعة، هي التي يصح أن يوجه لها السؤال: متى نشأت هذه، هذا المذهب؟ متى نشأ؟ متى ظهر؟ على يد من؟ فترى بعضهم ينسب أحيانًا إلى شخص كالجعفرية أو الإسماعيلية، ينسب إلى فكرة كالخوارج، يعني منهج، والقدرية، والمعتزلة، إلى آخره.
فمذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الوحيد الذي لا يصح أبدًا أن يعرض لسؤال أو يوضع على محك: متى نشأ هذا المذهب؟ لأنه بمنتهى البساطة هو نشأ يوم نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه عبارة عن الإسلام في أنقى صورة وأكملها. ولذلك كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أهل السنة هم نقاوة أهل الإسلام، نقاوة الخلاصة، أهل الإسلام.
فلا تعارض إطلاقًا بين الوصفين، ولا يجوز إطلاقًا أن يوجه السؤال لأهل السنة أو للمنهج السلفي: متى نشأ؟ لا يمكن، لأنه لم ينشأ على يد شخص غير رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه دعوى ليست مجردة عن الدليل، بل عندنا الأدلة، وأقوى دليل عندنا على أن أهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي خلال كل القرون لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومنهج أصحابه: الإسناد. الإسناد الذي عن طريقه حفظ القرآن، وعن طريقه حفظت السنة، ونحو ذلك. فخاصية الإسناد هي التي تضمن لنا أن نتحدى من يدعي أن هذا المنهج محدث، ويتخبط في ذلك تخبطًا شديدًا.
فمنا من ينسب إلى الإمام أحمد بن حنبل أن المذهب السلفي نشأ على يده، وأن مؤسس المذهب هو الإمام أحمد بن حنبل، أو من يقول إن الذي أسسه ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب، إلى آخره. فهذا كله تخبط وعدم تحرٍّ في القول.
ولا يجوز أن يوجه هذا السؤال، كما قلنا، للمنهج السلفي، لكن إذا وجدته لأي فرقة حادت عن منهج أهل السنة والجماعة، فسوف تجد الإجابة: نشأ في سنة كذا، نشأ بسبب حادثة كذا. فدائمًا هذا شيء مهم جدًا لا بد أن نلحظه.
فالأصل لا يسأل عن بدايته، إنما يسأل عن نشأة الفرع المنحرف الضال الذي شذ عن هذا الأصل.
هنا الدكتور القفاري حفظه الله تعالى يناقش في هذا الباب أو هذا الفصل مسألة نشأة الشيعة وجذورها التاريخية، وهذا موضوع مهم جدًا. صحيح هو موضوع تمهيدي، لسه ما زال يمهد للبحث، لكن هذه مهمة جدًا، لأننا نتناول الآن بحث الشيعة، يعني كما يقولون: على نار هادئة، واحدة واحدة، لأننا محتاجون أن نفهم كل قضية بالراحة، وبدون انفعال، وبدون إحداث تشوش فيما حولنا على فهمنا وموقفنا.
يقول إن الشيعة بأصولها ومعتقداتها لم تولد فجأة، بل مرت بمراحل كثيرة، ونشأت تدريجيًا، وانقسمت إلى فرق كثيرة. ولا شك أن التتبع التاريخي والفكري للمراحل والأطوار التي مر بها التشيع يحتاج إلى بحث مستقل، ولهذا سيكون الحديث هنا عن أصل الشيعة وجذورها التاريخية، ولا يعنينا تتبع مراحلها ونشوء فرقها.
سنبدأ بعرض رأي الشيعة أنفسهم. ما رأي الشيعة في جواب هذا السؤال: متى نشأ مذهب التشيع؟ متى نشأ؟ فنعلم أولًا، كما يقول هنا، بعرض رأي الشيعة من مصادرها المعتمدة عندها، ثم نذكر بعد ذلك آراء الآخرين. فالمنهج العلمي والموضوعية توصي بأخذ آراء أصحاب الشأن فيما يخصهم أولًا.
يقول: رأي الشيعة في نشأة التشيع لم يكن لهم رأي موحد في هذا، ونستطيع أن نستخلص ثلاثة آراء في نشأة التشيع، كلها جاءت في كتبهم المعتمدة، وسنتعرض لها.
الرأي الأول: أن التشيع قديم، ولد قبل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. التشيع قديم، وأنه موجود في هذا الوجود قبل أن تسمع الدنيا عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته والقرآن والإسلام. أن التشيع قديم، ولد قبل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ما من نبي إلا وقد عرض عليه الإيمان بولاية علي.
وقد وضع الشيعة أساطير كثيرة لإثبات هذا الشأن، ومن ذلك ما جاء في الكافي عن أبي الحسن قال: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولم يبعث الله رسولًا إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي عليه السلام. انتهى.
وعن أبي جعفر في قول الله عز وجل... لأن الشيعة ترى عندهم نقطة ضعف شديدة جدًا في مذهبهم، وهي أنك تقول لهم: ما دمتم تعتقدون أن الإمامة، الاعتقاد في الإمامة وفي إمام كل زمان، هي ركن الدين الأعظم، الإيمان بالإمامة، وأن من لم يؤمن بإمام زمانه فلا يكون مسلمًا، فما دام المسألة بهذه الخطورة، حد فاصل بين الإيمان والكفر، ألا يوجد نص واحد في القرآن الكريم يتعرض لمسألة الإمامة؟ فيعجز عن الجواب، لأن هذه نقطة ضعف شديدة جدًا.
فيجدون المنفذ في ماذا؟ في تحريف تأويل آيات القرآن الكريم. فهذا السلاح الوحيد إذا وجه لهم هذا السؤال، الذي هو غاية في الإحراج بالنسبة لهم: ما دامت الإمامة هي ركن الدين الأعظم، وهي محور هذا الدين، فأين هي في القرآن الكريم؟ أيوجد في القرآن تعرض لها؟ يعني أطول آية في القرآن نزلت في ماذا؟ في حفظ الدين أم في حفظ عشرة جنيه أو عشرين جنيه استلفها واحد من واحد؟ فما بالك بالجنة والنار؟ وده ركن الدين الأعظم، لأن أركان الإيمان عندهم ستة، منها الإمامة أو أولها الإمامة وأهمها على الإطلاق.
فما دام المسألة بهذه الخطورة، ركن الدين، ألا توجد آية واحدة في القرآن تدل على هذا الاعتقاد بالأئمة؟ فطبعًا هم يعجزون قطعًا عن الجواب، لكنهم لا يعجزون عن الكذب ومحاولة تحريف آيات القرآن الكريم. وإن كانوا لم يعجزوا عما هو أخطر من ذلك، وهو ادعاء أن هناك آيات نزلت في الإمامة، لكن الصحابة حذفوها من القرآن الكريم وغيروها وبدلوها، واضح. فهم ما بين هاتين الضلالتين: إما ضلالة الافتراء وادعاء أن هناك آيات تنص على الإمامة لكنها حذفت، والعياذ بالله، كما يزعمون تحريف الصحابة للقرآن الكريم، أو أنهم يعمدون إلى آيات في القرآن الكريم ثم يحرفون ويفسدون معانيها بادعاء أنها فيها الإمامة. وهل يعجز أحد عن الكذب؟ ما هو عنده لسان وقلب مريض، فما يمنعه أن يكذب؟
فيقول هنا أيضًا: وعن أبي جعفر في قول الله عز وجل... عايزين ننتبه طبعًا لحاجة مهمة جدًا طول هذا البحث. لما يجي كلام لأبي عبد الله عليه السلام، جعفر الصادق، أو علي أمير المؤمنين رضي الله عنه، أو غيره من أئمة الشيعة الذين يتمسح الشيعة فيهم كذبًا وزورًا، لازم ننتبه أن ده ليس كلامهم، هذا كذب الشيعة عليهم، وإلا مع الوقت يبقى القلب يحمل ضغينة لأمثال هؤلاء الأئمة العظام من آل البيت الأطهار الذين حقهم واجب على كل مسلم.
