ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
خاتمة النساء
د / احمد نصير
قال تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (176)
دار الحديث في الخاتمة عن الكلالة ، أي مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ ، أي أي تطرفه، كأنه أخذ طرفيه من جهة الوالد والولد وليس له منهما أحد [1]، والمقصود (من مات وليس له أصل ولا عقب) قال ابن منظور "الكلالة" : (من سقط عنه طَرَفاه وهما أَبوه وولده فصار كَلاًّ وكَلالة أَي عِيالاً على الأَصل)[2] ، فعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ r وَأَنَا مَرِيضٌ فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ أَوْ قَالَ صُبُّوا عَلَيْهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ لَا يَرِثُنِي إِلَّا كَلَالَةٌ فَكَيْفَ الْمِيرَاثُ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ) [3].
فختام السورة بهذه الآية هو عرض لأخر حقوق المستضعفين ، لتكون الخاتمة من جنس المقدمة ، فكما استهلت الحديث عن الضعفاء بذكر اليتامى من النساء ، فإنها اختمت بالحديث عمن يموت وليس له والد ولا ولد يرثه غير أخوته ، لتبين حكم الشرع فيمن تؤول إليه حقوقه ، بهذا يكون الرابط بين بداية السورة ونهايتها ظاهر .
إذ تشير الآية إلى ميراث من لا ولد له ولا والد ، فقد توفى دون أن يكون له وارث من صلبه ولا من أصله ، أي ليس له عقب ، وهذه النهاية للسورة جاءت عكس ما أشارت إليه بدايتها من بث الرجال والنساء وكثرة التناسل والعقب والإيصاء بإيتاء الأموال لليتامى الذين هم عقب لأوليائهم الذين ماتوا ، فإذا كانت بداية السورة قد صورت بداية نشأة الإنسان وتكاثره ، فإن النهاية قد صورت نهاية الإنسان ، ولا عقب له [4] ، وهي نهاية أبلغ للإيصاء بحقوق أخوته سواء أكانوا أشقاء أو من الأب ، باعتبار أن من يورث كلالة هو وجه من أوجه الاستضعاف التي يدور محاور السورة حولها.
يقول د/ فاضل السامورائي (ابتدأت السورة بالإشارة إلى خلق الإنسان وتكاثره ، من بث الرجال والنساء وكثرة التناسل ، وظلت تتحدث عنه فيما يتعلق بأمواله ومواريثه وأسرته ومجتمعه وقضائه وخصوماته...الخ وحضته على الجهاد لحماية المستضعفين ، وألمحت إلى المنافقين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل سواء في دار الإسلام أم من أهل الكتاب حتى اختتمت بمن مات وليس له عقب ، فناسب أن يكون الختام بعد ذكر مراحل الإنسان من ساعة مولده حتى وفاته ، فخصت بالذكر من مات وليس له عقب ولا ذرية)[5] ، هذا من الجهة البلاغية .
ومن الناحية الموضوعية السورة برمتها من أولها لأخرها موضوعها واحد ، ألا وهو حماية حقوق الضعفاء من تغول المنافقين من أهلل الملل سواء كانوا منتسبين إلى الإسلام أو إلى أهل الكتاب ، أي أن تأخير البيان لهذه المسألة إلى آخر السورة لتأكيد تلك العلاقة ، أي أنها مترابطة مع بعضها البعض من أولها إلى آخرها ، وأن موضوعها هو حقوق الضعفاء والأمانات ، وأن هذه الحقوق لكي تحفظ وتضمن ويوفى بها لابد من تقوى الله تعالى ، ولابد من الجهاد في سبيل الله تعالى ، ولابد من إقامة ميزان العدل بين الناس ، وحصر المنافقين والمضيعين لحدود الله تعالى ، فإنه وإن كان هذا العمل الذي هو الإيصاء بحقوق الضعفاء في ظاهره يسير ولا يخالفه أحد ، لكن يحتاج تحقيقه لأعمال كثيرة ، ومفهوم عميق لمعنى الحق وكيفية حفظه وإقامته بالقسط بين الناس .
