ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
كيف نعالج المشكلة ؟
كيف نعالج المشكلة ؟
الشيخ خالد بن عثمان السبت
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمّا بعد:
فالسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
في هذه الليلة، أيها الأحبة، لن يكون الحديثُ عن التدبر كما هو المعتاد، وإنما سأجعل الحديث متصلًا بأمرٍ في غاية الأهمية، نصيحةً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأئمة المسلمين وعامتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الدين النصيحة» ثلاثًا. فلما سُئل عن ذلك ذكر هذه الأمور.
فهذا الذي حدث ويحدث، سواء كان ذلك في آخر الأسبوع الماضي أو قبل ذلك، وكما يقع في بعض بلاد المسلمين من العدوان على الناس في أموالهم وأعراضهم، واستحلال قتلهم وإزهاق أرواحهم وإراقة دمائهم تقربًا إلى الله تبارك وتعالى، فإن مثل هذا الأمر بالغ الخطورة على الدين بالنظر الكلي إلى الدين نفسه، وما يحصل بسبب ذلك من الصد عن سبيل الله بكل ما تحمله هذه الجملة من المعاني.
صدٌّ عن سبيل الله بالنظر إلى غير المسلمين؛ فإنهم حينما يرون ذلك فلن يجدوا تشويهًا للإسلام وصدًّا عنه أبلغ من مثل هذه الأعمال، سواء كان ذلك يقع على المسلمين أو كان يقع على أهل الذمة والمعاهدين أو غير هؤلاء ممن لا يحل قتله. فإن هذا صدٌّ عن سبيل الله، صدٌّ للناس عن الإسلام.
ومهما قال الأعداء عن الإسلام وصوروه بالصور المشوهة ليصدوا الناس عنه، فإن ما يصدر عن بعض المنتسبين إليه من هذه الأعمال القبيحة لا شك أنه أعظم ضررًا وأبلغ أثرًا من أفعال أولئك الكفار وتحريفهم وتشويههم لحقائق الدين.
وهو صدٌّ عن سبيل الله الذي هو الجهاد الصحيح؛ فإن الناس حينما يرون هذه الأفعال تُستر باسم الجهاد والتقرب إلى الله تبارك وتعالى، فلا شك أن هذا يكون صرفًا عن الجهاد وتشويهًا له في نظر الكفار، وكذلك يكون فتنةً لكثير من المسلمين، فقد لا يميزون بين الجهاد الصحيح وبين هذه الانحرافات والضلالات.
وكذلك هو صدٌّ عن سبيل الله بصرف الناس عن التمسك بالدين، وصرف الناس عن البذل والإنفاق تقربًا إلى الله تبارك وتعالى، وهو صدٌّ عن سبيل الله بإعطاء صورة مشوهة عمن ينتسب إلى التدين والصلاح؛ فإن كثيرًا من الناس لا يميز بين المحق والمبطل، لأن أهل الباطل إذا لبسوا عباءة وظهروا بصورة أهل الصلاح، فإن الناس يلتبس عليهم المصلح بالمفسد، وإنما يعرف ذلك من فتح الله عز وجل بصيرته.
وهو صدٌّ عن سبيل الله أيضًا بإشغال الناس عن ذكره وطاعته، والاشتغال بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، فتشتغل القلوب والألسن والعقول بمثل هذه الأعمال والجرائم العظام. وهو صدٌّ عن سبيل الله بنسبة ذلك إلى الشرع المطهر، وأن ذلك مما دل عليه القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شك أنه من الكذب على الله والافتراء على دينه.
كما أن ذلك يكون سببًا لخسارة الإنسان دنياه التي هي مزرعة للأعمال الصالحة، وقد يكون سببًا لخسارته في آخرته. فالأمر ليس بالسهل.
فإذا كان الذنب الذي توعد الله تبارك وتعالى فاعله بالخلود في النار، والذنب الوحيد فيما دون الشرك بالله عز وجل، هو قتل المؤمن:
﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾، انظروا إلى ما رتب عليه من الأحكام العظيمة: ﴿فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾، فذكر الخلود أولًا، وغضب الله عليه، ولعنه، ثم ذكر مأواه ومثواه وهو النار، جهنم وبئس القرار.
فهذا الوعيد بالخلود لم يرد في ذنب من الذنوب فيما عدا الإشراك إلا في القتل، قتل النفوس المعصومة، قتل المؤمن. فهذا، أيها الأحبة، قد يذهب بآخرة الإنسان.
فإذا كان هذا في القتل الذي لم يكن صاحبه مستحلًا له، فكيف إذا كان هذا القتل مع الاستحلال؟ فكيف إذا كان يتقرب إلى الله عز وجل بقتل هذا المؤمن، سواء كان جنديًا أو غير جندي، فإنه لا فرق في نفوس أهل الإيمان، وهذا الوعيد عام.