ونحن نسلم عليهم ونحييهم في كل صلاة: يا أهل بيت رسول الله، حبكم فرض من الله في القرآن أنزله، يكفيكم من عظيم المجد أنه من لم يصل عليكم فلا صلاة له. فما يكونش رد الفعل أن هم يغلون في أهل البيت، فيكون رد الفعل المضاد أن يوجد في قلوبنا حرج لأهل البيت، وإلا نضيع. هل النصارى حينما يغلون في المسيح، هل معنى هذا أننا نشتم المسيح أو نكرهه؟ والعياذ بالله، نكفر إذا فعلنا ذلك. فنفس الشيء في حق آل البيت.
إذا حصل كثرة سماع هذه الروايات، فاستصحب أن أئمة أهل البيت هؤلاء هم من أئمة أهل السنة والجماعة، أيوه، لكن عند التحقيق والإسناد نرى ونكتشف الكذب الصراح في نصوص وفي كتب هؤلاء القوم، فلا نحتاج أن نكرر هذا التنبيه مرارًا. يعني بقول لك: عن أبي عبد الله عليه السلام، أو ينسبون إلى الباقر، أو أمير المؤمنين علي، أو الحسن، أو الحسين، أو فاطمة، أو كذا، كل هذا كذب على هؤلاء الأئمة الأطهار.
يقول: عن أبي جعفر في قول الله عز وجل: ولقد عهدنا... ده بقى بداية المذهب الشيعي مع بداية خلق الإنسانية. ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا. قال: عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم. يعني دي قضية آدم، لم يكن له عزم في أنه لما ربنا عهد إليه ووصاه: خلي بالك، إذا بعث محمد تؤمن به، وإذا بعث الأئمة لا بد أن تؤمن بهم وتوصي الناس باتباعهم. تخيلوا! إلى هذا الحد أن موضوع الأئمة كان الكون كله يتمحور حول قضية الإمامة: عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده، اللي هم 12 إمامًا، فترك ولم يكن له عزم.
يعلق هنا الدكتور القفاري: وهذا التفسير بعيد عن الآية، بل إلحاد في آيات الله، وقد جاء تفسير الآيات عن السلف وغيرهم: ولقد وصينا آدم وقلنا له إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، فنسي ما عهد إليه في ذلك. نسي هنا بمعنى ترك. ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وقال قتادة: ولم نجد له عزمًا أي صبرًا.
طيب، يقول أبو جعفر هذا: وإنما سمي أولو العزم أولي عزم لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته، وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك، والإقرار به. أقروا، شهدوا أن لا إله إلا الله وأن الأئمة كذا وأن محمدًا رسول الله، كأنها حاجة من أركان الإيمان ويوصى بها الأنبياء من قبل.
بل إن آدم صار من غير أولي العزم، أخرجوه من أولي العزم لأنه ترك وقصر في موضوع الوصاية بالأئمة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فيقول: إنما بقية الأنبياء الذين سموا أولي عزم، فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فهم سموا بذلك لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته، وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك، والإقرار به، فكانوا يؤمنون أيضًا بهؤلاء الأئمة.
وجاء في البحار... طبعًا هنا لو معكم البحث، هتشوفوا أن كل كلمة تعزى إلى مصدرها من مراجع الشيعة. وجاء في البحار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما يزعمون: يا علي، ما بعث الله نبيًا إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعًا أو كارهًا. يا علي، ما بعث الله نبيًا إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعًا أو كارهًا.
وفي رواية أخرى لهم عن أبي جعفر قال: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين بولاية علي. وعن أبي عبد الله قال: ولايتنا ولاية الله، لم يبعث نبي قط إلا بها. يبقى جميع الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي والأئمة من بعده.
وعقد لذلك شيخهم البحراني بابًا بعنوان: باب أن الأنبياء بعثوا على ولاية الأئمة. وقالوا: ثبت أن جميع أنبياء الله ورسله وجميع المؤمنين كانوا لعلي بن أبي طالب مجيبين، وثبت أن المخالفين لهم كانوا له ولجميع أهل محبته مبغضين، فلا يدخل الجنة إلا من أحبه من الأولين والآخرين، فهو إذًا قسيم الجنة والنار. يعني الناس يقسمون إلى أصحاب الجنة وأصحاب النار بناء على موقفهم من ولاية علي رضي الله تعالى عنه.
وجاءت روايتهم في هذا المعنى في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم: في الكافي، والوافي، والبحار، ومستدرك الوسائل، والخصال، وعلل الشرائع، والفصول المهمة، وتفسير فرات، والصافي، والبرهان، وغيرها كثير، حتى قال الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، وهو أحد مصادرهم المعتمدة في الحديث: بأن رواياتهم التي تقول بأن الله حين خلق الخلق أخذ الميثاق على الأنبياء بالإقرار بولاية علي والأئمة تزيد على ألف حديث.
ولم تكتفِ مبالغات الشيعة بالقول بما سلف، بل قالت بأن الله عز اسمه عرض ولايتنا على السماوات والأرض والجبال والأمصار. ولهذا قال شيخهم هادي الطهراني، أحد آياتهم ومراجعهم في هذا العصر: تدل بعض الروايات على أن كل نبي أمر بالدعوة إلى ولاية علي رضي الله عنه، بل عرضت الولاية على جميع الأشياء، كل الأشياء التي خلقها الله عرضت عليها الولاية، فما قبل صلح، وما لم يقبل فسد. انتهى كلامه.
طبعًا لا شك أن هناك من الآراء والمعتقدات ما بطلانها واضح جدًا، بحيث إن بطلانها في ذاتها يغني عن إبطالها، وفسادها يغني عن إفسادها. لا تحتاج مثل هذا الكلام أن الدنيا كلها تتمحور حول هذا الغلو.
تذكروا واستحضروا دين الحق، رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتمحور حول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. دي المحور وخلاصة الدعوة المحمدية، بل خلاصة رسالة جميع الأنبياء، مش تتمحور على ولاية علي.
يقول الدكتور القفاري: هناك من الآراء والمعتقدات ما يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، وهذا الرأي من هذا الصنف، إذ إن فساده وبطلانه من الأمور المعلومة بالضرورة، وكتاب الله بين أيدينا ليس فيه شيء من هذه المزاعم.
لقد كانت دعوة الرسل عليهم السلام إلى التوحيد، لا إلى ولاية علي والأئمة كما يفترون. قال الله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. فكل رسل الله وأنبيائه كانوا يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فقد قال نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام لقومهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل.
فلم يرد في السنة الصحيحة إلا ما ينقض هذا الرأي، كما أن أئمة السلف متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان. فأين ما يزعمون من أمر ولاية علي؟
وإذا كانت ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، فلماذا ينفرد بنقلها الروافض ولا يعلم بها أحد غيرهم؟ ولماذا لم يعلم بذلك أصحاب الديانات؟ يعني لما هي بقى من زمان آدم عليه السلام لحد زمان رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، طيب ما فيش بشارات؟ لما هي كده في حاجة في مقام النبوة أو أعلى حتى من النبوة، مش من ضمن أدلة صدق النبوة البشارات في الكتب السابقة؟ ما فيش كتاب تلاقوه خالص، في التوراة ولا في الإنجيل ولا صحف إبراهيم ولا كذا، جايب حتى كلمتين كده عن الأئمة وولاية علي رضي الله تعالى عنه. أين هذا؟
ويمكن من علامات الغلو الواضحة عندهم أيضًا أن في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن عليًا ولي الله. هذا في الأذان. وإحنا إذا ننتبه لخطر الشيعة، لا يبعد أن يدور الزمان وينتشر كالسرطان، ونمشي في الشوارع ونسمع اللي بيؤذن في بعض مساجدهم: أشهد أن عليًا ولي الله. دي إعلان كأنها جنب الشهادتين، يعني ركن دين، ولاية أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه.