ومن المناسب –كذلك - مع طول السورة واستطراد الحديث عن محاولات المنافقين والكافرين استضعاف المظلومين بالمكر والخديعة ، وفي المقابل حرص المجاهدين على نصرتهم وأداء الحقوق لهم ، وحصرهم للمنافقين والمضيعين لحدود الله تعالى ، أن يؤجل بيان حكم هذه المسألة ذات الصلة بحقوقهم التي شرعها الله تعالى في المواريث إلى آخر السورة حتى يتعلم المسلمون أن دين الله لا يتجزأ وأحكامه لا تتقطع ، وإنما يجب الإيمان بها بالكلية ، كما هو الشأن في علم المواريث فلو أسقطت منه حكما سقط العلم كله لأنه مبني على "النسبة والتناسب" بنظم قرآني بديع لا يقبل التجزئة أو إسقاط شيء منه وإلا اختلت النسبة المحكمة .
وهكذا كانت رسالة الأنبياء جميعا تكمل بعضها بعضا ، فلا يجوز إسقاط رسالة أو الإيمان بشيء منها دون آخر ، بل لابد لإقامة ميزان العدل بين الناس الحرص علي تطبيق آيات الله تعالى واستقصاء أحكامه أينما وجدت سواء في الكتاب أو السنة - فكلاهما يكمل الآخر ، فالكتاب بيان ، والسنة مبينة لهذا الكتاب ، لأن حاجة الكتاب إلى السنة أحوج من حاجة السنة إلى الكتاب – والواجب كذلك الفهم بأن تطبيق ذلك وإن كان في ظاهره يسير إلا أنه يحتاج لأعمال كثيرة ، بل وجهاد طويل وتنظيم عميق لأركان الدولة ، وتفريد دقيق لرعايا المجتمع والدولة .
وعند التعمق في دلالة أية الكلالة على معاني السورة ومضامينها ، نجد أن النبي r شبه علاقة الأنبياء بعضهم ببعض بالأخوة لأب ، جمعهم أب واحد ، وهو الإسلام ، وفرقتهم شرائعهم ، فلكل أمة شرعة ومنهاجا ، تماما مثل الأخوة لأب أمهاتهم شتى ، يقول النبي r (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [6] ، قال ابن حجر (العَلات الضرائر ، وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها ، وأولاد العلات الأخوة من الأب ، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وأن اختلفت فروع الشرائع)[7] .
إذ يعزى اختلاف الشرائع على النحو السالف ذكره لاختلاف أفهام المخاطبين واستعداداتهم الفطرية وظروفهم البيئية ، ولذلك نلحظ أن شريعة التوراة تشددت مع اليهود لأنهم خالفوا أمر الله ونقضوا الميثاق كثيرا ، بينما شريعة النصارى تخففت من التشريع ، لأن طبيعتهم الغلو في الدين والتنطع ، فكان في التخفيف عليهم حتى لا يشددوا على أنفسهم بالرهبنة .
بينما كانت أمة الإسلام أمة وسطا بين التفريط والغلو ، فكان منهجها يجمع بين اليسر في التشريع والجهاد الذي هو رهبانية هذه الأمة ، فاليسر في الدين دليله قول رسول الله r (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)[8] ، وأما الجهاد فهو رهبانيتها ، لما روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ أَوْصِنِي فَقَالَ سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ قَبْلِكَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ)[9] ، فكان الجمع بين اليسر في التشريع والجهاد في سبيل الله خير ضمان لحقوق الضعفاء والمستضعفين .
كذلك نلحظ تشبيه القرآن الكريم للنبي محمد r بمن يورث كلالة ، إذ ليس ثمة نبي بعده [10]، وإنما يرثه العلماء من بعده ، يقول النبي r (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) [11] ، فكانوا من أخوانه الذين يرثون هذا الدين على الملة الإبراهيمية الحنيفة ، ولذلك عندما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان سوف يتبع شريعة الإسلام ويقف مأموما في الصلاة ، فلا يصلي إمام بالمسلمين من أمة محمد r ، تدليلا منه على أنه أخا للنبي محمد r من أب واحد وهو الإسلام ،وإن اختلفت شريعتهما لاختلاف الزمان ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r يقول: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، قَالَ: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءَ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ" [12] .