فإذا كان ذلك عن استحلال فهو أعظم، وإذا كان تقربًا إلى الله فهذا أشد. ولذلك فإن أهل العلم كثر قولهم في توجيه هذه الآية: كيف يكون الخلود لفاعل ذنب دون الإشراك بالله عز وجل؟ فبعضهم يقول: هذا جزاؤه إن جازاه، وبعضهم يقول غير ذلك، ومنهم من يقول بأن ذلك إن كان مستحلًا له. والواقع أنه ليس في الآية ما يدل على الاستحلال، فهي عامة كما ترون، ولا شك أن الاستحلال يكون أعظم.
وهذه الأعمال، أيها الأحبة، قلبت النظر فيها كثيرًا، فلم أر وجهًا واحدًا فيه مصلحة في الدين أو في الدنيا، لا يوجد فيها مصلحة واحدة، إلا ما جاء في قصة الإفك، من قول الله تبارك وتعالى:
﴿لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم﴾.
فوجوه الخيرية في هذه الواقعة: رفع درجات أهل الإيمان ممن وقع عليهم هذا الظلم والبلاء، وانكشاف المنافقين، وتكفير السيئات، ويكون ذلك سبيلًا للتمييز والتمحيص.
والله تبارك وتعالى يقول:
﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.
وهذه الابتلاءات، أيها الأحبة، متنوعة وكثيرة، يحصل بها التمييز بين أهل الحق والباطل، والإيمان والضلال. وهذه الأعمال تكشف عن حال أصحابها، فلا يبقى هناك لبس ولا غموض.
فمن كان عنده شيء من التردد، أن المسألة مجرد اجتهادات أو أخطاء، فإن كل حدث يكشف ويبين عن حال لا تبقي شكًا ولا لبسًا ولا ترددًا في قلب من له أدنى بصيرة.
لربما يسمع الناس الأخبار من بعيد، في بلاد الشام أو غيرها، فيقول قائلون: هذا كلام الخصوم ونحو ذلك، ولكن حينما يبين الإنسان عن نفسه بأفعاله، فإن ذلك يكشف الحقيقة جلية كما هي، من غير غبش ولا لبس.
فهذه الأعمال، إن كان فيها مصلحة للأمة، فهي كشف باطل هؤلاء، هذا هو الوجه الوحيد الذي رأيته في مثل هذه الأفعال، أي ينكشف الباطل وأهل الباطل.
والحديث في هذه القضية، أيها الأحبة، يكون على ناحيتين:
الخطباء بُحت أصواتهم وهم يوردون النصوص من الكتاب والسنة في وعيد من سفك الدماء وقتل النفوس المحرمة، ولكن الواقع أن هؤلاء لا يجدي معهم مثل هذا الخطاب، لأنهم بنوا هذه الأفعال على مقدمة فاسدة، وهي أنهم كفار، ثم بنوا على ذلك حكمًا وهو أن دماءهم حلال، ثم بعد ذلك نفذوا.
فهذه النصوص لا يرون أنها تتوجه إليهم، لأنهم يعتقدون أنهم يقتلون الكفار، لا المسلمين.
إذًا نحتاج مع هؤلاء إلى معالجة هذه المقدمة الفاسدة، ومناقشتها وإبطالها، فهذا هو الأصل؛ لأن فساد التصورات يؤدي إلى فساد الأحكام، ثم إلى انحراف الأفعال.
فالناس، كما قيل، أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم.
أما المعافى من الناس، فيحتاجون إلى التحصين، بأن يُذكَّروا بحرمة الدماء والأعراض، وخطورة التكفير، حتى لا يقعوا في مثل هذه البلايا.
فينبغي أن يكون الخطاب على شقين:
خطاب لمن وقع في الانحراف، وخطاب للأصحاء للتحصين.
وسأورد أسئلة أوجهها إلى هؤلاء الشباب الذين يُغرى بهم باسم الجهاد، فيصير الواحد منهم حربًا على أهله ومجتمعه، وهذه آفة تفسد وتدمر ولا تصلح.
ونحتاج أيضًا إلى خطاب صادق، بعيد عن السباب والعبارات المنفرة، لأن ذلك لا يرد الباطل ولا يعيد الحق.
فالرسالة التي أريد أن أصل إليها: أن هذه الأعمال طريق في غاية الخطورة، وأن الكلام في مسائل التكفير مزلة عظيمة.
فينبغي للإنسان أن يتوقف عن الخوض فيما لا يحسنه، وأن يشتغل بما ينفعه، من حفظ كتاب الله، ودراسة العلم على أهله، والدعوة إلى الله، والعمل الخيري.
فإن النفس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبها بالمعصية.
بل إن اشتغال المرء باللهو المباح، مع كونه مذمومًا، خير من اشتغاله بسفك الدماء وتكفير المسلمين.
بل إن حال الزاني والسارق وشارب الخمر، مع كونها كبائر، خير من حال من يستحل الدماء، لأن هذا أعظم شرًا على الدين والدنيا.
أتوقف عند هذا، وأسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يهدي ضال المسلمين.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
-
الثلاثاء PM 03:50
2026-04-21 - 37