فيقول هنا: ولماذا لم يعلم بذلك أصحاب الديانات؟ بل لماذا لم تسجل هذه الولاية في القرآن، وهو المهيمن على الكتب كلها، والمحفوظ من لدن رب العزة جل علاه؟ إن هي إلا دعوى بلا برهان، والدعاوى لا يعجز عن التنطع بها أحد إذا لم يكن له من دينه أو عقله أو حيائه ما يحميه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إشارة إلى موضوع بشارات الأنبياء السابقين بما يأتي بعدها: وهذه كتب الأنبياء التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم... يعني باب بشارات الأنبياء هذا باب واسع جدًا، هناك عشرات النصوص في الكتب السابقة حتى اليوم موجودة في كتبهم تتحدث عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فشيخ الإسلام يقول: الواقع، إحنا اطلعنا على هذه الأشياء، كثيرة تثبت نبوة رسول الله من التوراة والإنجيل وغير ذلك من الكتب، وليس في شيء منها ذكر علي رضي الله عنه. وهؤلاء الذين أسلموا من أهل الكتاب لم يذكر أحد منهم أنه ذكر علي عندهم. فكيف يجوز أن يقال إن كلا من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي رضي الله عنه، ولم يذكروا ذلك لأممهم، ولا نقله أحد منهم؟
فزي الكذب ما هو مالوش رجلين، كذلك الكذب في الروايات مالوش أسانيد، لا أصل لها. أين الأسانيد؟ وكيف تتطاول هذه الأساطير على الأنبياء، فتزعم أن آدم عليه السلام وبقية الأنبياء ما عدا أولي العزم قد تركوا أمر الله في الولاية؟ إن هذا إلا بهتان عظيم.
فالولاية باطلة، والافتراء على الأنبياء باطل. ومن المفارقات العجيبة ذلك الغلو الذي لا يقف عند حد في مسألة عصمة الأئمة، وهذا الجفاء في حق صفوة الخلق وهم الأنبياء. نفس جفاء الصوفية وإلحاد بعضهم طبعًا في هذا الباب، ما تجد احترام النبوة وتعظيم النبوة كما ينبغي، بل يقدمون الأولياء ويرفعونهم على الأنبياء. كذلك الرافضة أولاد عمهم، يقدمون... يعني تجدهم في جهة المقابر، يعظمون المشاهد ويهجرون المساجد، حقيقة ملموسة ما يستطيع أن ينكرها أحد، يعظمون المشاهد جدًا، وفي نفس الوقت يهجرون المساجد.
مبالغة وغلو في حق الأئمة الاثني عشر، وفي نفس الوقت جفاء في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول: ومن المفارقات العجيبة ذلك الغلو الذي لا يقف عند حد في مسألة عصمة الأئمة، وهذا الجفاء في حق صفوة الخلق وهم الأنبياء عليهم السلام. أليس ذلك دليلًا على أن واضعي هذه الأساطير هم قوم قد فرغت عقولهم ونفوسهم من العلم والإيمان، وشحنت بالحقد والتآمر على المصلحين والأخيار، وأرادوا الدخول على الناس لإفساد أمرهم من طريق التشيع؟ بلى، إنه لا يتجرأ على مثل هذه الافتراءات إلا زنديق.
وكأنهم بهذه المقالة يجعلون أتباع الأئمة أفضل من أتباع الأنبياء ما عدا أولي العزم، لأن الأتباع اتبعوا، والأنبياء تركوا. الاتباع اتبعوا، يعني أتباع الشيعة اتبعوا، أما أتباع الأنبياء فتركوا ولم يرفعوا رأسًا بقضية الإقرار بولاية علي والأئمة من بعده. يقول: وكأنهم بهذه المقالة يجعلون أتباع الأئمة الاثني عشر، الشيعة، أفضل من أتباع الأنبياء ما عدا أولي العزم، لأن الاتباع اتبعوا، والأنبياء تركوا. إن هذا لهو الضلال المبين.
لقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء عليهم السلام، لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، هكذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره. قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين.
فكان هؤلاء أرادوا كعادتهم أن يجعلوا ما للنبي صلى الله عليه وسلم هو من حق علي. ثم إن الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد لم يؤخذ عليهم، فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين؟
وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأطاعه ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا لم يضره ذلك شيء، ولم يمنعه من دخول الجنة. فإذا كان هذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة؟
وأين عقول هؤلاء القوم الذين يصدقون بهذه الترهات؟ كيف يؤخذ على من قبلنا من الأنبياء وأممهم الميثاق على طاعة علي في إمامته؟ هذا كما يقول شيخ الإسلام: كلام المجانين، فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله عليًا، فكيف يكون أميرًا عليهم؟ يعني الأنبياء من قبلنا وأممهم ماتوا قبل أن يوجد علي في هذا الوجود، فكيف يؤخذ عليهم، أو كيف يكون أميرًا عليهم من قد ماتوا قبل أن يخلق؟ يقول: هذا كما يقول شيخ الإسلام كلام المجانين، فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله عليًا، فكيف يكون أميرًا عليهم؟ وغايته أن يمكن أن يكون أميرًا على أهل زمانه، أما الإمارة على من خلق قبله وعلى من يخلق بعده، فهذا من كذب من لا يعقل ما يقول، ولا يستحيي مما يقول.
وهذا من جنس قول ابن عربي الطائي وأمثاله من ملاحدة المتصوفة الذين يقولون إن الأنبياء كانوا يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، والذي وجد بعد محمد بنحو ستمائة سنة. فدعوى هؤلاء في الإمامة من جنس دعوى هؤلاء في الولاية، وكلاهما يبني أمره على الكذب والغلو والشرك والدعاوى الباطلة، ومناقضة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
فما الغاية والهدف من هذه المقالة التي لا يخفى كذبها على أحد؟ هل الغاية صد الناس عن دين الله؟ لأن هذا معلوم بطلانه بداهة، فإذا رفعوا هذه الدعوى ونسبوها للإسلام، واطلع عليها أصحاب تلك الديانات وغيرهم، ورأوا بطلانها في العقل والنقل، شكوا في الإسلام نفسه. حاجة مناقضة للعقل تمامًا، فهذا تنفير عن الإسلام.
ثم ماذا يقول أهل العلم والعقل عن هذا التحليل الغريب لفساد الأشياء أو صلاحها من الجمادات والنباتات والمياه إلى آخره، وأن انقسامها إلى صالح وفاسد، حتى النباتات والجمادات والحيوانات والأشجار، كل دي منقسمة إلى صالح وفاسد بناء على موقفها من ولاية أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه؟ ماذا يقول العالم عن هذا؟ هل هذا هو الدين الذي يريدون أن يقدموه للناس، أو أن الهدف تشويه الإسلام والصد عنه؟
ولا يستغرب هذا الرأي من الشيعة، فهم أهل مبالغات غريبة، يكذبون بالحقائق الواضحات والأخبار المتواترات، ويصدقون بما يشهد العقل والنقل بكذبه.
وإذا كانوا يقولون بهذا الرأي في من يدعون إمامته، فإنهم أيضًا يقولون في أعداء الأئمة وأعداء الشيعة في اعتقادهم ما يقارب هذا الرأي، فقد قالوا في الخليفتين الراشدين العظيمين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، قالوا مثلًا... نسمع بقى التخريف بحق أبي بكر وعمر.
وقع في الخبر أن القائم، رضي الله عنه، المهدي يسمى القائم، وقع في الخبر أن القائم إذا ظهر، لما يخرج من السرداب، يحييهم. يحيي مين؟ ناس كتير، منهم أبو بكر وعمر، أو أولهم أبو بكر وعمر، يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا، أن أي فساد أو ذنب وقع في الدنيا كلها، مين مسؤول عنه؟ أبو بكر وعمر! إذا ظهر يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا، حتى قتل قابيل لهابيل، ورمي إخوته يوسف له في الجب، ده وزر مين؟ أبو بكر وعمر!