ومن جهة أخرى نجد أن السنة مبينة لما في القرآن من أحكام إلا أنها لم تقطع ببيان واضح لمعنى الكلالة ، ولم يرد هذا المعنى لبعض الصحابة منهم عمر بن الخطاب ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ (وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا الْجَدُّ وَالْكَلَالَةُ وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) [13]
ولعل الشارع سبحانه لم يرد أن يقطع بذلك كي يفتح باب الإجتهاد واسعا للعلماء ليستنبطوا أحكام الله تعالى من الكتاب والسنة وفقا للضوابط الأصولية للاجتهاد ، ليكون ذلك لهم بمثابة تدريب على القضاء في كل نازلة مستجدة ومستحدثة ، ولم يكن ذلك منه r عن تقصير في البلاغ ولا غفلة في التشريع ،وإنما تعمد رسول الله r فعل ذلك ، لاسيما مع عمر بن الخطاب .
فعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ r وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنْ الْكَلَالَةِ مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) [14] ، قال النووي (إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحا وتركهم الاستنباط من النصوص ، وقد قال الله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة ، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم)[15].
قوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ..) مضمون الآية ، توجب انتقال إرث من لا أصل له لوفاة والديه ولا عقب فلا ولد له ولا بنت إلى أقرب الأقربين إليه وهم أخوته ذكورا كانوا أم إناث ، وهذه الآية تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، لأنها تفترض انتقال الإرث بالتعصيب عند اجتماع الأخوة الذكور مع الإناث وفقا للقاعدة المعروفة سلفا للذكر مثل حظ الانثيين .
وهذا بخلاف الآية التي تحدث عن ميراث الأخوة بطريق الفرض فقط ، فإنها تخص الأخوة لأم ، وهي قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء/12) ، والأخوة لأم لا يرثون بطريق التعصيب لأنهم ليسوا من العصبات .
فعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ r وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [16] ، قال : فكان له سبع أخوات ، ولم يكن له والد ، ولا ولد »[17]
قوله (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) الفرض الذي تعالجه هذه الآية هو أن المتوفي ليس له عقب ، أي ليس له ولد ذكر ، لأن ذريته هم الذين يحملون اسم الجد ، بينما البنت حينما تتزوج ذريتها تحمل اسم عائلة الزوج ، فيسمى كلالة من هذه الجهة حيث ينقطع ذكره بعد وفاته من جهة النسل ، وكذلك ليس له والد ، لأن الوالد يحجب جميع الأخوة بلا منازع ، مثل الولد الذكر يحجبهم جميعا ، فإذا تحقق هذا الفرض هنا ينظر في حكم ميراثه إلى ستة فروض :-
الفرض الأول : أن يكون له بنت فترث النصف فرضا ، وإن كانتا بنتين أو أكثر فترثا الثلثين فرضا لقوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، وباقي التركة يؤول إلى البنات تعصيبا بالنفس
الفرض الثاني : أن يكون له بنت وأخت ، فترث البنت النصف فرضا وترث الأخت الباقي تعصيبا أي النصف ، وإن كانت بنتين أو أكثر ترثان الثلثين فرضا وترث الأخت أو الأخوات الباقي تعصيبا مع الغير ، والأخت الشقيقة تحجب الأخت لأب .
الفرض الثالث : أن يكون له بنت وأخوة ذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة الذكور باقي التركة تعصيبا بالتساوي بينهم ، والأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب .
الفرض الرابع : أن يكون له بنت وأخوة بنات وذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة والأخوات باقي التركة تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين ، وهنا الأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب ، لأنهم أعلى منهم مرتبة في ترتيب العصبات
الفرض الخامس : أن يكون له أخوات شقيقات وأخوة لأب ، هنا ترثن بطريق الفرض مثل البنت أو البنتين فأكثر مثل نصيبهن ، ويرث الأخوة لأب الباقي تعصيبا .