والمهدي لما يجي من السرداب، هيحييهم تاني. الرجعة بقى تحصل قبل يوم القيامة هنا، يحيي الموتى هؤلاء، والعدوانية أو التشفي، يخترعون أساطير للتنفيس عن هذا العدوان بداخلهم.
فوقع في الخبر أن القائم إذا ظهر يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا حتى قتل قابيل هابيل، ورمي إخوة يوسف له في الجب، ورمي إبراهيم في النار، وسائر الفساد والظلم الذي وقع في الأرض.
وكذا روي عن الصادق أنه ما أزيل حجر من موضعه، ولا أريقت محجمة، ولا أريقت محجم دم، إلا وهو في أعناقهما، يعني الخليفة الأول والثاني. يعني أي واحد يجرح واحدًا أو يعوره أو يقتله، أو حتى الحجر إذا أزيل من مكانه، هي في ميزان سيئات مين؟ أبي بكر وعمر. والمهدي لما يبعث من السرداب هينتقم منهم ويقتص بسبب الفساد الذي وقع في العالم كله بسبب أبي بكر وعمر.
نعم، إذًا ده الرأي الأول. إحنا ما زلنا بنستعرض آراء الشيعة في نشأة مذهبهم. فالرأي الأول، يعني أول الدن درديه. الدن اللي هو البرميل بتاع الزيت، فالزيت لما يوضع في البرميل، بيحصل تراكم الشوائب والأخلاط والتراب وهذه الأشياء في القاع، فالدردي دائمًا يكون في القاع مترسبًا، لكن الزيت اللي يبقى فوق بيكون صافيًا. طيب لما يكون بقى أول الدن فوق درديه كله عكر، افتكر اللي بعده بقى إيه؟ فأول القصيدة كفر. يعني ده أول رأي من آراء الشيعة. طبعًا شيء مضحك، ولا أدري كيف يقبل عاقل مثل هذا الكلام: أن الأنبياء كلهم قعدوا يوصوا، وقسموا الأنبياء إلى أولي عزم وغير أولي عزم بناء على أن أولي العزم هم دول اللي بلغوا ووفوا بالإقرار بولاية علي والأئمة من بعده، والتانيين مش أولي عزم عشان أثروا في هذا الموضوع.
الرأي الثاني بقى، لسه ما زلنا في آراء الشيعة: ويزعم بعض الروافض في القديم والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع بذرة التشيع، وأن الشيعة ظهرت في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه.
يقول القمي: فأول الفرق الشيعة، وهي فرقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بالانقطاع إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمار بن ياسر المذحجي، وهم أول من سموا باسم التشيع في هذه الأمة. ويشاركه في هذا الرأي النوبختي والرازي، لكن هنا الشيبي أخطأ في نسبة هذا الكلام إلى النوبختي كما سيأتي.
ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء، المتوفى سنة 1373 أو 54 من القرن الميلادي، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة. كذب له قرنان! إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم. يعني أن بذرة التشيع، ده كلامه هو بقى، وضعت مع بذرة الإسلام. طبعًا هنا يفهم من كلامه أنه يعترف أن التشيع شيء غير الإسلام. يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والري حتى نمت وازدهرت في حياته، ثم أثمرت بعد وفاته.
وقال بهذا الرأي طائفة من الشيعة المعاصرين، وذكر كمًا كبيرًا من أسماء الشيعة المعاصرين الذين يتبنون هذا الرأي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام بذر بذرة التشيع في نفس الوقت الذي بذر فيه بذرة الإسلام.
ثم تعرض الدكتور القفاري لمناقشة هذا الرأي، فيقول: أولًا يلاحظ أن من أول من قال بهذا الرأي القمي في كتابه المقالات والفرق، والنوبختي في كتابه فرق الشيعة. وقد يكون من أهم الأسباب لنشوء هذا الرأي هو أن بعض علماء المسلمين أرجع التشيع في نشأته وجذوره إلى أصول أجنبية، وذلك لوجود ظواهر واضحة تثبت ذلك. طبعًا هذا موضوع مهم جدًا: أن جذور التشيع هي جذور أجنبية عن الإسلام، سواء منها جذور فارسية أو جذور يهودية، إلى آخره.
فبسبب ذلك قام الشيعة بمحاولة إعطاء التشيع صفة الشرعية، والرد على دعوى خصومهم برد التشيع إلى أصل أجنبي، فادعوا هذه الدعوى، وحاولوا تأييدها وإثباتها بكل وسيلة، فوضعوا روايات كثيرة في ذلك، ونسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزعموا أنها رويت من طرق أهل السنة. وده سهل جدًا عندهم، الكذب، زي ما ناقشنا قبل كده في بحث التقريب، ناقشنا أساليب في التلاعب بالنصوص وادعاء الكذب، بل حتى التلاعب بأسماء العلماء، زي اسم ابن جرير مثلًا وغير ذلك.
يقول ابن خلدون: وهي رواية لا يعرفها جهابذة السنة، ولا نقلتها الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاته الفاسدة.
ثانيًا: أن هذا الرأي لا أصل له في الكتاب والسنة، وليس له سند تاريخي ثابت، بل هو رأي يجافي أصول الإسلام وينافي الحقائق الثابتة، فقد جاء الإسلام لجمع هذه الأمة على كلمة سواء، لا ليفرق شيعًا وأحزابًا. ولم يكن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعة ولا سنة، والله سبحانه وتعالى يقول: إن الدين عند الله الإسلام، لا التشيع ولا غيره. وكما ذكرنا، الإسلام هو أهل السنة، يعني أنقى وأعظم وأرقى صور الإسلام هي من تجسد فيه منهج أهل السنة.
نعم، واحد من الجماعة دول اسمه محمد جواد مغنية، مؤلف كتاب خبيث جدًا، الكتاب بيقول إيه اسمه؟ لا شيعة ولا سنة يا جماعة، تعالوا نجتمع ونتوحد وكلنا مسلمين، لا شيعة ولا سنة. طبعًا الناس كتير من السذج يتعاطفون مع مثل هذه الشعارات، لكن في الحقيقة لا، لأن فيه الشيء الذي طرأ وشذ عن الأصل، وهو أنت عايز تنفي تقول لا شيعة، لكن ما تقولش أبدًا لا سنة، ولا يجوز أنك أنت تقبل مثل هذا الشعار. كلمة لا شيعة ولا سنة شعار خبيث.
الذي يتنافى هو البدع التي حدثت، أما السنة فهي الإسلام. كأنك بتقول لا إسلام ولا شيعة. لما تقول لا شيعة ولا سنة وتقبل هذا الشعار الخبيث، يبقى كأنك بتقول لا عايزين إسلام ولا عايزين تشيع. لا شيعة ولا سنة يعني لا شيعة ولا إسلام، لأن السنة هي الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأتِ به غيره. فهذا من الدجل أيضًا، ومن الخداع، الشعارات الجذابة التي يعيدونها على الأسماع من وقت لآخر.
يقول: والله سبحانه وتعالى يقول: إن الدين عند الله الإسلام لا التشيع ولا غيره، وهم يعترفون في قولهم إن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب أن التشيع غير الإسلام، والله يقول: ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه.
ومن الحقائق التاريخية المتواترة والتي تكشف خطأ هذا الرأي ومجانبته للحقيقة أنه لم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ففي خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد.
وقد اضطر بعض شيوخ الشيعة للإقرار بهذه الحقيقة، وهم الذين مردوا على إنكار الحقائق المتواترات. يقول أهم مشهدهم الأكبر في زمنه، محمد حسين آل كاشف الغطاء: ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ، يقصد في عهد أبي بكر وعمر، مجال للظهور لأن الإسلام كان يجري على مناهجه القويمة. انتهى كلامه.