الفرض السادس : أن يكون له أخوات أشقاء وأخوة أشقاء وأخوة لأب ، هنا يرث الأشقاء بطريق التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويحجب الأخوة لأب .
قوله (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (176) بينت آيات السورة حقيقة الإيمان ، ومفهوم الإحسان فبينت أن العلاقة بين الإيمان والإحسان لابد وأن تكون وثيقة عند أهل التقوى ، بينما تنفصل هذه العلاقة عند المنافقين الذين يعلنون الإيمان ولا يحسنون في معاملاتهم ولا عباداتهم ، ويضيعون حقوق الضعفاء ، فبينت الآيات طريق الحق في ذلك كله ، حيث العدل بين النساء وإعطاء اليتيم حقه والوارثين كذلك حقوقهم سواء أكانوا ذكورا أم إناثا .
فالسورة وإذ تحدثت - من جهة - عما للنساء من حقوق ، فإنها تحدثت – كذلك- عما عليهن من واجبات ، فاسترسلت في النهي عن الفحشاء وبينت عقوبته ورسمت للمسلمين طريق العفة والطهارة في نكاح المسلمات المؤمنات من الحرائر والإماء حتى لا يرتكبوا الفواحش التي يرتكبها أولئك المنافقون .
كما انتقلت لتعرض صورا أخرى من النفاق ، فبينت أن المنافق يغش في التجارة ويأكل مال غيره بالباطل ، ويضيع الأمانات حتى لو كانت تلك الأمانة نفسه التي بين جنبيه
ولما كان للزوجين على بعضهما البعض حقوقا وواجبات ، فكان لزاما إظهارها على سبيل الإجمال حتى يستبين طريق الهدى ، فلا يحيف منافق على أهله ، ولا تنشز امرأة على زوجها .
وعلى وجه العموم حضت الآيات على الإحسان ورتبت مستحقيه ، وهنا ترى المنافق بصفاته يعزف عن ذلك ، فلا يحسن للأصحاب الحقوق عليه وإنما يسئ لأهلها ، حيث الشرك بالله وعقوق الوالدين و هضم حق القريب واليتيم والمسكين والجار وابن السبيل وملك اليمين ،وأكثر الناس بخلا في إيصال الحقوق لأصحابها ، حتى في عبادته لله تعالى لا يعقل منها شيئا ،ولذلك حذرت الآيات من الشرك ، وحضت المؤمنين على التعقل لمعاني العبادات حال أدائها.
والمنافق في ذلك – كله - يقتدي باليهود الذين خانوا أمانة الكتاب وحرفوا وبدلوا وأشركوا بالله تعالى ، فكان نصيبهم اللعن من الله تعالى والعذاب في النار ، لذا تجد المنافق يخون الأمانات كذلك ، ولا يطيع الله تعالى ورسوله ولا ولي أمره ، بل يجادل في أمر الله تعالى وحكم رسول الله تعالى ولا يذعن لهما، ويخشى أن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله فيخاف من الجهاد ، بالرغم من أن الجهاد يجلب له مصلحتين طاعة الله وصلاح دنياه ومعاشه ، وإنما يريد هؤلاء المنافقون أن يجعلوا دينهم عبادة خالية من الجهاد والتعب والمشقة ، طلبا منهم للعيش في الدنيا وكراهية الموت ، وهم بذلك يحيدون عن منهج الله تعالى ، ولا يزيدون المسلمين إلا ضعفا ، فوجبت مخاصمتهم في الله حتى يثبت صدق إيمانهم ، ومع ذلك لا يجوز قتلهم ماداموا يظهرون الإيمان إلا خطأ ، لذا يجب التمييز بين المسلم - حتى لو كان منافقا فإنه معصوم الدم - وبين الكافر غير المسالم فإنه غير معصوم الدم ، فالمنافق متى لم يظهر محاربته للمسلمين فإن له حقوقا على المسلمين وأول هذه الحقوق عصمة دمه .