وبمثل هذا اعترف شيخهم الآخر محمد حسين العاملي فقال: إن لفظ الشيعة قد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر، وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثالث. يعني هنا هم بيردوا على بعض، لكن هنا في كلمة المفروض أن احنا ما نعديها، اللي هي كلمة: إن لفظ الشيعة قد أهمل. أهمل يعني إيه؟ يعني كان موجودًا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أهمل في زمن أبي بكر؟ ده اللي يفهم من كلامه. فبرضه دي المفروض أن احنا لا نقبل كلمة أهمل. نقول نحن: إنه أهمل لأنه لم يوجد أصلًا، مش كان موجودًا وأهمل، هو أصلًا لم يوجد. إذ كيف يهمل ولا يظهر والحكومة كافرة في نظركم كما هو متواتر في كتبكم؟ وهل كان المسلمون شيعًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا فرقة واحدة في عهد الخلفاء الثلاثة الراشدين؟
ثالثًا: زعموا أن الشيعة كانت تتألف من عمار وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم. فهل قال هؤلاء بعقيدة من عقائد الشيعة؟ من دعوى النص، وتكفير الشيخين أبي بكر وعمر وأكثر الصحابة، أو أظهروا البراءة والسب لهم أو كراهيتهم؟ هل في أي دليل أنهم تبنوا أي شيء من أصولهم، أصول دينكم؟ كلا، لم يوجد شيء من ذلك، وكل ما قاله الشيعة من دعاوى في هذا وملأوا به المجلدات لا يعدو أن يكون وهمًا من الأوهام نسجته خيالات الحاقدين والأعداء.
قال ابن المرتضى، وهو شيعي زيدي: فإن زعموا أن عمارًا وأبا ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي كانوا سلفهم لقولهم بإمامة علي عليه السلام، أكذبه كون هؤلاء لم يظهروا البراءة من الشيخين ولا السب لهما، ألا ترى أن عمارًا كان عاملًا لعمر بن الخطاب في الكوفة، وسلمان الفارسي في المدائن؟ وهذه الحقائق التاريخية الثابتة تنسف كل ما شيده الشيعة من دعاوى في هذا عبر القرون.
رابعًا: يرى الشيخ موسى جار الله أن هذه المقالة من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب، وأنها افتراء على النبي صلى الله عليه وسلم ولعب بالكلمات. ويتعجب من قولهم إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة، فيقول: أي حبة بذر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة؟ يبذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربة الإسلام بذرة اللعن والسب والتكفير، وهذا الضلال المبين الذي عليه الشيعة؟ نعم، صحيح. والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا. تحكم على الشيء من ثمرته، فشجرة طلعت لنا لعن الصحابة وتكفيرهم، والطعن في القرآن، والحقد، والخرافات، والأساطير، وهذا الدين المحرف، هل يعقل أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول: أي حبة بذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة، وسنابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي من يزعمون أنهم منافقو الصحابة، أعاذ بالله، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها، حتى توارت العقيدة الحقة في لجج من ضلال الشيعة.
أما الرأي الثالث، وهو أيضًا رأي شيعي، يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قال ابن النديم -وابن النديم طبعًا محمد بن إسحاق بن محمد بن أبي يعقوب النديم، كان معتزليًا متشيعًا، أشهر تصانيفه الفهرست- قال ابن النديم: إن عليًا قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه، فسمي من اتبعه على ذلك الشيعة، فكان يقول: شيعتي، وسماهم عليه السلام الأصفياء والأولياء وشرطة الخميس والأصحاب.
هذا رأي انفرد به ابن النديم حسب علمه، وهو فيما يبدو يشير إلى تاريخ ظهور الشيعة بمعنى الأنصار والأتباع، وتاريخ إطلاق لقب الشيعة على أنصار علي رضي الله عنه، وأن عليًا هو الذي لقبهم بذلك حيث يقول: شيعتي. طبعًا لما يقول: شيعتي، ممكن يستعملها بالمعنى اللغوي، زي ما قلنا قبل كده كان مستعمل شيعة علي وشيعة معاوية استعمالًا لغويًا، أما استعمالًا اصطلاحيًا، فطبعًا العبارة حتى لو صحت فهي لا تشير إلا إلى مجرد أصحابه وأنصاره، لا للإشارة إلى أصول دين الشيعة والنظام الفكري أو المنظومة العقدية بكل ضلالاتها وأركانها المعروفة، لا يمكن أن يكون هذا هو المقصود.
يقول: ولا شك أن هذا القول لا يدل على بداية الأصول الفكرية للتشيع كمذهب، فهو يعني هنا المعنى اللغوي للشيعة، وهو الأنصار. ولهذا استخدم أيضًا ألقابًا أخرى تدل على ذلك كالأصحاب والأولياء، كما أن الوثائق التاريخية، كما سلف، أثبتت أن لقب شيعتي والشيعة كما استعمله علي رضي الله عنه، قد استعمله معاوية رضي الله تعالى عنه كما وضحنا ذلك من قبل، فهذا استعمال لغوي وليس استعمالًا اصطلاحيًا.
الدكتور مصطفى كامل الشيبي، وهو شيعي، له كتاب مشهور جدًا في ثلاث مجلدات اسمه الصلة بين التشيع والتصوف، يقول -وهو شيعي معاصر- يصف رأي ابن النديم هذا بالغرابة، حيث جعل التشيع لقبًا أطلقه علي بنفسه على أصحابه. وما أدري ما وجه الغرابة في أن يدعو علي أنصاره بقوله شيعتي لغويًا، ما فيها أي مانع. أما الدكتور النشار فيرى في كلام ابن النديم بعض الغلو، ولا يذكر النشار وجه الغلو الذي يصف به كلام ابن النديم.
إذا هذا فيما يتعلق بآراء الشيعة في نشأة مذهبهم كما ترون.
طيب، ماذا عن آراء غير الشيعة؟ القول الأول: أن التشيع ظهر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وجد من يرى أحقية علي رضي الله عنه بالإمامة. وهذا الرأي قال به طائفة من القدماء والمعاصرين، منهم العلامة ابن خلدون وأحمد أمين وبعض المستشرقين. وهذا القول منهم مبني على ما نقله البعض من وجود رأي يقول بأحقية قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة بعده.
يقول ابن خلدون: اعلم أن مبدأ هذه الدولة، يعني دولة الشيعة، أن أهل البيت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم. ويقول أحمد أمين: كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه، كما قال بمثل ذلك بعض المستشرقين.
ثم يناقش هذا الرأي فيقول: وهذا الرأي يستند القائلون به إلى الرأي القائل بأحقية القرابة للإمامة. ولا شك أنه إذا وجد من يرى أحقية علي بالإمامة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار. وهذا لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين أو فرقة معينة. ده تعدد في الآراء. يعني حتى لو حصل أن الصحابة لما جلسوا يتشاورون في من هو الأحق بالإمامة وخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، في البداية حصل عصف أفكار، وبدأ كل واحد يدلي بدلوه. نعم، حصل اختلاف كبير في المفاوضات، لكنهم استقروا في النهاية بالإجماع على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
فيعني تيجي أنت من وسط هذا الحوار وتأخذ شيئًا يدل على أن ده بداية نشأة مذهب بكل أصوله وملامحه الفكرية والاعتقادية؟ ده مجرد اختلاف في الرأي. لو وجد من يرى أن القرابة أحق، فقد وجد من قال إن سعد بن عبادة هو الأولى بأن يستخلف، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين أو فرقة معينة.
وتعدد الآراء أمر طبيعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام. فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم، وما انفصلوا حتى اتفقوا، كما يقول شيخ الإسلام: وما انفصلوا حتى اتفقوا. ومثل هذا لا يعد نزاعًا.
وقد اندرجوا تحت الطاعة عن بكرة أبيهم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكان علي رضي الله عنه سامعًا لأمره، وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد، ونهض إلى غزوة بني حنيفة، وكانوا على حال ألفة واجتماع كلمة، يبذلون في طاعة أئمتهم مهج أنفسهم وكرائم أموالهم على السبيل التي كانوا عليها مع نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.
ولو كان هذا الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة يمثل البذرة والنواة للتشيع، لكان له ظهور ووجود زمن أبي بكر وعمر. هيبقى منهج بقى، ويمثل المذهب بكل معالمه وعقائده وأركانه، فكان هيبقى كمذهب ويظهر في زمن أبي بكر وعمر. ولكنه رأي إن ثبت، فهو كسائر الآراء التي أثيرت في اجتماع السقيفة، ما إن وجد حتى اختفى بعد أن تمت البيعة، زي ما اختفى الرأي بأن سعد بن عبادة هو الأولى بالخلافة، أو أن الأنصار هم أولى بالخلافة.
واضح؟ لكنه رأي إن ثبت، فهو كسائر الآراء التي أثيرت في اجتماع السقيفة، ما إن وجد حتى اختفى بعد أن تمت البيعة، واجتمعت الكلمة، واتفق الرأي من الجميع.
وموقف أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه ينفي استمرار مثل هذه الآراء أو بقاءها بين الصحابة، فقد تواتر عنه رضي الله تعالى عنه من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله تعالى عنهما. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وروي عن علي من نحو ثمانين وجهًا وأكثر أنه قال على منبر الكوفة هذا القول. وقد ثبت في صحيح البخاري من رواية رجال همدان خاصة، التي يقول فيها علي: لو كنت بوابًا على باب الجنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام.
ثم أورد عن البخاري بسنده عن أبي يعلى، عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي -يبقى محمد بن الحنفية يسأل أباه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه-: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول عثمان -يعني إنه أبوه فبدأ سأله، فرضاش يكمل- أنا عارف دي شيء متفق عليه، إنه هيقول أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما، وخشيت أن يقول، لو قال له ثم من، هيقول له احتمال يبقى عثمان، فراح قايل لأبوه: ثم أنت؟ ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
أجاب علي: ما أنا إلا رجل من المسلمين. وهذا في صحيح البخاري. قال ابن تيمية: وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه. لفتة جميلة جدًا من شيخ الإسلام. ليه؟ لأن ممكن لما تيجي لحاجة زي دي... الشيعة زي الزئبق، مش ممكن تفتح بهم على أي شيء. ولذلك مناظرات الشيعة من أصعب الأشياء على الإطلاق، ما تبقاش عارف صادق ولا كاذب ولا بيتقي ولا بيعمل إيه.
فهم لما تيجي حاجة زي دي تقول لهم: علي على منبر الكوفة قال إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، أو لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة. فيقول لك مثلًا: لا، ده علي كان... وتقول له إن عليًا كان يسمع ويطيع لأبي بكر وعمر، فيرد يقول: تقيّة، دي كانت تقيّة. طب لما هو بقى أصبح أمير المؤمنين، كانت تقيّة؟ لما هو أصبح أمير المؤمنين، وبيتكلم على منبر الكوفة وهو الخليفة، وبيقول الكلام ده، يبقى في تقيّة هنا؟ خايف من مين؟ ده أقوى صور التمكين أن تكون خليفة.
ثم واحد بيتكلم مع ابنه، مع محمد بن الحنفية، ابنه من صلبه، وبيسأله، هيعمل تقيّة مع ابنه؟ مع أن ابنه أشد الناس حرصًا أن لما يقول له من أفضل الناس بعد الرسول، يقول له: أبوك علي بن أبي طالب. لكنه ما قال ذلك. قال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر، إلى آخره. فإذا هنا لا يوجد احتمال التقيّة، لأنه رجل يتكلم مع ابنه، وابنه أحرص الناس على أن أباه يضع نفسه في هذا الموضع، أنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك انظر إلى إنصاف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
ولذلك هذه المسألة ينص عليها أئمة أهل السنة في كتب العقائد، صارت من المسائل التي توجد في كتب العقائد، لأن هذه من المسائل التي تم فيها الإجماع من الأمة: ترتيب الخلفاء رضي الله تعالى عنهم في الأفضلية.
يقول: فقد تواتر عنه رضي الله تعالى عنه من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟
والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، فكيف يقال إنها نشأت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أقر بهذه الحقيقة بعض شيوخ الشيعة كما سلف؟
يقول: وما ذكره بعضهم من ظهور جماعة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ترى أحقية علي بالإمامة، ليس له أصل تاريخي ثابت. فيش أي دليل ثابت على أن في مجموعة من الصحابة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ترى أن عليًا أحق بالإمامة.
ويبدو أن عمدته رواية اليعقوبي في تاريخه، والتي تقول بأن جماعة منهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد تخلفوا عن بيعة أبي بكر ومالوا إلى علي. هذا كما في تاريخ اليعقوبي.
وروايات اليعقوبي، ومثله المسعودي، يجب الاحتراز والحذر منهما لجنوحهما للرفض، لا سيما فيما يوافق ميولهما المذهبية، وفيما ينفردان به من نقول.
يقول القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: لا تسمعوا لمؤرخ كلامًا إلا للطبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر والداء الأكبر. وقال في المسعودي المؤرخ في العواصم والقواصم: إنه مبتدع محتال.
فإذا ما ينفعش يعتمد على رواية ذكرها اليعقوبي أو المسعودي، أن جماعة منهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد تخلفوا عن بيعة أبي بكر ومالوا إلى علي. هذا كلام لا شيء، كأننا لم نسمعه، لأنه لم يعتمد على إسناد صحيح. وإذا كان الناس كذبوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، أفلا يكذبون على من دونه؟
إذا هذا هو القول الأول فيما يتعلق بنشأة التشيع، أنه ظهر بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة.
القول الثاني: أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان رضي الله تعالى عنه. يقول ابن حزم، عايزين نستحضر المعنى الذي ذكرناه في بداية الكلام: أن المذهب الطارئ الشاذ، الفرع الذي شذ عن القافلة الكبرى، هو ده اللي احنا بندور على أصله جاي منين. هل في دين حق يختلف في أصله بهذه الصورة؟ يا ترى بدأ إمتى؟ ويختلف الشيعة ويختلف غير الشيعة، محترين يا ترى بدأ التشيع إمتى؟ لو كان هذا هو دين الله، هذا هو دين الإسلام، هل كان يحصل فيه مثل هذا الخلاف؟ وهذه الحقيقة أن الدين الحق لا يمكن أن يختلف في بدايته، ولا يسأل عن نشأته، لأنه المجرى الطبيعي لهذا النهر الفياض.
القول الثاني: أن التشيع لعلي رضي الله تعالى عنه بدأ بمقتل عثمان رضي الله عنه. يقول ابن حزم: ثم ولي عثمان رضي الله عنه، وبقي اثنتي عشرة سنة، وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض. ده كلام ابن حزم في الفصل.
وبمثل قول ابن حزم هذا قال طائفة من العلماء والباحثين، مثل الشيخ عثمان بن عبد الله الحنفي صاحب الفرق المفتقة بين أهل البدع وأهل الزيغ والزندقة، ومثل مستشرق.
طيب، يقول: والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي. طبعًا دي طائفة من طوائف الرافضة الشيعة، فرقة السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ، وهذه الطائفة كانت تقول بألوهية علي رضي الله عنه، كما تقول برجعته، وأنه هيرجع تاني، وتطعن في الصحابة.
أصله من اليمن، وكان يهوديًا يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز، فالبصرة، فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأخرجه أهلها، أهل دمشق ردوه، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته.
قال ابن حجر: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل، أحسب أن عليًا حرقه بالنار.
وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعًا. طبعًا ذكر هنا كمًا كبيرًا جدًا من المراجع التي تخبر بحقيقة عبد الله بن سبأ، سواء في ذلك المصادر السنية وهي كثيرة جدًا، أو المصادر الشيعية.
يقول: والقول الثاني: والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان. وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه، وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.