وقد انتقلت الآيات لتعرض صورة من صور النفاق ليس على مستوى الأفراد فحسب ولكن على مستوى الدول والمجتمعات ، حيث يظهر ظلم الحكام للمحكومين ويؤذونهم في دينهم ، فتؤكد الآيات أن الهجرة والتضحية بالمال والوطن لأجل كلمة الله تعالى علامة من علامات الإيمان ، فليس لآحاد المستضعفين أن يحتج بضعفه في ترك دينه والتخلي عن نصرته ، وإنما يجب السفر والخروج من دار الاضطهاد للجهاد في سبيل الله آخذين بأسباب النصر ، وأولها الصلاة التي هي علامة الإيمان ثم الحذر وأخذ السلاح كأسباب دنيوية فحسب ، وذلك حتى يستقيم الأمر ويطمئن المسلم في دينه ونفسه ليعبد الله تعالى دون أن يؤذيه أعداء الله تعالى ويُحكم المسلمين بشرع الله تعالى ، عندئذ وعندما يحصل لهم النصر ، فليس عليهم أن ينشغلوا بهؤلاء المنافقين لمجادلتهم وإنما علينا الانشغال بكتاب الله تعالى فحسب ، فهذا صراط الله تعالى الحق وهذا هو سبيل المؤمنين ومن يخرج عليه فقد ارتكب لذنب كبير وهو الشرك بالله تعالى ، ذلك أن سبب ضلالهم وشركهم أنهم يتبعون طريق الشيطان الذي حقت عليه اللعنة ، وعذاب الله تعالى في النار ، بينما جزاء الذين اتبعوا صراط الله تعالى الخلود في النعيم .
وقد عادت الآيات مرة أخرى لتبين حقوق الضعفاء وخصت منهم النساء اليتامى اللاتي اجتمع فيهن ضعفين فبينت حقوقهن لا من جهة سلب المنافقين لها ، وإنما من جهة حض المسلمين القيام بحقوقهن ، كذلك عالجت الآيات صورة للشقاق بين الأزواج وما يترتب عليه من الإصلاح أو الطلاق الذي أجازه الحق سبحانه لا باعتباره ظلما للمرأة فيما لو أعرض عنها زوجها أو نشزت عنه امرأته ، فليس في ذلك ضياع لحقوقها إنما هو علاج ناجع في مثل تلك الظروف ، كما أرشدت الآيات المؤمنين بأن يقوموا بحقوق الضعفاء ، ويستقطعوها ولو من أنفسهم ووالديهم وأقربائهم ، فذلك هو الإيمان العملي المسمى بتوحيد الألوهية ، وكذلك أرشدتهم إلى توحيد الله تعالى العقدي الذين يتضمن معنى الإيمان بالغيب ، لتعلن أن من يرتد منهم عن دينه فهو منافق لموالاته للكافرين وتقصيره في حقوق الله تعالى ، طلبا فيما عندهم من عز الدنيا ، وليس عندهم ذلك إنما هو عند الله تعالى ، وتؤكد على وجوب مخاصمتهم في الله تعالى ، فبعضهم أولياء بعض ، كما شددت وبينت صورة من صور ظلم هؤلاء لأنفسهم حال وقوفهم أمام الله تعالى في الصلاة ، فالعبادة حالها مثل حال هؤلاء الضعفاء الذين ظلمهم المنافقون ، لها نصيب – كذلك - من الظلم فتجدهم يضيعون حق الله تعالى في الصلاة ، هذا هو حالهم في الإقبال على الطاعات ، وكذلك هذا هو حالهم عند اقتراف المعصية فتجدهم لا يبالون بالذنب بل يجهرون به ، وتلك هي أشد صور اقتراف المعصية أن يجهر العبد بذنبه ، كما أنهم لا ينظرون للدين باعتباره وحدة ككل ، وإنما يتخيرون منه ما يشتهون لأنفسهم ، ويتركون منه ما لا يشتهون ، فإذا لحق وصف النفاق بالمرء فلا شك أنه بذلك يخرج عن ربقة الإسلام لينزل إلى منزلق الكفر والعياذ بالله.