فابن تيمية يعتبر ابن سبأ هو أول من أحدث القول بعصمة علي رضي الله تعالى عنه، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام كما أفسد بولس دين النصارى. زي ما دين النصارى أفسده اليهودي الذي كان يعذب أتباع المسيح قبل ذلك، كذلك عبد الله بن سبأ دخل وتظاهر بالإسلام لكي يفسد الإسلام من داخله.
يعني القضية ليست نظرية المؤامرة، وعقدة المؤامرة، أن كل حاجة مؤامرة يهودية ونستعمل اليهود شماعة في كل شيء. لا، دي حقيقة تاريخية كما سندل عليها فيما بعد.
كذلك ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل يميل إلى أن عبد الله بن سبأ هو مؤسس هذا الدين. ومن المعاصرين مثلًا أبو زهرة، الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله، والذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام، الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد، ودعا إلى ذلك. وذكر أبو زهرة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي.
أما سعيد الأفغاني فهو يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية تلمودية غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل بحساب دولة الروم.
نعود إلى الكلام. يقول: ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرّة قلم، دون مبرر واقعي، يدعون أن دي شخصية خرافية. عبد الله بن سبأ ده شخصية خرافية، فيقولون هذا ويدعون هذه الدعوى دون أي دليل واقعي، ومنهم مرتضى العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ. بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر! شخص يدعى علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين. وبعد الشيعة قلدوه بقى، لقوا مخرج من حتة اليهودية دي، وصمة اليهودية دي، أن ده اللي أسس لهم دينهم، ففرحوا بالكلام ده وتبنوه مثل مصطفى الشيبي في الصلة بين التصوف والتشيع.
وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة اليهود من التآمر على المسلمين، كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض، والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.
وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعة وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟
فالذين يدعون أنه شخصية تاريخية وهمية دول شيعة العصر الحاضر، لكن القدماء من الشيعة متفقون مع أهل السنة على أن عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية.
أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر، فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ. وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر رضي الله عنه؟ وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟
يقول: ولست بحاجة إلى دراسة هذه المسألة، يعني مش هنضيع وقت في أننا نقعد نناقش بقى قضية عبد الله بن سبأ وإثبات وجوده التاريخي، فقد خرجت دراسات موضوعية ومستوفية لهذه القضية. طبعًا من أشهر هذه الدراسات رسالة عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة للدكتور سليمان العودة، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة، وطبعًا أطال القول فيها. وهناك أيضًا دراسة أخرى توضيح النبأ عن مؤسس الشيعة عبد الله بن سبأ لأبي الحسن علي الرازحي، وهناك رسالة أيضًا للدكتور سعدي الهاشمي ابن سبأ حقيقة لا خيال.
طبعًا مش مناسب أن احنا ندخل في تفكير جانبي أو نتوسع في قضية مثل هذه القضية، فيقول: لا حاجة للوقوف عند هذه القضية طويلًا، ويكفي هنا الاستشهاد بما جاء في كتب الشيعة المعتمدة عن ابن سبأ، تمشيًا أولًا مع خطة البحث في الاعتماد على أصولهم وكتبهم، وثانيًا لأن إنكار وجود ابن سبأ جاء من جهة الشيعة، فيبقى الاحتجاج عليهم من كتبهم المعتمدة يسقط دعواهم من أساسها، وثالثًا لأن في عرض آراء ابن سبأ من كتب الشيعة تصويرًا لأصل الشيعة وجذورها من كلام الشيعة أنفسهم، وهو موضوع هذا البحث.
فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟ الشيعي سعد بن عبد الله القمي، شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها كما ينعته النجاشي، وده متوفى سنة 301، يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وادعى أن عليًا رضي الله عنه أمره بذلك.
ويذكر القمي أن عليًا بلغه ذلك، فأمر بقتله، ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن. كما ينقل عن جماعة من أهل العلم، كما يصفهم ده القمي الشيعي، أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، يعني كان وهو يهودي بيقول إن يوشع بن نون هو وصي موسى، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بمثل ذلك، وأن عليًا هو وصي رسول الله عليه الصلاة والسلام. يعني ده طبعًا تأثر بيهوديته.
وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمنها هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية. ده من كتاب المقالات والفرق، واضح، المقالات والفرق اللي هو مؤلفه مين؟ سعد بن عبد الله القمي، متوفى سنة 301 هجرية.
يقول كل هذا الكلام، وفي الآخر يقول إيه؟ فمنها هنا، ده بقى السبب، فمنها هنا قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية.
ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي، حيث ادعى أنه لم يمت، وقال برجعته، وغلا فيه. هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ.
والقمي مصدره المعرفة بالأخبار، ومعلوماته عندهم مهمة نظرًا لقدم فترته الزمنية، ولأن سعدًا القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد لاقى إمامهم المعصوم في نظرهم الحسن العسكري وسمع منه.
ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ، ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها، والنوبختي ثقة معتمد عندهم.
وعالمهم الكشي يروي ست روايات في ذكر ابن سبأ، وذلك في كتابه المعروف بـ رجال الكشي، والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة، وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله تعالى، الله وتقدس عن ذلك، وأن عليًا استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار.
كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله بن سبأ، وأنه كان يكذب على علي. هو في كتب الشيعة أن هو كان بيكذب على علي، وأنهم كانوا يلعنون ابن سبأ، كقول علي بن الحسين: لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا، ما له لعنه الله، كان علي رضي الله عنه والله عبدًا لله صالحًا، أخو رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته. هذا أيضًا في كتاب رجال الكشي.
ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه مثل ذلك. يبقى أن عليًا هو وصي الرسول. وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمنها هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية. انتهى كلام الكشي.
يعني شاهد من أهلها. هذه مقالة الكشي، وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي، وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم.
ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال. وقام الطوسي، شيخ الطائفة عندهم، بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقًا، حيث اجتمع في تأليفه الكشي، الذي هو عندهم ثقة بصير بالأخبار والرجال، مع الطوسي، وهو صاحب كتابين من صحاحهم الكبار، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول عليها في علم الرجال عندهم.
ثم إن كثيرًا من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة، وهو تنقيح المقال لشيخهم عبد الله المامقاني، المتوفى سنة 1351.
ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهًا أخيرًا لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره. يقول مثلًا محمد حسين الزين: وعلى كل حال فإن الرجل، أي ابن سبأ، كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصًا خياليًا، أما نحن فبحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه.
ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ، هذا كلام الدكتور القفاري، هو تكذيب منهم، وإن لم يصرحوا لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ. ما هو لو قالوا إن ما فيش حاجة اسمها ابن سبأ، شخصية وهمية، يبقى وابن سبأ ذكره موجود في كتبهم المعتمدة، يبقى مع ذلك شيوخهم كانوا يكذبون.
ولذلك في كتاب جيد للدكتور سعدي الهاشمي اسمه الرواة الذين تأثروا بابن سبأ يقول: ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم، وإن لم يصرحوا لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ وكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم، وإن لم يشعروا، أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعًا يوثق به، وإجماعهم لا يعتد به.
هكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي، ورجعته، وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء عقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث، ونسبت لآل البيت زورًا وبهتانًا، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم، لا سيما العجم.
ماذا عن القول الثالث؟ القول الثالث يقول إن نشأة التشيع كان سنة 37 من الهجرة. ومن أشهر القائلين بهذا الرأي صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية رحمه الله، حيث يقول: إن ظهور اسم الشيعة كان عام 37. كما يقول بهذا الرأي وات أو متجومتري وات، حيث يذكر أن بداية الحركة الشيعية هي إحدى أيام سنة 658 تقابل 37 هجريًا.
ويبدو أن هذا القول يربط نشأة التشيع بوقعة صفين، حيث وقعت سنة 37 بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وما صاحبها من أحداث وما أعقبها من آثار.