وقد انتقلت الآيات للحديث عن أهل الكتاب الماديين الذين لا يؤمنوا بالغيب وقد رفضوا أخذ الكتاب إلا بالقوة والجبر ورفضوا الإذعان لأمر الله تعالى فعدوا في قصة السبت ، ونقضوا الميثاق وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله ، وآخرون ألهوا المسيح وزعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالظلم والباطل فكان جزاؤهم أن حرمهم الله تعالى من الطيبات في الدنيا وووعدهم بالعذاب في الآخرة .
واستثنت من أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل الله تعالى ورسخوا في العلم فأولئك لهم جزاء عظيم عند الله تعالى من الحسنات ، فهم الذين اتبعوا سنن المؤمنين من أنبياء الله تعالى من أول نوح عليه السلام والذين جاءوا من بعده .
أما الكافرون الظالمون الذين ضلوا فليس لهم طريق في الآخرة إلا جهنم والعياذ بالله ، وذلك لمغالاتهم في دين الله تعالى وتأليه المسيح الذي يتبرأ منهم في الآخرة ، فلم يبق لهم إلا سبيل واحد للنجاة وهو طريق المؤمنين فحسب الذين تمسكوا بدينهم دون تفريط أو تقصير في حق الله تعالى كما فعل اليهود و المنافقين ولا إفراط أو مغالاة كما فعل النصاري ، وإنما اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .
ثم اختتمت السورة بعرض أخر حقوق المستضعفين ، فضربت لذلك مثلا بمن يتوفى وليس له والد ولا ولد يرثه ، وقد تساءل الناس إلى من تؤول حقوقه ؟ فأجابت بأنها تؤول لإخوته ، هذا هو ما فرضه الله تعالى علينا حتى لا نضل في حساب أي حق لقريب أو بعيد ، رجل أو امرأة ، مسلم أو منافق .
بهذا نلحظ أن الخاتمة جاءت من جنس المقدمة ليكون موضوع السورة واحد وهو بيان حقوق الضعفاء خاصة الضعيفين اليتيم والمرأة كما في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) [18]، أي تحقيق معنى التقوى بصلة الأرحام وإيتاء الحقوق للمستضعفين ، ولأجل ذلك كله كان استبان الترابط بين موضوع السورة الرئيسي حقوق الضعفاء ، وغرضها بكشف المنافقين للمؤمنين ، وكشفهم أمام أنفسهم لعلهم يتوبون .
[1] ) الصحاح تاج اللغة ج5 ص 1811 ، الجوهري :الصحاح في اللغة ج2 ص 122 ، تاج العروس ج1 ص 7485 ،
[2] ) ، لسان العرب ج11 ص 590
[3] ) رواه البخاري ج17 ص 428 رقم 5244
[4] ) د فاضل السمرائي برنامج لمسات بيانية في القرآن الكريم : https://www.youtube.com/watch?v=p0qq-uy1m8I
[5] ) د فاضل السمرائي برنامج لمسات بيانية في القرآن الكريم : https://www.youtube.com/watch?v=p0qq-uy1m8I
[6] ) رواه البخاري ج11 ص 260 رقم 3187
[7] ) فتح الباري ج6 ص 489
[8] ) رواه البخاري ج1 ص 69 رقم 38
[9] ) رواه أحمد في مسنده ج23 ص 394 رقم 11349 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 2 ص 54 رقم 555
[10] ) هذه الخاطرة ليست من بنات أفكاري ، ولكنني سمعتها من شيخ ولم أتذكر اسمه ، ولم اتمكن من البحث عنه
[11] ) رواه أبو داود ج10 ص 49 رقم 3641 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 141 رقم 3157 وصحيح ابن ماجة ج1 ص 43 رقم 182 / 219
[12] ) رواه مسلم ج1 ص 373 رقم 225
[13]) رواه البخاري ج17 ص 296 رقم 5160
[14] ) رواه مسلم ج8 ص 344 رقم 3035
[15] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 57
[16] ) رواه مسلم ج8 ص 340 رقم 3031
[17] ) مشكل الآثار للطحاوي ج11 ص 384 رقم 4555
[18] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 74 رقم 3668
-
الاربعاء PM 03:13
2026-02-04 - 163