لكن هذا الرأي لا يعني بداية الأصول الشيعية، حيث إننا لا نجد في أحداث هذه السنة، فيما نقله المؤرخون، من نادى بالوصية أو قال بالرجعة أو دعا إلى أصل من أصول الشيعة المعروفة، كما أن أنصار الإمام علي لا يمكن أن يقال بأنهم على مذهب الشيعة أو على أصل من أصول الشيعة.
وإن كان في أصحاب الإمام علي، كما في أصحاب معاوية، من أعداء الإسلام الذين تظاهروا بالإسلام ليكيدوا له بالباطن ما لا ينكر. وقد كان للسبئية أثر في إشعال الفتنة لا يجحد. لو تذكرون، ذكرنا هذا بالتفصيل في بحث تحقيق مواقف الصحابة من الفتنة، أن مين اللي أشعل نار القتال بين الجيشين؟ هم هؤلاء المتآمرون، ومنهم السبئية، قاتلهم الله، وهم وجدوا قبل ذلك.
يقول: وقد كان للسبئية أثر في إشعال الفتنة لا يجحد، وهم وجدوا قبل ذلك. كما أننا نلحظ أنه بعد حادثة التحكيم، وفي بنود التحكيم، أطلق لفظ الشيعة على الجانبين بلا تخصيص. استعملوا لفظ شيعة علي وشيعة معاوية، ده استعمال لغوي ولا يدل على وجود مذهب فكري.
أما القول الرابع فهو أن التشيع ولد إثر مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه. يقول روتمان، وده من المستشرقين المتخصصين في الفرق ومذاهبها: إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة.
ثم يختم البحث بالرأي المختار، يقول الدكتور القفاري حفظه الله تعالى: عرضنا فيما سبق معظم الآراء في نشأة التشيع، وناقشنا ما يحتاج إلى مناقشة، والذي أرى أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طورًا زمنيًا ومرت بمراحل، ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية، باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن عليًا وصي محمد صلى الله عليه وسلم، كما مر، وهذه عقيدة النص على علي بالإمامة أول من أنشأها ابن سبأ، وهي أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة كما أسلفنا ذكره في تعريف التشيع.
وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرحامه وخلفائه وأقرب الناس إليه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة.
يعني انتبهوا، ليست القضية نظرية المؤامرة، أو عقدة المؤامرة، أو الشعور البارانويدي والاضطهاد، أن دائمًا مؤامرة من اليهود شماعة. لا، في حقيقة واقعة، أن ابن سبأ هو الذي أظهر هذه الأفكار، وأول من ابتدعها، فوضع حجر الأساس لبناء العقيدة الشيعية باعتراف علماء الشيعة أنفسهم.
يقول: كما أن ابن سبأ قال برجعة علي رضي الله عنه، والرجعة من أصول الشيعة كما سيأتي، كما أن ابن سبأ قال بتخصيص علي وأهل البيت بعلوم سرية خاصة، كما أشار إلى ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية في رسالة الإرجاء، توفي سنة 100 هجرية أو 95.
هذه المسألة أصبحت من أصول الاعتقاد عند الشيعة، وقد ثبت في صحيح البخاري ما يدل على أن هذه العقيدة ظهرت في وقت مبكر، أي عقيدة أن عليًا وأهل بيته قد خصوا بعلوم سرية خاصة، فهذه المسألة هناك ما يدل على أنها ظهرت مبكرة، وأن عليًا رضي الله تعالى عنه سئل عنها، وهذا في صحيح البخاري، وقد سئل: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن أو مما ليس عند الناس؟ فنفى ذلك نفيًا قاطعًا. نفى تمامًا أن يكون الله قد خص عليًا وأهل البيت بعلوم سرية دون الناس. ما فيش في الإسلام أسرار. دي مصيبة الشيعة، قاتلهم الله، لما اخترعوا حتة الأسرار دي.
هذه هي أهم الأصول التي تدين بها الشيعة. يقول هنا في الهامش: ينبغي أن يلحظ أن ربط نشأة التشيع بابن سبأ هو في التشيع المتضمن لهذه الأصول الغالية، التشيع الذي فيه مذهب غلو. أما التشيع المتوسط، والذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره ونحو ذلك، فلم يكن هذا من أحداث الزنادقة، بخلاف دعوى النص فيه والعصمة، فإن الذي ابتدع ذلك كان منافقًا زنديقًا، وهو ابن سبأ وعصابته من اليهود والمنافقين والحاقدين والموتورين. إحنا بنتكلم عن المذهب الشيعي بضلالاته وانحرافاته وأصوله الفاسدة، لكن التشيع بالاعتقاد أن عليًا أولى بالإمامة من أبي بكر وعمر، مش هو ده التشيع الذي نقصده هنا، يعني ده له أصل، أنه وجد فعلًا من الناس من مال إلى ذلك، ودون طبعًا أن يتبرأ من الشيخين أو يتطاول عليهما.
نعم، يقول: هذه أهم الأصول التي تدين بها الشيعة، وقد وجدت إثر مقتل عثمان رضي الله عنه وفي عهد علي رضي الله عنه، ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة معروفة، بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي رضي الله تعالى عنه، لأن عليًا نفسه هو الذي أمر بإحراق هؤلاء الذين ادعوا فيه الألوهية. يعني حتى لما هو قعد ينصحهم ويعظهم، فرفضوا وأصروا أن هو الله، فأحرقهم بالنار. فثبتوا على ضلالهم وقالوا: لا يعذب بالنار إلا الله، مش قلنا لك إن أنت ربنا! فعلي أمر بإحراق هؤلاء الذين ادعوا فيه الألوهية.
أما السبابّة الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك، عرف أن ابن السوداء، ابن السوداء أو عبد الله بن سبأ، لما سمعوا أنه بدأ يسب أبا بكر وعمر، طلبه، طارده، وقيل إنه أراد قتله، فهرب منه. يبقى دول مين؟ السبابّة.
أما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فروي عنه أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري. فإذا علي رضي الله عنه تصدى للسبئية الذين اعتقدوا ألوهيته فأحرقهم: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبره، عبده، هو الخادم، يعني كي يشعل النار ويحرق. والسبابّة لما سمع أن ابن سبأ يسب أبا بكر وعمر طارده، وأراد قتله فهرب منه.
طيب، المفضلة بقى، هم يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر بدون سبب، فماذا فعل بهم؟ قال على المنبر رضي الله تعالى عنه: لا أوتى أحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.
يقول: بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي رضي الله تعالى عنه، ولكن ما تلى ذلك من أحداث هيأ جوًا صالحًا لظهور هذه العقائد وتمثلها في جماعة، وذلك كمعركة صفين. ودخلت إلى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع، وتيسر دخولها تحت غطائه، وبمرور الأيام كانت تتسع البدعة ويتعاظم خطرها، حيث قد وجد لابن سبأ خلفاء كثيرون.
ولم يكن استعمال لقب الشيعة في عهد علي رضي الله عنه إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم، ولم يكن يختص إطلاق هذا اللقب بعلي رضي الله عنه. يدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق لفظ اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية رضي الله عنهما.
فإذا كانت الأحداث التي جرت على آل البيت، مقتل علي، ومقتل الحسين، إلى آخره، هي من العوامل المؤثرة للاندفاع إلى التشيع لآل البيت، وكان التعاطف والتأثر لما حل بالآل هو شعور كل مسلم، ولكن قد استغل هذا الأمر من قبل الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر، فدخلوا من هذا المنفذ، وأشاعوا الفرقة في صفوف الأمة، وحققوا بالكيد والحيلة ما عجزوا عنه بالسلاح والسنان، ودخل أتباع الديانات الأخرى والمتآمرون في التشيع، وبدأوا يضعون أصولًا مستوحاة من دينهم ألبسوها ثوب الإسلام، كما سندرس هذا في أصل التشيع.
نكتفي بهذا القدر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
حريٌّ بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
الثلاثاء PM 03:12
2026-04-21 - 38



